الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 113-152

..................................  باليَمِينِ، فلم يَصِحَّ.
فصل: قال القاضى: يجوزُ للأوْلِياءِ أن يُقْسِمُوا على القاتلِ، إذا غَلَب [على ظَنِّهِم] 1 أنَّه قَتَلَه، وإن كانُوا غائِبِينَ عن مكانِ القَتْلِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للأنْصارِ: «تَحْلِفُونَ، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ».
وكانوا بالمدينةِ، والقتلُ بخَيْبَرَ، ولأَنَّ للإِنْسانِ أن يَحْلِفَ على غالِبِ ظَنِّه، كما أنَّ مَن اشْتَرَى مِن إنْسانٍ شيئًا، فجاءَ آخَرُ يدَّعِيه، جازَ أن يَحْلِفَ أنَّه لا يَسْتَحِقه؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه مِلْكُ الذى باعَه، وكذلك إذا وَجَد شيئًا بخَطهِ أو بخَطِّ أبيه ودَفْتَرِه، جازَ أَنْ يَحْلِفَ، وكذلك إذا باعَ شيئًا لم يعلمْ فيه عَيْبًا، فادَّعَى عليه المُشْتَرِى أنَّه مَعِيبٌ، وأرادَ رَدَّهُ، كان له أَنْ يَحْلِفَ أنَّه باعَه 2 بَرِيئًا مِن العَيْبِ.
ولا يَنْبَغِى أن يَحْلِفَ المُدَّعِى إلَّا بعدَ الاسْتِثْباتِ، وغَلَبَةِ ظَنٍّ تُقارِبُ اليَقِينَ، ويَنْبَغِى للحاكمِ أن يقولَ لهم: اتَّقُوا اللَّهَ، واسْتَثْبِتُوا.
ويَعِظَهم، ويُحَذِّرَهُم، ويَقْرأ عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ 3. ويُعَرِّفَهُم ما في اليَمِينِ الكاذبةِ، وظُلمِ البَرِئِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بغيرِ الحَقِّ، ويُعَرِّفَهم أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْونُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ.
وهذا كلُّه مذهبُ الشَّافِعِىِّ.

..................................

4360 - مسألة: (وسَواءٌ كان المَقْتُولُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا)

أمّا إذا كان المقْتولُ مُسْلِمًا حُرُّا، فليس فيه خِلافٌ، سواءٌ كان المُدَّعَى عليه مُسْلِمًا أو كافِرًا، فإنَّ الأَصْلَ في القَسامَةِ قِصَّةُ عبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ، حينَ قُتِلَ بخَيْبَرَ، فاتهِمَ اليَهودُ بقَتْلِه، فأمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقَسامَةِ.
وأمَّا إنْ كان المقْتولُ كافِرًا أو عَبْدًا، وكان قاتلُه ممَّن يجبُ عليه القِصاصُ بقَتْلِه، وهو المُماثِلُ له في حالِه أو دُونَه، ففيه القَسامَةُ.
وهذا قولُ الشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقال الزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ: لا قَسامَةَ في العَبْدِ؛ لأنَّه مالٌ، فلم تَجِبِ القَسامَةُ فيه، كالبَهِيمَةِ.
ولَنا، أنَّه قَتْلٌ مُوجبٌ للقِصاصِ، فأوْجبَ القَسامَةَ، كقَتْلِ الحُرِّ، بخِلافِ البَهِيمَةِ، فإنَّه لا قِصاصَ فيها.
ويُقْسِمُ على العَبْدِ سَيِّدُه؛ لأنَّه المُسْتَحِقُّ لدَمِه، وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ والمكاتَبُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ، كالقِنِّ؛ لأَنَّ الرِّقَّ ثابتٌ فيهم.
فإن كان القاتلُ ممَّن 1 لا قِصاصَ عليه، كالمُسْلمِ يقْتُلُ كافِرًا، والحُرِّ يقْتُلُ عَبْدًا، فلا قَسامَةَ فيه، في ظاهرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ، وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ القَسامَةَ إنَّما تكونُ فيما يُوجِبُ القَوَدَ.
وقال القاضى: فيهما القَسامَةُ.
[وهو قولُ الشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قتْلُ آدَمِىٍّ يُوجبُ الكفَّارَةَ، فشُرِعَتِ القَسامَةُ فيه] 2، كقَتْلِ الحُرِّ المُسْلمِ، ولأَنَّ ما كان حُجَّةً في قَتْلِ الحرِّ

