وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إِلَى مُكَاتَبِهِ، وَإِلَى غَرِيمِهِ.
والنَّسائِىُّ (1). ويَخُصُّ ذوى الحاجَةِ؛ لأنَّهم أحَقُّ، فإنِ اسْتَوَوْا في الحاجَةِ، فأوْلاهم أقْرَبُهم نَسَبًا.
1020 -
مسألة: (ويَجُوزُ للسَّيِّدِ دَفْعُ زَكاتِه إلى مُكاتَبِه، وإلى غَرِيمِه)
يَجُوزُ للسَّيِّدِ دَفْعُ زَكاتِه إلى مُكاتَبِه في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّه صار معه في بابِ المُعامَلَةِ كالأجْنَبِىِّ، يَجْرى بينَهما الرِّبا، فهو كالغَرِيمِ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى غَرِيمِه، ويَجُوزُ للمُكاتَبِ رَدُّها إلى سَيِّدِه بحُكْمِ الوَفاءِ؛ [لأنَّها رَجَعَتْ إليه بحُكْمِ الوَفاءِ] 2، أشْبَهَ إيفاءَ الغَرِيمِ دَيْنَه بها.1
..................................
قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى سَيِّدِ المُكاتَبِ وَفاءً عن دَيْنِ الكِتابَةِ.
وهو الأُوْلَى؛ لأنَّه أعْجَلُ لعِتْقِه، وأوْصَلُ إلى المَقْصُودِ الذى كان الدَّفْعُ مِن أجْلِه، لأنَّه إذا أخَذَه المُكاتَبُ قد يَدْفَعُه وقد لا يَدْفَعُه.
ونَقَل حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: قال سُفْيان: لا تُعْطِ مُكاتَبًا لك مِن الزَّكاةِ.
قال: وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ: وأنا أرَى مثلَ ذلك.
قال الأثْرَمُ:
..................................
وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأل: يُعْطىَ المُكاتَبُ مِن الزَّكاةِ؟ قال: المُكاتَبُ بمَنْزِلَةِ العَبْدِ، وكيف يُعْطَى؟ ومَعْناه، واللَّهُ أعلمُ، لا يُعْطِى مُكاتَبَه مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّه عَبْدُه ومالُه، يَرْجِعُ إليه إن عَجَز، وإن عَتَق فله وَلاؤُه، ولأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه لمُكاتَبِه، ولا شهادَةُ مُكاتَبِه له، فلم يُعْطَ مِن زَكاتِه، كوَلَدِه.
وكذلك يَجُوزُ للرجلِ دَفْعُ زَكاتِه إلى غَرِيمِه؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ الغارِمِين، فإن رَدَّه إليه الغارِمُ، فله أخْذُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنَّا؛ لأنَّ الغَرِيمَ قد مَلَكَه بالأخْذِ، أشَبَهَ ما لو وَفَّاه مِن مالٍ آخرَ.
وإن أسْقَطَ الدَّيْنَ عن الغريمِ وحَسَبَه زكاةً، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بأدائِها، وهذا إسْقاطٌ.
قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن رجل له على رِجلٍ دَيْنٌ برَهْنٍ، وليس عندَه قَضاؤُه، ولهذا الرجلِ زكاةُ مالٍ يُرِيدُ أن يُفرِّقَها على المَساكِينِ، فيَدْفَعُ إليه رَهْنَه، ويقولُ له: الدَّيْنُ الذى عليك هو لك.
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ،
يَحْسُبُه مِن زكاةِ مالِه؟ قال: لا يُجْزِئُه ذلك.
فقلتُ له: فيَدْفَعُ إليه زَكاتَه، فإن رَدَّه إليه قَضاءً مِن مالِه، له أخْذُه؟ قال: نعم.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ، وقِيلَ له: فإن أعْطاه، ثم رَدَّه إليه؟ قال: إذا كان بحِيلَةٍ، فلا يُعْجِبُنِى.
قِيلَ له: فإنِ اسْتَقْرَضَ الذى عليه الدَّيْنُ دَراهِمَ، فقَضاه إيّاها، ثم رَدَّها عليه، وحَسَبَها مِن الزَّكاةِ؟ قال: إذا أراد بهذا إحْياءَ مالِه، فلا يَجُوزُ.
فحَصَلَ مِنِ كَلامِه أنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ إلى الغَرِيمِ جائِزٌ، سَواءٌ دَفَعَها ابْتِداءً، أو اسْتَوْفَى حَقَّه ثم دَفَع ما اسْتَوْفاه إليه، إلَّا أنَّه متى قَصَد بالدَّفْعِ إحْياءَ مالِه واسْتِيفاءَ دَيْنِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لحقِّ اللَّهِ تعالى، فلا يَجُوزُ صَرْفُها إلى نَفْعِه.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل
: قال، رَحِمَه اللَّهُ: (ولا يَجُوزُ دَفْعُها إلى كافِرٍ، ولا عَبْدٍ،
وَلَا فَقِيرَةً لَهَا زَوْجٌ غَنِىٌّ،
ولا فَقِيرَةٍ لها زَوْجٌ غَنِىٌّ) قال الشَّيْخُ 1، رَحِمَه اللَّهُ: لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العلمِ في أنَّ زَكاةَ المالِ لا تُعْطَى لكافِرٍ ولا لمَمْلُوكٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العلمِ أنَّ الذِّمِّىَّ لا يُعْطى مِن زَكاةِ الأمْوالِ شيئًا.
وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعَاذٍ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» 2. فخَصَّهم بصَرْفِها إلى فُقَرائِهم، كما خَصَّهم بوُجُوبِها على أغْنِيائِهم، ولأنَّ المَمْلُوكَ لا يَمْلِكُ ما يُدفَعُ إليه، وإنَّما يَمْلِكُه سيِّدُه، فكأنَّه دَفَع إلى السَّيِّدِ، ولأنَّه تَجِبُ نَفَقَتُه على السَّيِّدِ، فهو غَنِىٌّ بغِناه.
..................................
فصل: إلَّا أن يكونَ الكَافِرُ مُؤَلَّفًا قَلْبُه، فيَجُوزُ الدَّفعُ إليه.
وكذلك إن كان عامِلًا، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه.
وكذلك العَبْدُ إذا كان عامِلًا، يجوزُ أن يُعْطَى مِن الزَّكاةِ أجْرَ عَمَلِه، وقد مَضَى ذِكْرُ ذلك 1.
..................................
فصل: والفَقِيرَةُ إذا كان لها زَوْجٌ غَنِىٌّ يُنْفِقُ عليها، لم يَجُزْ دَفْعُ الزَّكاةِ إليها؛ لأنَّ الكِفايَةَ حاصِلَة لها بما يَصِلُها مِن النَّفَقَةِ الواجِبَةِ، فأشْبَهَتْ مَن له عَقارٌ يَسْتَغْنِى بأُجْرَتِه.
وإن لم يُنْفِقْ عليها، وتَعَذَّرَ ذلك، جاز الدَّفْعُ إليها، كما لو 1 تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ العَقارِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على هذا.
وَلَا الْوَالِدَيْنِ وَإنْ عَلَوْا، وَلَا الْوَلَدِ وَإنْ سَفَلَ،
1021 - مسألة: (ولا)
إلى (الوالِدَيْن وإن عَلَوْا، ولا) إلى (الوَلَدِ وإن سَفَل) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ الزَّكاةَ لا يَجُوزُ دَفْعُها إلى الوالِدَيْن، في الحالِ التى يُجْبَرُ الدَّافِعُ إليهم على النَّفَقَةِ عليهم، ولأنَّ دَفْعَ زَكاتِه إليهم يُغْنِيهم عن نَفَقَتِه، ويُسقِطُها عنه، فيَعودُ نَفْعُها إليه، فكأنَّه دَفَعَها إلى نَفْسِه، فلم يَجُزْ، كما لو قَضَى بها دَيْنَه.
وأراد المُصَنِّفُ بالوالِدَيْن الأبَ والأُمَّ.
وقولُه: (وإن عَلَوْا) يَعْنِى آباءَهما وأُمَّهاتِهما، وإنِ ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهم مِن الدَّافِع، كأبَوَىِ الأبِ، وأبَوَىِ الأُمِّ، مَن يَرِثُ منهم ومَن لا يَرِثُ.
وقولُه: (ولا إلى الوَلَدِ وإن سَفَل) يَعْنِى وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه مِن أوْلادِ البَنِين وأولادِ البَناتِ، الوارِثِ وغيرِه.
وَلَا إِلَى الزَوْجَةِ، نصَّ عليه أحمدُ، فقال: لا يُعْطِى الوالِدَيْن مِن الزَّكاةِ، ولا الوَلَدَ، ولا وَلَدَ الوَلَدِ، ولا الجَدَّ ولا الجَدَّةَ، ولا وَلَدَ البِنْتِ، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ ابْنِى هذَا سَيِّدٌ» (1). يَعْنِى الحسنَ، فجَعَلَه ابْنَه؛ لأنَّه مِن عَمُودَىْ نَسَبِه، فأشْبَهَ الوارِثَ، ولأنَّ بينَهما قَرابَةً جُزْئِيَّةً وبَعْضِيَّةً، بخِلافِ غيرِهما.
1022 -
مسألة؛ قال: (ولا إلى الزَّوْجَةِ)
وذلك إجْماعٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الرجلَ لا يُعْطِى زَوْجَتَه مِن الزَّكاةِ؛ وذلك لأن نَفَقَتَها واجِبَةٌ عليه، فتَسْتَغْنِى بها عن أخْذِ الزَّكاةِ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إليها، كما لو دَفَعَها إليها على سَبِيلِ الإِنْفاقِ عليها.1
وَلَا لِبَنِى هَاشِم، وَلَا مَوَالِيهِمْ.
1023 - مسألة: (ولا لبَنِى هاشمٍ، ولا مَوالِيهم)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ بَنِى هَاشِم لا تَحِلُّ لهم الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّما هِىَ أوْسَاخُ النَّاسِ».
