الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 377-420

كِتَابُ الزَّكَاةِ

صفحات 377-420

وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا تَسْقُطُ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (1). فمَفْهُومُه وُجُوبُها عليه إذا حالَ الحَوْلُ، ولأنَّه لو لم يَتَمَكَّنْ مِن الأداءِ حتى حال عليه حَوْلان، وَجَبَتْ زَكاةُ الحَوْلَيْن، ولا يَجُوزُ وُجُوبُ فَرْضَيْن في نِصابٍ واحِدٍ في حالٍ واحِدَةٍ، وقِياسُهم يَنْقَلِبُ عليهم، فيُقالُ: عِبادَةٌ، فلا يُشْتَرَطُ لوُجُوبِها إمْكانُ الأداءِ، كسائِرِ العِباداتِ، فإنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ على الحائِض والمَرِيضِ والعاجِزِ عن أدائِه، والصلاةُ تَجِبُ على المُغْمَى عليه والنّائِمِ، ومَن أدْرَكَ مِن أوَّلِ الوَقْتِ جُزْءًا ثم جُنَّ أو حاضَتِ المَرأَةُ.
ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ تلك العِباداتِ بَدَنِيَّةٌ، يُكَلَّفُ فِعْلَها ببَدَنِه، فأسْقَطَها تَعَذُّر فِعْلِها، وهذه عِبادَةٌ مالِيَّةٌ، يُمْكِنُ ثُبُوتُ الشَّرِكَةِ للمَساكِينِ في مالِه والوُجُوب في ذِمَّتِه مع عَجْزِه عن الأداءِ، كثُبُوتِ الدُّيُونِ في ذِمَّةِ المُفْلِسِ وتَعَلُّقِها بمالِه بجنَايَتِه.

843 -

مسألة: (ولا تَسقُطُ بتَلَفِ المالِ. وعنه، أنَّها تَسْقُطُ إذا لم يُفَرِّطْ)

المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ الزكاةَ لا تَسْقُطُ بتَلَفِ المالِ، سَواءٌ1

..................................  فَرَّطَ أو لم يُفَرِّطْ.
وحَكَى عنه المَيْمُونِيُّ أنَّه إن تَلِفَ 1 النِّصابُ قبلَ التَّمَكنِ مِن الأداء سَقَطَتِ الزكاةُ، وإن تَلِفَ بعدَه لم تَسْقُطْ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ مَذْهَبًا لأحمدَ.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وبه قال مالكٌ، إلَّا في الماشِيَةِ، فإنَّه قال: لاشئَ فيها حتى يَجِئَ المُصَدِّقُ، فإن هَلَكَتْ قبلَ مَجِيئِه فلا شئَ عليه.
وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ الزكاةُ بتَلَفِ النِّصاب على كلِّ حالٍ، إلَّا أن يكونَ الإمامُ قد طالَبَه بها فمَنَعَه؛ لأنَّه تَلَفٌ قبلَ مَحَلِّ الاسْتِحْقاقِ،

..................................  فسَقَطَتِ الزكاةُ، كما لو تَلِفَتِ الثَّمَرَةُ قبلَ الجَذاذِ، ولأنَّه تَعَلَّقَ بالعَيْن، فسَقَطَ بتَلَفِها، كأرْشِ الجِنايَةِ في العَبْدِ الجانِى.
ومَنْ اشْتَرَطَ التَّمَكُّنَ قال: هذه عِبادَةٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بالمالِ، فيسْقُطُ فَرْضُها بتَلَفِه قبلَ إمْكانِ أدائِهَا، كالحَجِّ.
ومَن نَصَر الأوَّلَ، قال: مالٌ وَجَب في الذِّمَّةِ، فلم يسْقُطْ بتَلَفِ النِّصابِ، كالدَّيْنِ أو: فلم يُشْتَرَطْ في ضَمَانِه إمْكانُ الأداءِ، كثَمَنِ المَبِيعِ.
فأمّا الثَّمَرَةُ، فلا تَجبُ زَكاتُها في الذِّمَّةِ حتى تُحْرَزَ؛ لأنَّها في حُكْمِ غيرِ المَقْبُوضِ، ولهذا لو تَلِفَتْ كانت مِن ضَمانِ البائِعِ، على ما دَلَّ عليه الخَبَرُ.
وإذا قُلْنا بوُجُوبِ الزكاةِ في العَيْنِ، فليس هو بمَعْنَى اسْتِحقاقِ جُزْءٍ منه، ولهذا لا يُمْنَعُ التَّصَرُّفُ فيه، والحَجُّ لا يَجِبُ حتى يَتَمَكَّنَ مِن الأداءِ، فإذا وَجَبَ لم يَسْقُطْ بتَلَفِ المالِ، بخِلافِ الزكاةِ، فإنَّ التَّمَكُّنَ ليس بِشَرْطٍ لوُجُوبِها، على ما قَدَّمْنا.
قال شيخُنا 1:

..................................  والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ الزكاةَ تَسْقُطُ بتَلَفِ المالِ، إذا لم يُفَرِّطْ في الأداءِ؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، فلا تَجِبُ على وَجْهٍ يَجِبُ أداؤُّها مع عَدَمِ المالِ وفَقْرِ مَن تَجِبُ عليه، ولأنَّه حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، فيَسْقُطُ بِتَلَفِها مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، كالوَدِيعَةِ.
والتَّفْرِيطُ، أن يُمْكِنَه إخْراجُها فلا يُخْرِجُها، فإن لم يَتَمَكَّنْ مِن إخْراجِها فليس بمُفَرِّطٍ، سَواءٌ كان لعَدَمِ المُسْتَحِقِّ، أو لبُعْدِ المالِ، أو لكَوْنِ الفَرضِ لا يُوجَدُ في المالِ، ولا يَجِدُ ما يَشْتَرِى، أو كان في طَلَبِ الشِّراءِ، ونحْوِ ذلك.
وإن قُلْنا بوُجُوبِها بعدَ التَّلَفِ، فأمْكَنَه أداؤُّها، أدّاها، وإلَّا اُّمْهِلَ إلى مَيْشرَتِه وتَمكُّنِه مِن أدَائِها مِن غيرِ مَضَرَّةٍ عليه، لأنَّه إذا لَزِم إنْظارُه بدَيْنِ الآدَمِيِّ المُعَيَّنِ، فهذا أوْلَى.
فإن تَلِف الزّائِدُ عن النِّصابِ في السّائِمَةِ، لم يَسْقُطْ شئٌ مِن الزكاةِ؛ لأنَّها تَتَعَلَّقُ بالنِّصابِ دُونَ العَفْوِ.

وَإذَا مَصى حَوْلَانِ عَلَى نِصَابٍ لَمْ يُؤَدِّ زكَاتَهُمَا، فَعَلَيْهِ ركَاةٌ وَاحِدَةٌ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الْعَيْنِ.
وَزَكَاتَانِ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
إِلَّا مَا كَانَ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنَ الإبِلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ حَولٍ زَكَاةً.

844 - مسألة: (وإذا مَضَى حَوْلانِ على نِصابٍ لم يُؤَدِّ زَكاتَهما، فعليه زَكاةٌ واحِدَةٌ، إن قُلْنا: تَجِبُ في العَيْن.
وزَكاتانِ، إن قُلْنا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
إلَّا ما كان زَكاتُه الغَنَمَ مِنَ الإِبِلِ، فإنَّ فِيه لكُلِّ حَوْلٍ زَكاةً)

إذا كان عندَه أرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عليها ثَلاَثَةُ أحْوالٍ لم يُؤَدِّ زَكاتَها، فعليه شاةٌ واحِدَةٌ، إن قُلْنا: تَجِبُ في العَيْنِ؛ لأنَّ الزكاةَ تَعَلَّقَتْ في الحَوْلِ الأوَّلِ مِن النِّصابِ بقَدْرِها، فلم تَجِبْ فيه فيما بعدَه زكاةٌ؛ لِنَقْصِه عن النِّصابِ.
وهذا هو المَنْصُوصُ عن أحمدَ في رِوايَةِ جَماعَةٍ، فإنَّه قال، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إذا كانتِ الغَنَمُ أرْبَعِين، فلم يَأْتِه المُصَدِّقُ عامَيْن، فإذا أخَذ المُصَدِّقُ شاةً، فليس عليه شئٌ في الباقِى، وفيه

