..................................
البَرِّ 1: وهو قولُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعةِ، وجُمْهورِ أهلِ المدِينةِ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ في القَديمِ.
وقال الحسنُ: يَسْتَوِيانِ إلى النِّصْفِ 2. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّها على النِّصْفِ فيما قَلَّ أو كَثرُ 3. ورُوِىَ ذلك عن ابنَ سِيرِينَ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وابنُ أبى لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حَنِيفةَ وأصْحابُه، [وأبو ثَوْرٍ] 4، والشافعىُّ في ظاهرِ مَذْهَبِه.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ 5؛ لأنَّهما شَخْصانِ تَخْتَلِفُ دِيَتُهما، فاخْتَلَفَ أَرْشُ أطْرافِهِما، كالمُسلمِ والكافرِ، ولأنَّها جِنايةٌ لها أَرْشٌ مُقَدَّرٌ 6، فكان من المرأةِ على النِّصْفِ مِن الرَّجُلِ، كاليَدِ.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: تُعاقِلُ المرأةُ الرَّجُلَ إلى نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ، فإذا زادَ على ذلك، فهى على النِّصْفِ؛ لأنَّها 7 تُساوِيه في
..................................
المُوضِحَةِ.
ورَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عَقْلُ المَرأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغ الثُّلُثَ مِن دِيَتِهَا».
أخْرَجه النَّسائِىُّ 1. وهو نَصٌّ يُقَدَّمُ على ما سِواه.
وقال رَبِيعَةُ: قلتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: كم في إصْبَعِ المرأةِ؟ قال: عَشْرٌ.
قلتُ: ففى إصْبَعَيْنِ؟ قال: عِشْرُونَ.
قلتُ: ففى ثَلاثِ أصابعَ؟ قال: ثلاثُونَ.
قلتُ: ففى أرْبَعٍ؟ قال: عِشْرُون.
قال: قلتُ: لَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُها قلَّ عَقْلُها؟ قال: هكذا السُّنَّةُ يا ابْنَ أخِى 2. وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
روَاه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ.
ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، إذ لم يُنْقَلْ عنهم خِلافُ ذلك، إلَّا عن علىٍّ، ولا نَعْلَمُ ثبوتَ ذلك عنه، ولأنّ ما دُونَ الثُّلُثِ يَسْتَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، بدليلِ الجَنِينِ، فإنَّه يَسْتَوِى فيه دِيَةُ 3 الذَّكَرِ والأُنْثَى.
فأمَّا الثُّلُثُ نَفْسُه، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، يَسْتَوِيان فيه؛ لأنَّه لم يَعْبُرْ 4 حَدَّ القِلَّةِ، ولهذا
وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكِل نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى، وَكَذَلِكَ
صَحَّتِ الوَصِيَّةُ به.
والثانيةُ، يخْتَلِفان فيه.
وهو الصَّحِيحُ؛ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ».
و «حتى» للغايةِ.
فيَجبُ أن تكونَ مُخالِفَةً لِما قَبْلَها؛ لقوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (1). ولأَنَّ الثُّلُثَ في حَدِّ الكَثْرَةِ؛ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «والثُّلُثُ كَثِيرٌ» (2). ولأَنَّ العاقلةَ تَحْمِلُه، فدَلَّ على أنَّه مُخالِفٌ لِما دُونَه.
فأمَّا دِيَةُ نِساءِ سائرِ أهلِ الأدْيانِ (3)، فقال أصْحابُنا: تُساوِى دِياتُهُنَّ دِياتِ رِجالِهم إلى الثُّلُثِ؛ لعُمُومِ قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَقْلُ المَرْأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِن دِيَتِها».
ولأَنَّ الواجِبَ دِيَةُ امرأةٍ، فساوَتْ دِيَةَ الرَّجُلِ من أهلِ دِينِها (4)، كالمسلمِين.
ويَحْتَمِلُ أن تُساوِىَ المرأةُ الرَّجُلَ إلى ثُلُثِ دِيَةِ الرجلِ المسلمِ؛ لأنَّه القَدْرُ الكثيرُ (5) الذى ثبَت له التَّنْصِيفُ في الأَصْلِ، وهو دِيَةُ المسلِمِين (6). [وهكذا أَرْشُ جِراحةِ المسلمين] (7).
4207 -
مسألة: (ودِيَةُ الخُنْثَى المُشْكِلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ
1234567
أَرْشُ جِرَاحِهِ.
فَصْلٌ: وَدِيَةُ الْكِتَابِىِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَعَنْهُ، ثُلُثُ
ونِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى) وذلك ثَلاثةُ أرْباعِ دِيَةِ (1) الذَّكَرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الذُّكورِيَّةَ والأُنُوثِيَّةَ.
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
وعندَ الشافعىِّ، الواجِبُ دِيَةُ أُنْثَى؛ لأنَّها اليَقِينُ، فلا يجبُ الزَّائِدُ بالشَّكِّ.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ الذُّكُورِيَّةَ والأُنوثِيَّةَ احْتِمالًا واحدًا، وقد يَئِسْنا مِن انْكِشافِ حالِه، فيجبُ التَّوَسُّطُ بينَهما، والعملُ بكِلا الاحْتِماليْنِ.
فصل
: ويُقادُ به الذَّكَرُ والأُنْثَى؛ لأنَّهما لا يَخْتَلِفانِ في القَوَدِ، ويُقَادُ هو بكلِّ واحدٍ منهما، فأمَّا جِراحُه؛ فإن كانت دُونَ الثُّلُثِ، اسْتَوَى الذَّكرُ والأُنْثَى؛ لأَنَّ أدْنَى حالَيْه 2 أن يكونَ امرأةً، وهى تُساوِى الذَّكرَ على ما بيَّنَّا، وفيما زادَ ثَلاثةُ أرباعَ جُرحِ 3 ذَكَرٍ.
فصل: (ودِيَةُ الكِتابِىِّ نِصْفُ دِيَةِ المسْلِمِ) إذا كان حُرًّا (ونِساؤُهم1
دِيَتِهِ.
على النِّصْفِ من دِياتِهِم) هذا ظاهِر المذهبِ.
وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ، وعمرِو بنِ شُعَيْبٍ.
وعنه أنَّها ثُلُثُ.
دِيَةِ المسلمِ، إلَّا أنَّه رجَع عنها، فرَوَى عنه صالِحٌ، أنَّه قال: كنتُ أقولُ: دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنصْرانِىِّ أرْبَعةُ آلافٍ، وأنا اليومَ أذْهَبُ إلى نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ، حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، وحديثِ عثمانَ الذى يَرْوِيه الزُّهْرِىُّ عن سالم عن أَبِيه 1. وهذا صَرِيح في الرُّجُوعِ عنه.
ورُوِىَ عن عمرَ، وعُثمانَ، أنَّ دِيَتَه أرْبَعةُ آلافِ دِرْهَم 2. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاء، وعِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، والشافعى، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ؛ لِما رَوَى عُبادَةُ بن الصَّامِت أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنَّصْرانِىِّ، أرْبَعَةُ آلافٍ أرْبَعَةُ آلافٍ» 3. ورُوِىَ أنَّ
..................................
عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، جعَل دِيَةَ اليَهُودِى والنَّصْرانِىِّ أرْبَعَةَ آلافٍ، ودِيَةَ المَجُوسِىِّ ثمانمائةِ دِرْهَم.
وقال عَلْقَمَةُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: دِيَتُه كدِيَةِ المُسلمِ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعُثمانَ، وابنِ مسعودٍ، ومُعاوِيةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: هو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ؛ لِما رَوَى عمرُو ابنُ شُعَيْب، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّه قال: دِيَةُ اليَهُودِىِّ والنَّصْرَانِىِّ مِثْلُ دِيَةِ المُسْلِمِ 2. ولأَنَّ اللَّه سبحانه ذكَر في كتابِه دِيَةَ المسلمِ، وِقال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 3. وقال في الذِّمِّىِّ مثلَ ذلك، ولم يُفَرِّقْ، فدَلَّ على أنَّ دِيَتَهُما واحدة، ولأنَّه حُرٌّ ذَكَرٌ مَعْصُومٌ، فتَكْمُلُ دِيَتُه كالمُسْلِمِ.
ولَنا، ما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْف دِيَةِ المُسْلِمِ» 4. وفى لفظٍ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى أنَّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتابِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمينَ.
روَه الإِمامُ
..................................
أحمدُ 1. وفى لفظٍ: «دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ» 2. قال الخَطَّابِىُّ 3: ليس في دِيَةِ أَهْلِ الكِتابِ شئٌ أبْيَنُ مِن هذا, ولا بَأْسَ بإسْنادِه، وقد قال به أحمدُ، وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
فأمَّا حَدِيثُ عُبادَةَ، فلم يذْكُرْه أصْحابُ السُّنَنِ، والظاهرُ أنَّه ليس بصَحِيحٍ.
