وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِىَ بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا.
نَصَّ عَلَيْهِ.
998 - مسألة: (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِىَ بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا. نَصَّ عَلَيْهِ)
لأنَّه فَكُّ رَقَبَةٍ مِن الأسْرِ، فهو كفكِّ رَقَبَةِ العَبْدِ مِن الرِّقِّ، ولأنَّ فيه إعْزازًا للدِّينِ، فهو كصَرْفِه إلى المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، ولأنَّه يَدْفَعُه إلى الأسِيرِ في فَكِّ رَقَبَتِه، أشْبَهَ ما يَدْفَعُه إلى الغارِمِ لفَكِّ رَقَبَتِه مِن الدَّيْنِ.
وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِىَ مِنْهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
999 - مسألة: (وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِىَ مِنْهَا رَقَبَة يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في جَوازِ الإِعْتاقِ مِن الزَّكاةِ، فرُوِىَ عنه جَوازُ ذلك.
وهو قَوْلُ ابنِ عباسٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، والعَنْبَرِىِّ، وأبى ثوْرٍ؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾.
وهو مُتَناوِلٌ للقِنِّ، بل هوِ ظاهِرٌ فيه، فإنَّ الرَّقَبَةَ تَنْصَرِفُ إليه إذا أُطْلِقَتْ، كقولِهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ﴾ 1. وتَقْدِيرُ الآيَةِ: وفى إعْتاقِ الرِّقابِ.
ولأنَّه إعْتاقٌ للرَّقَبَةِ، فجاز صَرْفُ الزَّكاةِ فيه، كدَفْعِه في الكِتابَةِ.
والثانيةُ، لا يجوزُ.
وهو قولُ إبراهيمَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِى صَرْفَ الزَّكاةِ إلى الرِّقابِ، كقولِه: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يُرِيدُ الدَّفْعَ إلى المُجاهِدِين، كذلك ههُنا.
..................................
والعَبْدُ القِنُّ لا يُدْفَعُ إليه شئٌ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبى طالبٍ: قد كُنْتُ أقولُ: يُعْتِقُ مِن زَكاتِه، ولكنْ أهابُه اليومَ؛ لأنَّه يَجُرُّ الوَلاءَ.
وفى مَوْضِعٍ آخَرَ، قِيلَ له: فما يُعْجِبُكَ مِن ذلك؟ قال: يُعِينُ في ثَمَنِها، فهو أسْلَمُ.
وقد رُوِى نحوُ هذا عن النَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ فإنَّهما قالا: لا يُعْتِقُ مِن الزَّكاةِ رَقَبَةً كامِلَةً، لكنْ يُعْطِى منها في رَقَبَةٍ، وِيُعِينُ مُكاتَبًا.
وبه قال أبو حنيفةَ وصاحِباه؛ لأنَّه إذا أعْتَقَ مِن زَكاتِه، انْتَفَعَ بوَلاءِ 1 مَن أعْتَقَه، فكأنَّه صَرَف الزَّكاةَ إلى نَفْسِه.
وأخَذَ ابنُ عَقِيلٍ مِن هذه الرِّوايَةِ، أنَّ أحمدَ رَجَع عن القَوْلِ بالإِعْتاقِ مِن الزَّكاةِ.
وهذا، واللَّهُ أعلمُ، إنَّما كان على سبيلِ الوَرَعِ مِن أحمدَ، فلا يَقْتَضِى رُجُوعًا؛ لأنَّ العِلَّةَ التى عَلَّل بها جَرُّ الوَلَاءِ، ومَذْهَبُه في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه أنَّ ما رَجَع مِن الوَلاءِ رُدَّ في مِثْلِه، فلا يَنْتَفِعُ إذًا بإعْتاقِه مِن الزَّكاةِ.
فصل: ولا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ مِن زَكاتِه مَن يَعْتِقُ عليه بالرَّحِمِ، فإنْ
..................................
فَعَل عَتَق عليه، ولم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ.
وقال الحسنُ: لا بأْسَ أن يُعْتِقَ أباه مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ لم يكنْ إلى أبِيه، وإنَّما دَفَع الثَّمَنَ إلى البائِعِ.
ولَنا، أنَّ نَفْعَ زَكاتِه عادَ إلى أبِيه، فلم يَجُزْ، كما لو دَفَعَها إليه، ولأنَّ عِتْقَه حَصَل بنَفْسِ الشِّراءِ مُجازاةً وصِلَةً للرَّحِمِ، فلم يَجُزْ أن يُحْسَبَ له مِن الزَّكاةِ، كنَفَقَةِ أقارِبِه.
ولو أعْتَقَ عبْدَه المَمْلُوكَ له عن زَكاتِه، لم يُجْزئْه؛ لأنَّ أداءَ الزَّكاةِ عن كلِّ مالٍ مِن جِنْسِه، والعَبْدُ ليس مِن جِنسِ ما تَجِبُ الزكاةُ فيه.
وكذلك لو أعْتَقَ عَبْدًا مِن عَبِيدِ التِّجارَةِ، لم يَجُزْ، لأنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ في قِيمَتِهم، لا في عَيْنِهم.
السَّادِسُ، الْغَارِمُونَ؛ وَهُمُ الْمَدِينُونَ، وَهُمْ ضَرْبَانِ؛ ضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ نَفْسِهِ في مُبَاحٍ.
1000 - مسألة: (السَّادِسُ، الْغَارِمُونَ؛ وَهُمُ الْمَدِينُونَ، وَهُمْ ضَرْبَانِ؛ ضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ نَفْسِهِ في مُبَاحٍ)
الغارِمُون ضَرْبان؛ أحَدُهما، الغارِمُون لإِصْلاحِ نُفُوسِهم، ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِهم وثُبُوتِ سَهْمِهم في الزَّكاةِ، وأنَّ المَدِينين العاجِزِين عن وَفاءِ دُيُونِهم منهم.
لكن مَن غَرِم في مَعْصِيَةٍ، مثلَ أن يَشْتَرِىَ خَمْرًا، أو يَصْرِفَه في زِنًا، أو قِمارٍ، أو غِناءٍ، أو نحوِه، لم يُدْفَعْ إليه قبلَ التَّوْبَةِ شئٌ؛ لأنَّه إعانَةٌ له على المَعْصِيةِ، وسَنَذْكُرُ ذلك.
ولا يُدْفَعُ إلى غارِمٍ كافِرٍ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الزَّكاةِ، ولذلك لم يُدْفَعْ إلى فقيرِهم ومُكاتَبهم.
