..................................
زكاةً.
وخَرَّجَ أبو الخَطّابِ في العُصْفُرِ والوَرْس وَجْهًا، قِياسًا على الزَّعْفَرانِ.
وقال القاضى: الوَرْسُ عندِى بمَنْزِلَةِ الزَّعْفرانِ، يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن؛ لاجْتِماعِ الكَيْلِ والادِّخارِ فيه، أشْبَهَ الحُبُوبَ.
والأوَّلُ أوْلَى، وهذا مُخالِفٌ لأُصُولِ أحمدَ؛ فإنَّ المَرْوِىَّ عنه رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه لا زكاةَ إلَّا في الأرْبَعَةِ.
والثانيةُ، أنَّها تَجِبُ في الحِنْطَةِ والشَّعِير والتَّمْرِ والزَّبِيبِ والذّرَةِ والسُّلْتِ والأرْزِ والعَدَسِ، وكلِّ شئٍ يقُومُ مقامَ هذه حتى يُدَّخَرَ، ويَجْرِىَ فيه القَفِيزُ، مثل اللُّوبيا والحِمَّصِ والسَّماسِمِ 1 والقِطْنِيَّاتِ، ففيه الزكاةُ.
وهذا لا يَجْرِى فيه القَفِيزُ، ولا هو في مَعْنَى ما سَمَّاه.
وإذا قُلْنا بوُجُوبِ الزكاةِ في القُطْنِ، احْتَمَلَ أن تَجِبَ في الكَتّانِ والقِنَّبِ 2، لأنَّه في مَعْنَى القُطْنِ.
ولا تَجِبُ الزكاةُ في التِّبْنِ وقُشورِ الحَبِّ، كما لا تَجِبُ في كَرَبِ 3 النَّخْلِ وخُوصِه.
..................................
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الزَّيْتُونِ عن أحمدَ، فقال في رِوايَةِ ابْنِه صالِحٍ: فيه العُشْرُ إذا بَلَغ، يَعْنِى خَمْسَةَ أوْسُقٍ، وإن عُصِر قُوِّمَ ثَمَنُه؛ لأنَّ الزَّيْتَ له بَقاءٌ.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، والثَوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 1. في سِياقِ قولِه تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ (1). ولأنَّه يمكنُ ادِّخارُ غَلَّتِه، أشْبَهَ التَّمْرَ والزَّبِيبَ 2 ورُوِىَ عنه: لا زَكاةَ فيه.
نَقَلَها عنه يَعْقُوبُ
..................................
ابنُ بخْتانَ، وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ، وهذا قولُ ابنِ أبى لَيْلِى، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأَحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُدَّخرُ يابِسًا، فهو كالخَضْرَاواتِ، ولأنَّه لم يُرَدْ يها الزكاةُ؛ لأنَّها مَكِّيَّةٌ، والزكاةُ إنَّما فُرِضَتْ بالمَدِينَةِ، ولهذا ذُكِر الرُّمّانُ ولا عُشْرَ فيه.
وقال النَّخَعِىُّ، وأبو جَعْفَرٍ 1: هذه الآيةُ مَنْسُوخَةٌ.
على أنَّها مَحْمُولَةٌ على ما يَتَأتَّى حَصادُه، بدَلِيلِ أنَّ الرُّمّانَ مَذْكُورٌ بعدَه، ولا زَكاةَ فيه.
فصل: ونِصابُهُ خَمْسَةُ أوْسُقٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ صالحٍ.
فأمّا نِصابُ الزَّعْفَرانِ وْالقُطْنِ وما أُلحِقَ بهما مِن المَوْزُوناتِ، فهو ألْفٌ وسِتُّمائةِ رَطْلٍ بالعِراقِىِّ؛ لأنَّه ليس بمَكِيلٍ، فيَقُومُ وَزْنُه مَقامَ كَيْله.
..................................
ذَكَرَه القاضى، في «المُجَرَّدِ».
وحُكِىَ عنه: إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه نِصابًا مِنِ أدْنَى ما تُخْرِجُه الأرْضُ ممّا فيه الزكاةُ، ففيه الزكاةُ.
وهذا قولُ أبى يُوسُف في الزَّعْفَرانِ؛ لأنَّه لا يمكنُ اعْتِبارُه بنَفْسِه، فاعْتُبِرَ بغيرِه، كالعُرُوضِ تُقَوَّمُ بأدْنَى النِّصابَيْن مِن الأثْمانِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ في الزَّعْفرانِ: تَجِبُ الزكاةُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه.
وحَكاه القاضى في «المُجَرَّدِ» قَوْلًا في المَذْهَبِ.
قال شيخُنا 1، رَحِمَه اللَّهُ: ولا أعْلَمُ لهذيْن القَوْلَيْن دَلِيلًا، ولا أصْلًا يُعْتَمَدُ عليه، ويَرُدُّهما قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» 2. ولأنَّ إيجابَ الزكاةِ في قَلِيلِه وكَثِيرِه مُخالِفٌ لجَمِيعِ
.................................. أمْوالِ الزكاةِ، واعْتِبارُه بغيرِه مُخالِفٌ لجَمِيعِ ما يَجِبُ فيه العُشْرُ، واعْتِبارُه بأقلِّ ما تَجبُ الزكاةُ فيه قِيمَةً لا نَظِيرَ له أصْلًا، ولا يَصِحُّ قِياسُه على العُرُوضِ؛ لأَنَّها لا تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِها، وإنَّما تَجِبُ في قِيمَتِها فيُؤَدَّى مِن القِيمَةِ التى اعْتُبِرَتْ بها، والقِيمَةُ تُرَدُّ إليها كلُّ الأمْوالِ المتَقَوّماتِ، فلا يَلْزَمُ مِن الرَّدِّ إليها الرَّدُّ إلى ما لم يُرَدَّ إليه شئٌ أصْلًا ولا تُخْرَجُ الزكاةُ منه، ولأنَّ هذا مالٌ تُخْرَجُ الزكاةُ مِن جِنْسِه، فاعْتُبِرَ بنَفْسِه، كالحُبُوبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا زَكَاةَ فِى حَبِّ الْبُقُولِ؛ كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْأَبَازِيرِ؛ كَالْكُسْفَرَةِ، وَالْكَمُّونِ، وَبِزْرِ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَنَحْوِهِ.
وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِها شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ تَبْلُغَ نِصَابًا، قَدْرُهُ بَعْدَ التَّصْفِيَة فِى الْحُبُوبِ، وَالْجَفَافِ فِى الثِّمَارِ، خَمْسَةُ أَوْسُقٍ.
892 - مسألة: (وقال ابنُ حامِدٍ: لا زكاةَ في حَبِّ البُقُولِ؛ كحَبِّ الرَّشادِ، والأبازِيرِ، كالكُسْفَرةِ، والكَمُّونِ، وبِزْرِ القِثّاءِ، والخِيارِ، ونَحْوِه)
لِما ذَكَرْنا.