..................................  المسلمِ 1، كان حُجَّةً في قتْلِ العَبْدِ والكافرِ، كالبَيِّنَةِ.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه قَتْل لا يُوجِبُ القِصاصَ، فأَشْبَهَ قتلَ البَهِيمَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن شَرْعِها فيما يُوجِبُ القِصاصَ، شَرْعُها مع عَدَمِه، بدَليلِ أنَّ العَبْدَ لو اتُّهِمَ بقَتْلِ سَيِّدِه، وجَبَتِ القَسامَةُ إذا كان القتلُ مُوجِبًا للقِصاصِ.
ذكَره القاضى؛ لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُه قبلَ ذلك، ولو لم يكُنْ مُوجِبًا للقِصاصِ لم تُشْرَعِ القَسامَةُ.
فصل: وإن قُتِلَ عبدُ المُكاتَبِ، فللمكاتَبِ أن يُقْسِمَ على الجانِى؛ لأنَّه مالكُ العَبْدِ، يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه وفى بَدَلِه 2، وليس لسَيِّدِه انْتِزاعُه منه، وله شِراؤُه منه.
ولو اشْتَرى المأذونُ له في التِّجارةِ عَبْدًا، فقُتِلَ، فالقَسامَةُ لسَيِّدِه دُونَه؛ لأَنَّ ما اشْتراه الأذونُ يَمْلِكُه سَيِّدُه دُونَه، ولهذا يَمْلِكُ انْتِزاعَه منه.
وإن عجزَ المكاتَبُ قبلَ أَنْ يُقْسِمَ، فلسَيِّدِه أن يُقْسِمَ؛ لأنَّه صارَ المُسْتَحِقَّ لبَدَلِ المقْتولِ، بمَنْزِلَةِ وَرَثَةِ الحُرِّ إذا ماتَ قبلَ أن يُقْسِمَ، ولو ملَّكَ السَّيِّدُ عبدَه أو أمَّ ولَدِه عَبْدًا فقُتِلَ، فالقَسامَةُ للسَّيِّدِ، سواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُ العبدُ بالتَّمْلِيكِ -أو- لا يَمْلِكُ؛ لأنَّه إن لم يَمْلِكْ، فالمِلْكُ لسَيِّدِه، وإن [مَلَك، فهو مِلْكٌ] 3 غيرُ ثابتٍ، ولهذا يَمْلِكُ سَيِّدُه انْتزاعَه منه، ولا يجوزُ له التَّصَرُّفُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، بخِلافِ المُكاتَبِ.
وإن أوْصَى لأمِّ ولَدِه ببَدَلِ العَبْدِ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ، وإن كان لم يَجِبْ بعدُ،

..................................  كما تَصِحُّ الوصيةُ بثَمَرَةٍ لم تُخْلَقْ.
والقَسامَةُ للوَرَثَةِ؛ لأنَّهم القائمون مَقامَ المُوصِى في إثْباتِ حُقوقِه، فإذا حَلَفُوا، ثبَت لها البَدَلُ بالوَصِيَّةِ، فإن لم يَحْلِفُوا لم يكُنْ لها أن تَحْلِفَ، كما 1 إذا امْتَنَع الوَرَثَةُ باليَمِينِ مع الشَّاهدِ، لم يكُنْ للغُرَماءِ أن يَحْلِفُوا معه.
فصل: والمَحْجورُ عليه لسَفَهٍ أو فَلَسٍ، كغيرِ المَحْجورِ عليه، في دَعْوَى القتلِ، والدَّعْوَى عليه، [إلَّا أنَّه] 2 إذا أقَرَّ بمالٍ، أو لَزِمَتْه الدِّيَةُ بالنُّكولِ عن اليَمِينِ، لم تَلْزَمْه في حالِ حَجْرِه؛ لأَنَّ إقْرارَه بالمالِ [في الحالِ] 3 غيرُ مَقْبولٍ بالنِّسْبَةِ إلى أخْذِ شئٍ مِن مالِه في الحالِ، على ما عُرِفَ في مَوْضِعِه.
فصل: ولو جُرِحَ مُسْلمٌ فارْتَدَّ، ومات على الرِّدَّةِ، فلا قَسامَةَ فيه؛ لأَنَّ نفْسَه غيرُ مَضْمُونةٍ، ولا قَسامَةَ فيما دُونَ النَّفْسِ، ولأَنَّ مالَه يصيرُ فَيْئًا، والفَىْءُ ليس له مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّن فتَئْبُت القَسامَةُ له.
وإن مات 4 مُسْلِمًا، فارْتَدَّ وارِثُه قبلَ 5 القَسامَةِ، فقال أبو بكرٍ: ليس له أن يُقْسِمَ، وإن أقْسَمَ لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ مِلْكَه يزُولُ عن مالِه وحقُوقِه، فلا يَبْقَى مُسْتَحِقًّا للقَسامَةِ.
وهذا قولُ المُزَنِىِّ.
ولأَنَّ المُرْتَدَّ قد أقْدَمَ على الكُفْرِ الذى لا