وإن كان مِن ذَوِى القُرْبَى، فقال أصحابُنا: يَجُوزُ الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّ عِلَّةَ مَنْعِه مِن الأخْذِ منها لفَقْرِه صِيانَتُه عن أكْلِها، لكَوْنِها أوْساخَ النّاسِ، وإذا أخَذَها للغُرْمِ صَرَفَها إلى الغُرَماءِ، فلا يَنَالُه دَناءَةُ وَسَخِها.
..................................
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ في مَنْعِهم مِن أخْذِها، وكَوْنِها لا تَحِلُّ لهم، ولأنَّ دَناءةَ أخْذِها تَحْصُلُ، سواءٌ أكَلَها أو لم يَأكُلْها.
ولا يُدْفَعُ إلى غارِمٍ له ما يَقْضِى به دَيْنَه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه لحاجَتِه، وهو مُسْتَغْنٍ عنها.
الضَّرْبُ الثَّانِى، مَن غَرِم لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وهو أن يَقَعَ بينَ الحَيَّيْن أو أهلِ القَرْيَتَيْن عَداوةٌ وضَغائِنُ، يَتْلَفُ بها نَفْسٌ أو مالٌ، ويَتَوَقَّفُ صُلْحُهم [على مَن] 2 يَتَحَمَّلُ ذلك، فيَسْعَى إنْسَانٌ في الإِصْلاحِ بينَهم، ويَتَحَمَّلُ الدِّماءَ التى بينَهم والأمْوالَ، فيُسَمَّى ذلك حَمالَةً، بفَتحِ الحاءِ، وكانتِ العربُ تَعرِفُ ذلك، فكان الرجلُ منهم يَتَحَمَّلُ الحَمالةَ، ثم يَخْرُجُ في القَبائِلِ فيَسْألُ حتَّى يُؤَدِّيَها، فوَرَدَ الشرعُ بإباحَةِ المَسْألَةُ فيها، وجَعَل لهم نَصِيبًا مِن الصَّدَقَةِ، فرَوَى مسلمٌ 3 بإسْنادِه، عن قَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ، قال: تَحَمَّلْتُ حَمالةً، فأتَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَألْتُه فيها، فقال:
..................................
«أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا».
ثم قال: «يَا قَبِيصَةُ، إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَيَسْألُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ جَاثِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِن عَيْشٍ، أوْ قِوَامًا مِن عَيْشٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْبٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا يَوْمَ القِيَامَةِ».
ورَوَى أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، إلَّا لخَمْسَةٍ» 1. ذَكَر منهم الغارِمَ.
السَّابِعُ، في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ.
1001 - مسألة: (السَّابِعُ، في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ)
هذا الصِّنْفُ السَّابِعُ مِن أصْنافِ الزَّكاةِ.
ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِهم، وبَقاءِ حُكْمِهم.
ولا خِلافَ في أَنَّهم الغزاةُ؛ لأنَّ سَبيلَ اللَّهِ عندَ الإِطْلاقِ هو الغَزْوُ، وقالْ اللَّهُ تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِي سَبيلِ اللَّهِ﴾ 1. وقال: ﴿وَتُجَهِدُونَ فِىٍ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 2. وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ في سَبِيْلِهِ صَفًّا﴾ 3. ذَكَر ذلك في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِه العزِيزِ.
فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ هذا السَّهْمَ الغُزاةُ الَّذين لا دِيوانَ لهم، وإنَّما يَتَطَوَّعُون بالغَزْوِ إذا نَشِطُوا.
قال أحمدُ: يُعْطى ثَمَنَ الفَرَسِ، ولا يَتَوَلَّى مُخْرِجُ الزَّكاةِ شِراءَ الفَرَسِ بنَفْسِه؛ لأنَّ الواجِبَ إيتاءُ الزَّكاةِ، فإنِ اشْتَراها بنَفْسِه فما أعْطىَ إلَّا فَرَسًا.
وكذلكَ الحُكْمُ في شِراءِ السِّلاحِ والمُؤْنَةِ.
وَلَا يُعْطَى مِنْهَا في الْحَجِّ.
وَعَنْهُ، يُعْطى الْفَقِيرُ مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ أوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: إن دَفَع ثَمَنَ الفَرَسِ وثَمَنَ السَّيْفِ فهو أعْجَبُ إلىَّ، وإنِ اشْتَراه هو رَجَوْتُ أن يُجْزِئَه.
وقال أيضًا: يَشْتَرِى الرجلُ مِن زَكاتِه الفَرَسَ، ويَحْمِلُ عليه، وَالقَناةَ، ويُجَهِّزُ الرجلَ، وذلك لأنَّه قد صَرَف الزَّكاةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فجاز، كما لو دَفَعَها إلى الغازِى فاشْتَرَى بها.
وقال: ولا يَشْتَرِى مِن الزَّكاةِ فَرَسًا يصيرُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا دارًا، ولا ضَيْعَةً يُصَيِّرُها للرِّباطِ، ولا يَقِفُها على المُجاهِدِين؛ لأنَّه لم يُؤْتِ الزَّكاةَ لأحَدٍ، وهو مَأمُورٌ بإيتائِها.
قال: ولا يَغْزُو الرجلُ على الفَرَسِ الَّذى أخْرَجَه مِن زَكاةِ مالِه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَجْعَلَ نَفسَه مَصْرِفًا لزَكاتِه، كما لا يَحُوزُ أن يَقْضِىَ بها دَيْنَه، ومتى أخَذَ الفَرَسَ التى اشْتُرِيَتْ بمالِه، صارَ هو مَصْرِفًا لزَكاتِه.
1002 -
مسألة: (ولا يعْطىَ منها في الحَجِّ. وعنه، يُعْطىَ الفَقِيرُ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ أو يَسْتَعِينُ به فيه)
اختَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ،
..................................
رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك، فرُوِىَ عنه، أنَّه لا يُصْرَفُ منها في الحَجِّ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وهى أصَحُّ؛ لأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عندَا الإطْلاقِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الجهادِ، فإنَّ كلَّ ما في القُرآنِ مِن ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إنَّما ارِيدَ به الجِهادُ، إلَّا اليَسِيرَ، فيَجِبُ أن يُحْمَلَ ما في آيَةِ الزَّكاةِ على ذلك؛ لأنَّ الظَّاهِرَ إرادَتُه به، ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُصْرَف إلى أحَدِ رَجُلَيْن، مُحْتاجٍ إليها، كالفُقَراءِ والمَساكِينِ وفى الرِّقابِ والغارِمين لقَضاءِ دُيُونِهم، أو مَن يحْتاجُ إليه المسلمون، كالعاملِ والغازِى والمُؤَلَّفِ والغارِمِ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ.