893 -
مسألة: (ويُعْتَبَرُ لوُجُوبِها شَرْطان؛ أحَدُهما، أن تَبْلُغَ نِصابًا، قَدْرُه بعدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ، والجَفافِ في الثِّمارِ، خَمْسَة أوْسُقٍ)
لا تَجِبُ الزكاةُ في شئٍ مِن الزُّرُوعِ والثِّمارِ حتى تَبْلُغَ خَمْسَةَ
..................................
أوْسُقٍ.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبو أُمامَةَ ابنُ سَهْلٍ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والحسنُ، وعطاءٌ، ومَكْحُولٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأهلُ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه، إلَّا مُجاهِدًا، وأبا حنيفةَ، ومَن تابَعَه، قالوا: تَجِبُ الزكاةُ في قَلِيلِ ذلك وكَثِيرِه؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» 1. ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ له حَوْلٌ، فلا يُعْتَبَرُ له نِصابٌ، كالرِّكازِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَة».
وهذا خاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُه على ما رَوَوْه، كما خَصَّصْنا قَوْلَه: «فِى سَائِمَةِ الإِبِلِ الزَّكاةُ» 2. بقولِه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ».
وقولَه: «فِى الرِّقَّةِ 3 رُبْع الْعُشْرِ» 4. بقولِه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ» 5. ولأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الصدقةُ 6، فلم تَجِبْ في يَسِيرِه،
..................................
كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ، وإنَّما لم يُعْتَبَرِ الحَوْلُ، لأنَّه يَكْمُلُ نَماؤُه باسْتِحْصادِه لا ببَقائِه، واعْتُبِرَ الحَوْقُ في غَيْرِه، لأنَّه مَظِنَّةٌ لِكمالِ النَّماءِ في سائِرِ الأمْوالِ، والنِّصابُ اعْتُبِرَ ليَبْلُغَ حَدًّا يَحْتَمِلُ المُواساةَ منه، فلهذا اعْتُبِرَ فيه.
يُحَقِّقُه أنَّ الصَّدَقَةَ إنَّما تَصِبُ على الأغْنِياءِ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ، ولا يَحْصُلُ الغِنىَ بدُونِ النِّصابِ، فهو كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ.
فصل: وتُعتَبَرُ الخَمْسَةُ الأوسُقِ بعدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ، والجَفافِ في الثِّمارِ، فلو كان له عَشْرَةُ أوْسُقٍ عِنَبًا، لا يَجِئُ منها خَمْسَةُ أوْسُقٍ زَبِيبًا، لم يَجِبْ عليه شئٌ، لأنَّه حالُ وُجُوبِ الإِخْراجِ منه، فاعْتُبِرَ النِّصابُ بحالِه حِينَئِذٍ.
وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِىِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ألْفًا وَسِتَّمِائَةِ رَطْلٍ.
894 - مسألة: (والوَسْقُ سِتُّون صاعًا، والصّاعُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ بالعِراقِىِّ، فيَكُونُ ذلك ألْفًا وسِتَّمائةِ رَطْلٍ).
الوَسْقُ سِتُّون صاعًا بغَيْرِ خِلافٍ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن سَلَمَةَ ابنِ صَخْرٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا».
وروَى أبو سعيدٍ، وجابِرٌ نَحْوَه.
رَواه ابنُ ماجه 1. والصّاعُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ بالعِراقِىِّ، وفيه خِلافٌ بينَ العلماءِ، وقد ذَكَرْنا في كِتابِ الطهارةِ ذلك وبَيَّنَّاه 2، فيكونُ النِّصابُ ألْفًا وسِتَّمائةِ رَطْلٍ بالعِراقِىِّ، كما ذَكَر.
والرَّطْلُ العِراقِىُّ مائةٌ وثَمانِيَة وعِشْرُون دِرْهَمًا وأربَعَةُ أسْباعِ دِرْهَمٍ، ووَزْنُه بالمَثاقِيلِ تِسْعُون، ثم زِيدَ في الرَّطْلِ مِثْقالٌ واحِدٌ، وهو دِرْهَمٌ وثَلاثَةُ أسْباعٍ دِرْهَمٍ 3، فصار إحْدى وتِسْعِين مِثْقالًا، كَمَل وَزْنُه بالدَّراهِمِ مائةَ وثَلَاثِين دِرْهَمًا، والاعْتِبارُ به قبلَ الزِّيادَةِ، فيَكُونُ الصّاعُ بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِىِّ الذى وَزْنُه سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ رَطْلًا وسُبْعًا، وتكونُ خَمْسَةُ الأوْسُقِ ثَلَاثمِائَةٍ واثْنَيْن وأرْبَعِين رَطلًا وسِتَّةَ أسْباعِ رَطْلٍ.
والنِّصابُ مُعْتَبَرٌ
..................................
بالكَيْلِ؛ لأنَّ الأوْسَاقَ مَكِيلَةٌ، وإنّما نُقِلَتْ إلى الوَزْنِ لتُضْبَطَ وتُحْفَظَ وتُنْقَلَ؛ لعَدَمِ إمْكانِ ضَبْطِ الكَيْلِ، ولذلك تَعَلَّقَ وُجُوبُ الزكاةِ بالمَكِيلاتِ دُونَ المَوْزُوناتِ، والمَكِيلاتُ تَخْتَلِفُ في الوَزْنِ؛ فمنها الثَّقِيلُ، كالحِنْطَةِ والعَدَسِ، ومنها الخَفِيفُ، كالشَّعِيرِ والذُّرَةِ، ومنها المُتَوَسِّطُ.
وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ الصّاعَ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ مِن الحِنْطَةِ.
رَواه عنه جماعَةٌ.
وقال حَنْبَلٌ: قال أحمدُ: أخَذْتُ الصّاعَ مِن أبى النَّضْرِ 1. وقال أبو النَّضْرِ: أخَذْتُه مِن ابنِ أبى ذِئْبٍ.
وقال: هذا صاعُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الذى يُعْرَفُ بالمَدِينَةِ.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: فأخَذْنا العَدَسَ، فعَيَّرْنا به، وهو أصْلَحُ ما يُكالُ به؛ لأنَّه لا يَتَجافَى عن مَواضِعِه، فكِلْنا به ثم وَزَنّاه، فإذا هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ.
قال: هذا أصْلَحُ ما وَقَفْنا عليه، وما بُيِّنَ لنا مِن صاعِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فمتى بَلَغ القَمْحُ ألْفًا وسِتَّمائةِ رَطْلٍ أو نَحْوَه مِن العَدَسِ، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّهم قَدَّرُوا الصّاعَ بالثَّقِيلِ، فأمّا الخَفِيفُ فتَجِبُ الزكاةُ فيه إذا قارَبَ هذا وإن لم يَبْلُغْه.