..................................  ذَنْبَ أعْظَمُ منه، فلا يَسْتَحِقُّ بيَمِينِه دَمَ مسلمٍ، ولا يَثْبُتُ بها قَتْلٌ.
وقال القاضى: الأوْلَى أن تُعْرَضَ عليه القَسامَةُ، فإنْ أقْسَمَ، وجَبَتِ الدِّيَةُ.
وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ اسْتِحْقاقَ المالِ بالقَسامَةِ حَقٌّ له، فلا يَبْطُلُ برِدَّتِه، كاكْتِسابِ المالِ، يُوجِبُ الاكتِسابَ، وكُفْرُه لا يَمْنَعُ يَمِينَه؛ لأَنَّ الكافِرَ تَصِحُّ يَمِينُه، وتُعْرَضُ عليه في الدَّعاوَى، فإن حَلَفَ، ثبَت القِصاصُ أو الدِّيَةُ، فإن عادَ إلى الإِسْلام، كان له، وإن ماتَ، كان فَيْئًا.
والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، ما قاله أبو بكَرٍ؛ لأَنَّ مالَ المُرْتَدِّ إمَّا أن يكونَ مِلْكُه قد زالَ عنه، وإمّا مَوْقُوفٌ، وحُقوقُ المالِ حُكْمُها حُكْمُه؛ فإن قُلْنا: يزُولُ 1 مِلْكُه.
فلا حَقَّ له.
وإن قُلْنا: هو مَوْقوفٌ.
فهو قبلَ انْكِشافِ حالِه مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَثْبُتُ الحُكمُ بشئٍ مَشْكوكٍ فيه، كيف وقَتْلُ المُسْلِمِ أمْرٌ كبيرٌ لا يَثْبُتُ مع الشُّبُهاتِ، ولا يُسْتَوْفَى مع الشَّكِّ.
فأمَّا إنِ ارْتَدَّ قبلَ مَوْتِ مَوْرُوثِه، لم يكُنْ وارِثًا، ولا حَقَّ له، وتكونُ القَسامَةُ لغيرِه مِن الوُرَّاثِ 2. فإن لم يكُنْ للمَيِّتِ وارِثٌ سِواهُ، فلا قسامةَ فيه؛ لِما ذكَرْنا.
فإن عادَ إلى الإِسْلامِ قبلَ قَسامَةِ غيرِه، فقِياسُ المذهبِ أنَّه يَدْخُلُ في القَسامَةِ؛ لأنَّه متى رجَع قبلَ قَسْمِ المِيراثِ، قُسِمَ له.
وقال القاضى: لا تَعودُ القَسامَةُ إليه؛ لأنَّها اسْتُحِقَّتْ على غيرِه.
وإنِ ارْتَدَّ رَجُل، فقُتِلَ عبْدُه، أو قتِلَ عبدُه ثم ارْتَدَّ، فهل له أن يُقْسِمَ؟

الثَّانِى، اللَّوْثُ؛ وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ، كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِى يَطْلُبُ بَعْضُهَا  على وَجْهَينَ، بِناءً على الاخْتِلافِ المُتَقَدِّمَ.
فإن عادَ إلى الإِسْلامَ، عادَتِ القَسامَةُ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ بَدَلَ العَبْدِ.

4361 -

مسألة: (فَأمَّا الجِراحُ فلا قَسامَةَ فيه)

لا قَسامَةَ فيما دُونَ النَّفْسِ مِن الأطْرافِ والجِرَاحِ.
لانَعلمُ فيه خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ؛ لأَنَّ القَسامَةَ تثْبُتُ في النَّفْسِ لحُرْمَتِها، فاخْتَصَّتْ بها دونَ الأطْرافِ، كالكَفَّارَةِ، ولأنَّها تثْبُتُ حيثُ كان المَجْنِىُّ عليه لا يُمْكِنُه التَّعْبِيرُ عن نفْسِه، وتَعْيِينُ قاتِلِه، ومَن قُطِعَ طَرَفُه، يُمْكِنُه ذلك.
وحُكْمُ الدَّعْوَى فيه حُكْمُ الدَّعْوَى في سائرِ الحُقوقِ؛ البَيِّنَةُ على المُدَّعِى، واليَمِينُ على المُنْكِرِ يَمِينًا واحدةً؛ لأنَّها دَعْوَى لا قَسامَةَ فيها، فلا تُغَلَّظُ بالعَدَدِ، كالدَّعْوَى [في المالِ] 1. (الثانى، اللَّوثُ؛ وهو العَداوَةُ الظَّاهِرَةُ، كنحوِ ما كان بينَ الأنْصارِ وأهلِ خَيْبَرَ، وكما بينَ القبائلِ التى يطْلُبُ بعضُها بعضًا بثَأْرٍ، في ظاهرِ المذهبِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في اللَّوثِ، فرُوِىَ عنه