والحَجُّ للفَقِيرِ لا نَفْعَ للمسلمين فيه، ولا حاجَةَ بهم إليه، ولا حاجَةَ به أيضًا؛ لأنَّ الفَقِيرَ لا فرْضَ عليه فيُسْقِطَه، ولا مَصْلَحَةَ له في إيجابِه عليه، وتَكْلِيفُه مَشَقَّةٌ قد رَفَّهَهْ اللَّهُ منها، وخَفَّفَ عنه إيجابَها.
وتَوْفِيرُ هذا القدرِ على ذَوِى الحاجةِ مِن سائِرِ الأصْنافِ، أو دَفْعُه في ئصالِحِ المسلمين أوْلَى.
ورُوِىَ عنه،
..................................
أنَّ الفَقِيرَ يُعْطىَ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ، أو يَسْتَعِينُ به فيه.
يُرْوَى إعْطاءُ الزَّكاةِ في الحَجِّ عن ابنِ عباسٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ: الحَجُّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ.
وهو قَوْلُ إسحاقَ؛ لِما رُوِى أنَّ رجلًّا جَعَل ناقَةً له في سَبيلِ اللَّهِ، فأرادَتِ امْرَأتُه الحَجَّ، فقال لها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْكَبِيهَا، فَإنَّ الحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ».
رَواه أبو داودَ 1 بمعناه.
والأوَّلُ أوْلَى.
وأمّا الخَبَرُ فلا يَمْتَنِعُ أن يكونَ الحجُّ مِن سبيلِ اللَّهِ، والمُرادُ بالآيَةِ غيرَه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: فإذا قُلْنا: يُدْفَعُ في الحَجِّ منها.
فلا يُعْطىَ إلَّا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يكونَ ممَّن ليس له ما يَحُجُّ به سِواها؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ» 2. وقال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ 3 إلَّا لِخَمْسَةٍ» 4. ولم يَذْكُرِ الحاجَّ فيهم.
ولأنَّه يَأْخُذُ
..................................
لحاجَتِه، لا لحاجَةِ المسلمين إليه، فاعْتُبِرَتْ فيه الحاجَةُ، كمَن يأخُذُ لفَقْرِه.
الثَّانِى، أن يأخُذَ لحَجَّةِ الفَرْضِ.
وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى إسْقاطِ فَرْضِه وإبْراءِ ذِمَّتِه، أمّا التَّطَوُّعُ فله عنه مَنْدُوحَةٌ.
وقال القاضى: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُه في الفَرْضِ والنَّفْلِ معًا.
وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ الكلَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ، ولأنَّ الفَقِيرَ لا فَرْضٍ عليه، فالفَرْضُ منه كالتَّطَوُّعِ، فعلى هذا يَجُوزُ أن يُدْفَعَ ما يَحُجُّ به حَجَّة كاملةً، وما يُعِينُه في حَجِّه، ولا يجوزُ أن يَحُجَّ مِن زكاةِ نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَغْزُوَ بها.
الثَّامِنُ، ابْنُ السَّبِيلِ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، دُونَ الْمُنْشِئ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى بَلَدِهِ.
1003 - مسألة: (الثَّامِنُ، ابنُ السَّبِيلِ؛ وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ به دُونَ المُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِهِ)
ابنُ السَّبيلِ هو الصِّنْفُ الثَّامِنُ من أصْنافِ الزَّكاةِ.
ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِه وبَقاءِ سَهْمِه.
وهو المُسافِرُ الَّذى ليس له ما يَرْجِعُ به إلى بَلَدِه، وإن كان ذا 1 يَسارٍ في بَلَدِه فيُعْطىَ ما يَرْجِع به إلى بَلَدِه.
وهذا قولُ قَتادَةَ.
ونحوُه قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى وقال الشافعىُّ: هو المُجْتازُ، ومَن يُرِيدُ إنْشاءَ السَّفَرِ إلى
..................................
بَلَدٍ أيضًا، فيُدْفَعُ إليهما ما يحْتاجانِ إليه لذَهابهِما وعَوْدِهِما؛ لأنَّه يُرِيدُ السَّفرَ لغيرِ مَعْصِيَةٍ، فأشْبَهَ المُجْتازَ.
ولَنا، أنَّ السَّبِيلَ هو الطَّريقُ، وابنُ السَّبِيلِ المُلازِمُ للطرَّيقِ الكائِنُ فيها.
كما يقالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ.
للذى يُكْثِرُ الخُرُوجَ فيه.
والقاطِنُ في بَلَدِهِ ليس في طَرِيقٍ، ولا يَثْبُتُ له حُكْمُ الكائِنِ فيها، ولهذا لا يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّفَرِ بِعَزْمِه عليه دُونَ فِعْلِه، ولأنَّه لا يُفْهَمُ مِن ابنِ السَّبِيلِ إلَّا الغَرِيبُ دُونَ مَن هو في وَطَنِه ومَنْزِلِه، وإنِ انْتَهَتْ به الحاجَةُ مُنْتَهاهَا، فوَجَبَ أن يُحْمَلَ المَذْكورُ في الآيَةِ على الغَرِيبِ دُونَ غيرِه، وإنَّما يُعْطى وله اليَسَارُ في بَلَدِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الوُصُولِ إليه، والانتفاعِ به، فهو كالمَعْدُومِ في حَقِّه.
فإن كان ابنُ السَّبِيلِ فِقيرًا في بَلَدِهِ، أُعْطِىَ لفَقْرِه وكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ، لوُجُودِ الأمْرَيْن فيه، ويُعْطى لكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ قَدْرَ ما يُوَصِّلُه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه للحاجَةِ إلى ذلك، فيُقَدَّرُ بقَدْرِها.
..................................
فصل: وإن كان ابنُ السَّبِيلِ مُجْتازًا يُرِيدُ بَلَدًا غيرَ بَلَدِه، فقال أصحابُنا: يُدْفَعُ إليه ما يَكْفِيه في مُضِيِّه إلى مَقصِدهِ ورُجُوعِه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ فيه إعانَةً على السَّفَرِ المُبَاحِ، وبلوغِ الغَرَضِ الصَّحِيحِ، لكنْ يُشْتَرَطُ كَونُ السَّفَرِ مُباحًا؛ إمَّا قُرْبَةَ كالحَجِّ والجِهادِ وزِيارَةِ الوالِدَيْن، أو مُباحًا كطَلَبِ المَعَاشِ وطَلَبِ التِّجاراتِ.
وأمَّا المَعْصِيَةُ فلا يَجُوز الدَّفْعُ إليه فيها؛ لأنَّه إعانَةٌ عليها، فهو كفِعْلِها، فإنَّ وَسِيلَةَ الشئِ جارِيَةٌ مَجْراه.
وإن كان السَّفَرُ للنُّزْهَةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه غيرُ
وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ،
مَعْصِيَةٍ.
