الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 461-501

كِتَابُ الزَّكَاةِ

صفحات 461-501

..................................  ولا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الخُلْطَةِ.
وحُكِىَ عن القاضى أنَّه اشْتَرَطَها.
ولَنا، قولُه عليه - السلامُ: «وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِى الْحَوضِ وَالرَّاعِى والْفَحْلِ».
ولأنَّ النِّيَّةَ لا تُؤَثِّرُ في الخُلْطَةِ، فلا تُؤَثِّرُ في حُكْمِها، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن الخُلْطَةِ

..................................  مِن الارْتِفاقِ يَحْصُلُ بدُونِها، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُها معه،؛ لا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ السَّوْمِ في السّائِمَةِ، ولا نِيَّةُ السَّقْىِ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ.

فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا، أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِى بَعْضِ الْحَوْلِ، زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ.

872 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، أو ثَبَت لهما حُكْمُ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ، زَكَّيا زَكاةَ المُنْفَرِدَيْن فيه)

متى اخْتَلَّ شَرْطٌ مِن شُرُوطِ الخُلْطَةِ المذْكُورَةِ بَطَل حُكْمُها لفَواتِ شَرْطِها، وصار وُجُودُها كعَدَمِها، فيُزَكِّى كلُّ واحِدٍ مالَه إن بَلَغ نِصابًا، وإلَّا فلا.
وكذلك إن ثَبَت لهما حُكْمُ

..................................  الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ، كرجُلَيْن لهما ثَمانُون شاةً بينَهما نِصْفَيْن، وكانا مُنْفَرِدَيْن، فاخْتَلَطا في أثْناءِ الحَوْلِ، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما عندَ تَمامِ حَوْلِه شاةٌ، وفيما بعدَ ذلك مِن السِّنِين يُزَكِّيان زَكاةَ الخُلْطَةِ.
فإنِ اتَّفَقَ حَوْلاهما أخْرَجا شاةً عندَ تَمامِ الحَوْلِ على كلِّ واحِدٍ نِصْفُها، وإنِ اخْتَلَفَ، فعلى الأوَّل منهما عندَ تَمامِ حَوْلِه نِصْفُ شاةٍ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثّانِى، فإن كان الأوَّلِ أخْرَجَها مِن غيرِ المالِ، فعلى الثّانِى نِصْفُ شاةٍ أيضًا، وإن أخْرَجَها مِن النِّصابِ، فعلى الثّانِى أرْبَعُون جُزْءًا، مِن تِسْعَةٍ وسَبْعِين جُزءًا ونِصْفٍ مِن شاةٍ.

وَإنْ ثَبَتَ لأحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى الْآخَرِ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ، ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أحَدِهِمَا، فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَالهِ مِنْهَا.

873 - مسألة: (وإن ثَبَت لأحَدِهما حُكْمُ الانْفِرادِ وَحْدَه، فعليه زَكاةُ المُنْفَرِدِ، وعلى الثّانِى زَكاةُ الخُلْطَةِ، ثم يُزَكِّيان فيما بَعْدَ ذلكَ الحَوْلِ زكاةَ الخُلْطَةِ، كُلَّما تَمَّ حَوْلُ أحَدِهِما، فعليه بقَدْرِ مالِه منها)

يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ حُكْمِ الانْفِرادِ لأحَدِهما، بأن يَمْلِكَ رجلان نِصابَيْن فَيَخْلِطاهما، ثم يَبِيعَ أحَدُهما نَصِيبَه أجْنَبِيًّا، أو يَكُونَ لأحَدِهما نِصابٌ، وللآخَرِ دُونَ النصابِ، فيَخْتَلِطان في أثْناءِ الحَوْلِ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الأوَّلِ فعليه شاةٌ، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثّانِى فعليه زَكاةُ الخُلْطَةِ، على التَّفْصِيلِ المذْكُورِ.
ويُزَكِّيان فيما بعدَ ذلك الحَوْلِ زَكاةَ الخُلْطَةِ، كلَّما تَمَّ حَوْلُ أحَدِهما فعليه

..................................  بقَدْرِ مالِه منه، فإذا كان المالُ جَمِيعًا ثَمانِين شاةً، وأخْرَجَ الأوَّلُ منها شاةً عن الأرْبَعِين، فإذا تَمَّ حَوْلُ الثّانِى فعليه أرْبَعُون جُزْءًا، مِن تِسْعَةٍ وسَبْعِين جُزْءًا، فإن أخْرَجَ الشّاةَ كلَّها مِن مِلْكِه وحال الحَوْلُ الثّانِى، فعلى الأوَّلِ نِصْفُ شاةٍ، زكاةَ الخُلْطَةِ، فإن أخْرَجَه وَحْدَه، فعلى الثّانِى تِسْعَة وثَلاثُون جُزْءًا مِن سَبْعَةٍ وسَبْعِين جُزْءًا ونِصْفِ جُزءٍ مِن شاةٍ، وإن تَوالَدَتْ شيئًا حُسِب معها.
فصل: وإن كان بينَهما ثَمانُون شاةً مُخْتَلِطَةً، مَضَى عليها بعضُ الحَوْلِ، فتَبايَعاها، بأن باعَ كلُّ واحِدٍ منهما غَنَمَه صاحِبَه مُخْتَلِطَةً، وبَقِيا على الخُلْطَةِ، لم يَنْقَطِعْ حَوْلُهما، ولم تَزُلْ خُلْطَتُهما.
وكذلك لو باعَ بعضَ غَنَمِه ببعضِ غَنَمِه مِن غيرِ إفْرادٍ 1، قَلَّ المَبِيعُ أو كثرُ.
فأمّا إن أفْرَداها ثم تبايَعاها ثم خَلَطاها وتَطاوَلَ زَمَنُ الانْفِرادِ، بَطَل حُكْمُ الخُلْطَةِ.