ومتى شَكَّ في وُجُوبِ الزكاةِ فيه، ولم يَجِدْ مِكْيالًا يُقَدِّرُ به، فالاحْتِياطُ الإِخْراجُ.
فإن لم يُخْرِجْ فلا حَرَجَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكاةِ، فلا تَجِبُ بالشَّكِّ.
فصل: قال القاضى: النِّصابُ مُعْتَبَرٌ تَحْدِيدًا، فمتى نَقَص شيئًا لم تَجِبِ الزكاةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ
إِلَّا الْأُرْزَ وَالْعَلَسَ؛ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ يُدَّخَرُ فِى قِشْرِهِ، فَإِنَّ نِصَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ قِشْرِهِ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ.
صَدَقَةٌ» (1). إلَّا أن يكونَ نَقْصًا يَسِيرًا يَدْخُلُ في المَكَايِيلِ، كالأُوقِيَّةِ ونَحْوِها، فلا عِبْرَةَ به، لأنَّ مثلَ ذلك يجوزُ أن يَدْخُلَ في المَكاييلِ، فلا يَنْضبِطُ، فهو كنَقْصِ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْن.
895 -
مسألة؛ قال: (إلَّا الأُرْزَ والعَلَسَ؛ نَوْعٌ مِن الحِنْطَةِ يُدَّخَرُ في قِشْرِه، فإنَّ نِصابَ كلِّ واحِدٍ منهما مع قِشْرِه عَشَرَةُ أوْسُقٍ)
العَلَسُ: نَوْعٌ مِن الحِنْطَةِ يُدَّخَرُ في قِشْرِه، زَعَم أهلُه أنَّه يُخْرَجُ على النِّصْفِ، وأنَّه إذا أُخْرِجَ مِن قِشْرِه لا يَبْقَى بَقاءَ غيرِه.
فاعْتُبِرَ نِصابُه في قِشْرِه للضَّرَرِ في إخْراجِه، فإذا بَلَغ بقِشْرِه عَشَرَةُ أوْسُقٍ، ففيه العُشْرُ؛1
..................................
لأنَّ فيه خَمسَةَ أوْسُقٍ حَبًّا، وإن شَكَكْنا في بُلُوغِه نِصابًا، خُيِّرَ صاحِبُه بينَ إخْراجِ عُشْرِه، وبينَ إخْراجِه مِن قِشْرِه، كقولِنا في مَغْشُوشِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
ولا يَجُوزُ تَقْدِيرُ غيرِه مِن الحِنْطَةِ في قِشْرِه، ولا إخْراجُه قبلَ تَصْفِيَتِه؛ لأنَّ العادَةَ لم تَجْرِ به، ولا تَدْعُوا الحاجَةُ إليه، ولا نَعْلَمُ قَدْرَ ما يَخْرُجُ منه.
فصل: ونِصابُ، الأُرْزِ كنِصابِ العَلَسِ، كذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه يُدَّخَرُ مع قِشْرِه، وإذا خَرَجَ مِن قِشْرِه لا يَبْقَى بقاءَ ما في القِشْرِ، فهوْ كالعَلَسِ فيما ذَكَرْنا سَواءٌ.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: لا يُعْتَبَرُ نِصابُه بذلك، إلَّا أن يقولَ ثِقاتٌ مِن أهْلِ الخِبْرَةِ: إنَّه يَخْرُجُ على النِّصْفِ.
فيكونُ كالعَلَسِ، فعلى هذا متى لم يُوجَدْ
.................................. ثِقاتٌ يُخْبِرُون بهذا، أو شَكَكْنا في بُلُوغِه نِصابًا، خُيِّرَ رَبُّه بينَ تَصْفِيَتِه وبينَ الإِخْراجِ، ليُعْلَمَ قَدْرُه، كمَغْشُوشِ الأثْمانِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ رُطَبًا، ثُمَّ يُؤْخَذُ عشْرُهُ يَابِسًا، وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِى تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
896 - مسألة: (وعنه، أنَّه يُعْتَبَرُ نِصابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ والكَرْمِ رُطَبًا، ويُؤْخَذُ عُشْرُه يابِسًا)
روَى الأثْرَمُ عن أحمدَ، أنَّه يُعْتَبَرُ نِصابُ النَّخْلِ والكَرْمِ عِنَبًا ورُطَبًا، ويُؤْخَذُ منه مِثْلُ عُشْرِ الرُّطَبِ تَمرًا.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
قال شيخُنا (1): وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه أراد، يُؤْخَذُ عُشْرُ ما يَجِئُ منه مِن التَّمْرِ، إذا بَلَغ رُطَبُها خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لأنَّ إيجابَ قَدْرِ عُشْرِ الرُّطَبِ مِن التَّمْرِ إيجابٌ لأكْثَرَ مِن العُشْرِ، وذلك يُخالِفُ النَّصَّ والإِجمْاعَ، فلا يَجُوزُ حَمْلُ كَلامِ الإِمامِ عليه.
وظاهِرُ ما حَكَى عنه الأثْرَمُ، أنَّه يُؤْخَذُ مِقْدارُ عُشْرِ الرُّطَبِ يابِسًا، فإنَّه رُوِىَ أنَّه قِيلَ لأحمدَ: رَجُلٌ (2) خُرِصَ عليه مائةُ وَسَقٍ رُطَبًا، يُعْطِيه عَشَرَةَ أوْسُقٍ تَمْرًا؟ قال: نعم، على ظاهِرِ الحديثِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
897 -
مسألة: (وتُضَمُّ ثَمَرَةُ العامِ الواحِدِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ)
تُضَمُّ ثَمَرَةُ العامِ الواحِدِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، سَواءٌ اتَّفَقَ12
فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِى السَّنَةِ حَمْلَيْنِ، ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ.
وَقَالَ الْقَاضى: لَا يُضَمُّ.
وَقْتُ إطْلاعِها وإدْراكِها أو اخْتَلَفَا، فلو أنَّ الثَّمَرَةَ جُدَّتْ، ثم أطْلَعَتْ أُخْرَى وجُدَّتْ، ضُمَّ إحْداهُما إلى الأُخْرَى.
وكذلك زَرْعُ العامِ الواحِدِ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ تَكْمِيلِ النِّصابِ، كما قُلْنا في الثَّمَرَةِ، سواءٌ اتَّفَقَ زَرْعُه وإدْراكُه أو اخْتَلَفَ.
ويُضَمُّ الصَّيْفِىُّ إلى الرَّبِيعِىِّ.
ولو حُصِدَتِ الدُّخْنُ (1) والذُّرَةُ ثم نَبَتَتْ أُصُولُها، ضُمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، لأنَّ الجَمِيعَ زَرْعُ عامٍ واحدٍ، فَضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، كما لو تَقارَبَ زَرْعُه وإدْراكُه.