والثانِى، لا يُدْفَعُ إليه، لأنَّه لا حاجَةَ به إلى هذا السَّفَرِ.
قال شيخُنا (1): ويَقْوَى عندِى أنَّه لا يَجُوزُ الدَّفْعُ للسَّفَرِ إلى غيرِ بَلَدِه؛ لأنَّه لو جاز ذلك لجاز لِلمُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِه، ولأنَّ هذا السَّفَرَ إن كان لجِهادٍ، فهو يَأْخُذُ له مِن سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ، وإن كان حَجًّا فغيرُه أهَمُّ منه، وإذا لم يَجُزِ الدَّفْعُ في هذَيْن، ففى غيرِهِما أوْلَى، وإنَّما وَرَد الشَّرْعُ بالدَّفْعِ إليه لِلرُّجُوعِ (2) إلىْ بَلَدِه؛ لأنَّه أَمْرٌ تَدْعُو حاجَتُه إليه ولا غَناءَ به عنه، فلا يَجُوزُ إلْحاقُ غيرِه به؛ لأنَّه ليس في مَعْناه، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، فلا يَثْبُتُ جَوازُه لعَدَمِ النَّصِّ والقِياسِ.
1004 -
مسألة: (ويُعْطى الفَقِيرُ والمِسْكِينُ ما يُغْنِيهما)
لأنَّ12
..................................
الدَّفْعَ إليهما للحاجَةِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِها، فإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى هو ما تَحْصُلُ به الكِفايةُ.
أُعْطِىَ ما يَكْفِيه في حَوْلٍ كامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزَّكاةِ بتَكَرُّرِه، فيَنْبَغِى أن يَأْخُذَ ما يكْفِيه إلى مِثْلِه، ويُعْتَبرُ وُجُودُ الكِفايَةِ له ولعائِلَتِه ومَن يَمُونُه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم مَقْصُودٌ دَفْعُ حاجَتِه، فيُعْتَبرُ له ما يُعْتَبرُ للمُنْفَردِ.
وإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى يَحْصُلُ بخَمْسِين دِرْهمًا.
جاز أن يَأْخُذَ له ولعائِلَتِه حتَّى يَصِيرَ لكلِّ واحِدٍ منهم خَمْسُون.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبى داودَ، في مَن يُعْطَى الزَّكاةَ، وله عِيالٌ: يُعْطى كُلُّ واحدٍ مِن عِيالِه خَمْسِين خَمْسِين.
وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ مَا يَقضِيَان بِهِ دَيْنَهُمَا، وَالْمُؤلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ،
1005 - مسألة: (و)
يُعْطى (العامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِه) لأنَّ الَّذى يأْخُذُه بسَبَب العملِ، فوَجَبَ أن يكونَ بمِقْدَارِهِ، (والمُؤْلَّفُ ما يَحْصُلُ به التَّألِيفُ) لأنَّه المَقْصُودُ.
1006 -
مسألة: (والغارِمُ والمُكاتَبُ ما يَقْضِيانِ به دَيْنَهما)
لأنَّ حاجَتَهُما إنَّما تَنْدَفِعُ بذلك.
وَالغَازِى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ وَإنْ كَثُرَ،
1007 - مسألة: (والغَازِى ما يَحْتاجُ إليه لغَزْوِهِ وإن كَثُر)
فيُدْفَعُ إليه قَدْرُ كِفايَتِه، وشِراءِ السِّلاحِ والفَرَسِ إن كان فارِسًا، وحُمُولَتِه ودِرْعِه، وسائِرُ ما يَحْتاجُ إليه لغَزْوِه، وإن كَثُر؛ لأنَّ الغَزْوَ إنَّما يَحْصُلُ بذلك.
ومتى ادَّعَى أنَّه يُرِيدُ الغَزْوَ قُبِلَ قوْلُه؛ لأنَّه لا يمكنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ على نِيَّتِه، ويُدْفَعُ إليه دَفْعًا مُراعًى، فإن لم يَغْزُ رَدَّه؛ لأنَّه أخَذَه لذلك، وإن مَضَى إلى الغَزْوِ فرَجَعَ مِن الطرَّيقِ، أو لم يُتِمَّ الغَزْوَ الَّذى دُفِع إليه مِن أجْلِه، رَدَّ ما فَضَل معه؛ لأنَّ الَّذى أخَذَ لأجْلِه لم يَفْعَلْه كلَّه.
وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ.
وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى، إلَّا أَرْبَعَةٌ؛ الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَارِمُ لإصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ، وَالْغَازِى.
1008 - مسألة: (ولا يُزادُ أحَدٌ منهم على ذلك)
لِما ذَكَرْنا.
ولأنَّ الدَّفْعَ لحاجَةٍ، فوَجَبَ أن يُتَقَيَّدَ بها، وإنِ اجْتَمَعَ في واحِدٍ سَبَبانِ، كالغارِمِ الفَقِيرِ، دُفِعَ إليه لهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَبَبٌ للأخْذِ، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ حُكْمُه حيثُ وُجِد.
1009 -
مسألة: (ومَن كان ذا عِيالٍ أخَذَ ما يَكْفِيهم)
لِما ذَكَرْنا.
1010 -
مسألة: (ولا يُعْطَى أحَدٌ منهم مع الغِنَى، إلَّا أرْبَعَةٌ؛ العامِلُ، والمُؤلَّفُ، والغارِمُ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والغازِى)
يجوزُ للعامِلِ الأخْذُ مع الغِنَى، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه يَأْخُذُ أجْرَ عَمَلِه، ولأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل العامِلَ صِنْفًا غيرَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، فلا يُشْتَرَطُ وُجُودُ
..................................
مَعْناهُما فيه كما لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَعْناه فيهما.
وكذلك المُؤَلَّفُ يُعْطَى مع الغِنَى؛ لظاهِرِ الآيَةِ، ولأنَّه يَأْخُذُ لحاجَتِنا إليه، أشْبَهَ العامِلَ، ولأنَّهم إنَّما أُعْطُوا لأجْلِ التَّأْلِيفِ، وذلك يُوجَدُ مع الغِنَى.
والغارِمُ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والغازِى يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم مع الغِنَى.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحِباه: لا يُدْفَعُ إلَّا إلى الفَقِيرِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغنِيائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» 1. فظاهِرُ هذا أَنَّها كلَّها تُرَدُّ في الفُقَراءِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٌّ 2 إلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لِغَازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ لِغَارِمٍ» 3. وذكر بَقِيتَّهَم.
..................................
ولأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل الفُقراءَ والمَساكِينَ صِنْفَيْنِ، وعَدَّ بعدَهما سِتَّةَ أصْنافٍ لم يَشْتَرِطْ فيهم الفَقْرَ، فيَجُوزُ لهم الأخْذُ مع الغِنَى بظاهِرِ الآيَةِ، ولأنَّ هذا يَأْخُذُ لحاجَتِنا إليه، أشْبَهَ العامِلَ والمُؤَلَّفَ، ولأنَّ الغارِمَ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ إِنَّما يُوثَقُ بضَمانِه، ويُقْبَلُ إذا كان مَلِيئًا، ولا ملاءَةَ مع الفَقْرِ، فإن أدَّى الغُرْمَ مِن مالِه، لم يكنْ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّه لم يَبْقَ غارِمًا، وإنِ اسْتَدانَ وأَدَّاها جاز له الأخْذُ؛ لبَقَاءِ الغُرْمِ.
فصل: وخَمْسَةٌ لا يَأخُذُون إلَّا مع الحاجَةِ؛ وهم الفُقَراءُ، والمَساكِينُ، والمُكاتَبُ، والغارِمُ لمَصْلَحَةِ نَفْسِه في مُباحٍ، وابنُ السَّبِيلِ؛ لأنَّهم يأْخُذُون لحاجَتِهم لا لحاجَتِنا إليهم، إلَّا أنَّ ابنَ السَّبِيلِ إنَّما تُعْتَبَر حاجَتُه في مَكانِه وإن كان له مالٌ في بَلَدِه؛ لأنَّه الآن كالمَعْدُومِ.
..................................
وإذا كان الرجلُ غَنِيًّا وعليه دَيْنٌ لمَصْلَحَتِه لا يُطِيقُ قَضاءه، جاز أن يُدْفَعَ إليه ما يُتِمُّ به قَضاءَه مع ما زاد عن حَدِّ الغِنَى.
فإذا قُلْنا: الغِنَى يَحْصُلُ بخَمْسِين دِرْهَمًا.
وِله مائةٌ، وعليه مائةٌ.
جاز أن يُعْطى خَمْسِين؛ ليُتِمَّ قَضاءَ المائةِ مِن غيرِ أن يَنْقُصَ غناؤُه.
قال أحمدُ: لا يُعْطى مَن عندَه خَمْسون دِرْهمًا أو حِسابُها مِن الذَّهَبِ، إلَّا مَدِينًا فيُعْطى دَيْنَه.
ومتى أمْكَنَه قَضاءُ الدَّيْنِ مِن غيرِ نَقْصٍ مِن الغِنَى، لم يُعْطَ شَيْئًا.
وإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى لا يَحْصُلُ إلَّا بالكِفايَةِ.
وكان عليه دَيْنٌ إذا قَضاه لم يَبْقَ له ما يَكْفِيه، أُعْطِىَ ما يُتِمُّ به قَضاءَ دَيْنِه، بحيث يَبْقَى له قَدْرُ كِفايَتِه بعدَ قَضاءِ الدَّيْنِ على ما ذَكَرْنا.
وإن قَدَر على قَضائِه مع بقاءِ الكِفايَةِ، لم يُدْفَعْ إليه شئٌ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا كان له مائتَان، وعليه مِثْلُها، لا يُعْطى مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّ الغِنَى خَمْسُون دِرْهَمًا.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه اعْتَبَرَ في الدَّفْع إلى الغارِمِ كَوْنَه فَقِيرًا.
وإذا أُعْطِىَ للغُرْمِ، وجَبَ صَرْفُه إلى قَضاءِ الدَّيْنِ، وإن أُعْطِىَ للفَقْرِ، جاز أن يَقْضِىَ به دَيْنَه.
..................................
فصل: وإذا أرادَ الرجلُ دَفْعَ زَكَاتِه إلى الغارِم، فله أن يُسَلّمَها إليه ليَدْفَعَها إك غَرِيمِه، فإن دَفَعَها إلى الغَرَيمِ قَضاءً عن الدَّيْنِ، ففيه عن أحمدَ رِوَايتانِ، إحْداهُما، يَجُوزُ ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ في ما نَقَل عنه أبو الحارثِ، قال: قلتُ لأحمدَ: رَجُلٌ عليه ألفٌ، وكان على رَجُلٍ زَكاةُ مَالِه ألفٌ، فأدَّاها عن هذا الَّذى عليه الدَّيْنُ، يَجُوزُ هذا مِن زَكَاتِه؟ قال: نعم، ما أرى بذلك بَأْسًا، لأنَّه دَفَع الزَّكاةَ في قَضاءِ دَيْنِ المَدِينِ، أشْبَهَ ما لو دَفَعَها إليه فقَضَى بها دَيْنَه.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ.
قال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن يَدْفَعَه إليه، حتَّى يَقْضِىَ هو عن نَفْسِه.
قِيلَ: هو مُحْتاجٌ يَخافُ أن يَدْفَعَه إليه، فيَأْكُلَه ولا يَقْضِىَ دَيْنَه.
قال: فَقُلْ له يُوَكِّلُه حتَّى يَقْضِيَه.
وظاهِرُ هذا أنَّه لا يَدْفَعُها إلى الغَريمِ إلَّا بوَكالَةِ الغارِمِ، لأنَّ الدَّيْنَ إنَّما هو على الغارِمِ، فلا يَصِحُّ قَضاوه إلا بتَوْكِيلِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتِحْبابِ، ويكونُ قَضاؤُه عنه جائِزًا.
وإن كان دافِعُ الزَّكاةِ الإِمامَ، جاز أن يَقْضِيَها عنه مِن غيرِ تَوْكِيلِه، لأنَّ للإِمامِ وِلايةَ عليه في إيفاءِ الدَّيْنِ، ولهذا يُجْبِرُه عليه إذا امْتَنَعَ منه.
وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَازِى وَابْنِ السَّبِيلِ شَىْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ، وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ في الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أيْضًا أخْذًا مُسْتَقِرًّا.
1011 - مسألة: (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَازِى وَابْنِ السَّبِيلِ شَىْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ، وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ في الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أيْضًا أخْذًا مُسْتَقِرًّا) أصْنافُ الزَّكاةِ قسمان؛ قسمٌ يَأْخُذُونَ أخْذا مُستَقِرًّا، فلا يُراعَى حَالُهم بعدَ الدَّفْع، وهم الفُقراءُ، والمَساكِينُ، والعامِلُون، والمُؤَلَّفَةُ، فمتى أخَذُوها مَلَكُوها مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، لا يَجبُ عليهم رَدُّها بِحَالٍ.
وقِسْمٌ يَأْخُذُون أخْذًا مُراعًى، وهم أَرْبَعَةٌ؛ المُكاتَبُون، والغارِمُون، والغُزَاةُ،
..................................