وحديثُ عمرَ، إنَّما كان ذلك حينَ كانتِ الدِّيَةُ ثمانيةَ آلافٍ، فأوْجَبَ فيه نِصْفَها أرْبعةَ آلافٍ، ودليلُ ذلك ما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، قال: كانت قِيمَةُ الدِّيَةِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثمانمائةِ دِينارٍ، أو 4 ثمانيةَ آلافِ دِرْهَمٍ، ودِيَةُ أَهْلِ الكتابِ يَوْمَئذٍ النِّصْفُ 5. فهذا بَيانٌ وشَرْحٌ يُزِيلُ الإِشْكالَ، وفيه جَمْعٌ للأحادِيثِ، فيكونُ دَلِيلًا لنا، ولو لم يَكُنْ كذلك، لَكانَ قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُقَدَّمًا على قولِ عمرَ وغيرِه بغيرِ إشْكالٍ، فقدكان عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، إذا بَلَغَه عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُنَّةٌ، ترَك قولَه وعَمِلَ بها، فكيف يَسُوغُ لأحَدٍ أن يَحْتَجَّ بقَوْلِه في تَرْكِ قوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-! وأمَّا ما احْتَجَّ به الآخَرُونَ، فإنَّ الصَّحِيحَ من حديثِ عمرِو
وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ،
ابنِ شُعَيْبٍ ما رَوَيْناه، أخْرَجَه الأئِمَّةُ في كُتُبِهم دُونَ ما رَوَوْه، وأمَّا [ما رَوَوْه مِن] (1) قوْلِ الصَّحابةِ، فقد رُوِىَ عنهم خِلافُه، فيُحْمَلُ قولُهم في إيجابِ الدِّيَةِ كاملةً على سَبِيلِ التَّغْلِيظِ.
قال أحمدُ: إنَّما غَلَّظَ عُثمان الدِّيَةَ عليه؛ لأنَّه كان عَمْدًا، فلمَّا ترَك القَوَدَ غَلَّظَ عليه.
وكذلك حديثُ مُعاوِيةَ (2)، ومثلُ هذا ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ انْتَحَر رَقِيقُ حاطبٍ ناقَةً لرَجُلٍ مُزَنِىٍّ، فقال عمرُ لحاطِبٍ: إنِّى (3) أراكَ تُجِيعُهم، لأُغْرِمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عليك.
فأَغْرَمَه مِثْلَىْ قِيمَتِها (4).
4208 -
مسألة: (وجِراحاتُهم)
(5) مِن (6) دِيَاتِهم كجِراحاتِ المُسْلِمِينَ مِن دِيَاتِهم، قِياسًا عليهم.
قال الأَثْرَمُ: قيل لأبى عبدِ اللَّهِ: جَنَى على مَجُوسِىٍّ في عَيْنه وفى يَدِه؟ قال: يكون بحِسابِ دِيته، كما أنَّ المسلمَ يُؤْخَذُ بالحِسابِ، فكذلك هذا.
قيل.
قطَع يَدَه؟ قال بالنِّصْفِ من دِيَتِه.
4209 -
مسألة: (ونِساؤُهم على النِّصْفِ مِن دِيَاتِهم)
لا نعلمُ123456
وَدِيَةُ المَجُوسِىِّ وَالْوَثَنِىِّ ثَمَانُمِائةِ دِرْهَمٍ.
في هذا خِلافًا.
قال ابن المُنْذِرِ (1): أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ المرأةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
ولأنَّه لَمَّا كان دِيَةُ نِساءِ المسْلِمِينَ على النِّصْفِ من دِياتِهم، كذلك نِساءُ أَهْلِ الكِتابِ، قِياسًا عليهم.
4210 -
مسألة: (ودِيَةُ المَجُوسِىِّ والوَثَنِىِّ ثَمانمائةِ دِرْهَمٍ)
ذهبَ أكْثَرُ أهلِ العلمِ إلى هذا في دِيَةِ المَجُوسِىِّ.
قال أحمدُ: ما أقَلَّ مَن اخْتَلَفَ في دِيَةِ المَجُوسِىِّ.
وممَّن قال ذلك عمرُ، وعُثمانُ، وابنُ مسعودٍ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعىٌ، وإسحاقُ.
ويُرْوَى عن عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ أنَّه قال: دِيَتُه نِصْفُ دِيَةِ المسلمِ، كدِيَةِ الكِتابِىِّ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سُنُّوا بِهم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتابِ» 2. وقال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ،1
..................................
وأصْحابُ الرَّأْى: دِيَتُه كدِيَةِ المسلمِ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ حُر مَعْصُوم، فأشْبَهَ المسلمَ (1). ولَنا، قولُ مَن سَميْنَا مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِف لهم في عَصْرِهم مُخالِفًا، فكان إجْماعًا.
وقَوْلُه عليه السلامُ: «سُنُّوا بِهم سُنَّةَ أهلِ الكِتابِ».
يعْنى في أخْذِ جِزْيَتهم، وحَقْنِ دِمائهم، بدليلِ أنَّ ذَبائحَهم ونِساءَهم لا تَحِلُّ لنا, ولا يجوزُ اعْتِبارُه بالمسلمِ ولا بالكِتابِىِّ؛ لنُقْصانِ دِينهِ (2) وأحكامِه عنهما، فيَنْبَغِى أن تَنْقُصَ دِيَتُه، كنَقْصِ المرأةِ عن دِيَةِ الرجلِ.
وسَواء كان المجُوسِىُّ ذِميًّا أو مُسْتَأمِنًا؛ لأنَّه مَحْقُونُ الدَّمِ.
ونِساؤُهم على النِّصْفِ من دِيَاتِهم.
وجِراحُ كلِّ واحدٍ مُعْتَبَرَة من دِيته كالمسْلِمِ.
4211 -
مسألة: فأمَّا عَبَدَةُ الأوْثانِ، وسائِرُ مَن ليس له كِتابٌ، كَالتُّرْكِ، ومَن عبَد ما اسْتَحْسن، فلا ذِمَّةَ
3 لهم، وإنَّما تُحْقَنُ دِمَاؤُهم بِالأمانِ، فإذا قُتِلَ مَن له أمَانٌ منهم، فدِيَتُه دِيَةُ مَجُوسِىٍّ؛ لأنَّها أقَلُّ الدِّيَاتِ، فلا يَنْقُصُ عنها, ولأنَّه كافرٌ ذو عَهْدٍ لا تَحِلُّ مُناكَحَتُه، فأَشْبَهَ12
وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، فَلا ضمَانَ فِيهِ.
وَعِنْدَ أبى الْخَطَّابِ، إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ، فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلَ دِينهِ، وَإِلَّا فَلا شَىْءَ فِيهِ.
المجُوسِىِّ.
4212 -
مسألة: (ومَن لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ، فلا ضَمانَ فيه)
مَن لم تَبْلُغْه الدَّعوةُ مِن الكُفَّارِ، إن وُجِدَ، لم يَجُزْ قَتْلُه حتَّى يُدْعَى، فإن قُتِلَ 1 قبلَ الدَّعْوةِ مِن غيرِ أن يُعْطَى أمانًا، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّه لا عَهْدَ له ولا أيْمانَ، فأشْبَهَ امرأةَ الحَرْبِىِّ وابنَه الصَّغِيرَ، وإنَّما حَرُمَ قتْلُه لتَبْلُغَه الدَّعْوةُ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ وقال أبو الخَطَّابِ: إن كان ذَا دِينٍ، فدِيَتُه دِيَةُ أَهْلِ دِينِه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مَحْقونُ الدَّمِ، أشْبَهَ مَن له أمانٌ.
والأوَّل أولَى؛ فإنَّ هذا ينْتَقِضُ بصِبْيانِ أهلِ الحَرْبِ ومَجانِينهم، ولأنَّه كافرٌ لا عهدَ له، فلم يُضْمَنْ، كالصِّبْيانِ.
فأمَّا إن كان له عَهْدٌ، ففيه دِيَةُ أهلِ دِينه، فإن لم يُعْرَفْ دِينُه، ففيه دِيَةُ المجُوسِىِّ؛ لأنَّه اليَقِينُ، والزِّيادةُ مَشْكُوكٌ فيها.
فَصْلٌ: وَدِيَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَعَنْهُ، لا يُبْلَغُ بِهَا دِيَةُ الْحُرِّ،
فصل
: (ودِيَةُ العَبْدِ والأمَة قِيمَتُهما بالِغَةً ما بَلَغَتْ.
وعنه، لا يُبْلَغُ بها دِيَةُ الحُرِّ) أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ في 1 العَبْدِ الذى لا تَبْلُغُ قِيمَتُه دِيَةَ الحُرِّ، قِيمَتَه.
فإن بَلَغَتْ قِيمَتُه دِيَةَ الحُرِّ أو 2 زادَتْ عليها، فذهبَ أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّه، في المشْهُورِ عنه، إلى أنَّ فيه قِيمَتَه بالِغَةً ما بَلَغَتْ، عَمْدًا كان القَتْلُ أو خَطَأً، سواء ضمنَ باليَدِ أو بالجِنايةِ.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وإيَاسِ ابنِ مُعاوِيةَ، والزُّهْرِىِّ، ومَكْحُولٍ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى يوسفَ.
وقال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا يُبْلَغُ به دِيَةُ الحُرِّ.
وحَكَاها أبو الخَطَّابِ رِوايةً عن أحمدَ.
وقال أبو حنيفةَ: يَنْقُصُ عن دِيَةِ الحُرِّ دِينارًا، أو عَشَرَةَ دَراهِمَ،
..................................
القَدْرَ الذى يُقْطَعُ به السَّارِقُ، هذا إذا ضمِنَ بالجِنايةِ، وإن ضمِنَ باليَدِ، مثلَ أن يغْصِبَ عبْدًا فيَمُوتَ في يَدِه، فإنَّ قِيمَتَه تَجبُ وإن زادتْ على دِيَةِ الحُرِّ.