أخْرَجَه مسلمٌ 1. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: أخَذَ الحَسَنُ تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ،
..................................
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كِخْ كِخْ».
لِيَطْرَحَها، وقال: «أمَا شَعَرْتَ أنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وسَوَاءٌ أُعْطوا مِن خُمْسِ الخُمْسِ، أو لم يُعْطوْا؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، ولأنَّ مَنْعَهم مِن الزَّكاةِ لشَرَفِهم، وشَرَفُهم باقٍ، فيَبْقَى المَنْعُ، فإن أُعْطُوا منها لغَزْوٍ أو حَمالَةٍ، جاز ذلك، ذَكَرَه شيخُنا 2. وإن كان الهاشِمِىُّ عامِلًا، أو غارِمًا، لم يُجزِئْه الأخْذُ في أظْهَرِ الوَجْهَيْن، وقد ذَكَرْنا ذلك 3.
..................................
فصل: وحُكْمُ مَوَالِيهم حُكْمُهم عندَ أحمدَ، رَحِمَه اللَّه.
وقال أكْثَرُ أهْلِ العِلْم: يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم؛ لأنَّهم لَيْسُوا بقَرابَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُمْنَعُوا الصَّدَقَةَ، كسائِرِ النَّاسِ.
ولَنا، ما روَىْ أبو رافِعٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث رجلًا مِن بَنِى مَخْزُومٍ على الصَّدَقَةِ، فقال لأبى رافِعٍ: اصْحَبْنِى كَيْما تُصِيبَ منها.
فقال: لا، حتى آتِىَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأسْألَه.
فانْطَلَقَ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسَأَلَه، فقال: «إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقةُ، وَإنَّ مَوَالِىَ القَوْمِ مِنْهُمْ».
أخرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمذِىُّ 1، وقال:
..................................
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّهم ممَّن يَرِثُه بنو هاشِم بالتَّعْصِيبِ، فلم يَجُزْ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إليهم، كبَنِى هاشِمٍ.
وقولُهم: إنَّهم لَيْسُوا بقَرابَةٍ.
قُلْنا: هم بمَنْزِلَةِ القرابَةِ، بدَلِيلِ قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» 1. ويَثْبُتُ فيهم حُكْمُ القَرابَةِ مِن الإِرْثِ والعَقْلِ والنَّفَقَةِ، فلا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ حُكْمِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ فيهم.
فصل: وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن ابْنِ أبى مُلَيْكَةَ، أنَّ خالِدَ بنَ سَعِيدِ ابن العاصِ بَعَث إلى عائشةَ سُفْرَةً مِن صَدَقَةٍ، فرَدَّتْها، وقالت: إنَّا آل محمدٍ لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ 2. وهذا يَدُلُّ على تَحْرِيمِها على أزْوَاجِ
وَيَجُوزُ لِبَنِى هَاشِمٍ الأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَوَصَايَا الْفُقَرَاءِ، وَالنَّذْرِ.
وَفِى الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
1024 -
مسألة: (ويَجُوزُ لبَنِى هاشِمٍ الأخْذُ مِن صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ووَصايا الفُقَراءِ، والنَّذْرِ. وفى الكَفّارَةِ وَجْهان)
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ: إنَّما لا يُعْطَوْن مِن الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، فأمّا التَّطَوُّعُ فلا.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّهم يُمْنَعُون مِن الصَّدَقَةِ التَّطوُّعِ أيضًا؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «إنَّا لَا تَحِل لَنَا الصَّدَقَةُ» 1. والأوَّلُ أظْهَرُ؛
..................................
فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْمَعْرُوفُ كُلُّهُ صَدَقَةٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقال اللَّهُ تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 3 ولا خلافَ في إباحَةِ إيصالِ المَعْرُوفِ إلى الهاشِمِىِّ، والعَفْوِ عنه، وإنْظارِه.
وقال إخْوَةُ يُوسُفَ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ 4. والخبرُ أُرِيدَ به صَدَقَةُ الفَرْضِ؛ لأنَّ الطَّلَبَ كان لها، والألِفُ واللَّامُ تَعُودُ إلى المَعْهُودِ.
وروَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه 5، أنَّه كان يَشْرَبُ مِن سِقاياتٍ بينَ مكةَ والمَدِينَةِ،
..................................
فقلتُ له: أتَشْرَبُ مِن الصَّدَقَةِ؟ فقال: إنَّما حُرِّمَتْ علينا الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ 1. ويَجُوزُ أن يَأْخُذُوا مِن الوَصايَا للفُقَراءِ، ومِن النُّذُورِ؛ لأنَّهما تَطَوُّعٌ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى لهم.
وفى الكَفَّارَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، يجوزُ؛ لأنَّها ليست بزكاةٍ، ولا هى أوْساخُ الناسِ، فأشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
والثانِى، لا يجوزُ؛ لأنَّها واجِبَة لإِيجابِه على نَفْسِه، أشْبَهَتِ الزَّكاةَ.
