وَتَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ، وَخِدْمَةِ عَبْدٍ، وَتَزْويجِ امْرَأةٍ.
2151 - مسألة: (ويجوزُ إجارَةُ دارٍ بِسُكْنَى دارٍ، وخِدْمةِ عَبْدٍ، وتَزْويجِ امرأةٍ)
وجُملةُ ذلك، أنَّ كل ما جازَ أن يكون ثَمَنًا في البَيعِ، جاز عِوَضًا في الإجارَةِ؛ لأنه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَه البَيعَ.
فعلى هذا، يَجُوزُ أن يَكُونَ العِوَضُ عَينًا أو مَنْفَعَةً أُخْرَى، سَواءٌ كان الجِنْسُ واحدًا، كمَنْفَعةِ دارٍ بمَنْفَعةِ أُخْرَى.
أو مخْتَلِفًا، كمَنْفَعةِ دارٍ بمَنْفَعةِ عَبْدٍ.
قال أحمدُ: لا بَأسَ أن يَكْتَرِيَ بطَعَام مَوْصُوفٍ مَعْلُوم.
وبه قال الشافعيُّ.
قال اللهُ تعالى إخْبًارًا عن شُعَيب، أَنه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 1. فجَعَلَ النِّكاحَ عِوَضَ الإجارَةِ.
وقال أبو حنيفةَ فيما حُكِيَ عنه: لا تَجُوزُ إجارَةُ دارٍ بسُكْنَى أخْرَى، ولا يَجُوزُ إلَّا أن يَخْتَلِفَ جِنْسُ المَنْفَعةِ، كَسُكْنَى دارٍ بمَنْفَعةِ بَهِيمةٍ؛ لأنَّ الجِنْس الواحِدَ عندَه يُحَرَّمُ النَّساءُ فيه.
وكره الثَّوْرِيُّ الإجارَةَ بطَعام مَوْصُوفٍ.
والصَّحِيحُ جِوازُه، وهو قولُ إسحاقَ، وأصحابِ الرَّأي، وقياسُ قوْلِ الشافعيِّ؛ لأنه عِوَضٌ يَجُوزُ في البَيعِ، فجازَ في الإجارَةِ، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ.
وما قاله أبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المنافِعَ في الإجارَةِ ليست في تَقْدِيرِ النَّسِيئةِ، ولو كانت نَسِيئةً ما جاز في جِنْسَينِ؛ لأنَّه يكونُ بَيعَ دَين بِدَين.
وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْحَلْي بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ.
2152 - مسألة: (وتَجُوزُ إجَارَةُ الحَلْي بأُجْرةٍ مِن جِنْسِه. وقيلَ: لا تَصحُّ) تجوزُ إجارَةُ الحَلْي [للُّبْسِ والعارِيَّةِ] 1 نصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ ابْنِه عبدِ اللهِ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال في إجارَةِ الحَلْي: ما أدْرِي ما هو؟ قال القاضِي: هذا مَحْمُول على إجارَته بأُجْرةٍ مِن جِنْسِه، فأمّا بغيرِ جنْسِه، فلا بَأسَ؛ لتَصْرِيحِ أحمدَ بجَوازِه. وقال مالكٌ في إجارَةِ الحَلْي والثيابِ: هو مِن المُشْتَبِهاتِ. ولعَلَّه يَذْهَبُ إلى أنَّ المَقْصُودَ بذلك الزينَةُ، وليس ذلك مِن المَقاصِدِ الأصْلِيَّةِ. ومَن مَنَع ذلك بأجْرٍ مِن جِنْسِه، احْتَجَّ بأنَّها تَحْتَكُّ بالاسْتِعْمالِ، فيَذْهَبُ منه أجْزاء وإن كانت يَسِيرَةً، فيَحْصُلُ الأجْرُ في مُقابَلَتِها ومُقابَلَةِ الانْتِفاعِ بها، فيُفْضِي إلى بَيع ذَهَبٍ بذَهَبٍ وشيءٍ آخَرَ. ولَنا، أنَّها عَين يُنْتَفَعُ بها مَنْفَعَةً مُباحَة مَقْصُودَة مع بَقاءِ عَينها، فأشْبَهَتْ سائِرَ ما يَجُوزُ إجارَتُه. والزِّينَةُ مِن المقاصِدِ الأصْلِيَّةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى امْتَنَّ بها علينا بقَوْلِه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ 2. وقولِه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ 3. وأباح الله تَعالى
..................................
مِن التَّحَلِّي واللِّباسِ للنِّساءِ 1 ما حَرَّمَ على الرِّجَالِ؛ لحاجَتِهِنَّ إلى التَّزَيُّنِ للأزْواجِ، وأسْقَطَ الزَّكاةَ عن حَلْيِهِنَّ مَعُونَةً لَهُنَّ على اقْتِنائِه.
وما ذَكَرُوه مِن نَقْصِها بالاحْتِكاكِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ ذلك يَسير لا يُقابَلُ بعِوَض، ولا يَكادُ يَظْهَرُ في وَزْنٍ، ولو ظهر، فالأجْرُ في مُقابَلَةِ الانْتِفاعِ، لا في مقابَلَةِ الأجْزاءِ؛ لأنَّ الأجْرَ في الإجارَةِ إنَّما هو عِوَضُ المَنْفَعَةِ، كما في سائِرِ المواضِعِ، ولو كان في مُقابَلَةِ الجُزْءِ الذّاهِبِ، لَما جازَ إجارَةُ أحَدِ النَّقْدَين بالآخَرِ؛ لإِفْضائِه إلى التَّفْرُّقِ في مُعاوَضَةِ أحَدِهما بالآخَرِ قبل القَبْضِ.
فصل: ولو استأجَرَ مَن يَسْلُخُ له بَهِيمةً بجِلْدِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ هل يَخْرُجُ الجِلْدُ سَلِيمًا أوْ لا؟ وهل هو ثَخِينٌ أوْ رَقِيق؟ ولأنَّه لا يَجُوزُ أن يكون عِوَضًا في البَيعِ، فلا يَجُوزُ أن يكونَ عِوَضًا في الإِجارَةِ، كسائِرِ المَجْهُولاتِ.
فإن سَلَخَه بذلك، فله أجْرُ مِثْلِه.
وإنِ استَأجَرَه لطَرْحِ مَيتَةٍ بجِلْدِها، فهو أْبلَغُ في الفَسادِ؛ لأنَّ جِلْدَ المَيتَةِ نَجِسٌ لا يجوزُ بَيعُه، وقد خَرَج بمَوْتِه عن كَوْنِه مِلْكًا، وله أجْرُ مِثْلِه إن فَعَل.
فصل: ولو استأجَرَ راعِيًا لغَنم بثُلَثِ دَرِّها وصُوفِها وشَعَرِها
..................................
ونَسْلِها، أو نِصْفِه أو جَمِيعِه، لم يَجُزْ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفَرِ 1 بن محمدٍ النَّسائيِّ؛ لأنَّ الأجْرَ غيرُ مَعْلُوم، ولا يَصْلُحُ عِوضًا في البيعِ.
قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يَدْفَعُ البَقَرَةَ إلى الرجلِ على أن يَعْلِفَها ويَحْفَظَها، ووَلَدُها بينهما.
فقال: أكْرَه ذلك.
وبه قال أبو أيُّوبَ وأبو خَيثَمَةَ.
ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ العِوَضَ مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ لا يُدْرَى أيوجَدُ أمْ لا، والأصْلُ عَدَمُه، ولا يَصْلُحُ أن يَكُونَ ثَمَنًا.