..................................  وإن خَلَطاها عَقِيبَ البَيْعِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْقَطِعُ؛ لأنَّ هذا زَمَنٌ يَسِيرٌ فعُفِىَ عنه.
والثّانِى، يَنْقَطِعُ؛ لوُجُودِ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ.
وإن أفْرَدَ كلُّ واحِدٍ منهما نِصْف نِصابٍ.
وتَبايَعاه، لم يَنْقَطِعْ حُكْمُ الخُلْطَةِ؛ لأنَّ مِلْكَ الإِنْسانِ يُضَمُّ بعضُه إلى بَعْض، فكأنَّ الثَّمانِين مُخْتَلِطَة بحالِها.
وكذلك إن تَبايَعا أقَلَّ مِن النِّصْفِ.
وإن تَبايَعا أكْثَرَ مِن النِّصْفِ مُنْفَرِدًا، بَطَل حُكْمُ الخُلْطَةِ، لأنَّ مِن شَرْطِها كَوْنَها في نِصابٍ، فمتى بَقِيَتْ فيما دُونَ النِّصابِ صارا مُنْفَرِدَيْن.
وقال القاضى: تَبْطُلُ الخُلْطَةُ في جَمِيعِ هذه المَسائِلِ في المَبِيعِ، ويَصِيرُ مُنْفَرِدًا.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ عندَه أنَّ المَبِيعَ بجنْسِه يَنْقَطِعُ حُكْمُ الحَوْلِ فيه، فَتَنْقَطِعُ الخُلْطَةُ بانْقِطاعِ الحَوْلِ.
وقد بَيَّنَا فيما مَضَىِ أنَّ حُكْمَ الحَوْلِ لا يَنْقَطِعُ إذا باع الماشِيَةَ بجِنْسِها، فلا تَنْقَطِعُ الخُلْطَةُ؛ لأنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ في المُشْتَرَى ببِنائِه على حَوْلِ المَبيعِ، فيَجِبُ أن يَبْنِىَ عليه في الصِّفَةِ التى كان عليها، فأمّا إن كان مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فَخَلطاه ثم تَبايَعاه،

وَلَوْ مَلَكَ رَجُلٌ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ.
فعليهما في الحَوْلِ الأوَّلِ زكاةُ الانْفِرادِ، لأنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيه ببِنائِه على أوَّلِ الحَوْلِ، وهو مُنْفَرِد فيه، ولو كان لرجل نِصاب مُنْفَرِدًا، فباعَه بنِصابٍ مُخْتَلِطٍ، زَكَّى كلُّ واحِدٍ منهما زكاةَ الانْفِرادِ، لأنَّ الزكاةَ في الثّانِى تَجِبُ ببِنائِه على الأوَّلِ، فهما كالمالِ الواحِدِ الذى حَصَل الانْفِرادُ في أحَدِ طَرَفَيْه.
فإن كان لكلِّ واحِدٍ منهما أرْبَعُون مُخْتَلِطَةً مع مالٍ آخَرَ، فتَبايَعاها، وبَقِيَتْ مُخْتَلِطَةً، لِم يَبْطُلْ حُكْمُ الخُلْطَةِ، وإنِ اشْتَرَى أحَدُهما بالأرْبَعِين المُخْتَلِطَةِ أرْبَعِين مُنْفرِدَةً، وخَلَطَها في الحالِ، احْتَمَلَ أن يُزَكِّىَ زكاةَ الخُلْطَةِ، لأنَّه يَبْنِى حَوْلَها على حَوْلِ مُخْتَلِطَةٍ، وزَمَنُ الانْفِرادِ يَسِيرٌ فعُفِىَ عنه، واحْتَمَلَ أن يُزَكِّىَ زَكاةَ المُنْفَرِدِ، لوُجُودِ الانْفِرادِ في بعضِ الحَوْلِ.

874 -

مسألة: (ولو مَلَك رجلٌ نِصابًا شَهْرًا، ثم باع نِصْفَه مُشاعًا، أو أعْلمَ على بعضِه وباعَه مُخْتَلِطًا، فقال أبو بكر: يَنْقَطِعُ الحَوْلُ، ويَسْتَأْنِفانِه مِن حينِ البَيْعِ)

لأنَّ النِّصْفَ المُشْتَرَى قد انْقَطَعَ الحَوْلُ فيه،

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْبَائِع، وَعَلَيْهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةُ حِصَّتِهِ.
فكَأنَّه لم يَجْرِ 1 في حَوْلِ الزكاةِ أصْلًا، فلَزِمَ انْقِطاعُ الحَوْلِ في الآخَرِ (وقال ابنُ حامِدٍ: لا يَنْقَطِعُ حَوْلُ البائِعِ، وعليه عندَ تَمامِ حَوْلِه زَكاةُ حِصَّتِه) لأنَّ حُدُوثَ الخُلْطَةِ لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الحَوْلِ، فلا يَمْنَعُ اسْتِدامَتَه، وَلأنَّه لو خالَطَ غيرَه في جَمِيعِ الحَوْلِ وجَبَتِ الزكاةُ، فإذا خالَطَ في بعضِه نَفْسَه، وفى بعضِه غيرَه، كان أوْلَى بالإِيجابِ، وإنَّما بَطَل حَوْلُ المَبِيعَةِ لانْتِقالِ المِلْكِ فيها، وإلَّا فهذه العِشْرُون لم تَزَلْ مُخالِطَةً لمالٍ جارٍ في حَوْلِ الزكاةِ.
وهكذا الحُكْمُ فيما إذا كانتِ الأرْبَعُون لرَجُلَيْن، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه أجْنَبِيًّا، فعلى هذا إذا تَمَّ حَوْلُ الأوَّلِ فعليه نِصْفُ شاةٍ.

فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمَالِ انْقَطعَ حَوْلُ الْمُشْتَرِى؛ لِنُقْصَانِ النِّصَابِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ فِى العَيْنِ.
فَكَذَلِكَ.
وَإنْ قُلْنَا: فِى الذِّمَّةِ.
فَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكاةُ نَصيبِهِ.