ولو أهْدَى المِسْكِينُ ممَّا تُصُدِّقَ به عليه إلى الهاشِمِىِّ، حَلَّ له؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أكَل ممّا تُصُدِّقَ به على أُمِّ عَطِيَّةَ، وقال: «إنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 2.
فصل: وِكُلُّ مَن حُرِم صَدَقَةَ الفَرْضِ مِن الأغْنِياءِ، وقَرابَةِ المُتَصَدِّقِ، والكافِرِ، وغيْرِهم، يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إليهم، ولهم أخْذُها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتيمًا وَأسِيرًا﴾ 3.
..................................
ولم يكنِ الأسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كافِرًا.
وعن أسماءَ بنتِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قالت: قَدِمَتْ علىِّ أُمِّى وهى مُشْرِكَةٌ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّى قَدِمَت علىَّ وهى راغِبَة، أفأصِلُها؟ قال: «نعم، صِلِى أُمَّكِ» 1. وكَسا عُمَرُ أخًا له مُشْرِكًا حُلَّةً كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطاه إيّاها 2. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لسَعْدٍ: «إنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى أهْلِكَ صَدَقَةٌ، وإنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأتُكَ صَدَقَة».
مُتَّفَقٌ عليه 3.
..................................
فصل: فأمّا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فالظَّاهِرُ أنَّ الصَّدَقَةَ جَمِيعَها كانت مُحَرَّمَةً عليه، فَرْضَها ونَفْلَها؛ لأنَّ اجْتِنابَها كان مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِه، فلم يكنْ ليُخِلَّ بذلك، بدَلِيلِ أنَّ في حديثِ سَلْمانَ الفارِسِىِّ، أنَّ الذى أخْبَرَه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ووَصَفَه له، قال: إنَّه يَأْكلُ الهَدِيَّةَ، ولا يَأْكلُ الصَّدَقَةَ 1. وقال أبو هُرَيْرَةَ: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أُتِى بطَعامٍ سأل عنه؟ فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ.
قال لأصحابِه: «كُلُوا».
ولم يَأْكلْ، وإن قِيلَ: هَدِيَّةٌ.
ضَرَب بيَدَيْه، وأكل معهم.
أخْرَجَه البخارىُّ 2. وقال في لَحْمٍ
..................................
تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ 1: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ» 2. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان أشْرَفَ الخَلْقِ، وكان له مِن المَغانِمِ خُمْسُ الخُمْسِ والصَّفِىُّ فحُرِمَ نَوْعَىِ الصَّدَقَةِ، فَرْضَها ونَفْلَها، والُه دُونَه في الشَّرَفِ، ولهم خُمْسُ الخُمْسِ وَحْدَه، فحُرِمُوا أحَدَ نَوْعَيْها، وهو الفَرْضُ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لم تكنْ مُحَرَّمَةً عليه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، إن شْاء اللَّهُ تعالى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ.
واللَّهُ تعالى أعلمُ.
وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، أَوْ إِلَى الزَّوْجِ، أوْ بَنِى الْمُطَّلِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
1025 - مسألة: (وهل يَجُوزُ دَفْعُها إلى سائِرِ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه مِن أقارِبِه، أو إلى الزَّوْجِ، أو بَنِى المُطَّلِبِ؟ على رِوايَتَيْن)
الأقارِبُ غيرُ الوالِدَيْن قِسْمان؛ مَن لا يَرِثُ منهم، يجوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه، سَواءٌ كان انْتِفاءُ الإِرْثِ لانْتِفاءِ سَبَبِه؛ لكَوْنِه بَعِيدَ القَرابَةِ ليس مِن أهْلِ المِيراثِ في حالٍ، أو كان لمانِعٍ، مثلَ أن يَكُونَ مَحْجُوبًا عن الميراثِ، كالأخِ المَحْجُوبِ بالابْنِ، والعَمِّ المَحْجُوبِ بالأخِ وابْنِه، فيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه؛ لأنَّه لا قَرابَةَ جُزْئِيَّةً بينَهما ولا مِيراثَ، فأشْبَها الأجانِبَ.
والثانِى، مَن يَرِثُ، كالأخَوَيْن اللَّذَيْن يَرِث كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما دَفعُ زَكاتِه إلى الآخَرِ.
وهى الظاهِرَةُ عنه، رَواها عنه الجماعَةُ.
قال في رِوايَةِ إسحاقَ بنِ إبْراهيمَ، وإسحاقَ ابنِ مَنْصُورٍ، وقد سألَه: يُعْطِى الأخَ والأخْتَ والخَالَةَ مِن الزَّكاةِ؟ قال:
..................................
يُعْطِى كُلَّ القَرابَةِ إلَّا الأبَوَيْن والوَلَدَ.
وهذا قولُ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَة، وَهِىَ لِذِى الرَّحِمِ اثْنَتَانِ؛ صَدَقَة وَصِلة» 1. فلم يَشْتَرِطْ نافِلَةً ولا فَرِيضَة، ولم يُفَرِّقْ بينَ الوارِثِ وغيرِه.