..................................  خِلافٌ.
وقال، في رِوايَةِ صالِحٍ: إذا كان عندَ الرجلِ مائتا درْهَمٍ، فلم يُزَكِّهَا حتى حال عليها حَوْلٌ آخَرُ، يُزَكِّيها للعامِ الأوَّلِ؛ لَأنَّ هذه تَصِيرُ مائتَيْن غيرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ.
وقال في رَجُلٍ له ألفُ دِرْهَمٍ، فلم يُزَكِّها سِنِين: زكَّى في أوَّلِ سَنَةٍ خَمْسَةً وعِشْرِين، ثم في كُلِّ سَنَةٍ بحِسابِ ما بَقِىَ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
فإن كان عندَه أرْبَعُونَ مِن الغَنَمِ نُتِجَتْ سَخْلَةً في كُلِّ حَوْلٍ، وَجَب عليه في كُلِّ سَنَةٍ شاةٌ؛ لأنَّ النِّصابَ كَمَل بالسَّخْلَةِ الحادِثَةِ، فإن كان نِتاجُ السَّخْلَةِ بعدَ وُجُوبِ الزكاةِ عليه، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ الثانِى مِن حينَ نُتِجَتْ؛ لأنَّه حِينَئِذٍ كَمَل.
وإن قُلْنا: إنَّ الزكاةَ تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
وَجَب عليه لكُلِّ حَوْلٍ زكاةٌ، مثلَ مَن له أرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عليها ثَلاَثَةُ أحْوالٍ لم يُؤَدِّ زَكاتَها، فعليه ثلاثُ شِياهٍ، وكذلك مَن له مائةُ دِينارٍ مَضَى عليها ثَلاَثَةُ أحْوالٍ لم يُؤَدِّ زَكاتَها، فعليه فيها سَبْعَةُ دَنانِيرَ ونِصْفٌ؛ لأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في ذِمَّتِه، فلم تُؤَثِّرْ في تَنْقِيصِ النِّصابِ.
لكنْ إن لم يكنْ له مالٌ آخَرُ يُؤَدِّي الزكاةَ منه، احْتَمَلَ أن تَسْقُطَ الزكاةُ في قَدْرِها؛ لأنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تَسْقُطُ الزكاةُ بهذا الحالِ؛ لأنَّ الشئَ لا يُسْقِطُ نَفْسَه، وقد يُسْقِطُ غيرَه، بدَلِيلِ أنَّ تَغيُّرَ الماءِ بالنَّجاسَةِ في مَحَلِّها لا يَمْنَعُ صِحَّةَ طهارَتها وإزالَتِها به، ويَمْنَعُ إزالَةَ نَجاسةِ غيرِها.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الزكاةَ الثّانِيَةَ غيرُ الأُولَى.
فصل: فأمّا ما كانت زكاتُه الغنَمَ مِن الإبِلِ، كما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين، فإنَّ عليه لكُلِّ حَوْلٍ زكاةً.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال في رِوايَةِ

وَإنْ كَانَ أكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ، إِنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ.
وَإنْ قُلْنَا: تَجِبُ في الْعَيْنِ.
نَقَصَ مِنْ زَكَاتِهِ كُلَّ حَولٍ بِقَدْرِ نَقصِهِ بِهَا.
الأثْرَم: المالُ غيرُ الإِبِل إذا أُدِّىَ عن الإِبِلِ، لم يَنْقُصْ ذلك؛ لأنَّ الفَرْضَ يَجبُ مِن غيرِها، فلا يُمْكِنُ تَعَلُّقُه بالعَيْنِ.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: إنًّ الزكاةَ تَنْقُصُه، كسائِرِ الأمْوالِ.
فإذا كان عندَه خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، فمَضَى عليها أحْوالٌ، فعلى قَوْلِنا يَجِبُ فيها.
لكلِّ حَوْلٍ شاةٌ، وعلى قَوْلِه لا يَجِبُ فيها إلَّا شاةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بوُجُوبِ الزكاةِ فيها في الحَوْلِ الأوَّلِ عن خَمْسةٍ كَامِلَةٍ، فلم يَجِبْ فيها شئٌ، كما لو مَلَك أرْبَعًا وجُزْءًا مِن بَعيرٍ.
ولَنا، أنَّ الواجِبَ مِن غيرِ جِنْسِ النِّصابِ، فلم يَنْقُصْ به النِّصابُ، كما لو أدّاه، وفارَقَ غيرَه مِن المالِ.
فإنَّ الزكاةَ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بعَيْيه، فتَنْقُصُه، كما لو أدّاه مِن النِّصابِ.
فعلى هذا لو مَلَكَ خَمْسًا وعِشْرِين، فحَالَتْ عليها أحْوالٌ، فعَلَيْه للحَوْلِ الأوَّلِ- بِنْتُ مَخاضٍ، وِعليه لكُلِّ حَوْلٍ بعدَه أرْبَعُ شِياهٍ.
وإن بَلَغَتْ قِيمُ الشِّياهِ الواجِبَةِ أكْثَرَ مِن خمْسٍ مِن الإِبِلَ.

845 -

مسألة: (وإن كان أكْثَرَ مِن نِصابٍ، فعليه زَكاةُ جَمِيعِه لكُلِّ حَوْلٍ، إن قُلْنا: تَجِبُ في الذِّمَّةِ. وإن قُلْنا: تَجِبُ في العَيْنِ. نَقَص ص مِن زَكاتِه لكلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ نَقْصِه بها)

1 وقد ذَكَرْنا شَرْحَ ذلك في

وَإذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بِالْحِصَصِ.
المَسألةِ قبلَها.

846 -

مسألة: (وإذا مات مَن عليه الزكاةُ أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه، فإن كان عليه دَيْنٌ اقْتَسَمُوا بالحِصَصِ)

إذا مات مَن عليه الزكاةُ أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه، ولم تَسْقُطْ بمَوْتِه، هذا قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ: تُؤْخَذُ مِن الثُّلُثِ، مُقَدَّمًا على الوَصايا، ولا يُجاوِزُ الثُّلُثَ.
وقال ابنُ سِيرِينَ والشَّعْبِى، والنَّخَعِيُّ، وحمادُ بنُ أبى سُليمانَ، والبَتِّيُّ 1، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لا يُخْرَجُ إلَّا أن يُوصِىَ بها، فتَكونَ كسائِرِ الوَصايا، تُعْتَبَرُ مِن الثُّلثِ، ويُزاحَمُ بها أصحابُ الوَصايا؛ لأنَّها عِبادَة مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، فسَقَطَتْ بمَوْتِ مَن هى عليه،

..................................  كالصومِ والصلاةِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ واجِبٌ تَصِحُّ الوَصِيَّةُ به، فلم تَسْقُطْ بالمَوْتِ، كدَيْنِ الآدَمِيِّ.
ويُفارِقُ الصومَ والصلاةَ، فإنَّهما عِبادَتان بَدَنِيَّتان لا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بهما.
فعلى هذا، إذا كان عليه دَيْنٌ وضاق مالُه عن الدَّيْن والزكاةِ، اقْتَسَمُوا مالَه بالحِصَصِ، كدُيُونِ الآدَمِيّينَ إذا ضاق عنها المالُ.
ويَحْتَمِلُ أن تُقَدَّمَ الزكاةُ إذا قُلْنا: إنَّها تَتَعَلّقُ بالعَيْنِ.
كما تَقَدَّمَ حَقُّ المُرْتَهِنِ على سائِرِ الغُرَماءِ بثَمَنِ الرَّهْنِ، لتَعَلُّقهِ به.

بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ

وَلَا تَجِبُ إِلَّا في السَّائِمَةِ مِنْهَا،  بابُ زكاةِ بهيمةَ الأنعامِ

847 -

مسألة: (ولا تَجِبُ إلَّا في السّائِمَةِ منها)

والسّائِمَةُ؛ الرّاعِيَةُ، وقد سامَتْ تَسُومُ سَوْمًا: إذا رَعَتْ، وأسَمْتُها إذا رَعَيْتُها، ومنه قَوْلُه تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ 1. وذَكَر السّائِمَةَ ههُنا احْتِرازًا مِن المَعْلُوفَةِ والعَوامِلِ، فإنَّه لا زَكاة فيها عندَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ فيها الزكاةَ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ».
قال أحمدُ: ليس في العوامِلِ زكاةٌ.
وأهلُ المَدِينَةِ يَرَوْنَ فها الصَّدَقَةَ، وليس عندَهم في هذا أصْلٌ.
ولَنا؛ قولُ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ بَهْزِ ابنِ حَكِيمٍ: «في كُلِّ سَائِمَةٍ في أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» 2. قَيَّدَه

وَهِىَ الَّتِى تَرْعَى في أَكْثَرِ الْحَوْلِ.
بالسّائِمَةِ، فدَلَّ على أنَّه لا زكاةَ في غيرِها، وحَدِيثُهم مُطْلَقٌ، فيُحْمَلُ على المُقَيَّدِ.
وعن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ في العَوَامِلِ صَدَقَةٌ».
رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (1). ولأنَّ وَصْفَ النّماءِ مُعْتَبَرٌ في الزكاةِ، والمَعْلُوفَةُ يَسْتَغْرِقُ عَلَفُها نَماءَها، ولأنَّها تُعَدُّ للانْتِفاعِ دُونَ النَّماءِ، أشْبَهَتْ ثِيابَ البِذْلَةِ، إلَّا أن تَكُونَ للتِّجارَةِ، فيَجبُ فيها زكاةُ التِّجارَةِ، على ما يَأْتِى إن شاء الله.

848 -

مسألة: (وهى التى تَرْعَى في أكْثَرِ الحَوْلِ)

متى كانت سائِمَةً في أكْثَرِ الحَوْلِ وَجَبَتْ فيها الزكاةُ.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُعْتَبَرُ السَّوْمُ في.
جَمِيعِ الحَوْلِ؛ لأنَّه شَرْطٌ في الزكاةِ، أشْبَهَ1

..................................  المِلْكَ وكَمالَ النِّصابِ، ولأنَّ العَلَفَ مُسْقِطٌ، والسَّوْمُ مُوجِبٌ، فإذا اجْتَمَعا غَلَب الإسْقاطُ، كما لو كان فيها سائِمَةٌ ومَعْلُوفَهٌّ.
ولَنا، عُمُومُ النُّصُوصِ الدّالًّةِ على وُجُوبِ الزكاةِ في الماشِيَةِ، واسْمُ السَّوْمِ لا يَزُولُ بالعَلَفِ اليَسِيرِ، قلم يَمْنَعْ دُخُولَها في الأخْبارِ، ولأنَّهُ لا يَمْنَعُ خِفَّةَ المَؤُونَةِ، أشْبَهَ السّائِمَةَ في جَميعِ الحَوْلِ، ولأنَّ العَلَفَ اليَسِيرَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فاعْتِبارُه في جَمِيعِ الحَوْلِ يُفْضِى إلى إسْقاطِ الزكاةِ بالكُلِّيَّةِ،

..................................  لا سِيَّما عندَ مَن يَسُوغُ له الفِرارُ مِن الزكاةِ، فإنَّه متى أرادَ إسْقاطَ الزكاةِ عَلَفَها يَوْمًا فَأسْقَطَها، ولأنَّ هذا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ في رَفْعِ الكُلْفَةِ، فاعْتُبِرَ فيه الأكْثَرُ، كالسَّقْىِ بغيرِ كُلْفَةٍ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ.
قولُهم: السَّوْمُ شَرْطٌ.
مَمْنُوعٌ، بل العَلَفُ في نِصْفِ الحَوْلِ فما زاد مانِعٌ، كما أنَّ السَّقْىَ بكُلْفَةٍ كذلك مانِعٌ مِن وُجُوب العُشْرِ، ولَئِن سَلَّمْنا أنَّه شَرْطٌ، فيَجُوزُ أن يَكُونَ الشَّرْطُ وُجُودُه في أكْثَرِ الحَوْلِ، كالسَّقْىِ بغيرِ كُلْفَةٍ، شَرْطٌ في وُجُوبِ العُشْرِ، ويُكْتَفَى فيه بالوُجُودِ في الأكْثَرِ، ويُفارِقُ ما إذا كان بعضُ النِّصابِ مَعْلُوفًا؛ لأنَّ النِّصابَ سَبَبُ الوُجُوبِ، فلا بُدَّ مِن وُجُودِ الشَّرْطِ في جَمِيعِه، والحَوْلُ والسَّوْمُ 1 شَرْطُ الوُجُوب، فجاز أن يُعْتَبَرَ الشَّرْطُ في أكْثَرِه.

وَهِىَ عَلَى ثَلَاثَةِ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، الإبِلُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا فَتَجِبَ فِيهَا شَاةٌ،

849 - مسألة: (وهى ثَلاَثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، الإِبِلُ، فلا زَكاةَ فيها حتى تَبْلُغَ خَمْسًا فتَجِبَ فيها شاةٌ)

بَدَأ بذِكْرِ الإِبِلِ؛ لأنَّها أهَمُّ، لكَوْنِها أعْظَمَ النَّعَمِ قِيمَةً وأجْسامًا، وأكْثَرَ أمْوالِ العَرَبِ، ووُجُوبُ الزكاةِ فيها ممّا أجْمَعَ عليه عُلَماءُ الإِسْلامِ، وصَحَّتْ فيه السُّنَّةُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،

..................................  ومِن أحْسَنِ ما رُوِىَ فيها، ما روَى البخاريُّ 1 بإسْنادِه، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه، كَتَبَ له كِتابًا لمّا وَجَّهَه إلى البَحْرَيْن: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التى فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، والتى أمَر الله بها رَسُولَه - صلى الله عليه وسلم -، فمَن سُئِلَها مِن المسلمين على وَجْهِها فَلْيُعْطِها، ومَن سُئِل فَوْقَها فلا يُعْطِ: «في أرْبَعٍ وَعِشْرِين فَما دُونَها مِن الإِبِلِ في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِين إلىِ خَمْسٍ وثَلاثِين، ففيها بنْتُ مَخاضٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وثَلاثِين إلى خمْسٍ وأرْبَعِين، ففيها بِنْتَ لَبُونٍ أُنْثَى، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وِأرْبَعِين إلى سِتِّين، ففيها حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فإذا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وسِتِّين إلَى خمْسٍ وسَبْعِين، ففيها جَذَعَةٌ، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وسَبْعِين إلى تِسْعِين، ففيها بِنْتَا لَبُونٍ، فإذا بَلَغَتْ إحْدَى وتِسْعِين إلى عِشْرِين ومائَةٍ، ففيها حِقَّتانِ طَرُوقَتا

..................................  الجَمَلِ، فإذا زادَتْ علي عِشْرِين ومائَةٍ، ففِى كلِّ أرْبَعِين بِنْتُ لَبُونٍ، وفى كلِّ خَمْسِين حِقَّةٌ، ومَن لم يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أرْبَعٌ مِن الإِبِلِ، فليس عليه فيها صَدَقَةٌ إلَّا أنْ [يَشاءَ رَبُّها] 1، فإذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، ففيها شاةٌ».
وتَمامُ الحَدِيثِ نَذْكُرُه إن شاء اللهُ في أبْواِبِه.
وقولُ الصِّدِّيقِ: التى فَرَض رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَعْنِى: قَدَّرَ.
ومنه فرَض الحاكِمُ للمرأةِ: بمَعْنَى قَدَّرَ 2 التَّقْدِيرَ.
وقولُ المُصَنِّفِ: ولا شئَ فيها حتى تَبْلُغَ خَمْسًا.
مُجْمَعٌ عليه، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه في هذا الحَدِيثِ: «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَ».
وقَوْلُه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمْسِ ذَوْدٍ 3 صَدَقَةٌ، فَإذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» 4. وهذا مُجْمَعٌ عليه أيضًا، وقد دَلَّ عليه الحَدِيثُ المَذْكُورُ أيضًا، وإنَّما أوْجَبَ الشّارِعُ فيما دُونَ خَمْس وعِشْرِين مِن الإبِلِ الشّاةَ؛ لأنَّها لا تَحْتَمِلُ المُواساةَ مِن جِنْسِها، لأنَّ واحِدَةً منها كَثِيرٌ، وإيجابُ شِقْصٍ منها يَضُرُّ بالمالكِ والفَقِيرِ، والإِسْقاطُ غيرُ مُمْكِنٍ، فعَدَلَ إلى إيجابِ الشّاةِ جَمْعًا بينَ الحُقُوقِ، فصارَتْ أصْلًا في الوُجُوبِ لا يَجُوزُ إخْراجُ الإِبِلَ مَكانَها.