واحْتَجوا بأنه ضَمان آدَمِىٍّ، فلم يَزِدْ على دِيَةِ الحُرِّ، كضَمانِ الحرِّ، وذلك لأَنَّ اللَّه تعالى لَمَّا أوْجَبَ في الحُرِّ دِيَة لا تَزِيدُ، وهو أشْرَفُ لخُلُوِّه من 1 نَقْصِ الرِّقِّ، كان تَنْبِيهًا على أنَّ العَبْدَ المنْقُوصَ لا يُزادُ عليها، فتُجْعَلُ مالِيَّةُ العَبْدِ مِعْيارًا للقَدْرِ الواجِبِ فيه، ما لم يَزِدْ على الدِّيَةِ، فإن زادَ، عَلِمْنا خَطَأَ ذلك، فنَرُدُّه إلى دِيَةِ الحُرِّ، كأَرْشِ ما دُونَ المُوضِحَةِ، يجبُ فيه ما تُخْرِجُه الحُكُومةُ، ما لم يَزِدْ على أَرْشِ المُوضِحَةِ، فنَرُدُّه إليها.
ولَنا، أنَّه مالٌ مُتَقَوَّمٌ، فيُضْمَنُ بكَمالِ قِيمَتِه بالغةً ما بَلَغَتْ، كالفَرَسِ، أو مَضْمُونٌ بقِيمَتِه، فكانتْ جميعَ القِيمَةِ 2. كما لو ضمِنَه باليَدِ، ويُخالِفُ الحُرَّ، فإنَّه ليس مَضْمُونًا بالقِيمَةِ، [وإنَّما ضُمِنَ بما قَدَّرَه الشَّرْعُ، فلم يتَجاوَزْه، ولأَنَّ ضَمانَ الحُرِّ ليس بضَمانِ مالٍ، ولذلك لم يختلِفْ باخْتِلافِ صِفَاتِه] 3، وهذا ضَمانُ مالٍ، يَزِيدُ بزِيادةِ المالِيَّةِ، ويَنْقُصُ بنُقْصانِها، فاخْتَلَفا.
..................................
فصل: ولا فَرْقَ في هذا الحكمِ بينَ القِنِّ مِن العَبِيدِ والمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ وأُمِّ الوَلَدِ.
قال الخَطَّابِىُّ 1: أجْمَعَ عَوامُّ الفُقَهاء، على أنَّ المُكاتَبَ عَبْد ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ في جِنايَتِه، والجنايَةِ عليه، إلّا إبْراهيمَ النَّخَعِىَّ، فإنَّه قال في المُكاتَبِ: يُودَى بقَدْرِ ما أدَّى مِن كِتابَتِه دِيَةَ الحُرِّ، وما بَقِىَ دِيَةَ العَبْدِ.
ورُوِىَ في ذلك شئٌ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه 2. وقد رَوَى أبو داودَ، في «سُنَنِه»، والإمامُ أحمدُ في «مُسْنَدِه» 3: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، ثنا هشامُ بنُ أبى عبدِ اللَّهِ، قال: حدَّثَنِى يَحْيَى بنُ أبى كثيرِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في المُكاتَبِ يُقْتَلُ، أنَّه يُودَى ما أدَّى مِن كِتابَتِه دِيَةَ الحُرِّ، وما بَقِىَ دِيَةَ العَبْدِ.
قال الخَطَّابِىُّ (1): إذا صَحَّ الحديثُ، وجَب القولُ به، إذا لم يَكُنْ مَنْسُوخًا أو مُعارَضًا بما هو أوْلَى منه.
وَفِي جِرَاحِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا مِنَ الْحُرِّ، مَا نَقَصَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا في الْحُرِّ، فَهُوَ مُقَدَّرٌ في الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا نَقَصَ.
اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ.
4213 - مسألة: (وفى جِراحِهِ إن لم يَكُنْ مُقَدَّرًا في الحُرِّ، ما نَقَصَه)
بعدَ الْتِئامِ الجُرْحِ، كسائرِ الأمْوَالِ (وإن كانَ مُقَدَّرًا في الحُرِّ، فهو مُقَدَّرٌ في العبدِ مِن قِيمَتِه، ففى يدِه نِصْفُ قِيمَتِهِ، وفى مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، نَقَصَتْهُ الجِنايَةُ أقَلَّ مِن ذلك أو أكْثَرَ.
وعنه، أنَّه يُضْمَنُ بما نقَص.
اخْتارَه الخَلَّالُ) وجملةُ ذلك، أنَّ الجِنايةَ على العَبْدِ يجبُ ضَمانُها بما نقصَ مِن قِيمَتِه؛ لأَنَّ الواجِبَ إنَّما وجَب جَبْرًا لِما فاتَ بالجِنايةِ، ولا تُجْبَرُ إلَّا بإيجابِ ما نقَص مِن القِيمَةِ، فيَجِبُ ذلك، كما لو كانتِ الجنايةُ على غيرِه مِن الحَيواناتِ وسائرِ المالِ، ولا يجبُ زيادة على ذلك؛ لأَنَّ حَقَّ المَجْنِىِّ عليه قد انْجَبَرَ، فلا تجبُ له زيادةٌ على ما فَوَّتَه الجانِى عليه، هذا
..................................
هو الأَصْلُ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا فيما ليس فيه مُقَدَّرٌ شَرْعِىٌّ.
فإن كان الفائتُ بالجِنايةِ مُوَقَّتًا في الحُرِّ، كيَدِه ومُوضِحَتِه، ففيه عن أحمدَ رِوَايتانِ؛ إحداهما، أنَّ فيه أَيضًا [ما نَقَصَه، بالغًا ما بَلَغَ.
وذكرَ أبو الخَطَّابِ أنَّه اخْتِيار الخَلَّالِ.
ورَوَى المَيْمُونِىُّ عن أحمدَ أنَّه قال: إنَّما يَأْخُذُ قِيمَةَ] 1 ما نقَص منه على قولِ ابنِ عَبَّاسٍ.
ورُوِىَ هذا عنِ مالكٍ، فيما عَدا مُوضِحَتَه، ومُنَقِّلَتَه وهَاشِمَتَه، وجائفَتَه؛ لأَنَّ ضَمانه ضَمان الأمْوالِ، فيجبُ فيه ما نقَص، كالْبهائمِ، ولأَنَّ ما ضُمِنَ بالقِيمَةِ بالغًا ما بَلَغَ، ضُمِنَ بَعْضُه 2 بما نقَص، كسائرِ الأمْوالِ، ولأَنَّ مُقْتَضى الدَّليلِ ضَمان الفائتِ بما نَقَصَ، خالَفْناه فيما وُقِّتَ في الحُرِّ، كما خالَفْناه في ضَمانِ نَفْسِه بالدِّيَةِ المُوَقَّتَةِ، ففى العبدِ 3 يَبْقَى فيهما على مُقْتَضَى الدَّليلِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، أنَّ ما كان مُوَقَّتًا في الحُرِّ، فهو مُوَقَّت في العَبْدِ مِن قِيمَتِه؛
..................................
ففِى يَدِه، أو عَيْنِه، [أو أُذُنِه] 1، أو شَفَتِه، نِصْفُ قِيمَتِه، وفى مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه، وما أوْجَبَ الدِّيَةَ في الحُرِّ، كالأَنْفِ، واللِّسانِ، واليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، والأُذُنَيْنِ، أوْجَبَ قِيمَةَ العَبْدِ، مع بَقاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ عليه.
ورُوِىَ هذا عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ورُوِىَ نحوُه عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وبه قالَ ابنُ سِيرِينَ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ.
[وبه قال أبو حنيفةَ.
و] (1) قال أحمدُ: هذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وقال آخَرُون: ما أُصِيبَ به العبدُ فهو على ما نَقَصَ مِن قِيمَتِه.
والظَّاهرُ أنَّ هذا لو كان قولَ علىٍّ لَما احْتَجَّ أحمدُ فيه 2 إلَّا به دُونَ غيرِه.
إلَّا أنَّ أَبا حنيفةَ والثَّوْرِىّ قالا: ما أوْجَبَ الدِّيَةَ مِن الحُرِّ، يَتَخَيَّرُ سَيِّد العَبْدِ فيه بينَ أن يُغْرِمَه قِيمَتَه ويَصِيرَ مِلْكًا للجانِى، وبينَ أن لا يُضَمِّنَه شيئًا؛ لئلَّا يُؤَدِّىَ إلى اجْتِماعِ البَدَلِ والمُبْدَلِ لرَجُل واحد.
وروِيَ عن إياسِ بنِ مُعاوِيَةَ، في مَن قطَع يَدَ عَبْدٍ عَمْدًا، أو قلَع عَيْنَه: هو له، وعليه ثَمَنُه 3. ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه،
..................................
ولم نَعْرِفْ له مِن الصَّحابةِ مُخالِفُ, ولأنَّه آدَمِىٌّ يُضْمَنُ بالقِصاصِ والكَفَّارَةِ، فكان في أطْرَافِه مُقَدَّرٌ، كالحُرِّ، ولأَنَّ أطْرَافَه فيها مُقَدَّرٌ مِن الحُرِّ، فكان فيها مُقَدَّرٌ مِن العَبْدِ، كالشِّجاجِ الأرْبعِ عندَ مالكٍ، وما وجبَ في شِجاجِه مُقَدَّرٌ، وجَبَ في أطْرَافِه كالحُرِّ.