875 - مسألة: (فإن أخْرَجَها مِن المالِ انْقَطَعَ حَوْلُ المُشْتَرِى؛ لنُقْصان النِّصابِ)

في بعضِ الحَوْلِ، إلَّا أن يَكُونَ الفَقِيرُ مُخالِطًا لهما بالنِّصْفِ الذى صار له، فلا يَنقُصُ النِّصابُ إذًا، ويُخْرِجُ الثّانِى نِصْفَ شاةٍ أيضًا، على قولِ ابنِ حامِدٍ.
876 -

مسألة: (وإن أخْرَجَها مِن غيرِه، وقُلنا: الزكاةُ في العَيْنَ. فكذلك. وإن قُلنا: في الذِّمَّةِ. فعليه عندَ تَمامِ حَوْلِه زكاةُ حِصَّتِه)

إذا أخْرَجَ البائِعُ الزكاةَ مِن غيرِ المالِ في هذه المَسْألَةِ، وقُلنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ.
فقال القاضى: يَجِبُ نِصْفُ شاةٍ أيضًا؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الزكاةِ

..................................  بالعَيْنِ، لا بمَعْنَى أنَّ الفُقَراءَ يَمْلِكُون جُزْءًا مِن النِّصابِ، بل بمَعْنَى أنَّ تَعَلُّقَ حَقِّهم به كتَعَلُّقِ أرْشِ الجِنايَةِ بالجانِى، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الزكاةِ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا شئَ على المُشْتَرِى، ذَكَرَه شيخُنا 1. وهو قولُ أبى الخَطّابِ؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الزكاةِ بالعَيْنِ نَقَص النِّصابَ، فمنَعَ وُجُوبَ الزكاةِ على المُشْتَرِى، ولأنَّ فائِدَةَ قَوْلِنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ.
إنَّما تَظْهَرُ في مَنْعِ الزكاةِ، وقد ذَكَرَه القاضى في غيرِ هذا المَوْضِعِ.
وإن قُلنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ.
لم يَمْنَعْ وُجُوبَ الزكاةِ على المُشْتَرِى؛ لأنَّ النِّصابَ لم يَنْقُصْ.
وعلى قِياسِ هذا، لو كان لرَجُلَيْن نِصابُ خُلْطَةٍ، فباعَ أحَدُهما خَلِيطَه في بعضِ الحَوْلِ، فهى عَكْسُ المَسْألَةِ الأُولَى في الصُّورَةِ، ومِثْلُها في المَعْنَى؛ لأنَّه كان في الأوَّلِ خَلِيطَ نَفْسِه، ثم صار خَلِيطَ أجْنَبِىٍّ، وههُنا كان خَلِيطَ أجْنَبِىٍّ، ثم صار خَلِيطَ نَفْسِه.
ومِثْلُه لو كان رَجُلان مُتَوارِثانِ،

..................................  لهما نِصابُ خُلْطَةٍ، فماتَ أحَدُهما في بعضِ الحَوْلِ، فوَرِثَه صاحِبُه، فعلى قِياسِ قولِ أبى بكرٍ، لا يَجِبُ عليه شئٌ حتى يَتِمَّ الحَوْلُ على المالَيْن مِن حينِ مِلْكِه لهما، إلَّا أن يَكُونَ أحَدُهما بمُفْرَدِه يَبْلُغُ نِصابًا.
وعلى قِياسِ قولِ ابنَ حامِدٍ تَجِبُ الزكاةُ في النِّصْفِ الذى كان له خاصَّةً، إذا تَمَّ حَوْلُه.

وَإِنْ أَفْرَدَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يحْتَمِلُ أَلَّا يَنْقَطِعَ إِذَا كَانَ زَمَنًا يَسِيرًا.
وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ شَهْرًا ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِى بَكْرٍ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةُ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ عَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ.
فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِى، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَلِيطٍ، وَجْهًا وَاحِدًا.

877 - مسألة: (وإن أفْرَدَ بعضَه وباعَه ثم اخْتَلَطا، انْقَطَعَ الحَوْلُ)

ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ، لثُبُوتِ حُكْمِ الانْفِرادِ في البعضِ (وقال القاضى: يَحْتَمِلُ) أن يكونَ كما لو باعَها مُخْتَلِطَةً (إذا كان زَمَنًا يَسِيرًا) لأنَّ اليَسِيرَ مَعْفُوٌّ عنه.
878 -

مسألة: (وإن مَلَك نِصابَيْن شَهْرًا، ثم باع أحَدَهُما مُشاعًا، فعلى قِياسِ قَوْلِ أبى بَكْرٍ، يَثْبُتُ للبائِعِ حُكْمُ الانْفِرادِ، وعليه عندَ تَمامِ حَوْلِه زكاةُ المُنْفَرِدِ، لثُبُوتِ حُكْمِ الانْفِرادِ له.
(وعلى قِياسِ قولِ ابنِ حامِدٍ، عليه زكاةُ خَلِيطٍ)

لأنَّه لم يَزَلْ مُخالِطًا في جَمِيعِ الحَوْلِ (فإذا تَمَّ حَوْلُ المُشْتَرِى، فعليه زكاةُ خَلِيطٍ، وجْهًا واحِدًا) لكَوْنِه لم

وَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ آخَرَ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ؛ مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِى الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ فِى صَفَرٍ،  يَثْبُتْ له حُكْمُ الانْفِرادِ أصْلًا.

879 -

مسألة: (ولو مَلَك)

رَجُلٌ (نِصابًا شَهْرًا، ثم مَلَك آخَرَ لا يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ؛ مثلَ أن يَمْلِكَ أرْبَعِين شاةً في المُحَرَّمِ، وأرْبَعِين في

فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ فِى الثَّانِى، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الآخَرِ، عَلَيْهِ لِلثَّانِى زَكَاةُ خُلْطَةٍ، كَالْأَجْنَبِىِّ فِى الَّتِى قَبْلَهَا.
صَفَرٍ، فعليه زكاةُ الأوَّلِ عندَ تَمامِ حَوْلِه) شاةٌ؛ لأنَّه مَلَك نِصابًا حَوْلًا، فإذا تَمَّ حَوْلُ (الثّانِيِ) فعلى وَجْهَيْن؛ أحَدُهما (لا زكاةَ فيه) لأنَّ الجَمِيعَ مِلْكُ واحِدٍ فلم يَزِدْ فرْضُه على شاةٍ، كما لو اتَّفَقَتْ أحْوالُه.
والثّانِى، فيه (زكاةُ خَلِيطٍ) لأنَّ الأوَّلَ اسْتَقَلَّ بشاةٍ، فتَجِبُ الزكاةُ في الثّانِى، وهو نِصْفُ شاةٍ؛ لاخْتِلاطِها بالأرْبَعِين الأُولَى (كالأجْنَبِىِّ في) المَسْألَةِ (التى قبلَها).