بَعْضًا بِثَأْرٍ، فِى ظَاهِرِ المَذْهَبِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلى أَنَّهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى بِهِ، كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ، وَوُجُودِ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَشَهَادَةِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمْ، كَالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
أنَّه العَدَاوَةُ الظَّاهرةُ بينَ المقْتولِ والمُدَّعَى عليه، كَنَحْوِ ما كان بينَ الأنْصارِ ويَهُودِ خيْبَرَ، وما 1 بينَ القبائلِ والأحْياءِ وأهْلِ القُرَى الذين بيْنَهم الدِّماءُ والحُروبُ، وما بينَ البُغَاةِ وأهْلِ العَدْلِ، وما بينَ الشُّرَطَةِ واللُّصُوصِ، وكُلِّ مَن بيْنَه وبينَ المقْتُولِ ضِغْنٌ يَغْلِبُ على الظَّن أنَّه قَتَلَه.
نقل مُهَنَّا عن أحمدَ، في مَن وُجِدَ قَتِيلًا في المَسْجدِ الحرامِ، يُنْظَرُ مَن بينَه وبينَه في حياتِه شئٌ -يعنى ضِغْنًا- يُؤْخَذُون به.
ولم يَذْكُرِ القاضى في اللَّوْثِ غيرَ العَداوَةِ، إلَّا أنَّه قد قال في الفَريقَيْنِ يقْتَتِلانِ فينْكَشِفُونَ عن قَتِيل: فاللَّوْثُ على الطَّائِفَةِ التى القَتِيلُ مِن غيرِها، سواءٌ كان القِتالُ بالْتِحَامٍ، أو مُراماةٍ بالسِّهامِ، وإن لم تَبْلُغِ السِّهامُ، فاللَّوْثُ على طائِفَةِ القَتِيلِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ مع العَداوَةِ أن لا يكونَ في الموْضِعِ الذى به القَتِيلُ غيرُ العَدُوِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا التى

..................................  ذكَرْناها.
وكلامُ الْخِرَقِىِّ يَدُلُّ عليه أيضًا.
واشْتَرطَ القاضى أن يُوجَدَ القَتِيلُ في مَوْضِعِ عَدُوٍّ لا يَخْتَلِطُ بهم غيرُهم.
وهذا مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الأنْصارِىَّ قُتِلَ في خيْبَرَ ولم يكُنْ بها إلَّا اليهودُ، وجميعُهم أعداءٌ.
ولأنَّه متى اخْتَلَطَ بهم غيرُهم، احْتمَلَ أن يكونَ القاتِلُ ذلك الغَيْرَ.
ثم ناقَضَ قولَه، فقال في قَوْم ازْدَحَمُوا في مَضِيقٍ، فافْتَرَقوا عن قَتِيلٍ، فقال: إن كان في القَوْمِ مَن بيْنَه وبينَه عَداوَةٌ، وأمْكَنَ أن يكونَ هو قَتَلَه؛ لكَوْنِه بقُرْبِه، فهو لَوْثٌ.
فجعلَ العَداوَةَ لَوْثًا مِع وُجُودِ غيرِ العَدُوِّ.
ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَسْأَل الأنْصارَ: هل كان بخيْبَرَ غيرُ اليَهودِ أم لا؟ مع أنَّ الظَّاهِرَ وُجودُ غيرِهم فيها؛ لأنَّها كانتْ أمْلاكًا للمسلمين، يقْصِدُونها لأخْذِ غَلَّاتِ أمْلاكِهم منها، وعمارَتِها، والاطِّلاعِ عليها، والامْتِيارِ 1 منها، ويَبْعُدُ أن تكونَ مدينَة على جَادَّةٍ تخْلُو مِن غيرِ أهْلِها.
وقولُ الأنْصارِ: ليس لنا بخَيْبَرَ عَدُوٌّ إلَّا يَهُودُ 2. يَدُلُّ على أنَّها قد كان بها غيرُهم ممَّن ليس بعَدُوٍّ، ولأَنَّ اشْتِراكَهم في العَداوَةِ لا يَمْنَعُ مِن وُجودِ اللَّوْثِ في حَقِّ واحدٍ، وتخْصيصِه بالدَّعْوَى مع مُشارَكَةِ غيرِه في احْتِمالِ قَتْلِه، فَلأَنْ لا يَمْنَعَ ذلك وُجودُ مَن يَبْعُدُ منه القَتْلُ أوْلَى.
وما ذكَرُوه مِن الاحْتِمالِ لا يَنْفِى اللَّوْثَ، فإنَّ اللَّوْثَ لا يُشْتَرطُ فيه يَقِينُ 3 القَتْلِ مِن المُدَّعَى عليه، فلا يُنافِيه الاحْتِمالُ، ولو تُيُقِّنَ القَتْلُ مِن المُدَّعَى عليه، لَما احْتِيجَ إلى الأيْمانِ،