وعلى أبى حنيفةَ، قولُ علىٍّ، وأنَّ هذه الأعْضاءَ فيها مُقَدَّرٌ، فوجبَ ذلك فيها 1 مع بَقاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ في العَبْدِ، كاليَدِ الواحدةِ وسائرِ الأعْضاءِ.
وقوْلُهم: إنَّه اجْتَمَعَ البَدَلُ والمُبْدَلُ لواحدٍ.
لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ القِيمَةَ ههُنا بَدَلُ العُضْوِ وحدَه 2. والرِّوايةُ الأُولَى أقْيَسُ وأوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
ولم يَثْبُتْ ما رُوِىَ عن علىٍّ، وإن ثَبَتَ فقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاس خِلافُه، فلا يَبْقَى حُجَّةً، والقياسُ على الحُرِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّهم لم يُسَوُّوا بينَه وبينَ الحُرِّ فيما ليس فيه 3 مُقَدَّرٌ شَرْعِىٌّ 4، فإنَّهم أوْجَبُوا فيه ما نَقَصَه، وإن كان في عُضْوٍ فيه وَمقدَّرٌ، كالجِنايةِ على الإِصْبَعِ مِن غيرِ قَطْعٍ، إذا نَقَصَتْ قِيمته، العُشْر أو أكثر، بخِلافِ الحُرِّ، وقد ذكَرْنا دليلَ ذلك في صَدْرِ المسْألةِ.
فصل: والأمَةُ مِثْلُ العَبْدِ فيما ذكَرْنا، وفيها مِن الخِلافِ ما فيه، إلَّا أنَّها تُشَبَّهُ بالحُرَّةِ، ولا تَفْرِيعَ على الرِّوايةِ الأُولَى، فأمَّا على الثَّانيةِ، فإن
مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ، وَهَكَذَا فِى جِرَاحِهِ.
بَلَغَتْ ثُلُثَ (1) قِيمَتِها، احْتَمَلَ أن تُرَدَّ إلى النِّصْفِ، فيكونَ في ثلاثةِ أصابعَ ثلاثةُ أعْشارِ قِيمَتِها، وفى أرْبعةِ أصابعَ خُمْسُها، كما أنَّ المرأةَ تُساوِى الرَّجُلَ في الجِراحِ إلى ثُلُثِ دِيتها، فإذا بَلَغَتِ الثُّلُثَ، رُدَّتْ إلى النِّصْفِ، والأمَة امرأةٌ، فيكونُ أرْشُها مِن قِيمَتِها، كأَرْشِ الحُرَّةِ، ويَحْتَمِلُ أن لا تُرَدَّ إلى النِّصْفِ؛ لأَنَّ ذلك في الحُرَّةِ على خِلافِ الأَصْلِ، لكونِ الأَصْلِ زِيادةَ الأَرْشِ بزِيادة الجِنايةِ، وأنَّ كلَّ ما زادَ نَقْضَها وضَرَرَها، زادَ في ضَمانِها، فإذا خُولِفُ في الحُرَّةِ، بَقِينا في الأمَةِ على وَفْقِ الأَصْلِ.
4214 -
مسألة: (ومَن نِصْفُهُ حُرٌّ، فَفِيه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ ونِصْفُ قِيمَتِه، وكذلك في جِراحِهِ)
وجملةُ ذلك، أنَّ مَن نِصْفُه حُرٌّ، إذا جَنَى عليه الحُرُّ فلا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه ناقصٌ بالرِّقِّ، فأشْبَهَ ما لو كان كلّه رَقِيقًا.
وإن كان قاتِلُه عَبْدًا، أُقِيدَ منه؛ لأنَّه أكْمَلُ مِن الجانِى.
وإن كان نِصْفُ القاتلِ حُرًّا، وجَبَ القَوَدُ، لتَساوِيهما، وإن كانتِ الحُرِّيَّةُ في القاتلِ أكثرَ، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لعَدَمِ المُساواةِ بينَهما.
وفى ذلك كلِّه إذا لم يَكُن القاتِلُ عَبْدًا فعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ، ونِصْفُ قِيمَتِه إذا كان عَمْدًا، وإن كان1
وَإِذَا قَطَعَ خُصْيَتَىْ عَبْدٍ، أَوْ أَنْفَهُ، أَوْ أذُنَيْهِ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَإِنْ قَطَع ذَكَرَهُ، ثُمَّ خَصَاهُ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ لِقَطْعِ الذَّكَرِ، وَقِيمَتُهُ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ، وَمِلْكُ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ.
خَطَأً ففى مالِه نِصْفُ قِيمَتِه؛ لأَنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العَبْدَ 1، والنِّصْفُ على العاقلَةِ؛ لأنَّها دِيَةُ حُرٍّ في الخَطَأ.
وهكذا الحكمُ في جِراحِه، إذا كان قَدْر الدِّيَةِ مِن أَرْشِها يَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، مثلَ أن يقْطَعَ أنْفَه أو يَدَيْه.
وإن قطَع إحْدَى يدَيْه، فالجميعُ على الجانِى؛ لأَنَّ نِصْف دِيَةِ اليَدِ رُبْعُ دِيَتِه، فلا تَحْمِلُها العاقلةُ، لنَقْصِها عن الثُّلُثِ.
4215 -
مسألة: (وإذا قطَع خُصْيَتَىْ عبدٍ، أو أنْفَه، أو أُذُنَيْه، لزِمَتْه قيمتُه لِلسَّيِّدِ، ولم يَزُلْ مِلكُ السَّيِّدِ عنه، وإن قطَع ذَكَره، ثم خَصاه، لَزِمَتْه قِيمَتُه لقَطْعِ الذَّكَرِ، وقِيمَتُه مَقْطُوعَ الذَّكَرِ، ومِلْكُ سَيِّدِه بَاقٍ عليه)
وفى ذلك اخْتِلافٌ ذكَرْناه، وعلى الرِّوايةِ الأخرَى،
فَصْلٌ: وَدِيَةُ الجَنِينِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
يَلْزَمُه ما نقَص مِن (1) قِيمَتِه، ودَلِيلُهما ما سَبَقَ.
فصل
: (ودِيَةُ الجَنِينِ الحُرِّ المُسْلِم إذا سِقَط مَيِّتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أو أَمَةٌ، قِيمَتُها خَمْسٌ مِن الإِبلِ، مَوْروثَةٌ عنه، كأنَّه سقَط حَيًّا، ذَكرًا كان أو أُنْثَى) وهو نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ.
يقال: غُرَّةٌ عَبْدٌ.
بالصِّفَةِ.
وغُرَّةُ عَبْدٍ بالإِضافةِ.
والصِّفَةُ أحْسَنُ؛ لأَنَّ الغُرَّةَ اسْمٌ للعَبْدِ نفْسِه، قال مُهَلْهِلٌ 2:
كُلُّ قَتِيلٍ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ
حَتَّى يَنَالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ1
..................................
وجملةُ ذلك، أنَّ في جَنِينِ الحُرَّةِ المُسلمةِ غُرَّةً.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه اسْتَشارَ النَّاسَ في إمْلاصِ المرأةِ 1، فقال المُغيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى فيه بغُرَّةٍ عَبدٍ أو أمَةٍ.
قال: لتَأْتِيَنَّ بمَن يَشْهَدُ معك.
فشَهِدَ له محمدُ ابنُ مَسْلَمَةَ 2. وعن أبى هُرَيْرَةَ، رضى اللَّه عنه، قال: اقْتَتَلَتِ امرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ دِيَةَ جَنِينِها عَبْدٌ أو أمَةٌ، وقَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرَّثَها 3 ولَدَها ومَن مَعَهُم.
مُتَّفَقٌ عليه 4. والغُرَّةُ عَبْدٌ أو أمَةٌ، سُمِّيَا بذلك لأنَّهُما مِن أنْفَسِ
..................................
الأَمْوالِ، والأَصْلُ في الغُرَّةِ الخِيارُ.
فإن قيل: فقد رُوِىَ في هذا الخبرِ: أو فَرَسٍ أو بَغْلٍ 1. قُلْنا: هذا لم يَثْبُتْ، روَاه عيسى بنُ يُونُسَ، ووَهِمَ فيه.
قالَه أهْلُ النَّقْلِ.
والحديثُ الصَّحِيحُ إنَّما 2 فيه: عَبْدٍ أو أمَةٍ.
فصل: وإنَّما تَجِبُ الغُرَّةُ إذا سقَط مِن الضَّرْبَةِ, ويُعْلَمُ ذلك بأن يَسْقُطَ عَقِيبَ الضَّرْبِ، أو تَبْقَى منها المَرْأةُ 3 مُتَألِّمَةً إلى أن يَسْقُطَ.
ولو قتَل حامِلًا، ولم يَسْقُطْ جَنِينُها، أو ضرَب مَن في جَوْفِها حركةٌ أبى انْتِفاخٌ، فسكَّنَ الحَرَكَةَ وأذْهَبَها, لم يَضْمَنِ الجَنِينَ.
وبهذا قال مالكٌ، وقَتادةُ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وابن المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ أنَّ عليه غرَّةً؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه قتَل الجَنِينَ، فوَجَبَتِ الغُرَّةُ، كما لو أسْقَطَتْ.
ولَنا، أنَّه لا يَثْبُتُ حكم الوَلَدِ إلَّا بخُروجِه، ولذلك لا يَصِحُّ له وَصِيَّةٌ ولا مِيرَاثٌ، ولأَنَّ الحَرَكَةَ يجوزُ أن تكونَ لرِيحٍ في البَطْنِ سكَنَتْ، فلا يَجِبُ الضَّمانُ
..................................