وابنُ السَّبِيلِ، فإن صَرَفُوه في الجِهَةِ التى اسْتَحَقُّوا الأخْذَ لأجْلِها، وإلَّا اسْتُرْجِعَ منهم.
والفَرْقُ بينَ هذا القِسْمِ والذي قَبْلَه، أنَّ هؤلاء أخَذُوا لمَعْنًى لم يَحْصُلْ بأخْذِهم للزكاةِ، والقِسم الأوَّلُ حَصَل المَقْصُودُ بأخْذِهم، وهو غِنَى الفُقراءِ والمَساكِينِ، وتَألِيفُ المُؤَلَّفِين، وأداءُ أجْرِ العامِلِين.
وإن قَضَى المذْكُورُون في القِسْمِ الثَّانِى حاجَتَهم، وفَضَل معهم فَضْلٌ رَدُّوا الفَضْلَ؛ لأنَّهم أخَذُوه لِلحاجَةِ، وقد زَالَتْ.
وذَكَر الخِرَقِىُّ، في غيرِ هذا البابِ، أنَّ الغَازِىَ إذا فَضَل معه شئٌ بعدَ غَزْوِه، فهو له؛
..................................
لأنَّنا دَفَعْنا إليه قَدْرَ الكِفايَةِ، وإنَّما ضَيَّقَ على نَفْسِه.
وظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ في المُكاتَبِ، أنَّه يأْخُذُ أخْذًا مُستَقِرًّا، فلا يَرُدُّ ما فَضَل؛ لأنَّه قال: وإذا عَجَز المُكاتَبُ، ورُدَّ في الرِّقِّ، وكان قد تُصُدِّقَ عليه بشئٍ، فهو لِسَيِّدِه.
ونَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ المَرُّوذِىِّ والكَوْسَجِ.
ونَقَل عنه حَنْبَلٌ، إذا عَجَز يَرُدُّ ما في يَدَيْه في المُكاتَبِين.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيز: إن كان باقِيًا بعَيْنِه اسْتُرْجِعَ منه؛ لأنَّه إنَّما دُفِع إليه ليَعْتِقَ به ولم يَقَعْ.
وقال القاضى: كَلامُ الخِرَقِىِّ مَحْمُولٌ على أنَّ الَّذى بَقِىَ في يَدِه لم يكنْ عَيْنَ الزَّكاةِ، وإنَّما تَصَرَّفَ فيها، وحَصَل عِوَضُها وفائِدَتُها.
ولو تَلِف المالُ الَّذى في يَدِ هؤلاء بغيرِ تَفرِيطٍ، لم يَرْجِعْ عليهم بشئٍ.
وَإذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى،
1012 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَن عُرِفَ بالغِنَى)
لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا ببيِّنَةٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ المَسْألَةَ لَا تَحِلُّ لِأحَدٍ إلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِه، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أو سِدَادًا
أَوِ ادَّعَى إِنسَانٌ أَنَّهُ مُكاتَبٌ أوْ غارِمٌ أَوِ ابْنُ سَبِيلٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
مِنْ عَيْشٍ».
رَواه مسلمٌ (1). ولأنَّ الأصْلَ بقاءُ الغِنَى، فلم يُقْبَلْ قولُه بمُجَرَّدِه فيما يُخَالِفُ الأَصْلَ.
وهل يُعْتَبَرُ في البَيِّنةِ على الفَقْرِ ثَلَاثَةٌ، أَو يُكْتَفَى باثْنَين؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُكْتَفَى إلَّا بثَلاثَةٍ، لظَاهِرِ الخَبَرِ.
والثانِى، يُقْبَلُ اثْنان؛ لأنَّ قَوْلَهما يُقْبَلُ في الفقْرِ بالنِّسْبَةِ إلى حُقُوقِ الآدَمِيِّين المَبْنِيَّةِ على الشُّحِّ والضِّيقِ، فمْى حَقِّ اللَّهِ تعالى أوْلَى، والخَبَرُ إنَّما وَرَد في حِلِّ المَسْألَةُ، فيُقْتَصَرُ عليه.
1013 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّه مُكاتَبٌ أو غارِمٌ أو ابنُ سَبِيلٍ، لم يُقْبَلْ)
قولُه (إلَّا ببَيِّنةٍ) لأنَّ الأصْلَ عدمُ ما يَدَّعِيه، وبراءَةُ الذِّمَّةِ.
فإنْ كان يَدَّعِى الغُرْمَ من جِهَةِ إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، فالأمْرُ فيه ظاهِرٌ لا يَكادُ يَخْفَى، ويَكْفِى اشْتِهارُ ذلك، فإن خَفِىَ بر يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ.1
وَإنْ صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ، أوِ الْغَارِمَ غَرِيمُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
1014 - مسألة: (فإنْ صَدَّقَ المُكاتَبَ سَيِّدُه، أوِ الغارِمَ غَرِيمُه، فعلى وَجْهَين)
أحَدُهما، يُقْبَلُ، لأنَّ الحَقَّ في العَبْدِ لِسَيِّدِه، فإذا أقَرَّ بانْتِقالِ
وَإنِ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى، قُبِلَ قَوْلُهُ.
حَقِّه عنه قُبِلَ، ولأنَّ الغَرِيمَ إذا صَدَّقَ الغارِمَ ثَبَت عليه ما أقَرَّ به.
والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في أنَّه يُواطِئة ليَأْخُذَ المالَ به.
1015 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَن لم يُعْرَفْ بالغِنَى، قُبِلَ
وَإنْ رَآهُ جَلْدًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ، أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، بَعْدَ أَنْ يُخبِرَه أنَّهُ لا حَظَّ فِيهَا لِغَنىٍّ وَلا لِقَوِىٍّ مُكتَسِبٍ.
قولُه) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الغِنَى (فإنْ رآه جَلْدًا، وذَكَر أنَّه لا كَسْبَ له، أعْطاهُ مِن غيرِ يَمِينٍ، بعدَ أن يخْبِرَه أنَّه لا حَظَّ فيها لِغَنِىٍّ ولا لقَوِىِّ مُكْتَسِبٍ) إذا كان الرجلُ صَحِيحًا جَلْدًا، وذَكَرَ أنَّه لا كَسْبَ له، أُعْطِىَ مِن الزَّكاةِ، وقُبِلَ قولُه بغيرِ يَمِينٍ، إذا لم يُعْلَمْ كَذِبُه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُعْطَى الرَّجُلَيْنِ اللَّذيْن سَألاه، ولم يُحلِّفْهما، وفى بعضِ رِواياتِه، أنَّه قال: أتَيْنا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَسَألْناهُ مِن الصَّدَقَةِ، فصَعَّدَ فينا النَّظَرَ، فرَآنا جَلْدَيْنِ، فقال: «إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا وَلَا حظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوىٍّ مُكْتَسِبٍ».