..................................  ولو اشْتُرِطَ نَفْىُ الاحْتِمالِ، لَما صَحَّتِ الدَّعْوَى على واحدٍ مِن جماعةٍ؛ لاحْتِمالِ أنَّ القاتلَ غيرُه، ولا على الجماعةِ كلِّهم؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يَشْتَرِكَ الجميعُ في قَتْلِه.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ عن أحمدَ، أنَّ اللَّوْثَ ما يُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، وذلك مِن وُجُوهٍ؛ أحدُها، العداوةُ المذْكورَةُ.
الثانى، أن يتَفَرَّقَ جَماعةٌ عن قتيل، فيكونُ ذلك لَوْثًا في حَقِّ كُلِّ واحدٍ منهم، فإنِ ادَّعَى الوَلِى على واحدٍ فأنْكَرَ كَوْنَه مع الجماعةِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.
ذكَره القاضى.
وهو مذْهبُ الشَّافعىِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك، إلَّا أن يَثْبُتَ ببَيِّنَةٍ.
الثالثُ، أن يَزْدَحِمَ النَّاسُ في مَضِيقٍ، فيوجدَ بينَهم قتيلٌ، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ هذا ليس بلَوْثٍ، فإنَّه قال في مَن مات في 1 الزِّحامِ يومَ الجُمُعةِ: فَدِيَتُه في بَيْتِ المالِ.
وهذا قولُ إسْحاقَ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ؛ فإنَّ سعيدًا رَوَى في «سُنَنِه» 2، عن إبراهيمَ، قال: قُتِلَ رجل في زِحامِ النَّاسِ بعَرَفَةَ، فجاءَ أهلُه إلى عمرَ، فقال: بَيِّنَتُكم على مَن قتلَه.
فقالَ علىٌّ: يا أميرَ المؤمنين، لا يُطَلُّ 3 دَمُ امْرئٍ مسلمٍ، إن عَلِمْتَ قاتلَه، وإلَّا فأعْطِ 4 دِيَتَه مِن بيتِ المالِ.
وقال أحمدُ في مَن وُجِدَ مَقْتُولًا في المسجدِ الحرامِ: يُنْظَرُ مَن كان

..................................  بيْنَه وبينَه شئٌ في حياتِه -يَعْنِى عداوةً.
فلم يَجْعَلِ الحضورَ لَوْثًا، وإنَّما جعلَ اللَّوْثَ العداوةَ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ، في مَن مات في الزِّحامِ: دِيَتُه على مَن حضَرَ؛ لأَنَّ قتلَه حَصلَ منهم.
وقال مالكٌ: دَمُه هَدْرٌ؛ لأنَّه 1 لا يُعْلَمُ له قاتلٌ، ولا وُجِد لَوْثٌ، فيُحْكَمَ بالقَسامَةِ فيه.
وقد رُوِى عن عمرَ بنِ عبدِ العزيز، أنَّه كُتِب إليه في رجلٍ وُجِدَ قَتِيلًا، لم يُعْرَفْ قاتِلُه، فكَتَب إليهم: إنَّ مِن القَضايَا قضَايَا لا [يُحْكَمُ فيها] 2 إلَّا في الدَّارِ الآخِرَةِ، وهذا منها.
الرابعُ، أن يُوجَدَ قَتِيل لا يُوجَدُ بقُرْبِه إلَّا رجلٌ معه سَيْفٌ أو سِكِّينٌ مُلَطَّخٌ بدَمٍ، ولا يُوجَدُ غيرُه ممَّن يَغْلِبُ على الظَّنِّ قتلُه، مثلَ أن يَرَى رجلًا هاربًا يَحْتَمِلُ أنَّه القاتلُ، أو سَبُعًا يَحْتَمِلُ ذلك فيه.
الخامسُ، أن تَقْتَتِلَ فِئَتانِ، فيَفْتَرِقُونَ عن قَتِيلٍ مِن إحْداهما، فاللَّوْث على الأُخْرَى.
ذكَرَه القاضى.
فإن كانوا بحيثُ لا تَصِلُ سِهامُ بعْضِهم بعضًا، فاللَّوْثُ على طائِفَةِ القَتِيلِ.
وهذا قولُ الشَّافعىِّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّ عَقْلَ القَتيلِ على الذين نازَعُوهم، فيما إذا اقْتَتَلتِ الفِئَتانِ، إلَّا أن يَدَّعُوا

..................................  على واحدٍ بعَيْنِه.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال ابنُ أبى لَيْلَى: عَقْلُه على الفَريقَيْن جميعًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه مات مِن فِعْلِ أصْحابِه، فاسْتَوى الجميعُ فيه.
وعن أحمدَ في قوم اقْتَتَلوا، فقُتِلَ بعْضُهم وجُرِحَ بعضُهم: فدِيَةُ المَقْتُولِين على المَجْرُوحِين، يَسْقُطُ منها دِيَةُ الجِراحِ.
وإن كان فيهم مَن لا جُرْحَ فيه، فهل عليه مِن الدِّياتِ شئٌ؟ على وَجْهَين، ذكَرَهما ابنُ حامدٍ.
السادسُ، أن يَشْهَدَ بالقَتْلِ عَبِيدٌ ونِساءٌ، ففيه عن أحمدَ روايَتانِ؛ إحْداهُما، أنَّه لَوْثٌ؛ لأنَّه يَغْلِبُ على الظَّنِّ صِدْقُ المُدَّعِى، فأَشْبَهَ العَداوَةَ.
والثانيةُ، ليس بلَوْثٍ؛ لأنَّها شهادةٌ مَرْدُودةٌ، فلم تكُنْ لَوْثًا، كما لو شَهِدَ به كُفَّارٌ.
وإن شَهِد به فُسَّاقٌ أو صِبْيانٌ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس بلَوْثٍ؛ لأنَّه لا يتَعَلَّقُ بشَهادَتِهم حكم، فلا يَثْبُتُ اللَّوْثُ بها، كشَهادَةِ الأطْفالِ والمَجانِينِ.
والثانى، يثْبُتُ بها اللَّوْثُ؛ لأنَّها شهادة تُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، فأَشْبَهَ شهادةَ النِّساءِ والعَبِيدِ، وقولُ الصبْيانِ مُعْتَبَرٌ في الإِذْنِ 1 في دُخولِ الدَّارِ، وقَبولِ الهدِيَّةِ، ونحوِها.
وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ.
ويُعْتَبَرُ أن يَجِئَ الصِّبْيانُ مُتَفَرِّقينَ؛ لئلَّا يتطَرَّقَ إليهم التَّوَاطُؤُ على الكذبِ.
فهذه الوُجُوهُ قد ذُكِرَ عن أحمدَ أنَّها لَوْثٌ؛ لأنَّها تُغَلِّبُ على الظَنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، أشْبَهَتِ العَداوَةَ.
ورُوِىَ أنَّ هذا ليس