ولأنَّه ليس مِن عَمُودَىْ نَسَبِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِىَّ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يَجُوزُ دَفْعُها إلى المَوْرُوثِ.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ على الوارِثِ مُؤْنَةَ المَوْرُوثِ، فإذا دَفَع إليه الزَّكاةَ أغْناه عن مُؤْنَثِه، فيَعُودُ نَفْعُ زَكاتِه إليه، فلم يَجُزْ، كدَفْعِها إلى والِدِه، أو قَضاءِ دَيْنِه بها، والحَدِيثُ يَحْتَمِلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، فيُحْمَلُ عليها.
فعلى هذا إن كان أحَدهما يَرِثُ الآخَرَ، ولا يَرِثُه الآخَرُ، كالعَمَّةِ مع ابنِ أخِيها، والعَتِيقِ مع مُعْتِقِه، فعلى الوارِثِ منهما نَفَقَةُ مَوْرُوثِه، وليس له دَفْعُ زَكاتِه إليه على هذه الرِّوايَةِ، وليس على المَوْرُوثِ منهما نَفَقَةُ وارِثِه، ولا يُمْنَغ مِن دَفْع الزَّكاةِ إليه، لانْتِفاءِ المُقْتَضِى للمَنْع.
ولو كان أخَوان، لأحَدِهما ابْن، والآخَر لا وَلَدَ له،
..................................
فعلى أبى الابْنِ نَفَقَةُ أخِيه، وليس له دَفْعُ زَكاتِه إليه، وللذى لا وَلَدَ له دَفْعُ زَكاتِه إلى أخِيه، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُه؛ لأنَّه مَحْجُوبٌ عن مِيراثِه.
ونحوُ هذا قولُ الثَّوْرِىِّ.
فأمّا ذوو الأرْحامِ في الحالِ التى يَرِثُون فيها، فيَجُوزُ دَفْعُها إليهم، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ قَرابَتَهم ضَعِيفة، لا يَرِثُ بها مع عَصَبَةٍ، ولا ذى فَرْضٍ، غيرِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فلم يَمْنَعْ دَفْعَ الزَّكاةِ، كقَرابَةِ سائِرِ المسلمين، فإنَّ مالَه يَصِيرُ إليهم عندَ عَدَمِ الوارِثِ.
فصل: فإن كان في عائِلَتِه مَن لا يَجِبُ عليه الإِنْفاقُ عليه، كيَتِيمٍ أجْنَبِىٍّ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَجوزُ له 1 دَفْعُ زَكاتِه إليه؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه، لإغْنائِه بها عن مُؤْنَتِه.
والصَّحيحُ، إن شاء اللَّهُ
..................................
جَوازُ دَفْعِها إليه؛ لأنَّه داخِلٌ في الأصْنافِ المُسْتَحِقِّين للزكاةِ، ولم يَرِدْ في مَنْعِه نَصٌّ ولا إجْماعٌ ولا قِياسٌ صَحِيحٌ، فلم يَجُزْ إخْراجُه عن عُمُومِ النَّصِّ بغيرِ دَلِيلٍ.
وقد روَى البخارىُّ 1، أنَّ امرأةَ عبدِ اللَّهِ سألَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بَنِى أخٍ لها أيْتامٍ، في حَجْرِها، أفتُعْطِيهم زَكاتَها؟ قال: «نَعَمْ».
فإن قِيلَ: فهو يَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه.
قُلْنا: قد لا يَنْتَفِعُ به، لإِمْكانِ صَرْفِها في مَصالِحِه التى لا يَقومُ بها الدّافِعُ.
وإن قُدِّرَ الانْتِفاعُ به، فإنَّه نَفْعٌ لا يُسْقِطُ به واجِبًا عليه ولا يَجْتَلِبُ به مالًا إليه، فلم يَمْنَعْ ذلك الدَّفْعَ، كما لو لم يكنْ مِن عائِلَتِه.
.................................. فصل: ويَجُوزُ أن يُعْطِىَ الإِنسانُ ذا قَرابَتِه مِن الزَّكاةِ؛ لكَوْنِه غارِمًا، أو مُؤَلَّفًا، أو عامِلًا، أو غارِمًا لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، ولا يُعْطِى لغيرِ ذلك.
..................................
فصل: وفى دَفْع الزَّكاةِ إلى الزَّوْجِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يَجُوزُ دَفْعُها إليه.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ الزَّوْجَيْن، فلم يَجُزْ دَفْعُ الزَّكاةِ إليه، كالآخَرِ، ولأنَّها تَنْتَفِعُ بدَفْعِها إليه؛ لأنَّه إن كان عاجزًا عن الإِنْفاقِ عليها تَمَكَّنَ بَأخْذِ الزَّكاةِ مِن الإِنْفاقِ، فيَلْزَمُه، وإن لم يَكُنْ عاجِزًا، لكنَّه أيْسَرَ بها، فلَزِمَتْه نَفَقَةُ المُوسِرِينَ، فيَنْتَفِعُ بها في الحالَيْن، فلم يَجُزْ لها ذلك، كما لو دَفَعَتْها في أُجْرَةِ دارٍ، أو نَفَقَةِ رَقِيقِها أو بَهائِمِها.