898 -
مسألة: (فإن كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ في السَّنَةِ حَمْلَيْن، ضُمَّ
1
وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ فِى تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
أحَدُهما إلى الآخَرِ.
وقال القاضى: لا يُضَمُّ) وهو قولُ الشافعىِّ، لأنَّه حَمْلٌ يَن
ْفَصِلُ
عن الأوَّلِ، فكان حُكْمُه حُكْمَ حَمْلِ (1) عامٍ آخَرَ، كحَمْلِ العامَيْن.
وإن كان له نَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّةً، ونَخْلٌ يَحْمِلُ حَمْلَيْن، ضَمَمْنا الحَمْلَ الأوَّلَ إلى الحَمْلِ المُنْفَرِدِ، ولم يَجِبْ في الثّانِى شئٌ، إلَّا أن يَبْلُغَ بمُفْرَدِه نِصابًا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
اخْتارَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، لأنَّها ثَمَرَةُ عامٍ واحِدٍ، فضُمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كزَرْعِ العامِ الواحِدِ، وكالذُّرَةِ التى تَنْبُتُ مَرَّتَيْن، ولأنَّ الحَمْلَ الثّانِىَ يُضَمُّ إلى الحَمْلِ المُنْفَرِدِ لو لم يكنْ حَمْلٌ أوَّلُ، فكذلك إذا كان؛ لأنَّ وُجُودَ الحَمْلِ الأوَّلِ لا يَصْلُحُ أن يكونَ مانِعًا، بدَلِيلِ حَمْلِ الذُّرَةِ الأوَّلِ، وبها يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه مِن الانْفِصالِ.
899 -
مسألة: (ولا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى آخَرَ فِى تَكْمِيلِ النِّصابِ.
1
وَعَنْهُ، أَنَّ الْحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
وَعَنْهُ، تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ، وَالْقِطنِيَّاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ.
وعنه، أنَّ الحُبُوبَ يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
وعنه، تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيرِ، والقِطنِيّاتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ) القِطْنِيّاتُ، بكَسْرِ القافِ 1: جَمْعُ قِطْنِيَّةٍ، ويُجْمَعُ أيضًا قَطانِىّ.
قال أبو عُبَيْدٍ 2: هى صُنُوفُ الحُبُوبِ، مِن العَدَسِ، والحِمَّصِ، والأُرْزِ، والجُلُبّانِ، والجُلْجُلانِ.
وهو السِّمْسِمُ.
وزاد غيرُه: الدُّخْنَ، واللُّوبِيا، والفُولَ، والماشَ.
وسُمِّيَتْ قِطْنِيَّةً، فِعْلِيَّةً، مِن قَطَنْ يَقْطُنُ في البَيْتِ، أى يَمْكُثُ فيه.
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في غيرِ الحُبُوبِ والأثْمانِ، أنَّه لا يُضَمُّ جِنْسٌ إلى جِنْسٍ آخَرَ في تكْمِيلِ النِّصابِ.
..................................
فالماشِيَةُ ثَلاثَةُ أجْناسٍ؛ الإِبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، لا يُضمُّ جِنْسٌ إلى غيرِه.
وكذلك الثِّمارُ، لا يُضمُّ جِنْسن إلى آخَرَ، فلا يُضمُّ التَّمْرُ إلى الزَّبِيبِ، ولا إلى غيرِه مِن الثِّمارِ.
ولا تُضَمُّ الأثْمانُ إلى السّائِمَةِ، ولا إلى الحُبُوبِ والثِّمارِ.
ولا خِلافَ بينَهم فيما عَلِمْنا 1 أنَّ أنْواعَ الأجْناسِ يُضمُّ بعضُها إلى بَعْضٍ في إكْمالِ النِّصاب.
ولا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في أنَّ العُرُوضَ والأثْمانَ يُضمُّ كلُّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ، إلَّا أنَّ الشافعىَّ لا يَضُمُّها إلَّا إلى جِنْسِ ما اشْتُرِيَتْ به؛ لأنَّ نِصابَها عندَه مُعْتَبَرٌ بذلك.
فأمّا الحُبُوبُ فاخْتَلَفُوا في ضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وفى ضَمِّ أحَدِ النَّقْدَيْن إلى الآخَرِ، فرُوِىَ عن أحمدَ في الحُبُوبِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا يُضَمُّ جِنْسٌ منها إلى غيرِه، ويُعْتَبَرُ النِّصابُ في كلِّ جِنْسٍ مُنْفَرِدًا.
وهذا قولُ عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، وابنِ أبِى لَيْلَى، والأوْزاعِى، والثَّوْرِىِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وشَرِيكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّها أجْناسٌ، فاعْتُبِرَ النِّصابُ في كلِّ واحِدٍ مُنْفَرِدًا، كالنِّصابِ، والمَواشِى.
..................................
والثّانِيَةُ، أنَّ الحُبُوبَ كُلَّها يضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهذا قولُ عِكْرِمَةَ، وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن طاوُسٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا زَكَاةَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ» 1. فمَفْهُومُه وُجُوبُ الزكاةِ فيه إذا بَلَغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ.
ولأنَّها تَتَّفِقُ في النِّصابِ وقَدْرِ المُخْرَجِ، فوَجَبَ ضَمُّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، كأنْواعِ الجِنْسِ.
وهذا الدَّلِيلُ مُنْتَقِضٌ بالثِّمارِ.
والثّالِثَةُ، أنَّ الحِنْطَةَ تُضَمُّ إلى الشَّعِيرِ، وتُضَمُّ القِطْنِيّاتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
حَكاها الخِرَقِىُّ.
ونَقَلَها أبو الحارِثِ عنه.
قال القاضى: وهذا هو الصَّحِيحُ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ، إلَّا أنَّه زاد، فقال: الذُّرَةُ، والدُّخْنُ، والأُرْزُ، والقَمْحُ، والشَّعِيرُ، صِنْفٌ واحِدٌ؛ لأنَّ هذا كلَّه مُقْتاتٌ، فضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، كأنْواعِ الحِنْطَةِ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ: تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيرِ؛ لأنَّها تَتَّفِقُ في الاقْتِياتِ والمَنْبِتِ والحَصادِ والمَنافِعِ، فوَجَبَ ضَمُّها،
..................................
كما يُضَمُّ العَلَسُ إلى الحِنْطَةِ.
والأُولَى أصَحُّ، إن شاء اللَّهُ، لأنَّها أجْناسٌ يجوزُ التَّفاضُلُ فيها، فلم يُضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كالثِّمارِ.
ولا يَصِحُّ القِياسُ على العَلَسِ مع الحِنْطَةِ، لأنَّه نَوْعٌ منها.
وإذا انْقَطَعَ القِياسُ، لم يَجُزْ إيجابُ الزكاةِ بالتَّحَكُّمِ، ولا بوَصْفٍ غيرِ مُعْتَبَرٍ، ثم هو باطِلٌ بالثِّمارِ، فإنَّها تَتَّفِقُ فيما ذَكَرُوه، ولا يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.