فإن قيل: فقد جَوَّزْتُم دَفْعَ الدّابَّةِ إلى مَن يَعْمَلُ عليها بنِصْفِ مَغَلِّها 2. قلنا: إنَّما جازَ ثَمَّ تَشْبِيهًا بالمُضارَبةِ، ولأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ، فجازَ اشْتِراطُ جُزْء مِن النَّماءِ، كالمُضارَبَةِ والمُساقاةِ.
وفي مَسألَتِنا لا يُمْكِنُ ذلك؛ لأنَّ النَّماءَ الحاصِلَ في الغَنَمِ لا يَقِفُ حُصُولُه على عَمَلِه فيها، فلم يُمْكِنْ إلْحاقُه بذلك.
وذَكَر صاحِبُ المُحَرَّرِ روايةً أخرى: أنَّه يَجُوزُ، بِنَاءً على ما إذا دَفَع دابتَّهَ أو عَبْدَه بجُزْءٍ مِن كَسْبِه.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ.
وعِلى قِياسِ ذلك، إذا دَفَعَ نَحْلَهُ إلى مَن يَقُومُ عليه بجُزْءٍ مِن عَسَلِه وشَمْعِه، يُخرَّجُ على الرِّوايَتَين.
فإنِ اكْتَراه على رَعْيِها مُدَّةً مَعْلُومةً بجُزْءٍ مَعْلُومٍ منها، صَحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ والمُدَّةَ والأجْرَ مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو جَعَل الأجْرَ دَراهِمَ، ويَكُونُ النَّماءُ الحاصِلُ بينهما بحُكْمِ المِلْكِ؛ لأنَّه مَلَكَ الجُزْءَ المَجْعُولَ له منها في الحالِ، فكان له نَماؤه، كما لو اشْتَراه.
وَإنْ قَال: إنْ خِطْتَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
2153 - مسألة: (وإن قال: إن خِطْتَ هذا الثوْبَ اليومَ فلَكَ دِرْهَم، وإن خِطتَه غَدًا فلك نِصْفُ دِرْهَم. فهل يَصِحُّ؟ على رِوايَتَين)
إحداهما، لا يَصِحُّ، وله أجْرُ المِثْلِ، نَقَلَها أبو الحارِثِ عن أحمدَ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ اخْتَلَفَ فيه العِوَضُ بالتَّقْدِيمِ والتَّأخِيرِ، فلم يَصِحَّ.
كما لو قال: بِعْتُكَ بدِرْهمٍ نَقْدًا وبدِرْهَمَين نَسِيئةً.
والثانيةُ، يَصِحُّ.
وهو قولُ الحارِثِ العُكْلِيِّ، وأبي يوسف، ومحمدٍ؛ لأنَّه سَمَّى لكلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فصَحَّ.
كما لو قال: كُلُّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن خاطَه اليومَ فله دِرْهَم، وإن خاطَه غدًا لم يَزِدْ على دِرْهَم 1، ولا 2 يَنْقُصُ عن نِصْفِ دِرْهم؛ لأنَّ المُؤْجِرَ قد جَعَل له نِصْفَ دِرْهَم، فلا يَنْقُصُ، منه.
وقد رَضِيَ في أكْثَرِ العَمَلِ بدِرْهم فلا يُزَادُ عليه.
وهذا لا يَصِحُّ، لأنَّه إن صَحَّ العَقْدُ، فله المُسَمَّى، وإن فَسَد فوُجُودُه كعَدَمِه، فيَجِبُ أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ.
وَإنْ قَال: إنْ خِطتَهُ رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَم، وَإنْ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَم.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
2154 - مسألة: (وإن قال: إن خِطْتَه رُومِيًّا فلك دِرْهَم، وإن خِطْتَه فارِسيًّا فلك نِصْف درهمٍ)
فهل يَصِحُّ؟ (على وَجْهَين) بِناءً على التي قبلَها، والخِلافُ فيها كالتي قبلَها، إلَّا أن أبا حنيفةَ وافَقَ صاحِبَيهِ في الصِّحَّةِ هاهُنا.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، لم يتَعَيَّنْ فيه العِوَضُ ولا المُعَوَّضُ، فلم يَصِحَّ.
كما لو قال: بِعْتُكَ هذا بدِرْهم أو: هذا بدِرْهَمَينِ.
وفارَقَ هذا كلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، مِن وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ العَمَلَ الثانِي يَنْضَم إلى العَمَلِ الأوَّلِ، ولكلِّ واحدٍ منهما عِوَضٌ مُقَدَّرٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم.
وهاهُنا الخِياطَةُ
..................................
واحدةٌ، شَرَط فيها عِوَضًا إن وُجِدَتْ على صِفَةٍ، وعِوَضًا آخَرَ 1 إن وُجِدَتْ على أخْرَى، أشْبَهَ ما لو باعَه بعَشَرَةٍ صِحَاحٍ أو أحَدَ عَشَرَ مُكَسَّرةً.
والثاني، أنَّه وَقَف الإِجارَةَ على شَرْطٍ بقَوْلِه: إن خِطْتَه كذا، فلك كذا وإن خِطْتَه كذا فلك كذا، بخِلافِ قَوْلِه: كلُّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ.
فصل: نَقَل مُهَنَّا عن أحمدَ، في مَن اسْتأجَرَ مِن حَمّالٍ 2 إلى مِصْرَ بأرْبَعِين دِينارًا، فإن نَزَل دِمَشْقَ، فكِراؤه ثَلاُثون، فإن نَزَل الرَّقَّةِ، فكِرَاؤه عِشْرُون.
فقال: إذا اكْتَرَى إلى الرَّقَّةَ بعِشْرِينَ 3، واكْتَرَى إلى دِمَشْقَ بعَشَرَةٍ، وإلى مِصْرَ بعَشَرَةٍ، جازَ، ولم يَكُنْ للحَمّالِ 4 أن يَرْجِعَ.
فظاهِرُ هذا، أنَّه لم يَحْكُمْ بصِحَّةِ العَقْدِ الأوَّلِ؛ لأنَّه في مَعْنَى
وَإنْ أكْرَاهُ دَابَّةً، وَقَال: إنْ رَدَدْتَهَا الْيَوْمَ فَكِرَاؤهَا خَمْسَةٌ، وَإنْ رَدَدْتَهَا غَدًا فَكِرَاؤهَا عَشَرَةٌ.
فَقَال أحْمَدُ: لَا بَأسَ بِهِ.
وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الأوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ؛ لكَوْنِه خَيَّرَه بينَ ثلاثةِ عُقُودٍ.
ويَتَخَرَّج فيه أن يَصِحَّ، بِنَاءً على المَسْألتَين قبلَ هذا.
ونُقِلَ عن أحمدَ في رَجُلٍ اسْتأجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ له كِتابًا إلى الكُوفَةِ، وقال: إن أوصَلْتَ الكتابَ يومَ كذا، فلك عِشْرُون، وإن تَأخرْتَ بعدَ ذلك بيوم فلك عَشَرَة.
فالإجارَةُ فاسِدَة، وله أجْرُ مِثْلِه، وهذا مثلُ الذي قبله.
2155 -
مسألة: (وإن أكْراه دابَّةً، وقال: إن رَدَدْتَها اليومَ فكِراؤها خَمْسة، وإن رَدَدْتَها غدًا فكِراؤها عَشَرَة. فقال أحمدُ: لا بَأسَ به. وقال القاضِي: تَصِحُّ في اليومِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي)
فنَقَلَ عبدُ اللهِ في مَن اكْتَرَى دابةً، وقال: إن رَدَدْتَها غدًا فكِراؤها عَشَرَة، وإن رَدَدْتَها
وإنْ أكْرَاهُ دَابةً عَشَرَةَ أيام بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْم دِرْهَم، فَقَال أحْمَدُ: هُوَ جَائِزٌ.
وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ فِي الْعَشَرَة وَحْدَهَا.
اليومَ فكِراؤها خَمْسَة.
لا بَأسَ به.
وهذه الرِّوايةُ تَدُلُّ على صِحَّةِ الإجارَةِ.
والظّاهِرُ عن أحمدَ برِوايةِ الجَماعَةِ فيما ذَكَرْنا فَسادُ العَقْدِ، على قِياسِ بَيعَتَينِ في بَيعةٍ.
وقال القاضِي: يَصِحُّ في اليومِ الأولِ دُونَ الثّانِي.
وقِياسُ حَدِيثِ على والأنصارِيِّ صِحَّتُه؛ فإن عَلِيًّا آجَرَ نَفْسَهُ ليَهُودِي يَسْتَقِي له كلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ (1)، وكذلك الأنْصارِي (2)، وسَنَذْكُرُ ذلك.
2156 -
مسألة: (وإن أكْراه دابَّةً عَشَرَةَ أيام بعَشَرَةِ دَراهِمَ، فما زادَ فله بكلِّ يوم دِرْهَمٌ، فقال أحمدُ)
في رِوايةِ أبي الحارِثِ (هو جائِزٌ)12
..................................
ونَقَل ابنُ منصورٍ عنه في مَن اكْتَرَى دابَّةً مِن مَكةَ إلى جُدَّةَ بكذا، فإن ذَهَب إلى عَرَفاتٍ بكذا.
فلا بَأسَ.
ونَقَل عبدُ اللهِ عنه، لو قال: أكْرَيتُكَها 1 بعَشَرَةٍ.
فما حَبَسَها فعليه في كلِّ يوم عَشَرَة، أنَّه يَجُوزُ.
وهذه الرِّواياتُ تَدُلُّ على أن مَذْهَبَه، أنَّه متى قَدَّرَ لكلِّ عَمَل مَعْلُوم أجْرًا مَعْلُومًا، صَح.
وتَأوَّلَ القاضِي هذا كُلَّه، على أنه يَصِح في الأوَّلِ ويَفْسُدُ في الثانِي؛ لأنَّ مُدَّتَه غيرُ مَعْلُومةٍ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ فيه، كما لو قال: اسْتَأجَرْتُكَ لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ بدِرْهَم، وما زادَ فبِحِسابِ ذلك.
قال شيخُنا 2: والظّاهِرُ عن أحمدَ خِلافُ هذا، فإنَّ قَوْلَه: فهو جائِزٌ.
عادَ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ 3 قبلَه، وكذلك قولُه: لا بَأسَ.
ولأنَّ لكلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فَصَحَّ، كما لو اسْتَقَى له كل دَلْو بتَمْرَةٍ، وقد ثَبَت الأصْلُ بالخَبَرِ الوارِدِ فيه [على ما نَذْكُرُه] 4. ومَسائِلُ الصُّبْرَةِ لا نَصَّ فيها عن الإمامِ، وقِياسُ نُصُوصِه صِحَّةُ الإجارَةِ، وإن سُلِّمَ فَسادُها؛ فلأنَّ القُفْزانَ التي شَرَطَ حَمْلَها 5 غيرُ مَعْلُومةٍ بتَعْيِينٍ ولا صِفَةٍ، وهي مُخْتَلِفةٌ، فلم يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لجَهالتِها، بخِلافِ الأيامِ، فإنَّها مَعْلُومة.
وَنَصَّ أحْمَدُ عَلَى أنَّهُ لَا يَجُوزُ أن يَكْتَرِيَ لِمُدَّةِ غَزَاتِهِ.
2157 - مسألة: (ونَصَّ أحمدُ على أنَّه لا يَجُوزُ أن يَكْتَرِيَ لمُدَّةِ غَزاتِه)
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم، الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
وقال مالكٌ: قد عُرِفَ وَجْهُ ذلك، وأرْجُو أن يَكُونَ خَفِيفًا.
ولنا، أنَّ المُدَّةَ مَجْهُولةٌ والعَمَلَ مَجْهُولٌ، فلم يَجُزْ، كما لو اكْتَراها لمُدَّةِ سَفَرِه في تِجارَتِه، ولأنَّ مُدَّةَ الغَزِاةِ تَطُولُ وتَقْصُرُ، ولا حَدَّ لها تُعْرَفُ به، والعَمَلُ فيها يَقِلُّ ويَكْثُرُ، ونهايةُ سَفرِهم تَقْرُبُ وتَبْعُدُ، فلم يَجُزِ التَّقْدِيرُ بها، كغَيرِها مِن الأسْفارِ المَجْهُولَةِ.
فإن فعل ذلك فله أجْرُ المِثْلِ، كالإِجاراتِ الفاسِدَةِ.
وَإنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْم شَيئًا مَعْلُومًا، فَجَائِزٌ.
وَإنْ أكْرَاهُ كُلَّ شَهْرٍ بدرْهَم، أوْ كُلَّ دَلْو بتَمْرَةٍ، فَالْمَنْصُوصُ أنهُ يَصِحُّ، وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ لَزِمَهُمَا حُكْمُ الْإجَارَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ
2158 - مسألة: (وإن سَمَّى لكل يوم شَيئًا مَعْلُومًا، فجائِزٌ)
وقال الشافعي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإجارَةِ مَجْهُولةٌ.
ولنا، أن عَلِيًّا، رَضِيَ الله عنه، أجَر نَفْسَه كُلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، وكذلك الأنْصارِيُّ، فلم يُنْكِرْه النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). ولأنَّ كلَّ يَوْم مَعْلُومٌ مُدَّتُه وأجْرُه، فصَحَّ، كما لو أجَرَه شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ بدِرْهم، أو اسْتَأجَرَه لنَقْلِ صُبْرَةٍ مَعْلُومَةٍ كُلَّ قَفِيز بدِرْهَمٍ إذا ثَبَت هذا، فلا بُدَّ مِن تَعْيِينِ ما يَسْتَأجرُ له، مِن رُكُوبٍ، أو حَمْلٍ مَعْلُوم (2). ويَسْتَحِقُّ الأجْرَ المُسَمَّى لكلِّ يوم، سواء أقامَتْ أو سارَتْ؛ لأنَّ المنافِعَ ذَهَبت في مُدَّتِه، أشبَهَ ما لو اكْتَرَى دارًا وغَلَقها ولم يَسْكُنها.
2159 -
مسألة: (وإن أكْراه كلَّ شَهْرٍ بدِرْهَم، أو كلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، فالمنْصُوصُ)
عن أحمدَ (أنَّه يَصِحُّ، وكلَّما دَخَل شَهْرٌ لَزِمَهما12
مِنْهُمَا الْفَسْخُ عِنْدَ تَقَضِّي كُلِّ شَهْر.
وَقَال أبو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ.
حُكْمُ الإجارَةِ، ولكلِّ واحدٍ منهما الفَسْخُ عندَ تَقَضِّي كلِّ شَهْر.
وقال أبو بكرٍ، وابنُ حامِدٍ: لا يَصِحُّ) اخْتَلَفَ أصحابُنا في ذلك، فقال القاضِي: يَصِحُّ.
ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وهو اخْتِيارُ
..................................
الخِرَقِيِّ.
[إلَّا أنَّ] 1 الشَّهْرَ الأوَّلَ تَلْزَمُ الإجارَةُ فيه بإطْلاقِ العَقْدِ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ يَلي العَقْدَ، وأجْرُه مَعْلُومٌ، وما بعدَه مِن الشُّهُورِ يَلْزَمُ العَقْدُ فيه بالتَّلبُّسِ به، وهو السُّكْنَى في الدّارِ، إن أجَرَه دارًا؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حال العَقْدِ، فإذا تَلَبَّسَ به، تَعَيَّنَ بالدُّخُولِ 2 فيه، فصَحَّ بالعَقْدِ الأولِ.