فإن قِيلَ: فيُلْزَمُ على هذا الغَرِيمُ، فإنَّه يَجُوزُ له دَفْعُ زَكاتِه إلى غَرِيمِه، ويُلْزَمُ الآخِذُ بذلك وفاءَ دَيْنِه.
قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ في النَّفَقَةِ آكَدُ مِن حَقِّ الغَرِيمِ؛ بدَلِيلِ أنَّ نَفَقَةَ المرأةِ مُقَدَّمَةٌ في مالِ المُفْلِس على وفاءِ دَيْنِه، وأنَّها تَمْلِكُ أخْذَها مِن مالِه بغيرِ عِلْمِه إذا امْتَنَعَ مِن أدائِها.
والثانِى، أنَّ المرأةَ تَنْبَسِطُ في مالِ زَوْجِها بحُكْمِ العادَةِ، ويُعَدُّ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما مالًا للآخَرِ، ولهذا قال ابنُ مسعودٍ، في عَبْدٍ سَرَق مِرْآةَ امْرَأةِ سَيِّدِه: عَبْدُكم سَرَق مالَكم.
ولم
..................................
يَقْطَعْه.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ 1. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، يَجُوزُ للمرأةِ دَفْعُ زَكاتِها إلى زَوْجِها.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وطائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ زَيْنَبَ امْرَأةَ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ قالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّك أمَرْتَ اليَوْمَ بالصَّدَقَةِ، وكان عِنْدِى حُلِىٌّ لى، فأرَدْتُ أن أتُصَدَّقَ به، فزَعَمَ ابْنُ مسعودٍ أنَّه هو ووَلَدَه أحَقُّ مَن تَصَدَّقْتُ عليهم.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ».
رَواه البخارىُّ 2. ولأنَّه لا تَجِبُ نَفَقَتُه، فلم يُمْنَعْ دَفْع الزَّكاةِ إليه، كالأجْنَبِىِّ، وبهذا فارَقَ الزَّوْجَةَ، فإنَّ نَفَقَتَها واجِبَة عليه، ولأنَّ الأصْلَ جَوازُ الدَّفْع إلى الزَّوْجِ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الأصْنافِ المُسَمَّيْن في الزَّكاةِ،
..................................
وليس في المَنْع نَصٌّ ولا إجْماعٌ، وقِياسُه على مَن يَثْبُتُ المَنْعُ في حَقِّه لا يَصِحُّ؛ لوُضُوحِ الفَرْقِ بينَهما، فيَبْقَى جَوازُ الدَّفْعِ ثابِتًا.
والاسْتِدْلالُ بهذا أقْوَى مِن الاسْتِدْلالِ بحديثِ ابنِ مسعودٍ، لأنَّه في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، لقولِها: أرَدْتُ أن أتَصَدَّقَ بحُلِىٍّ لى.
ولا تَجِبُ الصَّدَقَةُ بالحُلِىِّ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِم».
والوَلَدُ لا تُدْفَعُ إليه الزكاةُ.
فصل: وهل يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى بَنِى المُطَّلِبِ؟ على رِوايَتَيْن؛
..................................
إحداهما، ليس لهم ذلك.
نَقَلَها عنه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، وغيرُه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِى جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، إنَّما نَحْنُ وَهُمْ شَئٌ وَاحِدٌ» 1. وفى لَفظٍ رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 2: «إنَّما بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ شَئٌ وَاحِدٌ» وشَبَّكَ بينَ أصَابِعِه.
ولأنَّهم يَسْتَحِقُّون مِن خُمْسِ الخُمْسِ فمُنِعُوا مِن الزَّكاةِ، كبَنِى هاشِمٍ، وقد أكَّد ذلك ما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّلَ مَنْعَهم مِن الصَّدَقَةِ باسْتِغْنائِهم عنها بخُمْسِ الخُمْسِ، فقال: «ألَيْسَ فِى خُمْسِ الخُمْسِ مَا
..................................
يُغْنِيكُمْ» 1. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لهم الأخْذُ منها.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لدُخُولِهم في عُمُومِ الصَّدَقاتِ، لكنْ خَرَج بَنُو هاشِم لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ» 2. فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ المَنْعُ بهم، ولا يَصِحُّ قِياسُهم على بنى هاشِم؛ لأنَّ بَنِى هاشِمٍ أقْرَبُ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأشْرَفُ، وهم آل النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومُشارَكَةُ بنى المُطَّلِبِ لهم في خُمْسِ الخُمْسِ ما اسْتَحَقُّوه بمُجَرَّدِ القَرابَةِ؛ بدَلِيلِ أنَّ بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ وبنى نَوْفَلٍ يُساوُونهم في القَرابَةِ، ولم يُعْطَوْا شيئًا، وإنَّما شارَكُوهم بالنُّصْرَةِ، أو بهما جميعًا، والنُّصْرَةُ لا تَقتَضِى مَنْعَ الزَّكاةِ.
وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عَلِمَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، إِلَّا الْغَنِىَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا، فِى إِحْدَى الرِّوَايتَيْنِ.
1026 - مسألة؛ (وإن دَفَعَها إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها وهو لا يَعْلَمُ، ثم عَلِم، لم يُجْزِئْه، إلَّا الغَنِىَّ إذا طنَّه فَقِيرًا، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن)
إذا دفع الزَّكاةَ إلى مَن لا يَسْتَحِقُّها جاهِلًا بحالِه، كالعَبْدِ، والكافِرِ، والهاشِمِىِّ، وقَرابَةِ المُعْطِى مِمَّن لا يَجُوزُ دَفْعُها إليه، لم يُجْزِئْه رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّه ليس بمُسْتَحِقٍّ، ولا يَخْفَى حالُه غالِبًا، فلم يُجْزِئْه الدَّفْعُ إليه، كدُيُونِ الآدَمِيِّين.
فأمّا إن أعْطَى مَن يَظنّه فَقِيرًا، فبانَ غَنِيًّا، ففيه رِوايتان، إحْدَاهما، يُجْزِئُه.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهو قولُ الحسنِ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى حنيفةَ، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى الرَّجُلَيْن الجَلْدَيْن، وقال: «إنْ
..................................
شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ» 1. وقال للرجلِ الذى سَألَه مِن الصَّدَقَةِ: «إنْ كُنْتَ من تِلْكَ الأجْزَاءِ أعطيْتُكَ حَقَّكَ» 2. ولو اعْتَبَرَ حقيقةَ الغِنَى لَما اكْتَفَى بقَوْلِهم.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، عنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «قال رجُلٌ: لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ.
فَخَرَجَ بِصَدَقَتِه، فوَضَعَهَا فِى يَدِ غَنِىٍّ، فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ.
فأُتِىَ فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، لَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ ممّا أعْطاهُ اللَّهُ».
رَواه النَّسائِىُّ 3. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه دَفَع الواجِبَ
..................................
إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه، فلم يَخْرُجْ مِن عُهْدَتِه، كما لو دَفَعَها إلى كافِرٍ، أو ذِى قرابَةٍ، وكدُيُونِ الآدَمِيِّين.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى يُوسُف، وابنِ المُنْذِرِ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأنَّ الفَقْرَ والغِنَى يَعْسُرُ الاطِّلاعُ عليه والمَعْرِفَةُ بحَقِيقَتِه، قال اللَّهُ تعالى:
..................................
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ 1. فاكْتَفَى بظُهورِ الفَقْرِ، ودَعْواه بخِلافِ غيرِه.
واللَّهُ أعلمُ.
فَصْلٌ: وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ،
فصل
: (وصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ) في جميعِ الأوْقاتِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ 1. وأمَر بالصَّدَقَةِ في آياتٍ كثِيرَةٍ، وحَثَّ عليها، ورَغَّبَ فيها.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طيَبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إلَى اللَّهِ إلَّا طَيِّبٌ، فإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا، كَمَا يُرَبِّى أحَدُكُم فَلُوَّهُ 2، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وصَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ مِن العَلانِيَةِ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 4. وروَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «سَبْعَةٌ
وَهِىَ أَفْضَلُ فِى شَهْر رَمَضَانَ، وَأوْقَاتِ الْحَاجَاتِ.
وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِى الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.
يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّه يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» ذَكَر منهم رجلًا «تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ورُوِىَ عنه، عليه الصلاةُ والسلامُ، أنَّه قال: «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِىُّ غَضَبَ الرَّبِّ».
رَواه التِّرْمذِىُّ (2).
1027 -
مسألة: (وأفْضَلُ ما تكونُ في شهرِ رمضانَ، وأوْقاتِ الحاجاتِ)
لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ 3. ولأنَّ الحَسَناتِ تُضاعَفُ في شهرِ رمضانَ، وفيها إعانَةٌ على أداءِ الصَّوْمِ المَفْرُوضِ.
ومَن فَطَّرَ صائِمًا كان له مِثْلُ أجْرِهِ.
وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ على ذِى القَرابَةِ؛ لقولِه سبحانه: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ 4. وقال12
..................................
النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِى الرَّحِمِ اثْنَتَانِ، صَدَقَةٌ وصِلَةٌ» 1. وهو حديثٌ حسنٌ.
وسألتْ زينبُ امْرَأَةُ ابنِ مسعودٍ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، هل يَسَعُها أن تَضَعَ صَدَقَتَها في زَوْجِها وبَنِى أخٍ لها يَتامَى؟ قال: «نَعَمْ، لَهَا أجْرَانِ؛ أجْرُ القَرَابَةِ، وأجْرُ الصَّدَقَةِ».