..................................  فصل: فإن كان مَلَك أرْبَعِين أُخْرَى في رَبِيعٍ، ففيها وجْهان؛ أحَدُهما، لا زكاةَ فيها.
والثانى، فيها [ثُلُثُ شاةٍ] 1؛ لأنَّه مَلَكَها مُخْتَلِطَةً بالثَّمانِين المُتَقَدِّمَةِ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ وَجْهًا ثالِثًا، أنَّه يَجِبُ في الثّانِى شاةٌ، وكذلك في الثّالِثِ؛ لأنَّه نِصابٌ كامِلٌ وجَبَتِ الزكاةُ فيه بنَفْسِه، أشْبَهَ ما لو انْفَرَدَ.
وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنَّه لو كان مالِكُ الثّانِى والثّالِثِ أجْنَبِيَّيْن، ملَكاهُما مُخْتَلِطَيْن، لم يَجِبْ عليهما إلَّا زكاةُ خُلْطَةٍ،

وَإنْ كَانَ الثَّانِى يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ؛ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
فإذا كانا لمالِكِ الأوَّلِ كان أوْلَى؛ لأنَّ ضَمَّ بعض مِلْكِه إلى بعض أوْلَى مِن ضَمِّ مِلْكِ الخَلِيطِ إلى خَلِيطِه.

880 -

مسألة: (وإن كان الثّانِى يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ؛ مِثلَ أن يَمْلِكَ مائَةَ شاةٍ، فعليه زَكاتُه إذَا تَمَّ حَوْلُه، وجْهًا واحِدًا)

كما لو اتَّفَقَتْ أحْوالُه.
والواجِبُ فيه شاةٌ على الوَجْهِ الأوَّلِ والثّالِثِ؛ لأنَّه لو مَلَكَها دُفْعَةً واحِدَةً لم يَجِبْ عليه أكْثَرُ مِن شاتَيْن.
وعلى الوَجْهِ الثّانِى، يَجِبُ عليه شاةٌ وثَلَاثةُ أسْباعِ شاةٍ؛ لأنَّه لو مَلَك المالَيْن دُفْعَةً واحِدَةً، كان عليه فيهما شاتان،

..................................  حِصَّةُ المائةِ منها خَمْسَةُ أسْباعِهما، وهو شاةٌ وثَلاثَةُ أسباعٍ، فإن كان مَلَك مائةً أُخْرَى في رَبِيعٍ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ والثّالِثِ، عليه فِيها شاةٌ.
وعلى الوَجْهِ الثّانِى، عليه شاةٌ وَرُبْعٌ؛ لأنَّه لو مَلَك المائتَيْن وأرْبَعِين دَفْعَةً واحِدَةً كان عليه فيها ثَلاثُ شِياهٍ، حِصَّةُ المائةِ الثّانِيَةِ مِنهُنَّ رُبْعُهُنَّ وسُدْسُهُنَّ، وذلك شاةٌ ورُبْعٌ.
ولو كان المالِكُ للأمْوالِ الثَّلَاثةِ ثَلاثَةَ أشْخاصٍ، ومَلَك الثّانِى والثّالِثُ سائِمَتَهما مُخْتَلِطَةً، لكان الواجِبُ على الثّانِى والثّالِثِ كالواجِبِ على المالِكِ في الوَجْهِ الثّانِى، لا غيرُ.

..................................  فصل: وإن مَلَك عِشْرِين مِن الإِبِلِ في المُحَرَّمِ وخَمْسًا في صَفَرٍ، فعليه في العِشْرِين إذا تَمَّ حَوْلُها أرْبَعُ شِياهٍ، وفى الخَمْسِ عندَ تَمامِ حَوْلِها خُمْسُ بِنتِ 1 مَخاضٍ على الوَجْهَيْن الأوَّلَيْن.
وعلى الوَجْهِ الثّالِثِ، عليه شاةٌ.
وإن مَلَك في المُحَرَّمِ خَمْسًا وعِشرِين، وخَمْسًا في صَفَرٍ، فعليه في الأوَّلِ عندَ تَمامِ حَوْلِه بِنْتُ مَخاضٍ، ولا شئَ عليه في الخَمْسِ، على الوَجْهِ 2 الأوَّلِ.
وعلى الثّانِى، عليه سُدْسُ بِنْتِ مَخاضٍ، وعلى الثّالِثِ، عليه شاةٌ.
فإن مَلَك مع ذلك سِتًّا في رَبِيع، فعليه في الأوَّلِ عندَ تَمامِ حَوْلِه بِنْتُ مَخاضٍ، ولا شئَ عليه في الخَمْسِ، على الوَجْهِ الأوَّلِ حتى يَتِمَّ حَوْلُ السِّتِّ، فيَجِبُ فيهما رُبْعُ بِنْتِ لَبُونٍ ونِصْفُ تُسْعِها.
وفى

وَإِنْ كَانَ الثَّانِى يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا، مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ فِى الْمُحَرَّمِ وَعَشْرًا فِى صَفَرٍ، فَعَلَيْهِ فِى الْعَشْرِ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ.
الوَجْهِ الثّانِى، عليه في الخَمْسِ سُدْسُ بِنْتِ مَخاضٍ إذا تَمَّ حَوْلُها، وفى السِّتِّ سُدْسُ بِنْتِ لَبُونٍ.
وفى الوَجْهِ الثّالِثِ، عليه في الخَمْسِ والسِّتِّ عندَ تَمامِ حَوْلِ كلِّ واحِدٍ منهما شاةٌ.