ولا خِلافَ فيما نَعْلَمُه، في ضَمِّ الحِنْطَةِ إلى العَلَسِ، لأنَّه نَوْعٌ منها.
وعلى قِياسِه السُّلْتُ إلى الشَّعِيرِ.
فصل: ولا تَفرِيعَ على الرِّوايَتَيْن الأُولَيَيْن، لوُضُوحِهما.
فأمّا الثّالِثَةُ، وهى ضَمُّ الحِنْطَةِ إلى الشَّعِيرِ، والقِطْنِيّات بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فإنَّ الذُّرَةَ تُضَمُّ إلى الدُّخْنِ، لتقارُبِهما في المَقْصِدِ، فإنَّهما يُتَّخَذان خُبْزًا وأُدْمًا، وقد ذُكِرا 1 مِن جُمْلَةِ القِطْنِيّاتِ، فيُضَمّان إليها.
والبُزُورُ لا تُضَمُّ إلى القِطْنِيّاتِ، [والأبازِيرُ يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْض، لتَقارُبِهما في المَقْصِدِ، كالقِطْنِيّاتِ.
وحُبُوبُ البُقُولِ لا تُضَمُّ إلى القِطْنِيّاتِ] 2، ولا إلى الأبازِيرِ،
..................................
ويَنْبَغِى أن يُضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْض، وكلُّ ما تَقارَبَ مِن الحُبُوبِ ضُمَّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ، وإلَّا فلا، وما شَكَكْنا فيه لا يُضَمُّ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ.
فصل: ومتى قُلْنا بالضَّمِّ، فإنَّ الزكاةَ تُؤْخَذُ من كلِّ جِنْسٍ على قَدْرِ ما يَخُصُّه.
ولا يُؤْخَذُ مِن جِنْسِ عن غيرِه، فإنَّنا إذا قُلنا في أنْواَعِ الجِنْسِ: يُؤْخَذُ مِن كلِّ نوْعٍ ما يَخُصُّه، ففى الأجْناسِ مع تَقارُبِ مَقاصِدِها أوْلَى.
الثَّانِى، أن يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَا تَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللَّقَّاطُ، أَوْ يَأْخُذُهُ بحَصَادِهِ، وَلَا فِيَما يَجْتَنِيهِ مِنَ الْمُبَاحِ؛ كَالْبُطْمِ، وَالزَّعْبَلِ، وَبِزْرِ قَطُونَا وَنَحْوِهِ،
(الثانِى 1، أن يكونَ النِّصابُ مَمْلُوكًا له وَقْتَ وُجُوبِ الزكاةِ، فلا زكاةَ فيما يَكْتَسِبُه اللَّقَّاطُ ولا فيما يأْخُذُه) أُجْرَةً (بحصادِه) نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هو بمَنْزِلَةِ المُباحاتِ، ليس فيه صَدَقَةٌ، فهو كما لو اتَّهَبَه.
(و) كذلك (ما يَنْبُتُ مِن المُباحِ) الذى لا يُمْلَكُ إلَّا بأخْذِه (كالبُطْمِ) 2 والعَفْصِ 3 (والزَّعْبَلِ) وهو شَعِيرُ الجَبَلِ (وبِزْرِ قَطُونا) 4 وحَبِّ الثُّمامِ 5، وبِزْرِ البَقْلَةِ، وحَبِّ الأُشْنانِ إذا أدْرَكَ
وَقَالَ الْقَاضِى: فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا نَبَتَ فِى أَرْضِهِ.
حَصَلَتْ فيه مُزوزَةٌ 1 ومُلُوحَةٌ، وأشْباهِ هذا.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه إنَّما يُمْلَكُ بحِيازَتِه وأخْذِه، والزكاةُ إنَّما تَجِبُ فيه إذا بَدَا صَلاحُه، وفى تلك الحالِ لم يَكُنْ مَمْلُوكًا له، فلا يَتَعَلَّقُ به الوُجُوبُ، كالذى يَلْتَقِطُه اللَّقَّاطُ، وكالمُوهَبِ له.
وقال أبو الخَطّابِ: فيه الزكاةُ؛ لاجْتِماعِ الكَيْلِ والادِّخارِ فيه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا (وقال القاضى: فيه الزكاةُ إذا نَبَت في أرْضِه) يَعْنِى في المُباحِ، ولَعَلَّه بَنَى هذا على أنَّ ما يَنْبُتُ في أرْضِه مِن الكَلَأ يَمْلِكُه.
والصَّحِيحُ خِلافُه.
فأمّا ما يَنْبُتُ في أرْضِه ممّا يَزْرَعُه الآدَمِيُّون، كمَن سَقَط في أرْضِه حَب مِن الحِنْطَةِ أو الشَّعِيرِ، فيَنْبُتُ، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّه يَمْلِكُه.
ولو اشْتَرَى زَرْعًا بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ فيه، أو ثَمَرَةً قد بَدا صَلاحُها، أو مَلَكَها بجِهَةٍ مِن جِهاتِ المِلْكِ، لم تَجِبْ فيه الزكاةُ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِىَ بِغَيْرِ مُونَةٍ؛ كَالْغَيْثِ، وَالسُّيُوخِ، وَمَا يَشْرَب بِعُرُوقِهِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِىَ بِكُلْفَةٍ؛ كَالدَّوَالِى وَالنَّوَاضِحِ.
فصل
: قال، رَضِىَ اللَّه عنه: (ويَجِبُ العُشْرُ فيما سُقِىَ بغَيْرِ مُؤْنَةٍ؛ كالغَيْثِ، والسُّيُوحِ 1، وما يَشْرَبُ بعُرُوقِه، ونِصْفُ العُشْرِ فيما سُقِىَ بكُلْفَةٍ؛ كالدَّوالِى والنَّواضِحِ) وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بالنَّضْحِ
..................................
نِصْفُ العُشْرِ».
رَواه البخارىُّ 1. قال أبو عُبَيْدٍ 2: العَثَرِىُّ ما تَسْقِيه السَّماءُ، وتُسَمِّيه العامَّةُ: العَذْى 3. وقال القاضى: هو الماءُ المُسْتَنْقَعُ في بِرْكَةٍ أو نَحْوِها، يَصُبُّ إليه ماءُ المَطَرِ في سَواقٍ تُشَقُّ له، فإذا اجْتَمَعَ سُقِىَ منه، واشْتِقاقُه مِن العاثُورِ، وهى السّاقِيَةُ التى يَجْرِى فيها الماءُ؛ لأنَّه يَعْثُرُ بها مَن يَمُرُّ بها.
والنَّواضِحُ؛ الإِبِلُ يُسْتَقَى عليها لشُرْب الأرْضِ، وهى السَّوانِى أيضًا.