وإن لم يتَلبَّسْ به، أو فَسَخ العَقْدَ عندَ انْقِضاء الأولِ، انْفَسَخَ، وكذلك حُكْمُ كلِّ شَهْرٍ يَأتِي.
وهذا مَذْهَبُ أبي ثَوْرٍ، وأصَحاب الرأي.
وحُكِيَ عن مالكٍ نحوُ هذا.
إلَّا أنَّ الإِجارَةَ لا تَكُونُ لازِمَةً عندَه؛ لأنَّ المنافِعَ مُقَدَّرَةٌ بتَقْدِيرِ الأجْرِ، فلا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ المُدَّةِ إلَّا في اللُّزُوم.
واختار أبو بكرٍ عبدُ العزيز، و [أبو عبدِ الله] 3 بنُ حامِدٍ، وابنُ عَقِيلٍ، أنَّ العَقْدَ لا يَصِحُّ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والصَّحيحُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ «كلَّ» اسمٌ للعَدَدِ، فإذا لم يُقَدِّرْه كان مُبْهَمًا 4 مَجْهُولًا، فيَكُونُ فاسِدًا، كقَوْلِه: أجَرْتُكَ أشْهُرًا.
وحَمَل 5 أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ كَلامَ أحمدَ على أنَّه وَقَع على أشْهُر مُعَيَّنةٍ.
وَوَجْهُ الأولِ،
..................................
أنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ الله عنه، اسْتَقَى لرَجُلٍ مِن اليَهُودِ كلَّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وجاء به إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأكَلَ منه.
قال عَليٌّ 1: كُنْتُ أدْلُو الدَّلْوَ بتَمْرَةٍ وأشْتَرِطُها جَلْدَةً.
وعن رَجُلٍ مِن الأنصارِ أَنه قال ليَهُودِيّ: أسْقِي نَخْلَكَ؟ قال: نعم، كل دَلْو بتَمْرةٍ.
واشْتَرَط الأنصاريُّ أن لا يَأخُذَها خَدِرَةً 2 ولا تارِزَةً 3 ولا حَشَفةً 4، ولا يَأخُذُ إلا جَلْدَةً.
فاسْتَقَى بنَحْو مِن صاعَين، فجاء به إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. رواهما ابنُ ماجه [في «سُنَنِه»] 5. وهو نظيرُ مسألةِ إجارَةِ الدّارِ، ونَصَّ في المسألةِ الأخرى.
ولأنَّ شُرُوعَه في كلِّ شَهْر مع ما تَقَدَّمَ 6 مِن الاتِّفاقِ على تَقْدِيرِ أجْرِه والرِّضا ببَذْلِه به، جَرَى مَجْرَى ابْتداءِ العَقد عليه، وصار كالبَيعِ بالمُعاطاةِ، إذا وَجَد مِن المُسَاوَمةِ ما دَلَّ على التَّراضِي بها.
فعلى هذا، مَتَى تَرَكَ التَّلبسَ به في شَهْر، لم تَلْزَمِ الإجارَةُ فيه؛ لعَدَم العَقْدِ.
وكذلك إن فَسَخ، وليس بفَسْخٍ في الحَقِيقةِ؛ لأنَّ العَقْدَ الثاني ما ثَبَت.
والقِياسُ يَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ؛ لأنَّ العَقْدَ تَناوَلَ جَمِيعَ الأشْهُرِ، وذلك مَجْهُولٌ.
ثم لا وَجْهَ
..................................
لاعْتِبارِ الشُّرُوعِ في الشهْرِ الذي يلي الأولَ، مع كَوْنِ الشُّهُورِ كلِّها داخِلةً في اللَّفْظِ.
فأمّا أبو حنيفةَ فَذَهَب إلى أنَّهما إذا تَلبَّسا بالشهْرِ الثاني، فقد اتَّصَلَ القَبْضُ بالعَقْدِ الفاسِدِ.
قال شيخُنا 1: ولا يَصِحُّ هذا العُذْرُ؛ لأن العَقْدَ الفاسِدَ في الأعْيانِ لا يَلْزَمُ بالقَبْضِ، ولا يُضْمَنُ بالمُسَمَّى، ثم لم يَحْصُلِ القَبْضُ هاهُنا إلَّا فيما 2 اسْتَوْفاهُ.
وقولُ مالكٍ لا يَصِحُّ؛ لأن الإجارَةَ مِن العُقُودِ اللازِمَةِ، فلا يَجُوزُ أن تَكُونَ جائِزَةً.
فصل: إذا قال: أجَرْتُكَ دارِي عِشْرِينَ شَهْرا، كلَّ شَهْر بدِرْهَم، جازَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه 3؛ لأنَّ المُدةَ مَعْلُومَة والأجْرَ مَعْلُومٌ، وليس لواحِدٍ منهما فَسْخٌ بحالٍ؛ لأنها مُدَّة 4 واحِدَة، فأشْبَهَ ما لو قال: أجَرْتُكَ عِشْرِين شهرًا بعِشْرِين دِرْهمًا.
فإن قال: أجَرْتُكَها شَهْرًا بدِرْهَم، وما زاد فبِحِسَاب ذلك.
صَحَّ في الشَّهْرِ الأولِ؛ لأنَّه أفْرَدَه بالعَقْدِ، وبَطَل في الزّائِدِ؛ لأَنَّه مَجْهُول.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ في كل شَهْر تَلَبَّسَ به، كما لو قال: أجَرْتُكَها كلَّ شهر بدِرْهَم؛ لأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.
ولو قال: أجَرْتُكَها هذا الشَّهْرَ بدِرْهَم، وكلَّ شَهْر بعدَ ذلك بدِرْهَم أو بدِرْهَمَين.
صَحَّ في الأولِ، وفيما بعدَه وَجْهان؛ لِما ذَكَرْنا.
..................................
فصل في مَسائِلِ الصُّبْرَةِ: وفيها عَشْرُ مَسائِلَ؛ أحدُها، أن يَقولَ: اسْتَأجَرْتُكَ لحَمْلِ هذه الصُّبْرَةِ إلى مِصْرَ بعَشَرةٍ.
فهي صَحِيحَة بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الصُّبْرَةَ مَعْلُومَة بالمُشاهَدَةِ، فجاز الاسْتِئْجارُ عليها، كما لو عَلِم كَيلَها.
الثانيةُ، قال: اسْتَأجَرْتُكَ لتَحْمِلَها، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم.
فيَصِحُّ.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ في قَفِيزٍ، ويبطُلُ فيما زادَ.
وَمَبْنى الخِلافِ على الخِلافِ في بَيعِها، وقد ذَكَرْناه.
الثالثةُ، قال: لتَحْمِلَها لي قَفِيزًا بدِرْهَم، وما زاد فبِحِساب ذلك.
فيَجُوزُ، كما لو قال: كلَّ قَفِيز بدِرْهَم.
وكذلك كل لَفْظٍ يَدُلُّ على إرادَةِ حَمْلِ جَمِيعِها، كقَوْلِه: لتَحْمِلَ قَفِيزًا منها بدِرْهَم، وسائِرَها -أو- باقِيَها بحِسابِ ذلك.
أو قال: وما زادَ بحِسَابِ ذلك.
يُرِيدُ باقِيَها كلَّه، إذا فَهِما ذلك مِن اللَّفْظِ، لدَلالتِه عندَهما عليه، أو لقَرِينَةٍ صُرِفَتْ إليه.