..................................  فصل: ولا يُجْزِئُ في الغَنَمِ المُخْرَجَةِ في الزكاةِ إلَّا الجَذَعُ مِن الضّأْنِ، وهو ما لَه سِتَّةُ أشْهُرٍ فما زاد، والثَّنِيُّ مِن المَعْزِ، وهو ما لَه سَنَةٌ، وكذلك شاةُ الجُبْرانِ، وأيُّهما أخْرَجَ أجْزأه، ولا يُعْتَبَرُ كَوْنُها مِن جِنْسِ غَنَمِه، ولا جِنْسِ غَنَمِ البَلَدِ؛ لأنَّ الشّاةَ مُطْلَقَةٌ في الخَبَرِ الذى ثَبَت به وُجُوبُها، وليس غَنَمُه ولا غَنَمُ البَلَدِ سَبَبًا لوُجُوبِها، فلم يَتَقَيَّدْ بذلك، كالشّاةِ الواجِبَةِ في الفِدْيَةِ، وتَكُونُ أُنْثَى، ولا يُجْزِئُ الذَّكَرُ، كالشّاةِ الواجِبَةِ في نِصابِ الغَنَمِ.
ويَحْتَمِلُ أن تُجْزِئَه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أطْلَقَ الشّاةَ، ومُطْلَقُ الشّاةِ يَتَناوَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى، وقِياسًا على الأُضْحِيَةِ، فإن لم يَكُنْ له غَنَمٌ، لَزِمَه شِراءُ شاةٍ.
وقال أبو بكرٍ: يُخْرِجُ عَشَرَةَ دَراهِمَ، قِياسًا على شاةِ الجُبْرانِ.
ولنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: نَصَّ على الشّاةِ، فيَجِبُ العَمَلُ بنَصِّه، ولأنَّ هذا إخْراجُ قِيمَةٍ فلم يَجُزْ، كالشّاةِ الوَاجِبَةِ في نِصابِها، وشاةُ الجُبْرانِ مُخْتَصَّةٌ بالبَدَلِ بالدّراهِم، بدَلِيلِ أنَّها لا تَجُوزُ بَدَلًا عن الشّاةِ الواجِبَةِ في سائِمَةِ الغَنَمِ، ولأنَّ شاةَ الجُبْرانِ يَجُوزُ إبْدالُها بالدَّراهِمِ مع وُجُودِها، بخِلافِ هذه.
فصل: وتَكُونُ الشّاةُ المُخْرَجَةُ كحال الإِبِلِ في الجَوْدَةِ والرَّداءَةِ والتَّوَسُّطِ، فيُخْرِجُ عن السِّمانِ سَمِينَةً، وعن الهُزالِ هَزِيلَةً، وعن الكِرامِ كَرِيمَةً، وعن اللِّئامِ لَئِيمَةً، فإن كانتْ مِراضًا أخْرَجَ شاةً صَحِيحَةً على

فَإِنْ أَخْرَجَ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ.
قَدْرِ قِيمَةِ المالِ.
فيُقالُ: لو كانَتِ الإِبِلُ صِحاحًا كانتْ قِيمَتُها مائةً، وقِيمَةُ الشّاةِ خَمْسَةً، فيَنْقُصُ مِن قِيمَتِها قَدْرُ ما نَقَصَتِ الإِبِلُ، فإن نَقَصَتِ الإِبِلُ خُمْسَ قِيمَتِها وَجَب شاةٌ قِيمَتُها أرْبَعَةٌ، وقِيلَ: تُجْزِئُه شاةٌ تُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ، مِن غيرِ نَظَرٍ إلى القِيمَةِ، وعلى القَوْلَيْن لا يُجْزِئُه مَرِيضَةٌ؛ لأنَّ المُخْرَجَ مِن غيرِ جِنْسِها، وليس كلُّه مِراضًا، فتُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصِّحاحِ؛ والمِراضُ لا يُجْزِئُ فيها إلَّا صَحِيحَةٌ.

850 -

مسألة: (فإن أخْرَجَ بَعِيرًا لم يُجْزِئْه)

يَعْنِى إذا أخْرَجَ بَعِيرًا عن الشّاةِ الواجبَةِ في الإِبِلِ لم يُجْزِئْه، سواء كانت قِيمتُه أكْثَرَ مِن قِيمَةِ الشّاةِ أو لم يَكُنْ، حُكِىَ ذلك عن مالكٍ، ودَاودَ.
وقال الشافعىُّ،

..................................  وأصحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُ البَعِيرُ عن العِشْرِين فما دُونَها.
ويَتَخَرَّجُ لنا مِثْلُ ذلك إذا كان المُخْرَجُ ممّا يُجْزِئُ عن خَمْسٍ وعِشْرِين؛ لأنَّه يُجْزِئُ عن خَمْسٍ وعِشْرِين، والعِشْرُون داخِلَةٌ فيها، ولأنَّ ما أجْزَأَ عن الكَثِيرِ أجْزَأَ عمّا دُونَه، كابْنَتَىْ لَبُونٍ عمّا دُونَ سِتٍّ وسَبْعِين.
ولَنا، أنَّه أخْرَجَ غيرَ المَنْصُوصِ عليه مِن غيرِ جِنْسِه، فلم يُجْزِئْه، كما لو أخْرَجَ البَعِيرَ عن أرْبَعِين شَاةً، ولأنَّها فَرِيضَةٌ وجَبَتْ فيها شاةٌ فلم يُجْزِئُ عنها البَعِيرُ، كنِصابِ الغَنَمِ، ويُفارِقُ ابْنَتىْ لَبُونٍ عن الجَذَعَةِ؛ لأنَّهُما مِن الجِنْسِ.

وَفِى الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِى خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِى الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِىَ الَّتِى لَهَا سَنَةٌ، فَإِنْ عَدِمَهَا أَجْزأَهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَهُوَ

851 - مسألة: (وفِى العَشْرِ شاتان، وفى خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِياهٍ، وفِى العِشْرِين أرْبَعُ شِياهٍ)

وهذا كلُّه مُجْمَعٌ عليه، وثابِتٌ بسُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التى رَوَيْناها وغيرِها.
852 -

مسألة: (فإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِين ففيها بِنْتُ مَخاضٍ، وهى التى لَها سَنَةٌ)

متى بَلَغَتِ الإِبِلُ خَمْسًا وعِشْرِين، ففيها بِنْتُ مَخاضٍ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّه يُحْكَى عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في خَمْسٍ وعِشْرِين خَمْسُ شِياهٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا يَصِحُّ ذلك عنه.
وحَكاه إجْماعًا.
وابْنَةُ المَخاضِ؛ التى لها سَنَةٌ، وقد دَخَلَتْ في الثّانِية، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ أُمَّها قد حَمَلَتْ، والماخِضُ الحامِلُ، وليس كَوْنُ أُمِّها ماخِضًا شَرْطًا، وإنَّما ذُكِرَ تَعْرِيفًا لها بغالِبِ حالِها، كتَعْرِيفِه الرَّبِيبَةَ بالحِجْرِ.
وكذلك بِنْتُ اللَّبُونِ وبِنْتُ المَخاضِ أدْنَى سِنٍّ تُؤْخَذُ في الزكاةِ، ولا تَجِبُ إلَّا في خَمْسٍ وعِشْرِين إلى خَمْسٍ وثَلاثِين خاصَّةً؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
853 -

مسألة: (فإن عَدِمَها أجْزَأه ابْنُ لَبُونٍ، وهو الذى له

الَّذِى لَهُ سَنَتَانِ، فَإِنْ عَدِمَهُ أَيْضًا لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ.
سَنَتان، فإن عَدِمَه لَزِمَه بِنْتُ مَخاضٍ) إذا لم يَكُنْ في إبِلِه بِنْتُ مَخاضٍ أجْزَأه ابنُ لَبُونٍ، ولا يُجْزِئُه مع وُجُودِها؛ لأنَّ في حَدِيثِ أنَسٍ: «فَإذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاض إلَى أنْ تَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ».
رَواه أبو داودَ 1. وهذا مُجْمَعٌ عليه أيضًا.
فإنِ اشْتَرَى ابْنَةَ مَخاضٍ وأخْرَجَها جاز؛ لأنَّها الأصْلُ، وإن أراد إخْراجَ ابنِ لَبُونٍ بعدَ شِرائِها لم يَجُزْ، لأنَّه صار في إبِلِه بِنْتُ مَخاضٍ، وإن لم يَكُنْ في إبِلِه ابنُ لَبُونٍ وأرادَ الشِّراءَ، لَزِمَه شِراءُ بِنْتِ مَخاضٍ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُه شِراءُ ابنِ لَبُونٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ.
ولَنا، أنَّهما اسْتَوَيا في العَدَمِ، فلَزِمَتْه ابْنَةُ مَخاضٍ،