881 -

مسألة: (وإذا كان الثّانِى يَتَغَيَّرُ به الفَرْضُ ولا يَبْلُغُ نِصابًا، مثلَ أن يَمْلِكَ ثَلاثِين مِن البَقَرِ في المحَرَّمِ وعَشْرًا في صَفرٍ، فعليه في)

الثَّلاثِين إذا تَمَّ حَوْلُها تَبِيعٌ، وفى (العَشْرِ إذا تَمَّ حَوْلُها رُبْعُ مسِنَّةٍ) على الوَجْهَيْن الأوَّلَيْن، لأنَّ الفَرِيضَةَ الموجِبَةَ للمُسِنَّةِ قد كَمُلَتْ، وقد أخْرَجَ زكاةَ الثَّلاثِين، فوَجَبَ في العَشْرِ بقِسْطِها مِن المُسِنَّةِ، وهو رُبْعُها.
وعلى الوَجْهِ الثّالِثِ، يَقْتَضِى أن لا يَجِب عليه في العَشْرِ شئٌ، كما لو مَلَكَها مُنْفرِدَة.

وَإنْ مَلَكَ مَا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ كَخَمْسٍ، فَلَا شَىْءَ فِيهَا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وِفِى الثَّانِى، عَلَيْهِ سُبْعُ تَبِيعٍ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا.
وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّون شَاةً، كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ، فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ؛ نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ،

882 - مسألة: (وإن مَلَك ما لا يُغَيِّرُ الفَرْضَ، كَخَمْسٍ، فلا شَئَ فيها)

على الوَجْهِ الأوَّلِ، كما لو مَلَك الجَمِيعَ دَفْعَةً واحِدَةً.
وعلى الوَجْهِ (الثّانِى، عليه سُبْعُ تَبِيعٍ إذا تَمَّ حَوْلُها)؛ لو كان المالِكُ لها أجْنَبِيًّا، ولا شَئَ عليه فيها في الوَجْهِ الثّالِثِ.
883 -

مسألة: (وإذا كان لرجلٍ سِتُّون شاةً، كلُّ عِشْرِين منها مُخْتَلِطَةٌ بعِشْرِين لآخَرَ، فعلى الجَمِيعِ شاةٌ؛ نِصْفُها على صاحِبِ السِّتِّين،

وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدْسُ شَاةٍ.
ونِصْفُها على الخُلَطاءِ، على كلِّ واحِدٍ سُدْسُ شاةٍ)؛ لو كانت لشَخْصٍ واحِدٍ.
ولو كان رجلان، لكلِّ واحِدٍ منهما سِتُّون، فخَالَطَ كلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه بعِشْرِين فقط، وَجَب عليهما شاةٌ بينَهما نِصْفَيْن

وَإنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْها مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَا شَىْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ؛ لَأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِى نِصَابٍ.
وَإذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِى بَلَدَيْنِ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاةُ، فَهِىَ كَالْمُجْتَمِعَةِ.
لذلك (فإن كان) له سِتُّون (كلُّ عَشْرٍ منها مُخْتَلِطَةً بعَشْرٍ لآخَرَ، فعليه شاةٌ ولا شئَ على خُلَطائِه؛ لأنَّهم (1) لم يَخْتَلِطُوا في نِصابٍ) كذلك قال أصحابُنا.

884 -

مسألة: (وإذا كانت ماشِيَةُ الرجلِ مُتَفَرِّقَةً في بَلَدَيْن لا تُقْصَرُ

1

وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أبِى الْخَطَّابِ.
وَالْمَنْصُوصُ أنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمَ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ.
بينَهما الصلاةُ، فهى كالمُجْتَمِعَةِ) يَضُمُّ بعضَها إلى بعضٍ، ويُزَكِّيها كالمُخْتَلِطَةِ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا (وإن كان بينَهما مسافَةُ القَصْرِ، فكذلك) في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
اخْتارَها أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ سائِرِ العُلماءِ.
وهو الصَّحِيحُ إن شاء اللَّهُ تعالى؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 1. ولأنَّه مِلْكٌ واحِدٌ، أشْبَهَ ما لو كان في بُلْدانٍ مُتَقارِبَةٍ، وكغيرِ السّائِمَةِ.
فعلى هذا يُخْرِجُ الفَرْضَ في أحَدِ البَلَدَيْن؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ (أنَّ لكلِّ مالٍ حُكْمَ نَفْسِه) يُعْتَبَرُ على حِدَتِه، إن كان نِصابًا ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ هذا القولَ عن غيرِ أحمدَ.
واحْتَجَّ بظاهِرِ قَوْلِه عليه

وَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِى غَيْرِ السَّائِمَةِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا تُؤَثِّرُ.
السلامُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» (1). وهذا مُتَفَرِّقٌ فلا يُجْمَعُ، ولأنَّه [لمّا أثَّرَ اجْتِماعُ] (2) مالَيْن لرجُلَيْن في كَوْنِهما كالمالِ الواحِدِ، يَجِبُ أن يُؤَثِّرَ افْتِراقُ مالِ الرجلِ الواحِدِ، حتى يَجْعَلَه كالمالَيْن.
والحديثُ مَحْمُولٌ على المُجْتَمِعَةِ، ولا يَصحُّ القِياسُ على غيرِ السّائِمَةِ، لأنَّ الخُلْطَةَ لا تُؤَثِّرُ فِيها، كذلك الافْتِراقُ، والبُلْدانُ المُتَقارِبَةُ بمَنْزلَةِ البَلَدِ الواحِدِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ على ما بَيَّنّا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّ السّاعِىَ لا يَأْخُذُها، فأمّا رَبُّ المالِ فيُخْرِجُ إذا بَلَغ مالُه نِصابًا، فإنَّه قد رُوِىَ عنه، في مَن له مائةُ شاةٍ في بُلْدانٍ مُتَفَرِّقَةٍ: لا يَاخُذُ المُصَدِّقُ (3) منها شيئًا؛ لأنَّه لا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ، وصاحِبُها إذا ضَبَط ذلك وعَرَفَه أخْرَجَ هو بنَفْسِه، يَضَعُها في الفُقَراءِ.
كذلك رَواه المَيْمُونِىُّ وحَنْبَلٌ عنه.