رَواه أبو داودَ 1.
فصل: وإنْ رآه مُتَجَمِّلًا قَبِلَ قولَه أيضًا؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن ذلك الغِنَى، بدَلِيلِ قولِه سبحانه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أغْنِيَاءَ مِنَ الْتَّعَفُّفِ﴾ 2. لكنْ ينْبَغِى أن يُخْبِرَه أنَّها زَكاةٌ؛ لئَلَّا يكونَ ممَّن لا تَحِلُّ له.
وإن رآه ظاهِرَ المَسْكَنةِ أعْطاهُ منها، ولم يَحْتَجْ أن يُبَيِّنَ له شَرْطَ جَوازِ الأخْذِ، ولا أنَّ
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا، قُلِّدَ وَأُعْطِىَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَمَنْ غَرِمَ أَوْ سَافَرَ في مَعْصِيَةٍ، لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَابَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ما يَدْفَعُه إليه زكاةٌ.
قال أحمدُ، رَحِمه اللَّهُ، وقد سُئِل عن الرجلِ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى رَجُلٍ: هل يقولُ له: هذه زَكاةٌ؟ فقال: يُعْطِيه ويَسْكُتُ، ولا يُقَرِّعُه.
فاكْتَفَى بظاهِرِ حالِه عن السُّؤَالِ.
1016 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّ له عِيَالًا، قُلِّدَ وأُعْطِىَ)
ذَكَرَه القاضى، وأبو الخَطّابِ، كما يُقَلَّدُ في دَعْوَى حاجَتِه.
(ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) اختارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُهم، ولا يَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، وفارَقَ ما إذا ادَّعَى أنَّه لا كَسْبَ له، لأنَّه يَدَّعِى ما يُوافقُ الأصْلَ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الكَسْبِ والمالِ، وَيَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه.
1017 -
مسألة: (ومَن سَافَر أو غرِم في مَعْصِيَةٍ، لم يُدْفَعْ إليه)
شَىْءٌ (فإنْ تاب، فعلى وَجْهَيْن) مَن غَرِم في مَعْصِيَةٍ، كالخَمْرِ، والزِّنا،
..................................
والقِمارِ، والغِناءِ، ونحوِه، لم يُدْفَعْ إليه شئٌ قبلَ التَّوْبَةِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعْصِيَةِ.
وكذلك إذا سافَرَ في مَعْصِيَةٍ، فأرادَ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِه، لا يُدْفَعُ إليه شئٌ قبلَ التَّوْبَةِ، لِما ذَكَرْنا.
فإن تاب مِن المَعْصِيَةِ، فقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ إبْقاءَ 1 الدَّيْنِ في الذِّمَّةِ ليس مِن المَعْصِيَةِ، بل يَجِبُ تَفْرِيغُها، والإعانَةُ على الواجِبِ قُرْبَةٌ لا مَعْصِيَةٌ، فأشْبَهَ من أتْلَفَ مالَه في المَعاصِى حتَّى افْتَقَرَ، فإنَّه يُدْفَعُ إليه مِن سَهْمِ الفُقرَاءِ.
والوجْهُ الثانى، لا يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه اسْتِدانَةٌ لِلمَعْصِيَةِ، فلم يُدْفَعْ إليه، كما لو لم يَتُبْ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَعُوذ إلى الاسْتِدَانَةِ لِلمَعاصِى ثِقَةً منه بأن دَيْنَه يُقْضَى، بخِلافِ من أتْلَفَ مالَه 2 في المَعاصِى، فإنَّه يُعْطى لِفَقْرِه لا لِمَعْصِيَتِه.
وكذلك مَن سافَرَ إلى مَعْصِيَةٍ، ثم تاب أو أراد الرُّجوعَ إلى بَلَدهِ،
وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا في الْأَصْنَافِ كُلِّها.
فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَى إنْسَانٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا ثَلَاثَة مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، إِلَّا الْعَامِلَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وَاحِدًا.
يَجُوزُ الدَّفْعُ إليه، في أحدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّ رُجُوعَه، ليس بمَعْصِيَةٍ، أشْبَهَ غيرَه، بل ربَّما كان رُجوعُه إلى بَلَدِه تَرْكًا للمَعْصِيَةِ، وإقْلاعًا عنها، كالعَاقِّ يُرِيدُ الرُّجوعَ إلى أَبَوَيْه.
والوجْهُ الثانى، لا يُدْفَعُ إليه، لأنَّ سبَبَ ذلك المَعْصِيَةُ، أشْبَهَ الغارِمَ في المَعْصِيَةِ.
1018 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها في الأصْنافِ كلِّها. فإنِ اقْتَصَرَ على إنسانٍ واحِدٍ أجْزَأه. وعنه، لَا يُجْزِئُه إلَّا ثَلاثَةٌ مِن كلِّ صِنْفٍ، إلَّا العامِلَ، فإنَّه يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا)
يُسْتَحَبُّ.
صَرْفُ الزَّكاةِ إلى جَمِيعِ الأصْنافِ، أو إلى مَن أمْكَنَ منهم، لأنَّه يَخْرُجُ بذلك مِن الخِلَافِ، ويَحْصُلُ الإِجْزاءُ يَقِينًا.
فإنِ اقْتَصَرَ على إنْسانٍ واحِدٍ أجْزَأه.
وهذا قولُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ،
..................................
وعَطَاءٌ.
وإليه ذَهَب الثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن النَّخَعِىِّ: إن كان المالُ كَثِيرًا يَحْتَمِلُ الأصْنافَ قَسَمَه عليهم، وإن كان قَلِيلًا، جاز وَضْعُه في صِنْفٍ وَاحِدٍ.
وقال مالكٌ: يَتَحَرَّى مَوْضِعَ الحاجَةِ منهم، ويُقَدِّمُ الأُوْلَى فالأَوْلَى.
وقال عِكْرِمَةُ، والشافعىُّ: يَجِبُ أن يَقْسِمَ زَكاةَ كلِّ صِنْفٍ مِن مالِه على المَوْجُودِين مِن الأصْنافِ السِّتَّةِ الذين سُهْمانُهم ثابِتَةٌ، قِسْمَةً على السَّواءِ، ثمِ حِصَّةَ كُلِّ صِنْفٍ منهم، لا تُصْرَف إلى أقَلَّ من ثَلاثَةٍ [إنْ وَجَد منهم ثَلاثَةً] 1 أو أكْثَرَ، فإن لم يَجِدْ إلَّا واحدًا صَرَف حِصَّةَ ذلك الصِّنْفِ إليه.