..................................  بلَوْثٍ، وهو ظاهرُ كلامِه في الذى قُتِلِ في الزِّحامِ؛ لأَنَّ اللَّوْثَ إنَّما يثْبُتُ بالعَداوَةِ بقَضِيَّةِ الأنْصارِىِّ القَتيلِ بخيْبَرَ، ولا يجوزُ القِياسُ عليها؛ لأَنَّ الحُكْمَ ثَبَت بالمَظِنَّةِ، ولا يجوزُ القِياسُ في 1 المَظَانِّ؛ لأَنَّ الحُكمَ إنَّما يتَعَدَّى بتعَدِّى 2 سَبَبِه، والقِياسُ [في المَظَانِّ] 3 جمعٌ بمُجَرَّدِ الحِكْمَةِ وغَلَبَةِ الظنُونِ، [والحِكَمُ والظُّنونُ] 4 تَختَلِفُ ولا تَأْتَلِفُ، وتَنْخَبِطُ ولا تَنْضَبِطُ، وتخْتَلِفُ باخْتلافِ القرائنِ والأحْوالِ والأشْخاصِ، فلا يُمْكِنُ رَبْطُ الحُكْمِ بها، ولا تَعْدِيَتُه بتَعَدِّيها، ولأنَّه يُعْتَبَرُ في التَّعْدِيَةِ والقِياسِ التَّساوِى بينَ الأَصْلِ والفَرْعِ في 5 المُقْتَضِى، ولا سبيلَ إلى يَقِينِ التَّساوِى بينَ الظَّنَّيْنِ مع كثرةِ الاحْتِمالاتِ وترَدُّدِها.
فعلى هذه الرِّوايةِ، حكمُ هذه الصُّوَرِ حكمُ غيرِها ممَّا لا لَوْثَ فيه.
فصل: وإن شَهِدَ رَجُلانِ على رجلٍ أنَّه قَتَل أحدَ هذيْن القتِيلَيْن، لم تثْبُتْ هذه الشَّهادةُ، ولم يكُنْ لَوْثًا عندَ أحدٍ عَلِمْنَا قوْلَه.
وإن شَهِدَا أنَّ

..................................  هذا القَتيلَ قَتَلَه أحدُ هذيْن الرَّجُلَيْن، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّ هذا قتلَه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتَلَه بسَيْفٍ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتَلَه بسِكِّينٍ، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، ولم يكُنْ لَوْثًا.
هذا قولُ القاضى واختِيارُه.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، فيما إذا شَهِدَ أحدُهما بقَتْلِه، والآخَرُ بالإِقْرارِ بقَتْلِه، أنَّه يثْبُتُ القتلُ.
واختارَ أبو بكرٍ ثُبوتَ القتلِ ههُنا، وفيما إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتلَه بسيفٍ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتلَه بسِكِّين؛ لأنَّهما اتَّفَقا على القَتْلِ، واخْتلفَا في صِفَتِه.
وقال الشافعىُّ: هو لَوْثٌ في هذه الصُّورَةِ، في أحَدِ القَوْلَيْن، وفى الصُّورَتَيْن اللَّتَيْن قبلَها هو لَوْثٌ، لأنَّها شَهادةٌ تُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، أشْبَهَتْ شَهادةَ النِّساءِ والعَبيدِ.
ولَنا، أنَّها شهادةٌ مَرْدُودةٌ؛ للاخْتلافِ فيها، فلم تَكُنْ لَوْثًا، كالصُّورةِ الأُولى.
فصل: وليس مِن شَرْطِ اللَّوْثِ أن يكونَ بالقَتِيلِ أثَرٌ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ أنَّه شَرْطٌ.
وهذا قولُ حمادٍ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، لأنَّه إذا لم يكُنْ به أثَرٌ، احْتَمَلَ أنَّه ماتَ حَتْفَ أنْفِه.
[ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يسْألِ الأنْصارَ، هل كان بقَتيِلِهم أثَر أو لا؟ ولأَنَّ القَتْلَ يحْصُلُ بما لا أثرَ له، كغَمِّ الوَجْهِ، والخَنْقِ، وعَصْرِ الخُصْيَتَيْن، وضرْبةِ الفُؤادِ، فأشْبَهَ مَن به أثَرٌ، ومَن به أثَرٌ قد يموتُ حَتْفَ أنْفِه] 1؛ لسَقْطَتِه، أو صَرْعَتِه، أو يقتُلُ نفْسَه.
فعلى قولِ مَن اعْتَبَرَ الأثَرَ، إن خَرَج الدَّمُ مِن