885 -

مسألة: (ولا تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ في غيرِ السّائِمَةِ. وعنه، أنَّها

123

..................................  تُؤَثِّرُ) لا تُؤَثِّرُ الخُلْطَةُ في غْيْرِ السّائِمَةْ، كالذَّهبِ والفِضَّةِ والزُّرُوعِ والثِّمارِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ، ويَكُونُ حُكْمُهم حُكْمَ المُنْفَرِدِين.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وعن أحمدَ، أنَّ شَرِكَةَ الأعْيانِ تُؤَثِّرُ في غيرِ الماشِيَةِ، فإذا كان 1 بينَهم نِصابٌ يَشْتَرِكُون فيه، فعليهم الزكاةُ.
وهذا قولُ إسحاقَ، والأوْزاعِىِّ، في الحَبِّ والثَّمَرِ، قِيَاسًا على خُلْطَةِ الماشِيَةِ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
قال أحمدُ: الأوْزاعِىُّ يَقُولُ في الزَّرْعِ إذا كانُوا شُرَكاءَ يَخْرُجُ لهم خَمْسَةُ أوْسُقٍ فيهْ الزكاةُ.
قاسَه على الغَنَمِ، ولا يُعْجِبُنِى قولُ الأوْزاعِىِّ.
فأمّا خُلْطَةُ الأوْصافِ، فلا مَدْخَلَ لها في غيرِ المَاشِيَةِ بحالٍ؛ لأنَّ الاخْتِلاط لا يَحْصُلُ.
وخَرَّجَ القاضى وَجْهًا، أنَّها تُؤَثِّرُ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ تَخِفُّ إذا كان المُلْقِحُ 2 واحِدًا، والنّاطُورُ 3، والجَرِينُ 4، وكذلك أمْوالُ التِّجارَةِ؛ الدُّكّانُ، والمَخْزَنُ، والمِيزانُ، والبائِعُ، فأشْبَهَ المَاشِيَةَ.
ومَذْهَبُ الشافعىِّ على نَحْوِ مَذْهَبِنا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ

..................................  النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَالْخَلِيطَانِ مَا اشْتَرَكَا فِى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِى» 1. فدَلَّ على أنَّ ما لم يُوجَدْ فيه ذلك لا يَكونُ خُلْطَةً مُؤثِّرَةً، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ فتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصدَقَةِ».
إنَّما يَكُونُ في المَاشِيَةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ يَقِلُّ جَمْعُها تارَةً، ويَكْثُرُ أُخْرَى، وسائِرُ الأمْوالِ يَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بحِسابِه، فلا أثَرَ لجَمْعِها، ولأنَّ خُلْطَةَ الماشِيَةِ تُؤَثِّرُ في النَّفْعِ تارَةَ، وفى الضَّرَرِ أُخْرَى، وفى غيرِ الماشِيَةِ تُؤثِّرُ ضَرَرًا مَحْضًا برَبِّ المالِ، فلا يَصِحُّ القِياسُ.
فعلى هذا إذا كان لجَماعَةٍ وَقْفٌ، أو حائِطٌ مُشْتَرَكٌ بينَهم فيه ثَمَرَةٌ أو زَرْعٌ، فلا زَكاةَ عليهم، إلَّا أن يَحْصُلَ في يَدِ بعضِهم نِصابٌ فتَجِبُ عليه الزكاةُ.
وعلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى، إذا كان الخارِجُ نِصابًا، ففيه الزكاةُ، فإن كان الوَقْفُ نِصابًا مِن السّائِمَةِ، وقُلنا: إنَّ الزكاةَ تَجِبُ في السّائِمَةِ المَوْقُوفَةِ.
فيَنْبَغِى أن تَجِبَ عليهم الزكاةُ؛ لاشْتِراكِهم في مِلْكِ نِصابٍ تُؤثِّرُ الخُلْطَةُ فيه.

وَيَجُوزُ لِلسَّاعِى أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَىِّ الْخَلِيطيْنِ شَاءَ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.

886 - مسألة: (ويَجُوزُ للسّاعِى أخْذُ الفَرْضِ مِن مالِ أىِّ الخَلِيطَيْن شاء)

هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وسَواءٌ دَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن تَكُونَ الفَرِيضَةُ عَيْنًا واحِدَةً لا يمكنُ أخْذُها مِن المالَيْن، ونَحْوَ ذلك، أو لم تَدْعُ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن يَجِدَ فَرْضَ كلِّ واحِدٍ مِن المالَيْن فيه.
قال أحمدُ: إنَّما يَجِئُ المُصَدِّقُ فيَجِدُ الماشِيَةَ فيُصَدِّقُها، ليس يَجئُ فيقولُ: أىُّ شئٍ لك؟ وأىُّ شئٍ لك؟ قال الهَيْثَمُ بنُ خارِجَةَ لأبى عبدِ اللَّهِ: أنا رَأيْتُ مِسْكِينًا كانت له في غَنَمٍ شاتان، فجاء المُصَدِّقُ فأخَذَ إحْداهما.
ووَجْهُ ذلك قولُ النبىِّ، -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» 1. يَعْنِى إذا أخَذَ مِن مالِ أحَدِهما.
ولأنَّ المالَيْن قد صارا كالمالِ الواحِدِ في وُجُوبِ الزكاةِ، فكذلك في إخْراجِها.

وَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ.
فَإنِ اخْتَلَفَا فِى الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ، إِذَا عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ.
وَإذَا أَخَذَ السَّاعِى أَكْثَرَ مِنَ الْفَرْضِ ظُلْمًا، لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى خَلِيطِهِ،

887 - مسألة: (ويَرْجِعُ المَأْخُوذُ منه على خَلِيطِه بحِصَّتِه مِن القِيمَةِ)

لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ والمَعْنَى.
فإذا كان لأحَدِهما ثُلثُ المالِ، وللآخَرِ ثُلثاه، فأخَذَ الفَرْضَ مِن مالِ صاحِبِ الثُلثِ، رَجَعَ بثُلثَىْ قِيمَةِ المُخْرَجِ على شَرِيكِه، وإن أخَذَه مِن الآخَرِ، رَجَع بالثُّلثِ على شَرِيكِه.
888 -

مسألة: (فإنِ اخْتَلَفا في القِيمَةِ، فالقولُ قولُ المَرْجُوعِ عليه، إذا عُدِمَتِ البَيِّنَةُ)

لأنَّه غارِمٌ، فأشْبَهَ الغاصِبَ إذا اخْتَلَفا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ بعدَ تَلَفِه، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
889 -

مسألة: (وإذا أخَذَ السّاعِى أكْثَرَ مِن الفَرْضِ ظُلْمًا، لم

وَإِنْ أَخَذَهُ بِقَوْلِ بَعْض الْعُلَمَاءِ رَجَعَ عَلَيْهِ.
يَرْجِعْ بالزِّيادةِ على خَلِيطِه) إذا أخَذَ السّاعِى أكْثَرَ مِن الفَرْضِ بغيرِ تَأْوِيلٍ، مثلَ أن يَأْخُذَ مكانَ الشّاةِ شاتَيْن، أو جَذَعَةً مكانَ حِقَّةٍ، لم يَكُنْ للمَأْخُوذِ منه الرُّجُوعُ إلَّا بقَدْرِ الواجِبِ، لأنَّ شَرِيكَه لم يَظْلِمْه، فلم يَكُنْ له الرُّجُوْعُ عليه (1)، كغيرِه.
ولأنَّه ظُلْمٌ اخْتَصَّ السّاعِى، فلم يَرْجِعْ به على غيرِه، كما لو غَصَبَه على غيرِ وَجْهِ الزكاةِ.

890 -

مسألة: (وإن أخَذَه بقَوْلِ بَعْضِ العُلماءِ رَجَع عليه)

وذلك مثلُ أن يَأْخُذَ الصَّحِيحَةَ عن المِراضِ، والكَبِيرَةَ عن الصِّغارِ؛ لأنَّ ذلك إلى اجْتِهادِ الإِمامِ، فإذا أدّاه اجْتِهادُه إلى أخْذِه، وَجَب دَفْعُه، وصار بمَنْزِلَةِ الفَرْضِ الواجِبِ، والسّاعِى نائِبُ الإِمامِ، فعْلُه كفِعْلِ الإِمامِ.1

..................................  وكذلك إذا أخَذَ القِيمَةَ، يَرْجِعُ على شَرِيكِه بما يَخُصه منها؛ لِما ذَكَرْنا.
واللَّهُ أعلمُ.

بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ

بابُ زكاةِ الخارجِ مِن الأرْضِ والأصْلُ فيها الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ 1. والزَّكاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً، بدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 3. قال ابنُ عباسٍ: حَقُّه الزكاةُ المَفْرُوضَةُ.
وقال مَرَّةً: العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ.
ومِنِ السُّنَّةِ قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ».
مُتَّفقٌ عليه 4. وعن ابنِ عُمَرَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أوْ كَانَ عَثَرِيًّا 5 العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ».
أخْرَجَه البخارىُّ، وأبو داودَ 6. وعن جابِرٍ، أنَّه سَمِع النبىَّ، -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «فِيمَا

تَجِبُ الزَّكَاةُ فِى الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَفِى كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ؛ كَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَاللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْبُنْدُقِ.
وَلَا تَجِبُ فِى سَائِرِ الثَّمَرِ، وَلا فِي الْخُضَرِ، وَالْبُقُولِ، وَالزَّهْرِ.
سَقَتِ الْأنهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بالسَّانِيَةِ 1 نِصْفُ الْعُشْرِ».
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 2. وأجْمَعَ أهل العلمِ على وُجُوبِ الزكاةِ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ.

891 -

مسألة: (تَجِبُ الزكاةُ في الحُبُوبِ كلِّها، وفى كلِّ ثَمَرٍ يُكالُ ويُدَّخَرُ؛ كالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، واللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ.
ولا تَجِبُ في سائِرِ الثَّمَرِ، ولا في الخُضَرِ، والزَّهْرِ، والبُقُولِ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيما اجْتَمَعَ فيه الكَيْلُ والادِّخارُ مِن الثَّمَرِ والحُبُوبِ، ممّا يُنْبِتُه الآدَمِيُّون، سَواءٌ كان قُوتًا؛ كالحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والسُّلْتِ 3،

..................................  والأُرْزِ، والذُّرَةِ، والدُّخْنِ 1، أو مِن القِطْنِيّاتِ 2، كالباقِلَّا، والعَدَسِ، والماشِ 3، والحِمَّصِ، أو مِن الأبازِيرِ؛ كالكُسْفَرَةِ 4، والكَمُّونِ، والكَراوْيا، أو البُزُورِ؛ كبِزْرِ الكَتّانِ، والِقثّاءِ، والخِيارِ، أو حَبِّ البُقُولِ؛ كالرَّشَادِ 5، وحَبِّ الفُجْلِ، والقِرْطِمِ 6، والتُّرْمُسٍ، والسِّمْسِمِ، وسائِرِ الحُبُوبِ.
وتَجِبُ أيضًا فيما جَمَع هذه الأوْصاف مِن الثِّمارِ؛ كالتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والقِشْمِش 7، واللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ.