وعن مُعاذٍ، قال: بَعَثَنى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَنى أن آخُذَ ممّا سَقَتِ السَّماءُ، أو سُقِىَ بَعْلًا، العُشْرَ، وما سُقِىَ بدالِيَةٍ، نِصْفَ العُشْرِ 4. قال أبو عُبَيْدٍ 5: البَعْلُ ما يَشرَبُ بعُرُوقِه مِن غَيْرِ سَقْى.
وفى الجُمْلَةِ كلُّ ما سُقِىَ بكُلْفَةٍ أو مُؤْنَةٍ؛ مِن دالِيَةٍ أو سانِيَةٍ أو دُولابٍ أو ناعُورَةٍ أو نَحْوِ ذلك، ففيه نِصْفُ العُشْرِ، وما سُقِىَ بغيرِ مُؤْنَةٍ،
..................................
ففيه العُشْرُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ، ولأنَّ للكُلْفَةِ تَأْثِيرًا في إسْقاطِ الزكاةِ بالكُلِّيَّةِ في المَعْلُوفَةِ، ففى تَخْفِيفِها أوْلَى.
ولا يُؤثِّرُ حَفْرُ الأنْهارِ والسَّواقِى في نُقْصانِ الزكاةِ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ تَقِلُّ نجيه، لكَوْنِها من جُمْلَةِ إحْياءِ الأرْضِ ولا يَتَكَرَّرُ كلَّ عامٍ، وكذلك احْتِياجُها إلى مَن يَسْقِيها، ويُحَوِّلُ الماءَ في نَواحِيها؛ لأنَّ 1 ذلك لابدَّ منه في السَّقْىِ بكُلْفَةٍ أيضًا، فهو زِيادَةٌ على المُؤْنَةِ، فجَرَى مَجْرَى حَرْثِ الأرْضِ وتَسْمِيتِها 2. وإن كان الماءُ يَجْرِى مِن النَّهْرِ في ساقِيَةٍ إلى الأرْضِ، ويَسْتَقِرُّ في مَكانٍ قَرِيبٍ، مِن وَجْهِها 3، إلَّا أنَّه لا يَصِلُ إليها إلَّا بغَرفٍ أو دُولابٍ، فهو مِن الكُلْفَةِ المُسْقِطَةِ لنِصْفِ العُشْرِ، ولأنَّ مِقْدارَ الكُلْفَةِ وقُرْبَ الماءِ وبُعْدَه لا يُعْتَبَرُ، والضّابِطُ لذلك الاحْتِياجُ في تَرْقِيَةِ الماءِ إلى الأرْضِ إلى آلةٍ [مِن غَرْفٍ] 4 أو نَضْحٍ أو دَالِيَةٍ أو نَحْوِ ذلك، وقد وُجِد.
فَإِنْ سُقِىَ نِصْفَ السَّنَةَ بِهَذَا، وَنِصْفَهَا بِهَذَا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ.
وَإِنْ سُقِىَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ اعْتُبِرَ أَكثَرُهُمَا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ.
وَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ، وَجَبَ الْعُشْرُ،
900 - مسألة: (فإن سُقِىَ نِصْفَ السَّنَةِ بهذا، ونِصْفَها بهذا، ففيه ثَلاثَةُ أرْباعِ العُشْرِ)
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لو وُجِد في جَمِيعِ السَّنَةِ لأوْجَبَ مُقْتَضاه، فإذا وُجد في نِصْفِها أوْجَبَ نِصْفَه (وإن سُقِىَ بأحَدِهما أكْثَرَ مِن الآخَرِ اعْتُبِرَ أكْثَرُهما.
نَصَّ عليه) أحمدُ.
وهو قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّ اعْتِبارَ مِقْدارِ السَّقْى وعَدَدِ مَرّاتِه وقَدْرِ ما يُشْرَبُ في كلِّ سَقْيَةٍ يَشُقُّ، فاعْتُبِرَ الأكْثَرُ، كالسَّوْمِ في الماشِيَةِ.
(وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ بالقِسْطِ) وهو القولُ الثّانِى للشافعىِّ؛ لأنَّ ما وَجَب فيه بالقِسْطِ عندَ التَّماثُلِ، وَجَب عند التَّفاضُلِ، كفِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ (وإن جُهِل المِقْدارُ، وَجَب العُشْرُ)
..................................
احْتِياطًا.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ العُشْرِ، وإنَّما [يَسْقُطُ بوُجُودِ] 1 الكُلْفَةِ، فما لم يَتَحَقَّقِ المُسْقِطُ يَبْقَى على الأصْلِ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الكُلْفَةِ في الأكْثَرِ، فلا يَثْبُتُ وُجُودُها مع الشَّكِّ فيه، وإنِ اخْتَلَفَ رَبُّ المالِ والسّاعِى في أيِّهما سُقِىَ به أكْثَرَ، فالقولُ قولُ رَبِّ المالِ بغيرِ يَمِينٍ، فإنَّ النّاسَ لا يُسْتَحْلَفُون على صَدَقاتِهم.
فصل: وإذا كان لرجلٍ حائِطان، يَسْقِى أحَدَهما بمُؤْنَةٍ، والآخَرَ بغيرِها، ضَمَّ غَلَّةَ أحَدِهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصابِ، وأخْرَجَ مِن الذى
وَإذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ، وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ.
سُقِىَ بغَيْرِ مُؤْنَةٍ عُشْرَه، ومِن الآخَرِ نِصْفَ عُشْرِه، كما يَضُمُّ أحَدَ النَّوْعَيْن إلى الآخَرِ، ويُخْرِجُ مِن كلٍّ منهما ما وَجَب فيه.
901 -
مسألة: (وإذا اشْتَدَّ الحَبُّ، وبَدا الصَّلاحُ في الثَّمَرِ، وَجَبَتِ الزَّكاةُ)
لأنَّه حِينَئِذ يُقْصَدُ للأكْلِ والاقْتِياتِ به، فأشْبَهَ اليابِسَ، وقبلَه لا يُقْصَدُ لذلك، فهو كالرُّطَبَةِ.
وقال ابنُ أبى موسى: تَجِبُ زكاةُ الحَبِّ يَوْمَ حَصادِه؛ لقَوْلِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 1. وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّه لو تَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ أو الحَبِّ قبلَ
فَإِنْ قَطَعَهَا قَبْلَهُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، إِلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَتَلْزَمَهُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِى الْجَرِينِ، الوُجُوبِ لا شئَ عليه، كما لو أكَلَ السّائِمَةَ أو باعَها قبلَ الحَوْلِ، وإن تَصرَّفَ فيها بعدَ الوُجُوبِ لم تَسْقُطِ الزكاةُ، كما لو فَعَل ذلك في السّائِمَةِ فإن قَطَعَها قبلَ ذلك سَقَطَتْ، (إلَّا أن يَقْطَعَها فِرارًا مِن الزكاةِ فتَلْزَمَه) لأنَّه فَوَّتَ الواجِبَ بعدَ انْعِقادِ سَبَبِه، أشْبَهَ ما لو طَلَّقَ امْرَأتَه في مَرَضِ مَوْتِه.