بالشَّكِّ.
وأمَّا إذا ألْقَتْه مَيِّتًا، فقد تَحَقَّقَ، والظَّاهِرُ تَلَفُه مِن الضَّرْبَةِ، فيَجِبُ ضَمانُه، سَواءٌ ألْقَتْه في حَياتِها أو بعدَ مَوْتِها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إن ألْقَتْه بعدَ مَوْتِها لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه يَجْرِى مَجْرَى أعْضائِها، وبمَوْتِها سقَط حُكْمُ أعْضائها.
ولَنا، أنَّه جَنِينٌ تَلِفَ بجنايَتِه، وعُلِمَ ذلك بخروجِه، كما لو سقَط في حَياتِها, ولأنَّه لو سقَط حَيًّا ضَمِنَه، فكذلك إذا سقَط مَيِّتًا، كما لو أسْقَطَتْه في حَياتِها، وما ذكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّه لو كان كذلك، لَكان إذا سقَط مَيِّتًا ثم ماتَتْ، لم يَضْمَنْه كأعْضَائها, ولأنَّه آدَمِىٌّ مَوْرُوثٌ، فلا يدخلُ في ضَمانِ أُمِّه، كما لو خرَج حَيًّا.
فإن ظهَر بعْضُه مِن بَطْنِ أُمِّه، ولم يَخْرُجْ باقِيه، ففِيه الغُرَّةُ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وابن المُنْذِرِ: لا تَجِبُ الغُرَّةُ 1 حتَّى تُلْقِيَه؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما أوْجَبَ الغُرةَ في الجَنِينِ الذى ألْقَتْه المرأةُ، وهذه لم تُلْقِ شيئًا، فأَشْبَهَ ما لو لم يَظْهَرْ منه شئٌ.
ولَنا، أنَّه قاتلٌ لجَنِينِها، فلَزِمَتْه الغُرَّةُ، كما لو ظهَر جَمِيعُه، ويُفارِقُ ما لو لم يَظْهَرْ منه شئٌ، فإنَّه لم 2 يُتَيَقَّنْ قَتْلُه ولا وُجودُه.
وكذلك إن ألْقَت يَدًا، أو رِجْلًا، أو رَأْسًا، أو جُزْءًا مِن أجْزاءِ الآدَمِىِّ تَجِبُ الغُرَّةُ؛ لأنَّا تَيَقَّنَّا أنَّه مِن جَنِينٍ.
وإن ألْقَتْ رَأْسَيْنِ، أو أَرْبعَ أَيْدٍ، لم يَجِبْ أَكْثَرُ مِن غُرَّةٍ؛ لأَنَّ ذلك يجوزُ أن يكونَ مِن جَنِينٍ واحدٍ، ويجوزُ أن يكونَ مِن جَنِينَيْنِ، فلم تَجِبِ الزِّيادَةُ مع
..................................
الشَّكِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ولذلك لم يَجِبْ ضَمانُه إذا لم يَظْهَرْ، فإن أسْقَطَتْ ما ليس فيه صُورَةُ آدَمِىٍّ، فلا شئَ فيه؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ أنَّه جَنِينٌ.
وإن ألْقَتْ مُضْغَة، فَشَهِدَ ثِقات مِن القَوابِلِ أنَّ فيه صُورَةً خفِيَّةً، ففيه غُرَّةٌ، وإن شَهِدْنَ أنَّه مُبْتَدأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ لو بَقِىَ تَصَوَّرَ، ففِيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، لا شئَ فيه؛ لأنَّه لم يَتَصَوَّرْ، فلم يَجِبْ فيه شئٌ، كالعَلَقَةِ، ولأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، فلا نَشْغَلُها بالشَّكِّ.
والثانى، فيه غُرَّة؛ لأنَّه مُبْتَدأُ خَلْقِ آدَمِىٍّ، أَشْبَهَ ما لو تَصَوَّرَ.
وهذا يَبْطُلُ بالنُّطْفَةِ 1 والعَلَقَةِ.
فصل: والغُرَّةُ عَبْدٌ أو أمَةٌ.
وهو قوِلُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال عُرْوَةُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ: عَبْدٌ أو أمَةٌ أو فَرَسٌ؛ لأَنَّ الغُرَّةَ اسْمٌ لذلك، وقد جاءَ في حديثِ أبى هُرَيْرَةَ، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الجَنِينِ بغُرَّةٍ عَبْدٍ 2 أو أمَةٍ أو فَرَسٍ أو بَغْلٍ 3. وجعَل ابنُ سِيرِينَ مكانَ الفَرَسِ مِائةَ شاةٍ، ونحوه قال الشَّعْبِىُّ؛ لأنَّه رُوِىَ في حديثِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه جعَل في ولَدِها مائةَ شاةٍ.
روَاه أبو داودَ 4. ورُوِىَ عن عبدِ الملكِ بن مَرْوانَ، أنَّه قَضَى في الجَنِينِ إذا أُمْلِصَ بعِشْرِينَ دِينارًا، فإذا كان مُضْغَةً فأرْبَعِينَ، فإذا كان عَظْمًا فسِتِّينَ، فإذا كان العَظْمُ قد كُسِىَ لَحْمًا فثَمانِينَ، فإن
..................................
تَمَّ خَلْقُه وكُسِىَ شَعَرُهُ فمِائة دِينارٍ 1. وقال قَتادةُ: إذا كان عَلَقَةً فثُلُث غُرَّةٍ، وإذا كان مُضْغَةً فثُلُثَىْ غُرَّةٍ (1). ولَنا، قَضاءُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في إمْلاصِ المرأةِ بعَبْدٍ أو أمَةٍ، وسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قاضِيَةٌ على ما خالَفَها.
وذِكْر الفَرَسِ والبَغْلِ وَهَمٌ انْفَرَدَ به عيسى بنُ يُونُسَ عن سائرِ الرُّواةِ، وهو مَتْرُوكٌ في البَغْلِ بغيرِ خِلافٍ، فكذلك في الفَرَسِ، والحديثُ الذى ذكَرْناه أَصَحُّ ما رُوِىَ فيه، وهو مُتَّفَقٌ عليه، وقد قال به أكثرُ أهلِ العلمِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى ما خالَفَه.
وقولُ عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ تحَكُّمٌ بتَقْديرٍ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، وكذلك قَتادةُ، وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَقُّ بالاتِّباعِ مِن قولِهما.
إذا ثبَت هذا، فإنَّه تَلْزَمه الغُرَّةُ، فإن أَرادَ دَفْعَ بَدَلِها، ورَضِىَ المدْفُوعُ إليه، جازَ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، فجازَ ما تَراضَيَا عليه، وأيُّهُما امْتَنَعَ مِن قَبُولِ البَدَلِ، فله ذلك؛ لأَنَّ الحَقَّ فيها 2، فلا يُقْبَلُ بَدَلُها إلَّا برِضاهُما.
فصل: وقِيمَةُ الغُرَّةِ خَمْسٌ مِن الإِبلِ، وذلك نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ.
= كما أخرجه النسائى، في: باب دية جنين المرأة، من كتاب القسامة.
المجتبى 8/ 41، 42، وقال النسائى: هذا وهم، وينبغي أن يكون أراد مائة من الغُرِّ.
..................................
رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وزَيْدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ورَبيعَةُ، ومالِك، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى.
ولأَنَّ ذلك أقَلُّ ما قَدَّرَه الشَّرْعُ في الجِناياتِ، وهو أَرْشُ مُوضِحَةٍ ودِيَةُ السِّنِّ، فرَدَدْناه إليه.
فإن قيل: فقد وَجَبَ في الأُنْمُلَةِ ثلاثَةُ أبعِرَةٍ وثُلُثٌ، [وذلك] 1 دُونَ ما ذَكَرُوِه.
قُلْنا: الذى نَصَّ عليه صاحِبُ الشَّريعَةِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَرْشُ المُوضِحَةِ، وهو خَمْسٌ مِن الإِبلِ.
وإذا كان أبَوَا الْجَنِينِ كِتابِيَّيْنِ، ففِيه غُرَّةٌ قِيمَتُها نِصْفُ قِيمَةِ الغُرَّةِ الواجبةِ في المُسْلِمِ.
وفى جَنِينِ المَجُوسِيَّة غُرَّة قِيمَتُها أرْبَعون دِرْهَمًا، فإذا تعَذَّرَ وُجودُ غُرَّةٍ بهذه الدَّراهِمِ، وجَبَتِ الدَّراهِمُ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
وإذا اتَّفَقَ نِصْف عُشْرِ الدِّيَةِ مِن الأُصولِ كلِّها، بأن تكونَ قِيمَتُها خَمْسًا مِن الإِبِلِ وخَمْسِينَ دِينارًا أو سِتَّمائةِ دِرْهَمٍ، فلا كَلامَ، وإنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الإِبلِ، ونِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ مِن غيرِها، مثلَ أن كانت قِيمَةُ الإِبلِ أرْبعينَ دِينارًا أو أربعَمائةِ دِرْهَمٍ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّها تُقَوَّمُ بالإِبلِ؛ لأنَّها الأصْلُ.
وعلى قولِ غيرِه مِن أَصْحابِنا، تُقَوَّمُ بالذَّهَبِ أو الوَرِقِ، فتُجْعَلُ قِيمَتُها خَمْسينَ دِينارًا أو سِتَّمائةِ دِرْهَمٍ.