فَأمَّا قَوْلُ الْقَتِيلِ: فُلَانٌ قَتَلَنِى.
فَلَيْسَ بِلَوْثٍ.
أُذُنِه، فهو لَوْثٌ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا لِخَنْقٍ، أو أمرٍ أُصِيبَ به، وإن خَرج مِن أنْفِه، فهل يكونُ لَوْثًا؟ على وَجْهَيْن.

4362 -

مسألة: (فأمَّا قولُ القَتِيلِ: فُلانٌ قَتَلَنِى. فليس بِلَوْثٍ)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الثَّورىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ: هو لَوْثٌ؛ لأَنَّ قَتِيلَ بنى إسْراْئيلَ قال: قتَلَنِى فُلانٌ 1. فكان حُجَّةً.
ويُرْوَى هذا القولُ عن عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ» 2. ولأنَّه يَدَّعِى حَقًّا لنَفْسِه، فلم يُقْبَلْ قولُه، كما لو لم يَمُتْ، ولأنَّه خَصْمٌ، فلم تَكُنْ دَعْواه لَوْثًا، كالوَلِىِّ، فأمَّا قَتِيلُ بَنِى إسْرائيلَ فلا حُجَّةَ فيه، فإنَّه لا قَسامةَ فيه، فإنَّ ذلك كان مِن آياتِ اللَّهِ ومُعْجِزاتِ نَبِيِّه مُوسى، عليه السَّلامُ، حيثُ أحْياه اللَّهُ تعالى بعدَ مَوْتِه، وأنْطَقَه بقُدْرَتِه بما اخْتَلَفُوا فيه، ولم يَكُنِ اللَّهُ تعالى لِيُنْطِقَه

وَمَتَى ادَّعَى الْقَتْلَ مَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا، فَقَالَ الْخِرَقِىُّ: لَا يُحْكَمُ لَهُ بيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ أنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً.
وَهِىَ الْأَولَى.
وَإِنْ كَانَ خَطَأً، حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً.
بالكَذِبِ 1، بخِلافِ الحَىِّ، ولا سَبِيلَ إلى مثلِ هذا اليومَ، ثم ذاك في تَبْرِئةِ المُتَّهَمِينَ، فلا يجوزُ تَعْدِيَتُه إلى تُهْمَةِ البَرِيئِين.

4363 -

مسألة: (ومتى ادَّعَى القَتْلَ مع عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا، فقال الخِرَقِىُّ: لَا يُحْكَمُ له بيَمِينٍ ولا غَيْرِها.
وعن أحمدَ، أنَّه يَحْلِفُ يَمِينًا واحِدَةً.
وهى الأَوْلَى.
وإن كان خَطأً حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً)

إذا ادَّعَى القتلَ مع عَدَمِ اللَّوْثِ، لم يَخْلُ مِن حالَيْن، أحَدُهما، إذا وُجِدَ قَتيلٌ في مَوْضِعٍ، فادَّعَى أوْلِياؤُه قَتْلَه على رجلٍ، أو جماعةٍ، ولم يكُنْ بيْنَهم عَداوَةٌ ولا لَوْثٌ، فهى كسائرِ الدَّعاوَى، إن كانت لهم بَيِّنَة، حُكِمَ لهم بها، وإلَّا فالقولُ قولُ المُنْكِرِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، [وابنُ المُنْذِرِ] 2. وقال أبو حنيفةَ وأصْحابُه: إذا ادَّعَى أوْلِياؤُه قَتْلَه [على أَهْلِ المَحَلَّةِ، أو على مُعَيَّنٍ، فلِلْوَلِىِّ أن يخْتارَ مِن الموْضِمعِ خَمْسينَ رَجلًا، يحْلِفونُ خمسينَ يَمِينًا: واللَّهِ ما قَتَلْناه] (2)، ولا عَلِمْنا قاتِلَه.
فإذا نَقَصُوا