الرابعةُ، قال: لتَحْمِلَ قَفِيزًا منها بدِرْهَم، وما زادَ فبحِسابِ ذلك.
يُرِيدُ مهما حَمَلْتَه مِن باقِيها.
فلا يَصِحُّ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه بعضُها، وهو مَجْهُول.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه في مَعْنَى: كلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ.
الخامسةُ، قال: لتَنْقُلَ لي منها كلَّ قَفِيز
..................................
بدِرْهَمٍ.
فهي كالرابعةِ سواءً.
السادسةُ، قال: لتَحْمِلَ لي منها قَفِيزًا بدِرْهَم، على أن تَحْمِلَ الباقِيَ بحِسَاب ذلك.
فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى بَيعَتَين في بَيعةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْناه: لتَحْمِلَ لي كلَّ قَفِيز منها بدِرْهَم.
السابعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم، وتَنْقُلَ لي صُبْرَةً أُخْرَى في البَيتِ بحِسابِ ذلك.
فإن كانا يَعْلَمان الصُّبْرَةَ التي في البَيتِ بالمُشاهَدَةِ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّهما كالصُّبْرَةِ الواحِدَةِ.
وإن جَهِلَها 1 أحَدُهما، صَحَّ في الأولَى، وبَطَل في الثانيةِ؛ لأنَّهما عَقْدان، أحدُهما على مَعْلُوم، والثاني على مَجْهُولٍ، فصَحَّ في المَعْلُومِ، وبَطَل في المَجْهُولِ، كما لو قال: بِعْتُكَ عَبْدِي هذا بعَشَرَةٍ، وعَبْدِي الذي في البَيتِ بعَشَرةٍ.
الثامنةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ والتي في البَيتِ بعَشَرَةٍ.
فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، صَحَّ فيهما، وإن جَهِلاها، بَطَل فيهما؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ بعِوَضٍ واحدٍ، على مَعْلُوم ومَجْهُولٍ، بخِلافِ التي
..................................
قبلَها.
فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، لكنَّها مَغْصُوبَة، أو امْتَنَعَ تَصْحِيحُ العَقْدِ فيها لمانِعٍ اخْتَصَّ بها، بَطَل العَقْدُ فيها، وفي صِحَّتِه في الأخْرَى وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إلَّا أنَّها إن كانت قُفْزانُهما 1 مَعْلُومةً، أو قَدْرُ إحْداهما مَعْلُومٌ مِن الأخْرَى، فالأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ قِسْطَ الأجْرِ فيها مَعْلُومٌ، وإن لم يَكُنْ كذلك، فالأوْلَى بُطْلانُه؛ لِجهالةِ العِوَضِ فيها.
التاسعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، بدِرْهَم، فإن زادَتْ على ذلك، فالزّائِدُ بحِسابِ ذلك.
صَحَّ في العَشَرَةِ؛ لأنَّها مَعْلُومة، ولم يَصِحَّ في الزِّيادَةِ؛ لأنَّها مَشْكُوكٌ فيها، ولا يَجُوزُ العَقْدُ على ما يُشَكُّ فيه.
العاشرةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم، فإن قَدِمَ لي طَعَامٌ فحَمَلْتَه، فبحِسابِ ذلك.
صَحَّ أيضًا في الصُّبْرَةِ، وفَسَد في الزِّيادَةِ؛ لِما ذَكَرْناه.
فَصْلٌ: الثالِثُ، أنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً مَقْصُودَةً، فَلَا تَجُوزُ الإجَارَةُ عَلَى الزِّنَى، وَالزَّمْرِ، وَالْغِنَاءِ، وَلَا إجَارَةُ الدَّارِ لِتُجْعَلَ كَنِيسَةً أوْ بَيتَ نَار، أو لبَيعِ الْخَمْرِ.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الثالثُ، أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحةً مَقْصُودَةً، فلا تَجُوزُ الإجارَةُ على الزنَى، والزَّمْرِ، والغِناءِ، ولا إجارَةُ دارٍ لتُجْعَلَ كَنِيسَةً أو بَيتَ نار، أو لبَيعِ الخَمْرِ) أو القِمارِ.
وجلةُ ذلك، أنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ الإجارَةِ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحَةً، فإن كانت مُحَرَّمَةً، كالزنَى، والزَّمْرِ، والنَّوْحِ، والغِناءِ، لم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ لفِعْلِه.
وبه قال مالك، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ 1، وصاحِباه، وأبو ثَوْرٍ.
وكَرِهَ ذلك الشَّعْبِي، والنَّخَعِي؛ لأنَّه مُحَرَّم، فلم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ عليه، كإجارَةِ الأمَةِ للزِّنى.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على إبْطالِ إجارَةِ النائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ.
فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ كاتِبٍ ليَكْتُبَ له غِناءً أو نَوْحًا.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ.
ولنا، أنَّه انْتِفاع بمُحَرَّم، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا.
ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على كَتْبِ شِعْر مُحَرَّم، ولا بِدْعةٍ، ولا شيءٍ مُحَرم؛ لذلك.
فصل: ولا يَجُوزُ للرَّجُلِ 2 إجارَةُ دارِه لمن يَتَّخِذُها كَنِيسةً أو بِيعةً،
وَلَا يَصِحُّ الاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْمَيتَةِ وَالْخَمْرِ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيُكْرَهُ أكْلُ أجْرَتِهِ.
أو لبَيعِ الخَمْرِ، أو القِمارِ.
وبه قال الجَماعَةُ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّواد فلا بَأسَ.
وخالفَه صاحِبَاه.
واخْتَلَفَ أصحابُه في تَأويل قَوْلِه.
ولَنا، أنَّه فِعْل مُحَرَّم، فلم تَجُزِ الإجارَةُ عليه، كإجارَةِ عَبْدِه للفُجُورِ.
ولو اكْتَرَى ذِمِّي مِن مُسْلِم دارًا، فأرادَ بَيعَ الخَمْرِ فيها، فلصاحِبِ الدّارِ مَنْعُه.
وبذلك قال الثوْرِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّوادِ والجَبَلِ، فله أن يَفْعَلَ ما يَشاءُ.
ولَنا، أنَّه مُحَرَّم، جاز المنْعُ منه في المِصْرِ، فجاز في السَّوادِ، كقَتْلِ النفْسِ المُحَرَّمَةِ.
2160 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على حَمْلِ المَيتَةِ والخَمْرِ. وعنه، يَصِحُّ)
للحُرِّ (ويُكْرَهُ أكْلُ أجْرَتِه) لا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ
..................................
على حَمْلِ الخَمْرِ لمن يَشْرَبُها 1، أو يأكُلُ المَيتَةَ، ولا على حَمْل خِنْزِير، كذلك.
وبه قال أبو يوسفَ، ومحمد، والشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَتَعَيَّنُ عليه، بدَلِيلِ أنَّه لو حَمَلَه مثلُه، جاز، ولأنَّه لو قَصَدَ إراقَتَه أو طَرْحَ المَيتَةِ، جاز.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ في مَن حَمَلَ خِنْزِير الذِمِّيَّةٍ، أو خمْرًا لنَصْرانِي: أكْرَهُ أكْلَ كِرائِه، ولكنْ يُقْضَى للحَمّالِ بالكِراءِ، فإذا كان لِمُسْلِم فهو أشَدُّ.
قال القاضي: هذا مَحْمُود على أنَّه اسْتَأجَرَه ليُريقَها، فأمّا للشُّرْبِ فمَحْظُورٌ، لا يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ عليه.
قال شيخُنا 2: وهذا تَأويل بَعِيد؛ لقَوْلِه: أكْرَه أكْلَ كِرائِه، وإذا كان لمُسْلِم فهو أشَدُّ.