فإنِ اخْتَلَفا، قُوِّمَتْ على أَهْلِ الذَّهَبِ به، وعلى
..................................
أَهْلِ الوَرِقِ به، فإن كان مِن أَهْلِ الذَّهَبِ والوَرِقِ جَميعًا، قَوَّمَها مَن هى عليه بما شاءَ منهما؛ لأَنَّ الخِيَرَةَ إلى الجانِى في دَفْعِ ما شاءَ مِن سائرِ الأُصُولِ.
ويَحْتَمِلُ أن تُقَوَّمَ بأدْنَاهما على كلِّ حالٍ؛ لذلك.
وإذا لم يَجِدِ الغُرَّةَ، انْتَقَلَ إلى خَمْسٍ مِن الإِبلِ.
على قَوْلِ الخِرَقِىِّ.
وعلى قولِ غيرِه، يَنْتَقِلُ إلى خَمْسِينَ دِينارًا أو سِتِّمائةِ دِرْهَمٍ.
فصل: والغُرَّةُ مَوْرُوثَةٌ عنه، كأنَّه سقَط حَيًّا؛ لأنَّها دِيَةٌ له، وبَدَلٌ عنه، فيَرِثُها وَرَثَتُه، كما لو قُتِلَ بعدَ الوِلادَةِ.
وبهذا قال مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال اللَّيْثُ: لا تُورَثُ، بل تكونُ بدَلَه 1 لأُمِّه، [لأنَّه] 2 كعُضْوٍ مِن أعْضائِها، فأَشْبَهَ يدَها.
ولَنا، أنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ حُرٍّ، فوَجَبَ أن تكونَ مَورُوثَةً عنه، كما لو ولَدَتْه حَيًّا ثم مات.
وقولُه: إنَّه كعُضْوٍ مِن أعْضائِها.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان عُضْوًا لَدَخَلَ بَدَلُه في دِيَةِ أُمِّه، كيَدِها، ولَما مُنِعَ مِن القِصاصِ مِن أُمِّه، وإقَامَةِ الحَدِّ عليها مِن أجْلِه، ولَما وجَبَتِ الكَفَّارَةُ مِن أجْلِه بقَتْلِه، ولَما صَحَّ عِتْقُه دُونَها, ولا عِتْقُها دُونَه، ولأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُضْمَنُ بالدِّيَةِ تُورَثُ، كدِيَةِ الحَىِّ.
فعلى هذا، إذا أسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، ثم ماتتْ، فإنَّها تَرِثُ نَصِيبَها مِن الغُرَّةِ، ثم يَرِثُها
..................................
وَرَثتُها.
[وإن أسْقَطَتْه حَيًّا، ثم مات قَبْلَها، ثم ماتتْ، فإنَّها تَرِثُ نَصِيبَها من دِيَتِه، ثم يَرِثُها وَرَثَتُها] 1. وإن ماتتْ قبلَه، ثم ألْقَتْه مَيِّتًّا، لم يَرِث أحَدُهما صاحِبَه، وإن خرَج حَيًّا، ثم ماتَتْ قبلَه ثم مات، أو ماتت ثم خرَج حَيًّا ثم مات، وَرِثَها، ثم يَرِثُه وَرَثَتُه.
وإنِ اخْتَلَفَ وُرَّاثُهما 2 في أوَّلِهما مَوْتًا، فحُكْمُهُما حُكْم الغَرْقَى، على ما ذُكِرَ في مَوْضِعِه 3. ويَجِيءُ على قَوْلِ الخِرَقِىِّ في المسْألَةِ التى ذَكَرَها، إذا ماتتِ امرأةٌ وابْنُها، أن يَحْلِفَ ورَثَةُ كُلِّ واحدٍ منهما ويَخْتَصُّوا بمِيراثِه.
وإِن ألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا أو حَيًّا، ثم مات، ثم ألْقَتْ آخَرَ حَيًّا، ففى المَيِّتِ غُرَّةٌ، وفى الحَىِّ الأَوَّلِ دِيَةٌ، إذا كان سُقُوطُه لوقتٍ يَعِيشُ مثْلُه، ويَرِثُهُما الآخَرُ، ثم يَرِثه ورَثَتُه إن مات.
وإن كانتِ الأمُّ قد ماتتْ بعدَ الأَوَّلِ وقبلَ الثانى، فإنَّ دِيَةَ الأَوَّلِ تَرِثُ منها الأُمُّ والجنينُ الثانى، ثم إذا ماتتِ الأُمُّ، وَرِثَها الثانِى، ثم يَصِيرُ مِيراثُه لوَرَثَتِه.
فإن ماتتِ الأُمُّ بعدَهُما، وَرِثَتْهما جميعًا.
فصل 4: إذا ضرَب بَطْنَ امرأةٍ، فأَلْقَتْ أجِنَّةً، ففى كُلِّ واحدٍ غُرَّةٌ.
وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالك، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، قال 5: ولا أحْفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وذلك لأنَّه ضَمانُ
وَلا يُقْبَلُ في الْغُرَّةِ خُنْثَى، وَلا مَعِيبٌ، وَلا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ.
آدَمِىٍّ، فتَعَدَّدَ بتَعَدُّدِه، كالدِّيَاتِ.
وإن ألْقَتْهُم أحْياءً لوَقْتٍ يَعِيشُونَ في مثلِه ثم ماتوا، ففى كُلِّ واحدٍ منهم دِيَةٌ كاملةٌ.
وإن كان بعْضُهم حَيًّا فمات، وبعضُهم مَيِّتًا، ففى الحَىِّ دِيَةٌ، وفى المَيِّتِ غُرَّةٌ.
فصل (1): وَيَسْتَوِى في ذلك الذَّكَرُ والأُنْثَى، في أنَّه يَجِبُ في كلِّ واحدٍ غُرَّةٌ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في الجَنِينَ بغُرَّةٍ، وهو يُطْلَقُ على الذَّكرِ والأُنْثَى، ولأَنَّ المرأةَ تُساوِى الذَّكَرَ فيما دُونَ الثُّلُثِ.
4216 -
مسألة: (ولا يُقْبَلُ في الغُرَّةِ خُنْثَى، ولا مَعِيبٌ، ولا مَن له دونَ سَبْعِ سِنِينَ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الغُرَّةَ تَجِبُ سَلِيمةً مِن العُيوبِ وإن قَلَّ العَيْبُ؛ لأنَّه حَيَوانٌ يجبُ بالشَّرْعِ، فلم يُقْبَلْ فيه المَعِيبُ، كالشَّاةِ في الزَّكاةِ، ولأَنَّ الغُرَّةَ الخِيارُ، والمَعِيبُ ليس مِن الخِيارِ.
ولا يُقْبَلُ فيها هَرِمَةٌ، ولا مَعِيبَةٌ، ولا خُنْثَى، ولا خَصِىٌّ، وإن كَثُرَتْ قِيمَتُه؛ لأَنَّ ذلك عَيْبٌ (ولا مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) قالَه [القاضى، و] 2 أبو الخَطَّابِ،1
..................................
وأصْحابُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إلى مَن يَكْفُلُه ويَحْضُنُه، وليس مِن الخِيارِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ سِنَّها غيرُ مُقَدَّرٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
وذكَرَ بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ أنَّه لا يُقْبَلُ فيها غُلامٌ بَلَغَ خَمس عَشرةَ سَنَةً؛ لأنَّه لا يَدْخُلُ على النِّساءِ، ولا ابْنَةُ عِشْرِينَ سنةً 1؛ لأنَّها تَتَغَيَّرُ.
وهذا تَحَكُّمٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، فيجبُ أن لا يُقْبَلَ.
وما ذكَرُوه مِن الحاجَةِ إلى الكفالهِ باطِلٌ بمَن له فَوْقَ السَّبْعِ، ولأَنَّ بُلُوغَه قِيمَةَ الكَبِيرِ مع صِغَرِه، يَدُلُّ على أنَّه خِيارٌ، ولم يشْهَدْ لِما ذكَرُوه نَصٌّ، ولا له أصْلٌ يُقاسُ عليه، والشَّابُّ البالِغُ أكْمَلُ مِن الصَّبِىِّ عَقْلًا وبِنْيَةً، وأقْدَرُ منه 2 على التَّصَرُّفِ، وأنْفَعُ في الخِدْمَةِ، وأقْضَى للحاجَةِ، وكَوْنُه لا يَدْخُلُ على النِّساءِ، إن أُرِيدَ به النِّساءُ الأجْنَبِيَّاتُ، فلا حاجَةَ إلى دُخُولِه عليهِنَّ، وإن أُرِيدَ به سَيِّدَتُه، فليس بصَحِيحٍ، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 3. ثم لو لم يَدْخُلْ على النِّساءِ، لحَصَلَ مِن مَنْعِه أضْعافُ ما يَحْصُلُ مِن دُخُولِه، وفَوَاتُ شئٍ إلى ما هو أنْفَعُ منه [لا يُعَدُّ] 4 فواتًا،
وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّةِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
كمن اشْتَرَى بدِرْهَمٍ ما يُساوِي دِرْهَمَيْنِ، لا يُعَدُّ فَواتًا ولا خُسْرانًا.