..................................  كما لو اسْتَوَيا في الوُجُودِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على حالِ وُجُودِه؛ لأنَّ ذلك للرِّفْقِ به، إغْناءً له عن الشِّراءِ، ومِع عَدَمِه لا يَسْتَغْنِى عن الشِّراءِ.
على أنَّ في بَعْضِ ألْفاظِ الحَدِيثِ: «فمَنْ لَمْ يكُنْ عِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فإنَّه يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ».
فشَرَطَ في قَبُولِه وُجُودَه وعَدَمَها، وهذا في حديثِ أبى بكرٍ، وفي بعضِ الألْفاظِ أيضًا: «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا ابْنُ لَبُونٍ».
وهذا تَقْيِيدٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ المُطْلَقِ عليه.
وإن لم يَجِدْ إلَّا ابنةَ مَخاضٍ مَعِيبَةً، فله الانْتِقالُ إلى ابنِ لَبُونٍ؛ لقوْلِه في الخَبَرِ: «فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا».
ولأنَّ وُجُودَها كعَدَمِها، لكَوْنِها لا يَجُوزُ إخْراجُها، فأشْبَهَ الذى لا يَجِدُ إلَّا ماءً لا يَجُوزُ الوُضُوءُ به في انْتِقالِه إلى البَدَلِ، وإن وَجَد ابْنَةَ مَخاضٍ أعْلى مِن صِفَةِ الواجِبِ، لم يُجْزِئْه ابنُ لَبُونٍ؛ لوُجُودِ بِنْتِ مَخاضٍ على وَجْهِها، ويُخَيَّرُ بينَ إخْراجِها وبينَ شِراءِ بِنْتِ مَخاضٍ على صِفَةِ الواجِبِ.
وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ عليه إخْراجُها بِناءً على قَوْلِه: إنَّه يُخْرِجُ عن المِراضِ صَحِيحَةً.
حكاهُ عنه ابنُ عَقِيلٍ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ علي وَجْهِ المُساواةِ، وكانتْ مِن جِنْس المُخْرَجِ عنه، كَزَكاةِ الحُبُوبِ.

..................................  فصل: ولا يُجْبَرُ نَقْصُ الذُّكُورِيَّةِ بزِيادَةِ سِنٍّ في غيرِ هذا المَوْضِعِ، فلا يُجْزِئُه أن يُخْرِجَ عن بِنْتِ لَبُونٍ حِقًّا، ولا عن الحِقَّةِ جَذَعًا، مع وُجُودِهما ولا عَدَمِهما.
وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ ذلك عندَ العَدَمِ، كابنِ لَبُونٍ عن بِنْتِ مَخاضٍ.
ولَنا، أنَّه لا نَصَّ فيهما، ولا يَصِحُّ قِياسُهما على ابنِ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخاضٍ؛ لأنَّ زِيادَةَ سِنِّ ابنِ لَبُونٍ على بِنْتِ مَخاضٍ يَمْتَنِعُ بها مِن صِغارِ السِّباعِ، ويَرْعَى الشَّجَرَ بنَفسِه، ويَرِدُ المَاءَ، ولا يُوجَدُ هذا في الحِقِّ مع بِنْتِ لَبُونٍ، لأنَّهما يَشْتَرِكان في هذا، فلم يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ زِيادَةِ السِّنِّ، فلم يُقابِلِ الأُنُوثِيَّةَ، ولأنَّ تَخْصِيصَهُ في الحديثِ بالذِّكْرِ دُونَ غيرِه يَدُلُّ على اخْتِصاصِه بالحُكْمِ، بدَلِيلِ الخِطابِ.

وَفِى سِتٍّ وَثَلَاِثينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِى سِتٍّ وَأرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَهِىَ الَّتِى لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَفِى إِحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَهِىَ الَّتِى لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَفِى سِتٍّ وَسَبْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ، وَفِى إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ،

854 - مسألة: (وفى سِتٍّ وثَلاثِين بِنْتُ لَبُونٍ، وفى سِتٍّ وأرْبَعِين حِقَّةٌ، وهى التى لها ثَلاثُ سِنِين، وفى إحْدَى وسِتِّين جَذَعَةٌ، وهى التى لها أرْبَعُ سِنِين، وفي سِتٍّ وسَبْعِين ابْنَتا لَبُونٍ، وفى إحْدَى وتِسْعِين حِقَّتانِ إلى مائَةٍ وعِشْرِين)

وهذا كلُّه مُجْمَعٌ عليه، والخَبَرُ الذى رَوَيْناه يَدُلُّ عليه، وبِنْتُ اللَّبُونِ؛ التى تَمَّتْ لها سَنَتان ودَخَلَتْ في الثّالِثَةِ، سُمِّيَتْ بذلك [لأنَّ أُمَّها قد وَضَعَتْ، فهى ذاتُ لَبَنٍ، والحِقَّةُ؛ التى لها ثَلاثُ سِنِين ودَخَلَتْ في الرّابِعَةِ.، سُمِّيَتْ بذلك] 1 لأَّنها قد اسْتَحَقَّتْ أن يَطْرُقَها

..................................  الفَحْلُ، واسْتَحَقَّتْ أن يُحْمَلَ عليها وتُرْكَبَ، والجَذَعَةُ؛ التى لها أرْبَعُ سِنِين ودَخَلَتْ في الخامِسَةِ، وقِيلَ لها ذلك؛ لأنَّها تَجْذَعُ إذا سقَطَتْ سِنُّها، وهى أعْلَى سنٍّ يَجِبُ في الزكاةِ، وإن رَضِىَ رَبُّ المالِ أن يُخْرِجَ مَكانَها ثَنِيَّةً جاز، وهى التى لها خَمْسُ سِنِين ودَخَلَتْ في السّادِسَةِ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّها قد ألْقَتْ ثَنِيَتَّهَا، وهذا المَذْكُورُ في الأسْنانِ، ذَكَرَه أبو عُبَيْدٍ 1 حِكايَةً عن الأصْمَعِىِّ، وأبي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ 2، وأبي زِيادٍ الكِلابِىِّ 3، وغيرِهم.

فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِى كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ.

855 - مسألة: (فإذا زادَتْ)

على عِشْرِين ومِائَةٍ (واحِدَةً ففيها ثَلاثُ بَناتِ لَبُونٍ، ثم في كلِّ أرْبَعِين بِنْتُ لَبُونٍ، وفي كلِّ خَمْسِين حِقَّةٌ) إذا زادَتِ الإِبِلُ على عِشْرِين ومائَةٍ واحِدَةً ففيها ثَلاثُ بَناتِ لَبُونٍ، كما ذُكِرَ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن.
وهذا مَذْهَبُ الأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وفيه رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، لا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ إلى ثَلاِثين ومائَةٍ، فيَكُونُ فيها حِقَّة وبِنْتا لَبُونٍ.
وهذا مَذْهَبُ محمدِ بنِ إسْحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ.
وإحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ؛ لأنَ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بزِيادَةِ الواحِدَةِ؛ بدَلِيلِ سائِرِ الفُرُوضِ.