والمَذْهَبُ خِلافُ هذه الرِّوايَةِ؛ لأنه اسْتِئْجار لِفعْل مُحَرَّم، فلم يَصِحَّ، كالزِّنَى.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَن حامِلَها
..................................
والمَحْمُولَةَ إلَيهِ 1، وقولُ أبي حنيفةَ: لا يَتَعَيَّنُ.
يَبْطُلُ بما لو اسْتَأجَرَ أرْضًا ليَتَّخِذَها مَسْجدًا.
فأمّا حَمْلُ الخَمْرِ لإراقَتِها، والمَيتَةِ لطَرْحِها، والاسْتِئجارُ لكَسْحِ الكُنُفِ، فجائِر؛ لأنَّ ذلك مُباح، وقد اسْتَأجَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا طَيبةَ فحَجَمَه 2. وقد قال أحمد، في رِوايَةِ ابنَ منصور، في مَن يُؤاجِرُ نَفْسَه لنِظارَةِ كَرْمِ نَصْرَانِي: يُكْرَه ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ في ذلك راجِعٌ إلى الخَمْرِ.
..................................
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّ الاسْتِئْجارَ لكَسْحِ الكُنُفِ جائِز؛ إلَّا أَنه يُكْرَهُ له أكْلُ أجْرَتِه، كأجْرَةِ الحَجَّامِ، بل هذا أوْلَى.
وقد روَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، أنَّ رَجُلًا حَج، وأتَى ابنَ عَبَّاس، فقال له: إنِّي رَجُل أكنُسُ، فما تَرَى في مَكْسَبِي؟ قال: أي شيءٍ تَكْنُسُ؟ قال: العَذِرَةَ.
قال: ومنه حَجَجْتَ، ومنه تَزَوَّجْتَ؟! قال: نعم.
قال: أنت خَبِيثٌ، وحَجُّك خَبِيثٌ، وما تَزَوَّجْتَ خَبِيثٌ.
أو نحوَ هذا 1. ولأنَّ فيه دَناءَةً، فكُرِهَ، كالحِجامَةِ.
وإنَّما قُلْنا بجَوازِ الإجارَةِ عليه؛ لدُعُوِّ الحاجَةِ إليه، ولا يَنْدَفِعُ ذلك إلَّا بالإباحَةِ، فجازَ، كالحِجامَةِ.
فَصْلٌ: وَالْإجَارَةُ عَلَى ضَرْبَينِ؛ أحَدُهُمَا، إجَارَةُ عَين، فَتَجُوزُ إجَارَةُ كُلِّ عَين يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مَقْصُودَةً، فلا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ شَمْعٍ ليَتَجَملَ به ويَرُدَّهُ، ولا طعام ليَتَجَملَ به على مائِدَتِه ثم يَرُده، ولا النقُودِ ليَتَجَمَّلَ بها الدكّانُ؛ لأنَّها لم تُخْلَقْ لذلك ولا تُرادُ له، فبذلُ العِوَضِ فيه سَفَهٌ، وأخْذُه مِن أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وكذلك اسْتِئْجارُ ثَوْبٍ ليُوضَعَ على سَرِيرِ المَيِّتِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (والإجارَةُ على ضَرْبَين؛ أحدُهما، إجارَةُ عَينٍ، فتَجُوزُ إجارَةُ كُلِّ عَين يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ المُباحةِ منها مع بَقائِها) كالأرْضِ، والدّارِ، والعَبْدِ، والبَهِيمَةِ، والثِّيابِ، والفَساطِيطِ، والحِبالِ، والخِيامِ، والمَحامِلِ، والسُّرُجِ، واللِّجامِ، والسَّيفِ، والرُّمْحِ، وأشْباهِ ذلك.
وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك في مَواضِعِه.
فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيهِ أطْرَافَ خَشَبِهِ، وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ، إلَّا الكَلْبَ،
2161 - مسألة: (ويَجُوزُ له اسْتِئْجارُ حائِطٍ ليَضَعَ عليه أطرافَ خَشَبِه)
إذا كان الخَشَبُ مَعْلُومًا، والمُدَّةُ مَعْلُومةً.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ.
ولَنا، أنَّ هذه مَنْفَعَة مَقْصُودَة، مَقْدُور على تَسْلِيمِها واسْتِيفائِها، فجازتِ الإجارَةُ عليها، كاسْتِئْجارِ السَّطْحِ للنَّوْمِ عليه.
2162 -
مسألة: (و)
يجوزُ استِئْجارُ (حَيَوانٍ ليَصِيدَ به، إلَّا الكَلْبَ) يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الفَهْدِ، والبازِي، والصَّقْرِ، ونحوه
..................................
للصَّيدِ 1، في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا، تَجُوزُ إعارَتُه له 2، فجازت إجارَتُه له، كالدَّابّةِ.
فأمّا إجارَةُ سباع البَهائِمِ والطَّيرِ التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ، فلا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأنَّه لا نفْعَ فيها، وكذلك إجارَةُ الكلْبِ والخِنْزِيرِ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه.
ويَتَخَرَّجُ جَوازُ إجارَةِ الكَلْبِ الذي يُباحُ اقْتِناؤه؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا تَجُوزُ إعارَتُه له، فجازت إجارَتُه له، كغيرِه.
ولأصحابِ الشافعيِّ فيه 3 وَجْهان، كهذَين.
وَاسْتِئْجَارُ كِتَابٍ يَقْرأ فِيهِ، إلا الْمُصْحَفَ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ،
2163
- مسألة: (و)
يَجُوزُ (اسْتِئْجارُ كِتابٍ ليَقْرأ فيه، إلَّا المُصْحَفَ، في أحَدِ الوَجْهَين) تَجُوزُ إجارَةُ كُتُب العِلْمِ التي يَجُوزُ بَيعُها للانتْفاعَ بها مِن القِرَاءَةِ فيها، والنَّسْخِ منها، والرِّوايةِ، وغيرِ ذلك من الانْتِفاعِ المَقْصُودِ المُحْتاجِ إليه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ومُقْتَضى قَوْلِ أبي حنيفةَ، أَنه لا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأَنه عَلَّلَ مَنْعَ إجارَةِ المُصْحَف بأنَّه ليس في ذلك أكْثَرُ مِن النَّظَرِ إليه، ولا تَجُوُز الإجارَةُ لمِثْلِ ذلك، كما لا يَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَ سَقْفًا ليَنْظُرَ إلى عَمَلِه.
ولَنا، أنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا يُحْتاجُ إليه، تَجُوزُ الإعارَةُ له، فجازتِ الإجارَةُ له، كسائرِ المَنافِعِ.
وفارَق النَّظَرَ إلى السَّقْفِ؛ فإنَّه لا حاجَةَ إليه، ولا جَرَتِ العادَةُ بالإِعارَةِ مِن أجْلِه.
وتَجُوزُ إجارَةُ كِتَابٍ فيه خَطٌّ حَسَن، يَنْقُلُ منه ويَكْتُبُ عليه، على قِياسِ ذلك.
..................................
فصل: وفي إجارَةِ المُصْحَفِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ إجارَتُه؛ لأنه لا يَصِحُّ بَيعُه؛ إجْلالًا لكتابِ اللهِ تعالى وكَلامِه عن المُعاوَضةِ به وابتذالِه بالثمَنِ في البَيعِ والأجْرِ في الإجارَةِ.
والثاني، يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعي؛ لأنه انْتِفاع مُباحٌ، تَجُوزُ الإعارَةُ مِن أجْلِه، فجازت إجارَتُه، كسائِرِ الكُتُبِ.
ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ جَوازِ البَيعِ عَدَمُ جَوإزِ الإجارَةِ، كالحُرِّ.