فصل: ولا يُعْتَبَرُ لون الغُرَّةِ، وذُكِرَ عن أبى عمرِو بنِ العَلاءِ (1) أنَّ الغُرَّةَ لا تَكونُ إلَّا بَيْضاءَ، ولا يُقْبَلُ عَبْدٌ أَسْودُ، ولا جارِيَةٌ سَوْداءُ.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بعَبْدٍ أو أمَةٍ، وأطْلَقَ، والسَّوَادُ غالِبٌ على عَبيدِهم وإمائهِم، ولأنَّه حَيَوانٌ تَجِبُ دِيَتُه، فلم يُعْتَبَرْ لَوْنُه، كالإِبلِ في الدِّيَةِ.
4217 -
مسألة: (وإن كان الجَنِينُ مَمْلُوكًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى)
وجملته، أنَّه إذا كان جَنِينُ الأمَةِ مَمْلُوكًا، فَسَقَطَ1
..................................
مِن الضَّرْبَةِ مَيِّتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه.
هذا قولُ الحسنِ، وقَتادةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وبنحوِه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ.
وقال زَيْدُ بنُ أسْلَمَ: يَجِبُ فيه عُشْرُ قِيمَةِ غُرَّةٍ، وهو خمسةُ دنانِيرَ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأَصْحابُه: يجبُ فيه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه إن كان ذَكَرًا، أو عُشْرُ قِيمَتِه إن كان أُنْثَى؛ لأَنَّ الغُرَّةَ الواجِبَةَ في جَنِينِ الحُرَّةِ هى نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ، وعُشْرُ دِيَةِ الأُنْثَى، وهذا مُتْلَفٌ، فاعْتِبارُه بنَفْسِه أَوْلَى مِن اعْتِبارِه بأُمِّه، ولأنَّه جَنِين مَضْمُونٌ، تَلِفَ بالضَّرْبَةِ، فكان فيه نِصْفُ عُشْرِ 1 الواجب فيه 2 إذا كان ذَكَرًا كبيرًا، أو عُشْرُ الواجب إذا كان أُنْثَى، كجَنِينِ الحُرَّةِ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: مذهبُ أَهْلِ المدينةِ يُفْضِى إلى أن يَجِبَ في الجَنِينِ المَيِّتِ أكْثَرُ مِن قِيمَتِه إذا كان حَيًّا.
ولَنا، أنَّه جَنِينٌ مات بالجِنايةِ في بَطْنِ أُمِّه، فلم يخْتَلِفْ ضَمانُه بالذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ، كجَنِينِ الحُرَّةِ، ودَلِيلُهم نَقْلِبُه عليهم، = اسمه على أقوال، فأشهرها، زبَّان، وقيل العريان، مولده في نحو سنة سبعين، برَّز في الحروف والنحو، أشتهر بالفصاحة والصدق وسعة العلم، توفى سنة سبع وخمسين ومائة.
سير أعلام النبلاء 6/ 407 - 410، تهذيب التهذيب 12/ 178 - 180. وانظر ما ذكر عنه: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/ 352.
..................................
فنقولُ: جَنِينٌ مَضْمُونٌ، تَلِفَ بالجِنايةِ، فكانَ الواجبُ فيه عُشْرَ ما يَجِبُ في أُمِّه، كجَنِينِ الحُرَّةِ.
وما ذكَرُوه مِن مُخالَفَةِ الأَصْلِ، مُعارَضٌ بأنَّ مَذْهَبَهم يُفْضِى إلى تَفْضِيلِ الأُنْثَى على الذَّكَرِ، وهو خِلافُ الأُصولِ 1، ولأنَّه لو اعْتُبِرَ بنَفْسِه، لوَجَبَت قِيمَتُه كلُّها، كسائرِ المَضْمُوناتِ بالقِيمَةِ، ومُخالَفَتُهم أشَدُّ مِن مُخالَفَتِنا؛ لأنَّنَا اعْتَبَرْناه إذا كان مَيِّتًا بأُمِّه، وإذا كان حَيًّا بنَفْسِه، فجاز أن تَزِيدَ قِيمَةُ المَيِّتِ على الحَىِّ مع اخْتِلافِ الجِهَتَيْنِ، كما جازَ أن يَزِيدَ البعْضُ على الكُلِّ في أنَّ مَن قطَع أطْرَافَ إنْسانٍ الأرْبَعةَ، كان الواجِبُ عليه أكْثَرَ مِن دِيَةِ النَّفْسِ كلِّها، وهم فَضَّلُوا الأُنْثَى كل الذَّكَرِ مع اتِّحادِ الجِهَةِ، وأوْجَبُوا فيما يُضْمَنُ بالقِيمَةِ عُشْرَ قيمتِه 2 تارةً، ونِصْفَ عُشْرِها أُخْرَى، وهذا لا نَظِيرَ له.
إذا ثبَت هذا، فإنَّ قِيمَةَ أُمِّه مُعْتَبَرَةٌ يومَ الجِنايةِ عليها.
وهذا مَنْصُوصُ الشَّافعىِّ.
وقال بعضُ أصْحابِه: يُقَوَّمُ حينَ أسْقَطَتْ؛ لأَنَّ الاعْتِبارَ في ضَمانِ الجِنايةِ بالاسْتِقْرارِ.
ويتَخَرَّجُ لنا وَجْه مثلُ ذلك.
ولَنا، أنَّه لم يتَخَلَّلْ بينَ الجِنايةِ
..................................
وحالِ الاسْتِقْرارِ ما يُوجِبُ تَغْييرَ بَدَلِ النَّفْسِ، فكان الاعْتِبارُ بحالِ الجنايةِ، كما لو جرَح عَبْدًا، ثم نَقَصَتِ السُّوقُ لكَثْرَةِ الجَلَبِ، ثم مات، فإنَّ الاعْتِبارَ بقِيمَتِه يومَ 1 الجِنايةِ، ولأَنَّ قِيمَتَها تَتَغَيَّرُ بالجِنايةِ وتَنْقُصُ، فلم تُقَوَّمْ في حالِ نَقْصِها الحاصلِ بالجِنايةِ، كما لو قطَع يدَها فماتتْ مِن سِرايَتها، أو قطَع يدَها فمَرِضَتْ بذلك، ثم انْدَمَلَتْ جِراحَتُها.
فصل: ووَلَدُ المُدَبَّرَةِ والمُكاتَبَةِ والمُعْتَقَةِ بصِفَةٍ، وأُمِّ الوَلَدِ إذا حَمَلَتْ مِن غيرِ مَوْلاها، حُكْمُه حُكْمُ ولَدِ الأمَةِ؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ، فأمَّا جَنِينُ المُعْتَقِ بعضُها، فهو مثْلُها، فيه مِن الحُرِّيَّةِ مثلُ ما فيها، فإذا كان نِصْفُها حُرًّا، فنِصْفُه حُرٌّ، فيه نِصْفُ غُرَّةٍ لوَرَثَتِه، وفى النِّصْفِ الباقِى نِصْف عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه لسَيِّدِه.
..................................
فصل: فإن وَطِئَ أَمَةً بشُبْهَةٍ، أو غُرَّ بأمَةٍ فتَزَوَّجَها وأحْبَلَها، فضَرَبَها ضارِبٌ 1، فألْقَتْ جَنِينًا، فهو حُرٌّ، وفيه غُرَّةٌ مَؤروثَةٌ عنه لوَرَثَتِه، وعلى الواطِئ عُشْرُ قِيمَتِها لسَيِّدِهَا؛ لأنَّه لولا اعْتِقاد الحُرِّيَّةِ، لَكانَ هذا الجَنِينُ مَمْلُوكًا لسَيِّدِه، على ضارِبِه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه، فلما انْعَتَقَ 2 بسَبَبِ الوَطْءِ، فقد حالَ بينَ سَيِّدِها وبينَ هذا القَدْرِ، فألْزَمْناه ذلك للسَّيِّدِ، سواءٌ كان بقَدْرِ الغُرَّةِ أو أكثرَ منها أو أقَلَّ.
فصل: إذا أسْقَطَ جَنِينَ ذِمِّيَّةٍ، قد وَطِئَها مُسْلِمٌ وذِمِّىٌّ في طُهْرٍ واحدٍ، وجَبَ فيه اليَقِينُ، وهو ما في الجَنِينِ الذِّمِّىِّ، فإن أُلْحِقَ بعدَ ذلك بالذِّمِّىِّ، فقد وَفَّى ما عليه، وإن أُلْحِقَ بمسلمٍ، فعليه تَمامُ الغُرَّةِ.
وإن ضرَب بَطْنَ نَصْرانِيَّةٍ، فأَسْقَطَتْ، فادَّعَتْ أو ادَّعَى ورَثَتُه أنَّه مِن مسلمٍ حَمَلَتْ به مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ أو زِنًى، فاعْتَرَفَ الجانِى، فعليه غُرَّةٌ كاملةٌ.
وإن كان ممَّا تحملُه العاقلةُ، فاعْتَرَفَتْ أَيضًا، فالغُرَّةُ 3 عليها، وإن أنْكَرَتْ، حَلَفَتْ، وعليها ما في جَنِينِ الذِّمِّيِّيْنِ، والباقي على الجانِى؛ لأنَّه ثبَت باعْتِرافِه، والعاقلةُ [لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا.
وإنِ اعْتَرَفَتِ العاقلةُ دونَ الجانِى، فالغُرَّةُ عليها مع دِيَةِ أُمِّه.
وإن أنْكَرَ الجانِى والعاقلةُ] 4، فالقولُ قولُهم، مع
..................................