..................................  ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ ومِائَةٍ؛ فَفِى كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» 1. والواحِدَةُ زِيادَةٌ، وقد جاء مُصَرَّحًا به في حديثِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وكان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ 2، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو أحْسَنُ شئٍ رُوِىَ في أحادِيثِ الصَّدَقاتِ.
فإنَّ فيه: «فَإذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ».
وهذا صَريِحٌ لا يَجُوزُ العُدُولُ عنه، ولأنَّ سائِرَ ما جَعَلَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - غايَةً للفَرْضِ، إذا زاد عليه واحِدَةً تَغَيَّرَ الفَرْضُ، كذا هذا.
قَوْلُهم: إنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بزِيادَةِ الواحِدَةِ، قُلْنا: هذا ما تَغَيَّرَ بالواحِدَةِ وَحْدَها، بل تَغَيَّرَ بها مع ما قَبْلَها، فهى كالواحِدَةِ الزّائِدَةِ على التِّسْعِين، والسِّتِّين، وغيرِها.
وقال ابْنُ مسعودٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: إذا زادَتِ الإِبِلُ على عِشرِينِ ومِائَةٍ اسْتُؤْنِفَتِ الفَرِيضَةُ، في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ، إلى خمْسٍ وأرْبَعِين ومِائَةٍ، فيَكُونُ فيها حِقَّتانِ وبِنْتُ مَخاضٍ، إلى خَمْسِين ومائَةٍ؛

..................................  ففيها ثَلاثُ حِقاقٍ، وتُسْتَأْنَفُ الفَرِيضَةُ في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ؛ لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ كِتابًا، ذَكَر فيه الصَّدَقاتِ والدِّيَاتِ 1، وذَكَر فيه مِثْلَ هذا.
ولَنا، أنَّ في حَدِيثَىِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه أبو بكرٍ لأَنَسٍ، والذى كان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ مِثْلَ مَذْهَبِنا، وهما صَحِيحان.
وأمّا كِتابُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، فقد اخْتُلِفَ في صِفَتِه، فرَواه الأثْرَمُ في «سُنَنِه» مِثْلَ مَذْهَبِنا.
والأخْذُ بذلك أوْلَى، لمُوافَقَتِه الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ مع مُوافَقَتِه القِياسَ، فإنَّ المالَ إذا وَجَب فيه مِن جِنْسِه لم يَجِبْ مِن غيرِ جنْسِه، كسائِرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وإنَّما وَجَبَتْ في الابتِداءِ مِن غيرِ جِنْسِه؛ لأَنَّه ما احْتَمَلَ المُواساةَ مِن جِنْسِه، فعَدَلْنا إلى غيرِ الجِنْسِ ضَرُورَةً، وقد زال بكَثْرَةِ المالِ وزِيادَتِه؛ ولأنَّه عِنْدَهم يَنْتَقِلُ مِن بِنْتِ مَخاضٍ إلى حِقَّةٍ، بزِيادَةِ خَمْسٍ مِن الإِبِلِ، وهى زِيادَةٌ يَسِيرَةٌ لا تَقتَضِى الانْتِقالَ إلى حِقَّةٍ، فإنّا لم نَنْتَقِلْ في مَحَلِّ الوِفاقِ مِن بِنْتِ مَخاضٍ إلى حِقَّةٍ، إلَّا بزِيادَةِ إحْدَى وعِشْرِين.
فإن زادَتْ على عِشْرِين ومِائَةٍ جُزْءًا مِن بَعِيرٍ، لم يَتَغَيَّرِ الفَرْضُ إجْماعًا؛ لأنَّ في بعضِ الرِّواياتِ: «فَإذَا زَادَتْ

فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُخْرِجُ الحِقَاقَ.
وَاحِدَةً».
وهذا يُقَيِّدُ مُطْلَقَ الزِّيادَةِ في الرِّوايَةِ الأُخْرَى؛ ولأنَّ سائِرَ الفُرُوضِ لا يَتَغَيَّرُ بزِيادَةِ جُزْءٍ، كذا هذا.
وعلى كِلْتا الرِّوايَتَيْن، متى بَلَغَتْ مِائَةً وثَلاِثين ففيها حِقَّةٌ وبِنْتا لَبُونٍ، وفى مِائةٍ وأرْبَعِين حِقَّتان وبِنْتُ لَبُونٍ، وفى مِائةٍ وخَمْسِين ثَلاثُ حِقاقٍ، وفى مِائَةٍ وسِتِّين أرْبَعُ بَناتِ لَبُونٍ، ثم كُلَّما زَادَتْ على ذلك عَشْرًا أُبْدِلَتْ بِنْتُ لَبُونٍ بحِقَّةٍ، ففى مِائةٍ وسَبْعِين حِقَّةٌ وثَلاثُ بَناتِ لَبُونٍ، وفى مِائةٍ وثَمانِين حِقَّتان وابْنَتا لَبُونٍ، وفى مِائةٍ وتِسْعِين ثَلاثُ حِقاقٍ وبِنْتُ لَبُونٍ.

856 -

مسألة: (فإذا بَلَغَتْ مِائَتيْن اتَّفَقَ الفَرْضانِ، فإن شاء أخْرَجَ أرْبَعَ حِقاقٍ، وإن شاء خَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ، والمَنْصوصُ أنَّه يُخْرِجُ الحِقاقَ)

إذا بَلَغَتْ إبِلُه مِائَتَيْن اجْتَمَعَ الفَرْضان؛ لأنَّ فيها أرْبَعَ خَمْسِيناتٍ،

..................................  وخَمْسَ أرْبَعِيناتٍ، فيَجِبُ عليه أرْبَعُ حِقاقٍ أو خَمْسُ بَناتِ لَبُونٍ، أىَّ الفَرْضَّيْن شاء أخْرَجَ؛ لوُجُودِ المُقْتَضَى لكلِّ واحِدٍ منهما، وإن كان أحَدُهما أفْضَلَ مِن الآخَرِ.
ومَنْصُوصُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يُخْرِجُ الحِقاقَ.
وذلك مَحْمُولٌ على أنَّ عليه أرْبَعَ حِقاقٍ بصِفَةِ التَّخْيِيرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَكُونَ المُخْرِجُ ولِىَّ يَتِيمٍ أو مَجْنُونٍ، فليس له أن يُخْرِجَ مِن مالِه إلَّا أدْنَى الفَرْضَيْن.
وقال الشافعىُّ: الخِيَرَةُ إلى السّاعِى، ومُقْتَضَى قَوْلِه أنَّ رَبَّ المالِ إذا أخْرَجَ لَزِمَه إخْراجُ أعْلَى الفَرْضَيْن، واحْتَجَّ بقَوْلِ الله تِعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 1. ولأنَّه وُجِدَ سَبَبُ الفَرْضَيْن، فكانتِ الخِيَرَةُ إلى المُسْتَحِقِّ أو نائِبِه، كقَتْلِ العَمْدِ المُوجِبِ للقِصاصِ أو الدِّيَةِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في كتابِ الصَّدَقاتِ الذى كان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ: «فَإذَا كَانتْ مِائَتَيْن، فَفِيهَا أرْبَعُ حِقَاقٍ، أوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أىَّ الشَّيْئَيْنِ وَجَدْتَ أخَذْتَ» 2. وهذا نَصٌّ لا يُعَرَّجُ معه على ما يُخالِفُه.
ولأنَّها زَكاةٌ ثَبَت فيها الخِيارُ، فكان ذلك لرَبِّ المالِ،

..................................  كالخِيَرَةِ في الجُبْرانِ بينَ الشِّياهِ والدَّراهِم، وبينَ النُّزُولِ والصُّعُودِ، والآيَةُ لا تَتَناوَلُ ما نحن فيه؛ لأنَّه إنَّما يَأْخُذُ الفَرْضَ بصِفَةِ المالِ، بدَلِيلِ أنَّه يَأْخُذُ مِن الكِرامِ كَرِيمَةً، ومِن غيرِها مِن الوَسَطِ، فلا يَكُونُ خَبِيثًا، ولأنَّ الأدْنَى ليس.
بخبِيثٍ، وكذلك لو لم يَكُنْ يُوجَدُ إلَّا سَبَبُ وُجُوبِه وَجَب إخْراجُه، وقِياسُنا أوْلَى مِن قِياسِهِم؛ لأنَّ قِياسَ الزكاةِ على مِثْلِها أَوْلَى مِن قِياسِها على الدِّيَاتِ.
فإن كان أحَدُ الفَرْضَيْن في مالِه دُونَ الآخَرِ؛ فهو مُخَيَّرٌ بينَ إخْراجِه وشِراءِ الآخَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ عليه إخْراجُ المَوْجُودِ؛ لأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ مِن عَيْنِ المالِ.
وقال القاضى: يَتَعَيَّنُ عليه إخْراجُ المَوْجُودِ.
وهو بَعِيدٌ؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يَكُونَ أراد إذا عَجَز عن شِراء الآخَرِ.