فصل: والذي يَحْرُمُ بَيعُه تَحْرُمُ إجارَتُه، إلَّا الحُرَّ، والوَقْفَ، وأم الوَلَدِ، فإنَّه يَجُوزُ إجارَتُها وإن حَرُمَ بَيعُها، وما عدا ذلك لا تَجُوزُ إجارَتُه، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.
وَاسْتِئْجَارُ النقْدِ لِلتحَلِّي وَالْوَزْنِ لَا غَيرُ.
2164 - مسألة: (و)
يَجُوزُ (اسْتِئْجارُ النقْدِ للتحَلِّي والوَزْنِ لا غيرُ) إذا كان في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ، والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّه لا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأن هذه المَنْفَعَةَ ليستِ المَقْصُودَ منها، ولذلك لا تُضْمَنُ مَنْفَعَتُها بغَصْبِها، فأشْبَهَتِ الشَّمْعَ.
ولَنا، أنها عَين أمْكَنَ الانْتِفاع بها معِ بَقاءِ عَينها مَنْفَعَةً مُباحَة، فأشْبَهَتِ الحَلْىَ، وفارَقَ الشَّمْعَ؛ فإنه لا يُنْتَفعُ به إلَّا بما يُتْلِفُ عَينَه.
فَإن أطْلَقَ الإجَارَةَ، لَمْ تَصِح فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَصِحُّ فِي الآخَرِ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِي ذَلِكَ.
2165 - مسألة: (فإن أطْلَقَ الإجارَةَ)
صَحَّت (ويَنْتَفِعُ بها في ذلك) وهذا اخْتيارُ أبي الخَطابِ؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها في الإجارَةِ مُتَعَينة في التحَلِّي والوَزْنِ، وهما مُتَقارِبانِ، فوَجَبَ أن تُحْمَلَ الإجارَةُ عندَ الإطْلاقِ عليهما، كاستئْجارِ الدّارِ مُطْلَقًا، فإنَّه يَتَناوَلُ السُّكْنَى وَوَضْعَ المَتاعِ فيها.
فعلى هذا يَنْتَفِعُ بها فيما شاءَ منهما.
وقال القاضي: لا تَصِحُّ الإجارَةُ، وتكون قَرْضًا.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الإجارَةَ تَقْتَضِي الانْتِفاعَ، والانْتِفاعُ المُعْتادُ بالدراهِمِ والدَّنانِيرِ إنَّما هو بأعْيانِها، فإذا اطْلِقَ الانْتِفاعُ حُمِلَ على الانْتِفاعِ المُعتادِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا تَصِحُّ الإجارَة، ولا تَكُونُ قَرْضًا؛ لأن التحَلِّيَ يَنْقُصُها، والوَزْنُ لا يَنْقُصُها، فقد اخْتَلَفَت جهَةُ الانْتِفاعِ، فلم يَجُزْ إطْلاقُها.
ولا يَجُوزُ أن يُعَبرَ بها عن القَرْضِ؛ لَأنَّ القَرْضَ تَمْلِيك للعَينِ، والإجارَة تَمْلِيك للمَنْفَعَةِ تَقْتَضِي الانْتِفاعَ مع بقاءِ العَينِ، فلم يَجُزِ التَّعْبِيرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ.
ولأن التَّسْمِيَةَ والألفاظَ
..................................
تُؤْخَذُ نَقْلًا، ولم يُعْهَدْ في اللِّسانِ التَّعْبِيرُ بالإجارَةِ عن القَرْضِ.
قال شيخُنا 1: وقولُ أبي الخَطَّابِ أصَحُّ إن شاءَ الله تَعالى؛ لأنَّ العَقْدَ متى أمْكَنَ حَمْلُه على الصحَّةِ، كان أوْلَى مِن إفْسادِه، وقد أمْكَنَ حَمْلُها على إجارَتِها للجِهَةِ التي تَجُوزُ إجارَتُها فيها.
وقولُ القاضي، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
وما ذَكَر أصحاب الشافعيِّ مِن نَقْصِ العَينِ بالاسْتِعْمالِ في التَّحَلِّي، فبَعِيدٌ؛ فإن ذلك يَسِير لا أثَرَ له، فوجودُه كعَدَمِه.
فصل: ويَجوز أن يَسْتَأجِرَ نَخْلًا لتجَفِّفَ عليها الثِّيابَ، أو يَبسطَها عليها ليَسْتَظِلَّ بظِلِّها.
ولأصْحابِ الشافعيِّ في ذلك وَجْهان؛ لِما ذَكَروه في الأثْمانِ.
ولنا، أنَّها لو كانت مَقْطُوعَةً، لجاز اسْتِئْجارها لذلك، فكذلك النّابِتَةُ، وذلك لأنَّ الانْتِفاعَ يَحْصل بهما على السواءِ في الحالتَين، فما جاز في إحْداهما يَجوز في الأخْرَى.
ولأنها شَجَرَةٌ، فجاز اسْتِئْجارها لذلك، كالمَقْطُوعَةِ.
ولأنَّها مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ يمْكِن اسْتِيفاؤها مع بَقَاءِ العَينِ، فجاز العَقْد عليها، كما لو كانت مَقْطوعَةً.
وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ، وَامْرَأتِهِ لِرَضَاعَ وَلَدِهِ، وَحَضَانَتِهِ.
فصل: ويَجوز اسْتِئْجاز ما يَبقَى مِن الطِّيبِ والصَّنْدَلِ، وقِطَع الكافورِ، والنَّدِّ؛ ليَشمَّه المَرْضَى وغيرهم مدةً ثم يَردُّه؛ لأنها مَنْفعَةٌ مباحَة (1) أشْبَهَتِ الوَزْنَ والتحَلِّيَ، مع أنه لا يَنْفَكُّ مِن إخْلاقٍ وبِلًى.
فصل: يَجوز اسْتِئْجار دار يَتخِذها مَسْجِدًا يصَلِّي فيه.
وبه قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجوز؛ لأنَّ فِعْلَ الصلاةِ لا يَجوز اسْتِحْقاقه بعَقْدِ الإجارَةِ بحالٍ، فلا تجوزُ الإجارَةُ لذلك.
ولَنا، أن هذه مَنْفَعَة مباحَة يمْكِنُ اسْتِيفاؤها مِن العَين مع بَقائِها، فجاز اسْتِئْجار العَينِ لها، كالسُّكْنَى، ويفارِق الصلاةَ؛ فإنها لا تَدْخُل النِّيابَة فيها، بخِلافِ المَسْجِدِ.
2166 -
مسألة: (ويَجوزُ اسْتئجار وَلَدِه لخِدْمَتِه، وامْرَأتِه لرَضاعِ وَلَدِه وحَضانَتِه)
يَجوزُ اسْتِئْجار وَلَدِه لخِدْمَتِه، كالأجْنَبِيِّ،1
..................................
واسْتِئْجارُ أمهِ وأخْتِه وابْنَتِه لرَضاعِ وَلَدِه، وكذلك سائِرُ أقاربِه بغيرِ خِلافٍ، كالأجانِبِ.
فأمّا اسْتِئْجار امْرَأتِه لرَضاع وَلَدِه منها، فيَجُوزُ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب.
قال الخِرَقِي: إن أرادَتِ الأم أن ترْضِعَ وَلَدَها بأجْرَةِ مِثْلِها، فهي أحَق به مِن غيرِها، سواء كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً.
وقال القاضي: لا يَجُوزُ.
وتَأوَّلَ كَلامَ الخِرَقِيِّ على أنها في حِبالِ زَوْج آخَرَ.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ؛ لأنَّه قد اسْتَحَقَّ حَبْسَها والاسْتِمْتاعَ بها بعِوَضٍ، فلا يَجوزُ أن يَلْزَمَه عِوَض 1 آخَرُ؛ لذلك.