وروَى الأثْرَمُ ذَلك عن أحمدَ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل الصَّدَقَةَ لِجَميعِهم، وشَرَّكَ بينَهم فيها، فلم يَجُزْ الاقْتِصارُ على بَعْضِهم، كأهْلِ الخُمْسِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 2. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعَاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 3.
..................................
فلم يَذْكُرْ في الآيَةِ والخَبَرِ إلَّا صِنْفًا واحِدًا.
وأمَر بَنِى زُرَيقٍ بدَفْعِ صَدَقَتِهم إلى سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ 1. وقال لقَبِيصَةَ: «أقِمْ يا قَبِيصَةُ، حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» 2. ولو وَجَب صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ لم يَجُزْ صَرْفُها إلى واحِدٍ، ولأنَّه لا يَجِبُ صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ إذا فَرَّقَها السّاعِى، فكذلك المالِكُ، ولأنَّه لا يَجِبُ عليهم تَعْمِيمُ أهْلِ كلِّ صِنْفٍ بها، فجاز الاقْتِصارُ على واحِدٍ، كما لو وَصَّى لجَماعَةٍ لا يُمْكِنُ حَصْرُهم.
ويُخَرَّجُ على هذَيْن المَعْنَيَيْنِ الخُمْسُ، فإنَّه يَجِبُ على الإِمامِ تَفْرِيقُه على جَمِيعِ مُسْتَحِقِّيه، بخِلافِ الزَّكاةِ.
وهذا الَّذى اختَرْناه هو الَّلائِقُ بحِكْمَةِ الشَّرْعِ وحُسْنِه، إذ غيرُ جائِزٍ أن يُكَلِّفَ اللَّهُ سبحانه وتعالى
..................................
مَن وجَبَتْ عليه شاةٌ أو صاعٌ مِن البُرِّ، أو نِصْفُ مِثْقالٍ، دَفْعَه إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ نَفْسًا، أو إحدى وعِشْرِين نَفْسًا، أو أرْبَعَةٍ وعِشْرِين، مِن ثَمانِيَةِ.
أصْنافٍ، لكلِّ ثَلَاثَةٍ منهم ثُمُنُها، الغالِبُ تَعَذُّرُ وُجُودِهم في الإِقْليمِ العظيمِ، فكيف يُكَلِّفُ اللَّهُ تعالى كلَّ مَن وجَبَتْ عليه زَكاةٌ جَمْعَهم وإعْطاءَهم، وهو سبحانه القائلُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 1. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 2. وأظُنُّ مَن قال بوُجُوبِ دَفْعِها على هذا الوَجْهِ إنَّما يقولُه بلِسانِه، ولا يَفْعَلُه، ولا يَقْدِرُ على فِعْلِه، وما بَلَغَنَا أنَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل هذا في صَدَقَةٍ مِن الصَّدَقاتِ، ولا أحَدٌ مِن خُلَفَائِه، ولا مِن صَحَابَتِه، ولا غيرِهم، ولو كان هذا هو الواجِبَ في الشَّرِيعَةِ المُطَهَرَةِ لَما أغْفَلُوه، ولو فَعَلُوه مع مَشَقَّتِه لنُقِلَ ولَما أُهْمِلَ، إذ لا يَجُوزُ على أهْلِ التَّوَاتُرِ إهْمالُ نَقْلِ ما تَدْعُو الحاجَةُ إلى نَقْلِه، [سِيَّما مع كَثْرَةِ] 3 مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ، ووُجُودِ ذلك في كلِّ زَمانٍ، في كلِّ مِصْرٍ 4 وبَلَدٍ، وهذا أمْرٌ ظاهِرٌ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، والآيَةُ إنَّما سِيقَتْ لبَيانِ مَن يَجُوزُ الصَّرْفُ إليه،
..................................
لا لإِيجابِ الصَّرْفِ إلى الجَمِيعِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا يَجِبُ تَعْمِيمُ كلِّ صِنْفٍ بها، فأمَّا العامِلُ، فإنَّه يَجُوزُ أن يكونَ واحِدًا؛ لأنَّه إنَّما يَأخُذُ أجْرَ عَمَلِه، فلم تَجُزِ الزِّيادَةُ عليه مع الغَناءِ عنه، ولأنَّ الرجلَ إذا تَوَلَّى إخْراجَها بنَفْسِه سَقَط سَهْمُ العامِلِ لعَدَمِ الحاجَةِ إليه، فإذا جاز تَرْكُهم بالكُلِّيَّةِ، جاز الاقْتِصَارُ على بَعْضِهم بطرَيقِ الأُوْلَى.
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّه يُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُها على مَن أمْكَنَ مِن الأصْنافِ، وتَعْمِيمُهم بها.
فإن كان المُتَوَلِّى لتَفْرِيقِها السّاعِىَ، اسْتُحِبَّ إحْصاءُ أهْلِ السُّهْمَانِ مِن عَمَلِه، حتى يكونَ فَراغُه مِن قَبْضِ الصَّدَقاتِ بعدَ تَناهِى أسْمائِهم وأنْسابِهم وحاجاتِهم وقَدْرِ كِفاياتِهم؛ ليكونَ تَفْرِيقُه عَقِيبَ جَمْعِ الصَّدَقَةِ.
ويَبْدَا بإعْطاءِ العامِلِ؛ لأنَّه يَأْخُذُ على وَجْهِ المُعاوَضَةِ،
وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ، وَتَفْرِيقُهَا فِيهِمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ.
فكان اسْتِحْقَاقُه أوْلَى، ولذلك إذا عَجَزَتِ الصَّدَقَةُ عن أجْرِه، تُمِّمَ له (1) مِن بَيْتِ المالِ، ولأنَّ ما يَأْخُذُه أجْرٌ، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أعْطُوا الأجِيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (2). ثم الأهَمِّ فالأهَمِّ، وأهَمُّهم أشَدُّهم حاجَة، ويُعْطِى كلَّ صِنْفٍ قَدْرَ كِفايَتِه على ما ذَكَرْنا، فإن فَضَلَتْ عن كِفايَتِهم نَقَل الفاضِلَ إلى أقْرَبِ البِلادِ إليه، وإن نَقَصَتْ أعْطى كلَّ إِنْسانٍ منهم ما يَرَى.
1019 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها إلى أقارِبِه الذين لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُهم، وتَفْرِيقُها فيهم على قَدْرِ حاجَتِهم)
إذا تَوَلَّى الرجلُ تفريقَ زَكاتِه، اسْتُحِبَّ أن يَبْدَا بأقارِبِه الذين يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِى الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ».
رَواه الترمذِىُّ،12