..................................  فصل: فإن أراد إخْراجَ الفَرْضِ مِن نَوْعَيْنِ، نَظَرْنا؛ فإن لم نَحْتَجْ إلى تَشْقِيصٍ، كَزَكاةِ الثَّلاثِمائَةٍ يُخرِجُ عنها حِقَّتَيْن وخَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ، جاز.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وإنِ احْتاجَ إلى تَشْقِيصٍ، كزَكاةِ المائَتَيْن، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مِن غيرِ تَشْقِيصٍ.
وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ، على قِياسِ قولِ أصحابِنا في جَوازِ عِتْقِ نِصْفِ عَبْدَيْن في الكَفّارَةِ.
وهذا غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بالتَّشْقِيصِ في زَكاةِ السّائِمَةِ إلَّا مِن حاجَةٍ، ولذلك جَعَل لها أوْقاصًا، دفْعًا للتَّشْقِيصِ عن الواجِبِ فيها، وعَدَل فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين مِن الِإبِلِ عنِ الجِنْسِ إلى الغَنَمِ، فلا يَجُوزُ القَوْلُ بِجَوازِه مع إمْكانِ العُدُولِ عنه إلى فَرِيضَةٍ كامِلَةٍ.
وإن وَجَد أحَدَ الفَرْضَيْن كامِلًا، والآخَرَ ناقِصًا لا يُمْكِنُه إخْراجُه، إلَّا بجُبْرانٍ معه، مِثْلَ أن يَجِدَ في المائَتَيْن خَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ وثَلاثَ حِقاقٍ، تَعَيَّنَ أخْذُ الفَرِيضَةِ الكامِلَةِ؛ لأنَّ الجُبْرانَ بَدَلٌ لا يَجُوزُ مع المُبْدَلِ.
وإن كان كلُّ واحِدٍ يَحْتاجُ إلى جُبْرانٍ، مثلَ أن يَجِدَ أرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ وثَلاثَ حِقاقٍ، فهو مُخَيَّرٌ

وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ.
أيُّهما شاء أخْرَجَ [مع الجُبْران، إن شاء أخْرَجَ] (1) بَناتَ اللَّبُونِ وحِقَّةً وأخَذ الجُبْرانَ، وإن شاء أخْرَجَ الحِقاقَ وبِنْتَ اللَّبُونِ مع جُبْرانِها.
فإن قال: خُذُوا مِنِّى حِقَّةً وثَلاثَ بَناتِ لَبُونٍ مع الجُبْرانِ.
لم يَجُزْ؛ لأنَّه [لا يُعْدَلُ] (2) عن الفَرْضِ مع وُجُودِه إلى الجُبْرانِ.
ويَحْتَمِل الجَوازُ؛ لكَوْنِه لابُدَّ مِن الجُبْرانِ، وإن لم يَجِدْ إلَّا حِقَّةً وأرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ أدّاها وأخَذ الجُبْرانَ، ولم يَكُنْ له دَفْعُ ثَلاثِ بَناتِ لَبُونٍ وحِقَّةٍ مع الجُبْرانِ، في أصَحِّ الوَجْهَيْن.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذين.
وإن كان الفَرْضان مَعْدُومَيْن، أو مَعِيبَيْن، فله العُدُولُ عنهما مع الجُبْرانِ، فإن شاء أخْرَجَ أرْبَعَ جَذَعاتٍ وأخَذ ثَمانِىَ شِياهٍ أو ثَمانِين دِرْهَمًا، وإن شاء دَفَع خَمْس يَناتِ مَخاضٍ ومعها عَشْرُ شِياهٍ أو مِائَةُ دِرْهَمٍ.
وإن أحَبَّ أن يَنْتَقِلَ عن الحِقاقِ إلى بَناتِ المَخاضِ، أو عن بَناتِ اللَّبُونِ إلى الجَذَعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحِقاقَ وبَناتِ اللَّبُونِ مَنْصُوصٌ عليهنَّ في هذا المالِ، فلا يَصْعَدُ إلى الحِقاقِ بجُبْرانٍ، ولا يَنْزِلُ إلى بَناتِ اللَّبُونِ بجُبْرانٍ.

857 -

مسألة:. (وليس فيما بينَ الفَرِيضَتَيْن شَئٌ)

ما بينَ12

وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَعَدِمَهَا، أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا،  الفَرِيضَتَيْن يُسَمَّى الأوْقاصَ، ولا شئَ فيها؛ لعَفْوِ الشّارِعِ عنها.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللهِ: الأوْقاصُ كما بينَ الثَّلاثِين إلى الأرْبَعِين في البَقَرِ وما أشْبَهَ هذا؟ قال: نعم، والشَّنَقُ ما دُونَ الفَرِيضَةِ.
قُلْتُ له: كأنَّه ما دُونَ الثَّلاثِين مِن البَقَرِ؟ قال: نعم.
وقال الشَّعْبِىُّ: الشَّنَقُ ما بينَ الفَرِيضَتَيْن أيضًا.
قال أصحابُنا: والزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالنِّصابِ دُونَ الوَقْصِ.
ومَعْناه: أنَّه إذا كان عندَه ثَلاثُون مِن الِإبِلِ، فالزكاةُ تَتَعَلَّقُ بخَمْسٍ وعِشْرِين دُونَ الخَمْسَةِ الزّائِدَةِ.
فعلى هذا لو وَجَبَتِ الزكاةُ فيها، وتَلِفَتِ الخَمْسَةُ قبلَ التَّمَكُّنِ مِن أدائِها، وقلنا: إنَّ تَلَفَ المالِ قبلَ التَّمَكُّنِ يُسْقِطُ الزكاةَ.
لم يَسْقُطْ ههُنا منها شئٌ، لأنَّ التّالِفَ لم تَتَعَلَّقِ الزكاةُ به، وإن تَلِف منها عَشْرٌ سَقَط مِن الزكاةِ خُمْسُها؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بتَلَفِ جُزْءٍ مِن النِّصابِ، وإنَّما تَلِف مِن النِّصابِ خُمْسُه.
وأمّا مَن قال: لا تَأْثِيرَ لتَلَفِ النِّصابِ في إسْقاطِ الزكاةِ فلا فائدَةَ في الخِلافِ عندَه في هذه المَسْألَةِ فيما أعلمُ.

858 -

مسألة: (ومَن وَجَبَتْ عليه سِنٌّ فعَدِمَها، أخْرَجَ سِنًّا أسْفَلَ

وَإنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِى.
منها ومعها شاتان أو عِشْرُون دِرْهَمًا، وإن شاء أخْرَجَ أعْلَى منها، وأخَذ مِثْلَ ذلك مِن السّاعِى) هذا هو المَذْهَبُ، إلَّا أنَّه لا يَجُوزُ أن يُخْرِجَ أدْنَى مِن ابْنَةِ مَخاضٍ، لأنَّها أدْنَى سِنٍّ تَجِبُ في الزكاةِ، ولا يُخْرِجَ أعْلَى مِن الجَذَعَةِ، إلَّا أن يَرْضَى رَبُّ المالِ بإخْراجِها بغيرِ جُبْرانٍ، فيُقْبَلُ منه.
والاخْتِيارُ في الصُّعُودِ والنُّزُولِ، والشِّياهِ والدَّراهِمِ، إلى رَبِّ المالِ.
وبهذا قال النَّخَعِىّ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
واخْتَلَفَ فيه عن إسْحاقَ.
وقال الثَّوْرِىُّ: يُخْرِجُ شاتَيْن أو عَشَرَةَ دَراهِمَ؛ لأنَّ الشّاةَ مُقَوَّمَةٌ في الشَّرْعِ بخَمْسَةِ دَراهِمَ، بدَلِيلِ أنَّ نِصابَها أرْبَعُون، ونِصابَ الدَّراهِمِ مائَتان.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَدْفَعُ قِيمَةَ ما وَجَب عليه، أو دُونَ السِّنِّ الواجِبَةِ، وفَضْلَ ما بينَهما دَراهِمَ.
ولَنا، أنَّ في حَدِيثِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه

..................................  أبو بكرِ، لأنَسٍ، أنَّه قال: «ومَن بلَغَتْ عِنْدَه مِن الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، وليست عندَه جَذَعَةٌ، وعندَه حِقَّةٌ، فإنَّها تُقْبَلُ منه الحِقَّةُ، ويَجْعَلُ معها شاتين، إنِ اسْتَيْسَرَتا له، أو عِشْرِين دِرْهَمًا، ومَن بَلَغَتْ عندَه صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وليست عندَه، وعندَه الجَذَعَةُ، فإنَّها تُقْبَلُ منه الجَذَعَةُ، ويُعْطِيه المُصَدِّقُ عِشْرِين دِرْهَمًا أو شاتَيْن، ومَن بَلَغَتْ عندَه صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وليست عندَه إلَّا ابْنَةُ لَبُونٍ، فإنَّها تُقْبَلُ منه بِنْتُ لَبُونٍ، ويُعْطِى شاتَيْن، أو عِشْرِين دِرْهَمًا، ومَن بَلَغَتْ صَدَقَتُه بِنْتَ لَبُونٍ، وليست عندَه، وعندَه بِنْتُ مَخاضٍ، فإنَّها تُقْبَلُ منه بِنْتُ مَخاضٍ، ويُعْطِى معها عِشْرِين دِرْهَمًا، أو شاتَيْن» 1. وهذا نَصٌّ ثابتٌ صحيحٌ، فلا يُلْتَفَتُ إلى ما سِواه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ العُدُوْلُ إلى هذا الجُبْرانِ مع وُجُودِ الأصْلِ؛ لأنَّه مَشْرُوطٌ في الخَبَرِ بعَدَمِ الأصْلِ.
فإن أراد أن يُخْرِجَ في الجُبْرانِ شاةً، وعَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فقال القاضى: يَجُوزُ، كما قُلْنا في الكَفَّارَةِ، له إخْراجُها مِن جِنْسَيْن، ولأنَّ الشَّاةَ مَقامُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فإذا اخْتار إخْراجَها وعَشَرَةٌ جاز.
ويَحْتَمِلُ المَنْعَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ بينَ شاتَيْن أو عِشْرِين دِرْهَمًا، وهذا قِسْمٌ ثالِثٌ، فتَجْوِيزُه يُخالِفُ الخَبَرَ.
واللهُ أعلمُ.

فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الَّتِى تَلِيهَا انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى، وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِى الْوَاجِبَ،

859 - مسألة: (فإن عَدِم السِّنَّ التى تَلِيها انْتَقَلَ إلى الأُخْرَى، وجَبَرَها بأرْبَعِ شِياهٍ، أو أرْبَعِين دِرْهَمًا. وقال أبو الخَطّابِ: لا يَنْتَقِلُ إلَّا إلى سِنٍّ تَلِى الواجِبَ)

وذلك كمَن وجَبَتْ عليه جَذَعَةٌ فعَدِمَها وعَدِم الحِقَّةَ، أو وجَبَتْ عليه حِقَّةٌ فعَدِمَها وعَدِم الجَذَعَةَ وبِنْتَ اللَّبُونِ، فيَجُوزُ أن يَنْتَقِلَ إلى السِّنِّ الثالِثِ مع الجُبْرانِ، فيُخْرِجُ في الصُّورَةِ الأُولَى ابْنَةَ لَبُونٍ ومعها أرْبَعَ شِياهٍ أو أرْبَعِين دِرْهَمًا، ويُخْرِجُ ابْنَةَ مَخاضٍ في الثّانِيَةِ، ويُخْرِجُ معها مِثْلَ ذلك.
ذَكَرَه القاضى.
وذَكَر أنَّ أحمدَ أوْمَأ إليه.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَنْتَقِلُ إلَّا إلى سِنٍّ تَلِى الواجِبَ، فأمَّا إنِ انْتَقَلَ مِن حِقَّةٍ إلى بِنْتِ مَخاضٍ، أو مِن جَذَعَةٍ إلى بِنْتِ لَبُونٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد بالعُدُولِ إلى سِنٍّ واحِدَةٍ، فيَجِبُ الاقْتِصارُ عليه، كما اقْتَصَرْنا في أخْذِ الشِّياهِ 1 عن الإِبِلِ على المَوْضِعِ الذى وَرَد

..................................  به النَّصُّ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّه قد جَوَّزَ الانْتِقالَ إلى السِّنِّ التى تَلِيه مع الجُبْرانِ، وجَوَّز العُدُولَ عنها أيضًا إذا عَدِم مع الجُبْرانِ إذا كان هو الفَرْضَ، وههُنا لو كان مَوْجُودًا أجْزَأ، فإذا عَدِم جاز العُدُولُ إلى ما يَلِيه مع الجُبْرانِ، والنَّصُّ إذا عُقِل عُدِّىَ وعُمِلَ بمَعْناه، وعلى مُقْتَضَى هذا القولِ يَجُوزُ العُدُولُ عن الجَذَعَةِ إلى بِنْتِ مَخاضٍ مع سِتِّ شِياهٍ، أو سِتِّين دِرْهَمًا، ومِن بِنْتِ مَخاضٍ إلى الجَذَعَةِ، ويَأْخُذُ سِتَّ شِياهٍ، أو سِتِّين دِرْهَمًا.
وإن أراد أن يُخْرِجَ عن الأرْبَعِ شِياهٍ شاتَيْن وعِشْرِين دِرْهَمًا، جاز؛ لأنَّهما جُبْرانان، فهما كالكَفّارَتيْن.
وكذلك في الجُبْرانِ الذى يُخْرِجُه عن فَرْضِ المِائَتَيْن مِن الإِبِلِ، إذا أخْرَجَ عن خَمْسِ بَناتِ لَبُونٍ خَمْسَ بَناتِ مَخاضٍ، أو مكانَ أرْبَعِ حِقاقٍ أرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ، جاز أن يُخْرِجَ بعضَ الجُبْرانِ دَراهِمَ، وبعضَه شِياهًا.
ومتى وَجَد سِنًّا تَلِى الواجِبَ لم يَجُزِ العُدُوالُ إلى سِنٍّ لا تَلِيه؛ لأنَّ الانْتِقالَ عن السِّنِّ التى تَلِيه إلى السِّنِّ الأُخْرَى بَدَلٌ لا يَجُوزُ مع إمْكانِ الأصْلِ.
فلو عَدِم الحِقَّةَ وابْنَةَ اللَّبُونِ، ووَجَد الجَذَعَةَ وابْنَةَ المَخاضِ، وكان الواجِبُ الحِقَّةَ، لم يَجُزِ العُدُولُ إلى بِنْتِ المَخاضِ، وإن كان الواجِبُ ابْنَةَ لَبُونٍ، لم يَجُزْ إخراجُ الجَذَعَةِ.

..................................  فصل: فإن كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا، وفَرِيضَتُه مَعْدُومَةً، فله أن يَعْدِلَ إلى السِّنِّ السُّفْلَى مع دَفْعِ الجُبْرانِ، وليس له أن يَصْعَدَ مع أخْذِ الجُبْرانِ؛ لأنَّ الجُبْرانَ أكْثَرُ مِن الفَضْلِ الذى بينَ الفَرْضَيْن وقد يَكُونُ الجُبْرانُ خَيْرًا مِن الأصْلِ، فإنَّ قِيمَةَ الصَّحِيحَيْن أكْثَرُ مِن قِيمَةِ المَرِيضَيْن، وكذلك قِيمَةُ ما بينَهما، وإذا كان كذلك لم يَجُزْ في الصُّعُودِ، وجاز في النُّزُولِ؛ لأنَّه مُتَطَوِّعٌ بالزّائِدِ، ورَبُّ المالِ يُقْبَلُ منه الفَضْلُ، ولا يَجُوزُ لِلسّاعِى أن يُعْطِىَ الفَضْلَ مِن المِساكِينِ لذلك.
فإن كان المُخْرِجُ وَلِيًّا ليَتِيمٍ، لم يَجُزْ له النُّزُولُ أيضًا؛ لأنَّهْ لا يَجُوزُ أن يُعْطِىَ الفَضْلَ مِن مالِ اليَتِيمِ، فيَتَعَيَّنُ شِراءُ الفَرْضِ مِن غيرِ المالِ.

وَلَا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فِى غَيْرِ الإِبِلِ.

860 - مسألة: (ولا مَدْخَلَ للجُبْرانِ في غيرِ الإِبِلِ)

وذلك لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد فيها، وليس غيرُها في مَعْناها، لأنَّها أكْثَرُ قِيمَةً، ولأنَّ الغَنَمَ لا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُها باخْتِلافِ سِنِّها، وما بينَ الفَرِيضَتَيْن في البَقَرِ يُخالِفُ ما بينَ الفَرِيضَتَيْن في الإِبِلِ، فامْتَنَعَ القِياسُ.
فمَن عَدِم فَرِيضَةَ البَقَرِ أو الغَنَمِ ووَجَد دُونَها، لم يَجُزْ له إخْراجُها، وإن وَجَد أعلى منها فأحَبَّ أن يَدْفَعَها مُتَطَوِّعًا بغيرِ جُبْرانٍ، قُبِلَتْ منه، وإن لم يَفْعَلْ كُلِّفَ شِراءَها مِن غيرِ مالِه.

جارٍ التحميل