ولَنا، أنَّ كل عَقْدٍ يَصِحُّ أن تَعْقِدَه صع غيرِ الزَّوْجِ، يَصِحُّ أن تَعْقِدَه معه، كالبَيعِ، ولأنَّ مَنافِعَها في الرَّضاع والحَضانَةِ غيرُ مُسْتَحَقَّةٍ للزَّوْجِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَمْلِكُ إجْبارَها على ذلك، ويَجُوزُ أن تَأخُذَ عليها العِوَضَ مِن غيرِه، فجاز لها أخْذُه منه، كثمَنِ مالِها.
وقولُهم: إنها اسْتَحَقَّتْ عِوَضَ الحَبْسِ والاسْتِمْتاعِ.
قلنا: هذا غيرُ الحَضانَةِ، واسْتِحقاقُ مَنْفَعةٍ مِن وَجْهٍ لا يَمْنعُ اسْتِحقاقَ مَنْفَعةٍ سِوَاها بعِوَض آخَرَ، كما لو اسْتَأجَرَها كم تَزَوَّجَها.
وتَأويلُ القاضي كَلامَ الخِرَقِيِّ
وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُهَا، أنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْعِ الْعَين دُونَ أجْزَائِهَا، فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ الطَّعَامِ لِلأكْلِ، وَلَا الشمْعِ لِيُشْعِلَهُ،
يُخالِفُ الظّاهِرَ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ الألِفَ واللامَ في الزوْج للمَعْهُودِ، وهو أبو الطِّفْلِ.
الثاني، أنَّها إذا كانت في حِبالِ زوْجٍ آخَرَ لا تكونُ أحَقَّ به، بل يَسْقُطُ حَقُّها مِن الحَضانَةِ، ثم ليس لها أن ترْضِعَ إلَّا بإذنِ زَوْجِها، ففَسَدَ التَّأويلُ.
2167 -
مسألة؛ [قال، رَضِيَ اللهُ عنه]
وَلا حَيَوَانٍ لِيَأخذ لبَنَهُ، عَيْنِه، فلم يَجُزْ، كما لو اسْتَأجَرَ دِينارًا ليُنْفِقَه، فإنِ اسْتَأجَرَ شَمْعةً ليُسْرِجَها، ويَرُدَّ بَقِيتها وثَمَنَ ما ذَهَب وأجْرَ الباقِي، فهو فاسِد؛ لأنه يَشْمَلُ بَيعًا وإجارَةً، وما وَقع عليه البَيعُ مَجْهُول، وإذا جُهِلَ البَيعُ، جُهِلَ المُسْتَأجَرُ أيضًا، فيَفْسُدُ العَقْدان.
2168 -
مسألة: (ولا)
يَجُوزُ استِئْجارُ (حَيَوانٍ ليَأخُذَ لَبَنَه) كاسْتِئْجارِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ ليَأخُذَ لَبَنَها، أو ليَسْتَرْضِعَها
إلا فِي الظِّئْرِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا.
أسْخاله (1)، ونحوَها، ولا ليَأخُذَ صُوفَها وشَعَرَها ووَبَرَها، ولا اسْتِئْجارُ شَجَرةٍ ليَأخُذَ ثَمَرَتَها أو شيئًا مِن عَينها؛ لِما ذَكَرْناه.
2169 -
مسألة: (إلَّا في الظِّئْرِ ونَقْعِ 2 البِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا) أمّا الظِّئْرُ فقد سَبَقَ ذِكْرُها. وأمّا نَقْعُ البِئرِ، فقال ابنُ عَقِيل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ1
..................................
البِئْر ليَسْتَقِيَ منه أيامًا مَعْلُومَةً أو دِلاءً مَعْلُومةً؛ لأنَّ هَواءَ البِئْرِ وعُمْقَها فيه نَوْعُ انْتِفاعٍ بمرُورِ الدَّلْو فيه.
فأمّا الماءُ فيؤخَذُ على أصْلِ الإباحَةِ.
..................................
فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الفَحْلِ للضِّرابِ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأي.
وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في جَوازِه، بِناءً على إجارَةِ الظئرِ للرَّضاعِ؛ لأنَّ الحاجَة تَدْعُو إليه.
وهو قولُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن عَسْبِ الفَحْلِ.
مُتَّفَق عليه 1. ولأنَّ المَقْصُودَ الماءُ الذي يُخْلقُ منه الوَلَدُ، فيَكُونُ عَقْدُ الإجارَةِ لاسْتِيفاءِ عَين [فلم يَجُزْ] 2، كإجارَةِ الغَنَمِ لأخْذِ لَبَنِها، ولأنَّ الماءَ مُحَرَّم لا قِيمَةَ له، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالمَيتَةِ.
فأمّا مَن أجازَه، فيَنْبَغِي أن يُوقِعَ العَقْدَ على العَمَكِ، ويُقَدِّرَه بمَرَّةٍ أو مَرَّتَينِ.
وقيل: يُقَدِّرُه بالمُدَّةِ.
وهو بَعِيدٌ، فإنَّ مَن أرادَ إطْراقَ فَرَسِه 3 مَرَّةً، فقَدَّره بمُدَّةٍ تَزِيدُ على قَدْرِ الفِعْلِ، لم يُمْكِنِ اسْتِيعابُها به، ورُبَّما لا يَحْصُلُ الفِعْلُ في المُدَّةِ، ويَتَعَذَّرُ ضَبْطُ مِقْدارِ الفِعْلِ، فيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ بالفِعْلِ، إلَّا أن يَكْتَرِيَ فَحْلًا لإطْراق ماشِيَةٍ كَثيرَةٍ، كتَيْسٍ يَتْرُكُه في غَنَمِه، فإنَّه إنَّما يَكْتَرِيه مُدَّةً مَعْلُومَةً.
والمَذْهَبُ أنه لا يَجُوزُ إجارَتُه؛ لِما ذَكَرْناه،
الثَّانِي، مَعْرِفَةُ الْعَينِ بِرُؤيَةٍ أوْ صِفَةٍ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَصِحُّ فِي الآخَرِ بِدُونِهِ، وَلِلْمُستَأجِرِ خِيَارُ الرؤيَةِ.
فإنِ احْتاجَ إلى ذلك، ولم يَجِدْ مَن يُطْرِقُ له، جاز له أن يَبْذُلَ الكِراءَ، وليس للمُطْرِق أخْذُه؛ لأنَّ ذلك بَذْلُ مالٍ لتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ مُباحةٍ تَدْعُو الحاجَةُ إليها، فجاز، كشراءِ الأسِيرِ، ورِشْوَةِ الظّالِمِ ليَدْفَعَ ظُلْمَه.
وإن أطْرَقَ إنْسان فَحْلَه بغيرِ إجارَةٍ ولا شَرْطٍ، فأُهْدِيَتْ له هَدِيَّة، أو أكْرِمَ بكَرامةٍ لذلك، فلا بَأسَ به؛ لأنَّه فَعَل مَعْرُوفًا، فجازَتْ مُجازاتُه عليه، كما لو أهدَى هَدِيةً فجُوزِيَ عليها.
واللهُ أعلمُ.
2170 -
مسألة: (الثاني، مَعْرِفةُ العَينِ برُؤيةٍ أو صِفَةٍ، في أحَدِ الوَجْهَين، ويَصِحُّ في الآخرِ بدُونِه، وللمُسْتَاجِرِ خِيارُ الرُّويةِ)
يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ بالمُشاهَدَةِ إن كانت لا تَنْضَبِطُ بالصِّفاتِ، أو