رَواه النَّسائِىُّ 2. ويُسْتَحَبُّ أن يَخُصَّ بالصَّدَقَةِ مَن اشْتَدَّتْ حاجَتُه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ 3.
وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ.
وَإنْ تَصَدَّقَ بِمَا يَنْقُصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، أَثِمَ.
1028 - مسألة: (وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بالفاضِلِ عن كِفايَتِه وكِفايَةِ مَن يَمُونُه)
على الدَّوامِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».
مُتَّفقٌ عليه 1. (فإن تَصَدَّقَ بما يَنْقُصُ مُؤْنَةَ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أثِمَ) لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كَفَى بِالْمَرْء إِثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: بالصَّدَقَةِ، فقامَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ عندِى دِينارٌ.
فقال:
وَمَنْ أرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ...
«تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ».
فقاد: عِنْدِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجِكَ».
قال: عِنْدِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ».
قال: عِنْدِى آخَرُ.
قال: «أنْتَ أبْصَرُ».
رَواهما أبو داودَ (1). فإن وافَقَه عِيالُه على الإِيثارِ فهو أفْضَلُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (2). وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِى السِّرِّ» (3).
1029 -
مسألة: (ومن أراد الصَّدَقَةَ بمالِه كلِّه، وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِه
123
وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإنْ لَمْ يَثقْ مِنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ.
حُسْنَ التَّوَكُّلِ والصَّبْرَ عن المَسْأَلَةِ، فله ذلك، وإن لم يَثِقْ مِن نَفْسِه بذلك كُرِه له) مَن أراد الصَّدَقَةَ بجميعِ مالِه، وكان وَحْدَه، أو كان لمَن يَمُونُه كفايَتُهم، وكان مُكْتَسِبًا، أو واثِقًا مِن نفسِه بحُسْنِ التَّوَكُّلِ، والصَّبْرِ على الفَقْرِ، والتَّعَفُّفِ عن المَسْألَةِ، فله ذلك، لِما ذَكَرْنا مِن الآيةِ والخَبَرِ في المَسْألَةِ قبلَها، ولِما روَى عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَتَصَدَّقَ، فوافَقَ ذلك مالًا عِنْدِى فقلتُ: اليَوْمَ أسْبِقُ أبا بكرٍ إن سَبَقْتُه يَوْمًا.
فجِئْتُ بنِصْفِ مالِى، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا أبْقَيْتَ لأهْلِكَ؟».
قلتُ: أبْقَيْتُ لهم مِثْلَه.
فأتَى أبو بكرٍ بكلِّ ما عِنْدَه، فقال له: «مَا أبْقَيْتَ لأهْلِكَ؟».
قال: أبْقَيْت لهم اللَّهَ ورسولَه.
فقلتُ: لا أُسابِقُكَ إلى شئٍ أبدًا 1. فكان هذا فَضِيلَةً في حَقِّ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لقُوَّةِ يَقِيِنه، وكَمال إيمانِه، وكان تاجِرًا ذا مَكْسَبٍ، فإنَّه قال حينَ وَلِىَ: قد عَلِم النَّاسُ أنَّ مَكْسَبِى لم يَكُنْ ليَعْجِزَ عن مُؤْنَةِ عِيالِى.
وإن لم يُوجَدْ في المُتَصَدِّقِ أحَدُ هذَيْن، كُرِهَ له؛ لِما روَى
..................................
أبو داودَ 1، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كُنَّا عندَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذ جاء رجلٌ بمِثْلِ بَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أصَبْتُ هذه مِن مَعْدِنٍ، خُذْها فهى صَدَقَةٌ، ما أمْلِكُ غيرَها.
فأعْرَضَ عنه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أتاه مِن قِبَلِ رُكْنِه الأيْمنِ، فقال مِثْلَ ذلك، فأعْرَضَ عنه، ثم أتاه مِن قِبَلِ رُكْنِه الأيسَرِ، فأعْرَضَ عنه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أتاه مِن خَلْفِه، فأخَذَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فحذَفَه بها، فلو أصابَتْه لعَقَرَتْه، أو لأوْجَعَتْه، وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَأْتِى أحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَان عَنْ ظَهْرِ غِنًى».
فقد نَبَّه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على المَعْنَى الذى كَرَّه الصَّدَقَةَ بجَمِيعِ مالِه، وهو أن يَسْتَكِفَّ النَّاسَ، أى يَتَعَرَّضَ للصَّدَقَةِ، فيَأخُذَها ببَطنِ كَفِّه، يقال: تَكَفَّفَ، واسْتَكَفَّ إذا فَعَل ذلك.
وروَى النَّسائِىُّ 2، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى رجلًا ثَوْبَيْن مِن الصَّدَقَةِ، ثم حَثَّ على الصَّدَقَةِ، فطرَحَ الرجلُ أحَدَ ثَوْبَيْه، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَلَمْ تَرَوْا إلَى هَذَا، دَخَلَ بِهَيئةٍ بَذَّةٍ فأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْن، ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا.
فَطرَحَ أحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ».
وانْتَهَرَه.