902 -
مسألة: (ولا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ إلَّا بجَعْلِها في الجَرِينِ)
فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ سرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، سَقَطَت الزَّكَاةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ خُرِصَتْ أوْ لَمْ تُخْرَصْ.
وبجَعْلِ الزَّرْعِ في البَيْدَرِ (فإن تَلِفَتْ قَبْلَه بغيرِ تَعَدٍّ منه، سَقَطَتِ الزكاةُ، سَواءٌ كانت خُرِصَتْ أو لم تُخْرَصْ) إذا خُرِصَ وتُرِك في رُءُوسِ النَّخْلِ، فعليهم حِفْظُه، فإن أصَابَتْه جائِحَةٌ فلا شئَ عليه إذا كان قبلَ الجَدادِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
ولأنَّه قبلَ الجَدادِ في حُكْمِ ما لم تَثْبُتْ عليه اليَدُ؛ بدَلِيلِ أنَّه لو اشْتَرَى ثَمَرَةً فتَلِفَتْ بجائِحَةٍ، رَجَع بها على البائِعِ، وإن تَلِف بعضُ الثَّمَرَةِ، فقال القاضى: إن كان الباقِى نِصابًا ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا.
وهذا القولُ يُوافِقُ قولَ مَن قال: إنَّه لا تَجِبُ الزكاةُ فيه إلَّا يَوْمَ حَصادِه؛ لأنَّ وُجُودَ النِّصابِ شَرْطٌ في الوُجُوبِ، فمتى لم يُوجَدْ وَقْتَ الوُجُوبِ لم يَجبْ.
وأمّا مَن قال: إنَّ الوُجُوبَ يَثْبُتُ إذا بَدا الصَّلاحُ وأشْتَدَّ الحَبُّ.
فَقِياسُ قولِه: إن تَلِف البَعْضُ.
إن كان قبلَ الوُجُوبِ، فهو كما قال القاضى، وإن كان بعدَه، وَجَب في الباقِى بقَدْرِه،
..................................
سَواءٌ كان نِصابًا أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ المُسْقِطَ اخْتَصَّ بالبَعْضِ، فاخْتَصَّ السُّقُوطُ به؛ كما لو تَلِف بعضُ نِصابِ السّائِمَةِ بعدَ وُجُوب الزكاةِ فيها.
وهذا فيما إذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه ولا عُدْوانِه.
فأمّا إن أتْلَفَها، أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه بعدَ الوُجُوبِ، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ، وإن كان قبلَ الوُجُوبِ سقَطَتْ، إلَّا أن يَقْصِدَ بذلك الفِرارَ مِن الزكاةِ، فيَضْمَنُها، ولا تَسْقُطُ عنه؛ لِما ذَكَرْنا.
وَإذَا ادَّعَى تَلَفَهَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
903 - مسألة: (ومتى ادَّعَى)
رَبُّ المالِ (تَلَفَها) مِن غيرِ تَفْرِيطِه (قُبِلَ قولُه مِن غيرِ يَمِينٍ) سَواءٌ كان ذلك قَبْلَ الخَرْصِ أو بَعْدَه، ويُقْبَلُ قولُه أيضًا في قَدْرِها، وكذلك في سائِرِ الدَّعاوَى.
قال أحمدُ: لا يُسْتَحْلَفُ النّاسُ على صَدَقاتِهم.
وذلك لأنَّه حَق للَّهِ تعالى، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالصلاةِ والحَدِّ.
فصل: وإن أحْرَزَ الثَّمَرَةَ في الجَرِينِ، أو الحَبَّ في البَيْدَرِ، اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الزكاةِ عليه، عندَ مَن لم يَرَ التَّمكُّنَ مِن الأداءِ شَرْطًا في اسْتِقْرارِ الوُجُوبِ.
فإن تَلِف بعدَ ذلك، لم تَسْقُطِ الزكاةُ عنه، وعليه ضَمانُها، كما لو تَلِف نِصابُ الأثْمانِ بعدَ الحَوْلِ.
وعلى قولِنا، في الرِّوايَةِ الأخْرَى: التَّمَكُّنُ مِن الأداءِ مُعْتَبَرٌ.
لا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ فيها حتى تَجِفَّ الثَّمَرَةُ، ويُصَفَّى الحَبُّ، ويَتَمَكَّنَ مِن الأداءِ، فلا يُؤَدِّى، وإن تَلِف قبلَ ذلك فلا شئَ عليه، على ما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
..................................
فصل: ويَصِحُّ تَصَرُّفُ المالِكِ في النِّصابِ قبلَ الخَرْصِ وبعدَه، بالبَيْعِ والهِبَةِ وغيرِهما.
فإن باعَه أو وَهَبَه بعدَ بُدُوِّ صَلاحِه، فصَدَقَتُه على البائِعِ والواهِبِ.
وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ.
وهو قولُ اللَّيْثِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَها على المُبْتاعِ، لأنَّها كانت واجِبَةً عليه قبلَ البَيْعِ فبَقِىَ الوُجُوبُ علِى ما كان عليه، وعليه إخْراجُ الزكاةِ مِن جِنْسِ المَبِيعِ.
وعنه، أنَّه مُخيَّرٌ بينَ ذلك وبينَ أن يُخْرِجَ بِن الثَّمَنِ، بِناءً على جَوازِ إخْراجِ القِيمَةِ في الزكاةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ولأنَّ عليه القِيامَ بالثَّمَرَةِ حتى يُؤَدِّىَ الواجِبَ فيها ثَمَرًا، فلا يَسْقُطُ ذلك عنه ببَيْعِها.
ويَتَخَرَّجُ أن تَجِبَ الزكاةُ على المُشْتَرِى، عندَ مَن قال: إنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ يَوْمَ الحَصادِ؛ لأنَّ الوُجُوبَ إنَّما تَعَلَّقَ بها في مِلْكِه، فكانت عليه.
ولو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ثم بَدا صَلاحُها في يَدِه على وَجْهٍ صَحِيحٍ، كمَن اشْتَرَى شَجَرَةَ مُثْمِرَةً واشْتَرَطَ ثَمَرَتَها، أو وُهِبَتْ له ثَمَرَةٌ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فبَدا صَلاحُها في يَدِه، أو وَصَّى له بالثَّمَرَةِ فقَبِلَها بعدَ مَوْتِ المُوصِى، ثم بَدا صَلاحُها، فالصَّدَمةُ عليه في هذه الصُّوَرِ؛ لأنَّ سَبَبَ الوُجُوبِ وُجِد في مِلْكِه، فهو كما لو مَلَك عَبْدًا أو وُلِد له وَلَدٌ آخِرَ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ، وجَبَتْ عليه فِطْرَتُه.
وَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْحبِّ مُصَفًّى، وَالثَّمَرِ يَابِسًا.
فصل: وإذا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فتَرَكَها حتى بَدا صَلاحُها مِن غْيرِ شَرْطِ القَطْعِ، فالبَيْعُ باطِلٌ، وزَكاتُها على البائِعِ، وإن شَرَط القَطْعَ بَطَل البَيْعُ أيضًا، ويكونُ كما لو لم يشْتَرِطِ القَطْعَ.
وعنه، أنَّه صَحِيحٌ ويَشْتَرِكان في الزِّيادَةِ.
فعلى هذا يكونُ على المُشْتَرِى زكاةُ حِصَّتِه منها إن بَلَغَتْ نِصابًا، فإن لم يَكُنِ المُشْتَرِى مِن أهلِ (1) الزكاةِ، فلا صَدَقَةَ فيها، فإن عاد البائِعُ فاشْتَراها بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، فلا زكاةَ فيها، إلَّا أن يكونَ قَصد ببَيْعِها الفِرارَ مِن الزكاةِ، فلا تَسْقُطُ.
904 -
مسألة: (ويَجِبُ إخْراجُ زكاةِ الحَبِّ مُصَفًّى والثَّمَرِ 2 يابِسًا) لأنَّه أوانُ الكَمالِ، وحالُ الادِّخارِ. والمُؤْنَةُ التى تَلْزَمُ الثَّمَرَةَ1
..................................
إلى حينِ الإِخْراجِ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ كالمَاشِيَةِ، ومُؤْنَةُ الماشِيَةِ وحِفْظُها ورَعْيُها على رَبِّها إلى حينِ الإِخْراجِ، كذلك هذا.
فإن أخَذَ السّاعِى الزكاةَ قبلَ التَّجْفِيفِ فقد أساء ويَرُدُّه إن كانْ رَطْبًا بحالِه، وإن تَلِف رَدَّ مِثْلَه، وإن جَفَّفَه وكان قَدْرَ الزكاةِ، فقد اسْتَوْفَى 1 الواجِبَ، وإن كان دُونَه أخَذَ الباقِىَ، وإن كان زائِدًا رَدَّ الفَضْلَ.
وإن كان المُخْرِجُ رَبَّ المالِ، لم يُجْزِئْه، ولَزِمَه إخْراجُ الفَرْضِ بعدَ التَّجْفِيفِ؛ لأنَّه أخْرَجَ غيرَ الفَرْضِ، فلم يُجْزِئْه، كما لو أخرَجَ الصَّغِيرَةَ مِن الماشِيَةِ عن الكِبارِ.
فَإِنِ احْتِيجَ إلَى قَطْعِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ لِضَعْفِ الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ رُطَبًا لَا يِجِئُ مِنْهُ تَمْرٌ، أوْ عِنبًا لَا يَجِئُ مِنْهُ زَبِيبٌ، أَخْرَجَ مِنْه عِنَبًا وَرُطَبًا.
905 - مسألة: (فإنِ احْتِيجَ إلى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قبلَ كَمالِها)
وبعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، للخَوْفِ مِن العَطَشِ، أو (لضَعْفِ الأصْلِ) جاز قَطْعُها، لأنَّ حَقَّ الفُقَراءِ إنَّما يَجبُ على طَرِيقِ المُواساةِ، فلا يُكَلَّفُ الإِنسانُ ما يُهْلِكُ أصْلَ مالِه.
ولأنَّ حِفْظَ الأصْلِ أحَظُّ للفُقَراءِ مِن حِفْظِ الثَّمَرَةِ؛ لأنَّ حَقَّهم يَتَكَرَّرُ بحِفْظِها في كلِّ سَنَةٍ، فهم شُرَكاءُ رَبِّ النَّخْلِ.
ثم إن كان يَكْفِى تَخْفِيفُ الثَّمَرةِ دُونَ قَطْعِ جَمِيعِها، خَفَّفَها، وإن لم يَكْفِ إلَّا قَطْعُ الجَمِيعِ، جاز.
وكذلك إن قَطَع بَعْضَ الثَّمَرَةِ لتَحْسِينِ الباقِى، وكذلك (إن كان عِنَبًا لا يَجِئُ منه زَبِيبٌ) كالخَمْرِىِّ (أو رُطَبًا لا يَجِئُ منه تَمْرٌ) كالبَرْنِىِّ، والهِلْباثِ، فإنَّه يُخْرِجُ (منه عِنَبًا ورُطَبًا) للحاجَةِ،
.................................. ولأنَّ الزكاةَ مُواسَاةٌ، فلم تَجِبْ عليه مِن غيرِ ما عندَه كرَدِئِ الجِنْسِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُخَيَّرُ السَّاعِى بَيْنَ قَسْمِهِ مَعَ رَبِّ الْمَال قَبْلَ الْجُذَاذِ وَبَعْدَهُ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالمَنْصُوصُ أنَّهُ لَا يُخْرِجُ إِلَّا يَابِسًا، وَأنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ زَكَاتِهِ.
(وقال القاضى: يُخَيَّرُ السّاعِى) إذا أراد ذلك رَبُّ المالِ، بينَ أن يُقاسِمَ رَبَّ المالِ (قبلَ الجِدَادِ) بالخَرْصِ، ويَأْخُذَ نَصِيبَهم نَخَلاتٍ مُنْفَرِدَةً، يَأْخُذُ ثَمَرَتَها، وبينَ أن يَجُدَّها، ويُقاسِمَه إيَّاها بالكَيْلِ، [ويَقْسِمَ الثَّمَرَةَ] 1 في الفُقَراءِ (وبينَ بَيْعِها) مِن رَبِّ المالِ (ومِن غيرِه) قبلَ الجَدادِ وبعدَه، ويَقْسِمَ ثَمَنَها (والمَنْصُوصُ أنَّه لا يُخْرِجُ إلَّا يابِسًا، وأنَّه لا يجوزُ) له (شِراءُ زَكاتِه) اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ اليابِسَ حالُ الكَمالِ في تلك الحالِ.
والدَّلِيلُ على أنَّه لا يَجُوزُ له شِراءُ زَكاتِه حَدِيثُ عُمَرَ حينَ
.................................. اسْتَأْذَنَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في شِراءِ الفَرَسِ الذى حَمَل عليه فقال: «لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِى صَدَقَتِكَ وَإنْ بَاعَكَهُ بدِرْهَم» 1. فإن قِيلَ: فهَلَّا قُلْتمُ: لا زكاةَ في العِنَبِ والرُّطَبِ الذى لا يَجِئُ منه زَبيبٌ، [ولا تَمْرٌ] 2؛ لكَوْنِه