..................................  ولا زكاةَ في سائِرِ الفَواكِهِ، مِن الخَوْخِ، والرُّمّانِ، والإِجّاصِ 1، والكُمَّثْرَى، والتُّفّاحِ، والمِشْمِشِ 2، والتِّينِ، والجُوْزِ، ونَحْوِه.
ولا في الخُضَرِ؛ كالقِثّاءِ، والخِيارِ، والباذِنْجانِ، واللِّفْتِ، والجَزَرِ.
وبهذا قال عَطاءٌ في الحُبُوبِ كلِّها، ونَحْوُه قولُ أبى يُوسُفَ ومحمدٍ.
وقال أبو عبدِ اللَّه اِبنُ حامدٍ: لا شئَ في الأبازِيرِ، ولا البُزُورِ، ولا حَبِّ البُقُولِ.
ولَعَلَّه لا يُوجِبُ الزكاةَ إلَّا فيما كان قُوتًا أو أُدْمًا 3؛ لأنَّ ما عَدَاه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فيَبْقَى على النَّفْى الأصْلِىِّ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: لا زكاةَ في ثَمَرٍ، إلَّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ، ولا في حَبٍّ، إلَّا ما كان قُوتًا في حالَةِ الاخْتِيارِ لذلك، إلَّا في الزَّيْتُونِ، على اخْتِلافٍ.
وحُكِىَ عن أحمدَ: لا زكاةَ إلَّا في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.

..................................  وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وموسى بنِ طَلْحَةَ 1، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، وابنِ أبى لَيْلَى، وابنِ المُبارَكِ.
والسُّلْتُ، وهو نَوْعٌ مِن الشَّعِيرِ.
ووافَقَهُم إبراهيمُ، وزاد الذُّرَةَ.
ووافَقَهم ابنُ عباسٍ، وزاد الزَّيْتُونَ، لأنَّ ما عَدَا هذا لا نصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ ولا المُجْمَعِ عليه، فيَبْقَى على الأصْلِ.
وقد روَى عمرُو ابنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، أنَّه قال: إنَّما سَنَّ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ.
وعن أبى بُرْدَةَ، عن أبى موسى، ومُعاذٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ يُعَلِّمان النَّاسَ أمْرَ دِيبهم، فَأمَرَهم أن لا يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إلَّا مِن هذا الأرْبَعَةِ، الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.
رَواهُنَّ الدَّارَقُطْنِىُّ 2. ولأنَّ غيرَ هذه الأرْبَعَةِ لا يُساوِيها في غَلَبَةِ الاقْتِياتِ بها وكَثْرَةِ نَفْعِها، وُجُودِها، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليها.
وقال أبو حنيفةَ: في كلِّ ما يُقْصَدُ بزراعَتِه نَماءُ الأرْضِ،

..................................  إلَّا الحَطَبَ، والقَصَبَ، والحَشِيشَ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» 1. وهو عامٌّ.
ولأنَّ هذا يُقْصَدُ بزِراعَتِه نَماءُ الأرْضِ، أشْبَهَ الحُبُوبَ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ».
وقولِه لمُعاذٍ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ» 2. خَرَج منه ما لا يُكالُ، وما ليس بحَبٍّ، بمَفْهُومِ قولِه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمرٍ 3 صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ».
رَواه مسلمٌ والنَّسائِىُّ 4. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَيْسَ فِى الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ».
وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَيْسَ فِيمَا أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الْخَضِرِ صدَقَةٌ».
رَواهما الدّارَقُطْنِىُّ 5. وقال موسى بنُ طَلْحَةَ: جاء الأثَرُ عن رسولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- في خَمْسَةِ أشْياءَ؛ الشَّعِيرِ، والحِنْطَةِ، والسُّلْتِ، والزَّبِيبِ، والتَّمْرِ، وما

..................................  سِوَى ذلك ممّا أخْرَجَتِ الأرْضُ فلا عُشْرَ فِيه 1. وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِهِ، أنَّ عامِلَ عُمَرَ كَتَب إليه في كُرُومٍ، فيها مِن الفِرْسِكِ 2 والرُّمّانِ ما هو أكْثَرُ غَلَّةً مِن الكُرُومِ أضْعافًا، فكَتَبَ إليه عمرُ: ليس عليها عُشْرٌ، هى مِن العِضاهِ 3. فصل: ولا تَجِبُ فِيما ليس بحَبٍّ ولا ثَمَرٍ، سَواءٌ وُجِد فيه الكَيْلُ والادِّخارُ أو لا، فلا تَجِبُ في وَرَقٍ مثلِ السِّدْرِ والخَطْمِىِّ 4 والأُشْنانِ والصَّعْتَرِ 5 والآسِ 6 ونَحْوِه، لأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَاه، ولأنَّ قولَه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِى حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ».
يَدُلُّ على أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في غَيْرِهما.
قال

..................................  ابنُ عَقِيلٍ: ولأنَّه لا زكاةَ في ثَمَرِ السِّدْرِ، فوَرَقُه أوْلَى.
ولأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في الحَبِّ المُباحِ، ففى الوَرَقِ أوْلَى.
وقال أبو الخَطّابِ: تَجِبُ الزكاةُ في الصَّعْتَرِ والأُشْنانِ؛ لأنَّه مَكِيلٌ مُدَّخرٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
ولا تَجِبُ في الزَّهْرِ، كالزَّعْفَرانِ، والعُصْفُرِ، والقُطْنِ؛ لأنَّه ليس بحَبٍّ ولا ثَمَرٍ، ولا مَكِيلٍ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالخَضْراواتِ.
قال أحمدُ: ليس في القُطْنِ شئٌ.
وقال: ليس في الزَّعْفَرانِ زكاةٌ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيَارُ أبى بكرٍ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ليس في الفاكِهَةِ والبَقْلِ والتَّوابِلِ والزَّعْفَرانِ زكاةٌ.

وَعَنْهُ، أَنَّهَا تَجِبُ فِى الزَّيْتُونِ، وَالْقُطْنِ، وَالزَّعْفَرَانِ، إِذَا بَلَغَا بِالْوَزْنِ نِصَابًا.
(وعنه، أنَّها تَجِبُ في الزَّيْتُونِ، والقُطْنِ، والزَّعْفرانِ، إذا بَلَغا بالوَزْنِ نِصابًا) ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ في القُطْنِ والزَّعْفَرانِ

جارٍ التحميل