أيمانِهِم أنَّا لا نَعلَمُ أنَّ هذا الجَنِينَ مِن مسلمٍ.
ولا تَلْزَمُهما اليَمِينُ مع 1 البَتِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ على النَّفْى في فِعْلِ الغَيْرِ، فإذا اخْتَلَفُوا، وجَبَتْ دِيَةُ ذِمِّىٍّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ أنّ ولدَها تابعٌ لها, ولأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ.
وإن كان ممَّا لا تَحْمِلُه العاقلةُ، فالقولُ قولُ الجانِى وحدَه مع يَمِينِه.
ولو كانتِ النَّصْرانِيَّةُ امرأةَ مُسْلمٍ، فادَّعَى الجانِى أنَّ 2 الجَنِينَ مِن ذِمِّىٍّ بوطءِ شُبْهَةٍ أو زنِىً، فالقولُ قولُ وَرَثَةِ الجَنِينِ؛ لأَنَّ الجَنِينَ مَحْكُومٌ بإِسْلامِه، فإنَّ الوَلَدَ للفِراشَ.
فصل: إذا كانتِ الأمَةُ بينَ شَريكَيْنِ، فحَمَلَتْ بمَمْلُوكٍ، فضَرَبَها أحَدُهما، فأسْقَطَتْ، فعليه كَفَّارة؛ لأنَّه أتْلَفَ آدَمِيًّا، ويَضْمَنُ لشَرِيكِه نِصْفَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، ويَسْقُطُ ضمانُ نَصِيبِه؛ لأنَّه مِلْكُه.
وإن أعْتَقَها الضَّارِبُ بعدَ ضَرْبِها، وكان مُعْسِرًا، ثم أسْقَطَتْ، عَتَقَ نَصيبُه منها 3 ومِن وَلَدِها، وعليه لشَرِيكِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ، وعليه نِصْفُ غُرَّةٍ 4 مِن أجْل النِّصْفِ الذى صارَ حُرًّا، يُورَثُ عنه بمَنْزِلَةِ مالِ الجَنِينِ، تَرِثُ أُمُّه منه بِقَدْرِ ما فيها مِن الحُرِّيَّةِ، والباقي لوَرَثَتِه.
هذا قولُ القاضى، وقياسُ قَوْلِ ابنِ حامدٍ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وقِياسُ قولِ أبى بكرٍ وأبى الخَطَّابِ، لا يَجِبُ على الضَّارِبِ ضَمانُ ما أَعْتَقَه؛
..................................
لأنَّه حينَ الجِنايةِ لم يكُنْ مَضْمُونًا عليه، والاعْتِبارُ في الضَّمانِ بحالِ الجِنايةِ، وهى الضَّرْبُ، ولهذا اعْتَبَرْنا قِيمَةَ الأمِّ حالَ الضَّرْبِ.
وهذا قولُ بعْضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
وهو أَصَحُّ إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأَنَّ الإِتْلافَ حصلَ بفِعلٍ غيرِ مَضْمُونٍ، فأَشْبَه ما لو جرَح حَرْبِيًّا فأَسْلَمَ، ثم مات بالسِّرايَةِ، ولأَنَّ موْتَه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قد حصَل بالضَّرْبِ، فلا يتَجَدَّدُ ضَمانُه بعدَ مَوْتِه، والأَصْلُ براءَةُ ذِمَّتِه.
وإن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، سَرَى العِتْقُ إليها وإلى جَنِينِها، وفى الضَّمانِ الوَجْهانِ؛ فعلى قوْلِ القاضى، في الجَنِينِ غُرَّةٌ مَوْروثَةٌ عنه.
وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، عليه ضَمانُ نصِيبِ شَرِيكِه مِن الجَنِينِ بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، ولا يَضْمَنُ أُمَّه؛ لأنَّه قد ضَمِنَها بإعْتاقِها، فلا يَضْمَنُها بتَلَفِها.
وإن كان المُعْتِق الشَّرِيكَ الذى لم يَضْرِبْ، وكان مُعْسِرًا، فلا ضَمانَ على الشَّرِيكِ في نَصِيبِه؛ لأَنَّ العِتْقَ لم يَسْرِ إليه، وعليه في نَصِيبِ شَرِيكِه مِن الْجَنِينِ نِصْفُ غُرَّةٍ يَرِثُها وَرَثَتُه، على قولِ القاضى.
وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِه بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، ويكونُ لِسَيِّدِه، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ.
وكذلك الحكمُ في ضَمانِ الأُمِّ إذا ماتت مِن الضَّرْبَةِ.
وإن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، سَرَى العِتْقُ إليهما، وصارَا حُرَّيْنِ، وعلى المُعْتِقِ ضَمانُ نصف الأُمِّ، ولا يَضْمَنُ نِصْفَ الجَنِينِ؛ لأنَّه يدْخُلُ في ضَمانِ الأُمِّ، كما يَدْخُلُ في بَيْعِها، وعلى الضَّاربِ ضَمان الجَنِينِ بغُرَّةٍ مَوْرُوثَةٍ عنه، على قَوْلِ القاضى.
وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، يَضْمَنُ نَصِيبَ الشَّرِيكِ بنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه، وليس عليه
وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ، فَعَتَقَتْ، ثُمَّ أَسْقَطَتِ الْجَنِينَ، فَفِيهِ غُرَّةٌ.
ضَمانُ نَصِيبِه؛ لأنَّه مِلْكُه حالَ الجِنايةِ عليه.
وأمَّا ضَمان الأُمِّ، ففى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فيها دِيَةُ حُرَّةٍ، لسَيِّدِها منها أقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِن دِيَتِها أو قِيمَتِها.
وعلى الآخَرِ، يَضْمَنها بقِيمَتِها لسَيِّدِها، كما تَقَدَّمَ، مَن قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ثم أُعْتِقَ وماتَ.
فصل: ولو ضرَب بطنَ أَمَتِه، ثم أعْتَقَها، ثم أسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، لم يَضْمَنْه، في قِياسِ قولِ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ جِنايَتَه لم تَكُنْ مَضْمُونَةً في ابْتِدائِها، فلم يَضْمَنْ سِرايَتَها، كما لو جرَح مُرْتَدًّا، فأسْلَمَ ثم مات، ولأَنَّ مَوْتَ الجَنِينِ يَحْتَمِلُ أنَّه حصَل بالضَّرْبَةِ في مَمْلُوكِه، ولم يتَجَدَّدْ بعدَ العِتْقِ ما يُوجِبُ الضَّمانَ.
وعلى قَوْلِ ابنِ حامِدٍ، عليه غُرّة، لا يَرِثُ منها شيئًا؛ لأَنَّ اعْتِبارَ الجِنايةِ بحالِ اسْتِقْرارِها.
4218 -
مسألة: (وإن ضرَب بطنَ أَمَةٍ، فَعَتَقَتْ، ثم أسْقَطَتِ الجَنِينَ، فَفِيهِ غُرَّةٌ)
على قوْلِ ابنِ حامدٍ والقاضى؛ لأنَّه كان حُرًّا، اعْتِبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ.
وعلى قوْلِ أبى بكرٍ وأبى الخَطَّابِ، فيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه، اعْتِبارًا بحالِ الجنايةِ؛ لأنَّها كانتْ في حالِ كَوْنِه عَبْدًا، ويُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِه صارَ حُرًّا؛ لأَنَّ الظاهرَ تَلَفُه بالجِنايةِ، وبعدَ تَلَفِه لا يُمكِنُ تحْرِيرُه.
فعلى
..................................
قولِ هذيْن، يكونُ الواجِبُ فيه لسَيِّدِه.
وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، يكونُ الواجبُ فيه أقَلَّ الأمْرَيْنِ مِن الغُرَّةِ أو 1 عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأَنَّ الغُرَّةَ إن كانت أكْثَرَ، لم يَسْتَحِقَّ الزِّيادةَ؛ لأنَّها زادَتْ بالحُرِّيَّةِ الحاصِلَةِ لزَوالِ مِلْكِه، وإن كانت أقَلَّ، لم يَكُنْ له أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ النَّقْصَ حصَل بإعْتاقِه، فلا يضْمَنُ له، كما لو قطَع 2 يَدَ عَبْدٍ، فأعْتَقَه سَيِّدُه، ثم ماتَ بسِرايةِ الجِنايةِ، كان له أقَلُّ الأمْرَيْنِ مِن دِيَةِ حُرٍّ أو نِصْفِ قِيمَتِه، وما فَضَلَ عن 3 حَقِّ السَّيِّدِ لوَرَثَةِ الجَنِينِ.
فأمَّا إن ضرَب بَطْنَ الأمَةِ، فأعْتَقَ السَّيِّدُ جَنِينَها وحدَه، نَظَرْتَ؛ فإن أسْقَطَتْه حَيًّا لوَقْتٍ يَعِيشُ مثلُه، ففيه دِيَةُ حُرٍّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن كان لوَقْتٍ لا يَعِيشُ مثلُه، ففيه غُرَّةٌ؛ لأنَّه حُرٌّ، على قَوْلِ ابنِ حامدٍ.
وعلى قولِ أبى بكرٍ، عليه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه.
وإن أسْقَطَتْه مَيِّتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّنا لا نعلمُ كَوْنَه 4 حَيًّا حالَ إعْتاقِه.
ويَحْتَمِل أن تجبَ عليه الغُرَّةُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بقَاءُ حياتِه، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ أُمَّه.