..................................  عن الخَمْسينَ، كُرِّرَتِ الأيْمانُ عليهم حتى تَتِمَّ، فإذا حَلَفُوا، وجَبَتِ الدِّيَةُ على باقى الخِطَّةِ، فإن لم يَكُنْ، وجَبتْ على سُكَّانِ الموْضِعِ، فإن لم يَحْلِفُوا، حُبِسُوا حتى يَحْلِفُوا أو يُقِرُّوا؛ لِمَا رُوِى أنَّ رَجُلًا وُجِدَ قَتِيلًا بينَ حَيَّيْنِ، فحلَّفَهم عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، خمسينَ يَمِينًا، وقَضَى بالدِّيَةِ على أقْرَبِهما -يعْنى أقْربَ 1 الحَيِّيْن- فقالوا: واللَّهِ ما وَقَتْ أيْمانُنا أمْوالَنا، ولا أمْوالُنا أيْمانَنا.
فقال عمرُ: حَقَنْتُم بأمْوالِكم دِماءَكم 2. ولَنا، حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى 3 النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْم وأمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
رواه مُسْلِمٍ.
وقولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 4. ولأَنَّ المُدَّعَى عليه الأصْلُ براءَةُ ذِمَّتِه، ولم يَظْهَرْ كَذِبُه، فكان القولُ قولَه، كسائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّه مُدَّعًى عليه، فلم تَلْزَمْه اليَمِينُ والغُرْمُ، كسائرِ الدَّعاوَى، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى مِن قَوْلِ عمرَ،

..................................  وأحَقُّ بالاتِّباعِ، ثم قَضِيَّةُ عمرَ يَحْتَمِلُ أنَّهم اعْترفُوا بالقَتْلِ خَطَأً، وأنْكَروا [العَمْدَ، فاحْلِفُوا] 1 على العَمْدِ، ثم إنَّهم لا يَعْمَلون 2 بخَبَرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- المُخالِفِ للأُصُولِ، وقد صارُوا ههُنا إلى ظاهرِ قولِ عمرَ المُخالِفِ للأُصولِ، وهو إيجابُ الأيمانِ على غيرِ المُدَّعَى عليه، وإلْزَامُهم الغُرْمَ مع عَدَمِ الدَّعْوَى عليهم، والجمعُ بينَ تَحْلِيفِهم وتَغْريمِهم وحَبْسِهم على الأيمانِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 3: سَنَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَيِّنَةَ على المُدَّعِى، واليَمِينَ على المُدَّعَى عليه، وسَنَّ القَسامةَ في القَتيلِ الذى وُجِدَ بخَيْبَرَ، وقولُ أصْحابِ الرَّأْى خارِجٌ عن هذه السُّنَنِ.
فصل: ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى على غيرِ مُعَيَّنٍ، فلو كانتِ الدَّعْوَى على أهلِ مدينةٍ أو مَحَلَّةٍ، أو واحدٍ غيرِ مُعَيَّن، أو جماعةٍ منهم بغيرِ أعْيانِهم، لم تُسمَعْ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: تُسْمَعُ، ويُسْتَحْلَف خمْسونَ منهم؛ لأَنَّ الأنْصارَ ادَّعَوُا القَتْلَ على يَهودِ خَيْبَرَ، ولم يُعَيِّنُوا القاتِلَ، فسَمِعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَعْواهم.
ولَنا، أنَّها

..................................  دَعْوَى في حَقٍّ، فلم تُسْمَعْ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كسائرِ الدَّعاوَى.
فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ دَعْوَى الأنْصارِ التى سَمِعَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم تَكُنِ الدَّعْوَى التى بينَ الخَصْمَيْن المُخْتَلَفِ فيها، فإنَّ تلك مِن شَرْطِها حُضورُ المُدَّعَى عليه عندَهم، أو تَعَذُّرُ حُضُورِه عندَنا، وقد بَيَّنَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ الدَّعْوَى لا تَصِحُّ إلَّا على واحدٍ بقولِه: «تُقْسِمُونَ على رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ».
وفى هذا بَيانٌ أنَّ الدَّعْوَى لا تَصِحُّ على غيرِ مُعَيَّنٍ.
فصل: فأمَّا إنِ ادَّعَى القَتْلَ مِن غيرِ وُجُودِ قَتيلٍ 1 ولا عَداوةٍ، فهى كسائرِ الدَّعاوَى، في اشْتِراطِ تَعْيِينِ المُدَّعَى عليه، وأنَّ القولَ قولُه.
لا نعلمُ فيه خِلافًا.
الحالُ الثانى، أنَّه إذا ادَّعَى القَتْلَ، ولم تَكُنْ عَداوَةٌ ولا لَوْثٌ، فإنَّه لا يُحْكَمُ على المُدَّعَى عليه بيَمِينٍ ولا بشئٍ، في إحْدى الرِّوايتَيْن، ويُخَلَّى سَبِيلُه.
هذا الذى ذكَره الخِرَقِىُّ.
وسواءٌ كانتِ الدَّعْوَى خَطَأً أو عَمْدًا؛ لأنَّها دَعْوَى فيما لا يجوزُ بَذْلُه، فلم يُسْتَحْلَفْ فيها، كالحُدُودِ، ولأنَّه لا يُقْضَى في هذه الدَّعْوَى بالنُّكُولِ، فلم يُحَلَّفْ فيها، كالحُدُودِ.
والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ.
وبه قال الشافعىُّ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لعُموم قولِه عليه السَّلامُ: «اليَمِينُ على المُدَّعَى عَلَيْهِ».
وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى

..................................  النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ، ولَكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه».
رواه مُسْلِمٌ.
ظاهِرٌ في إيجاب اليَمِينِ ههُنا لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، عُمومُ اللَّفْظِ فيه.
والثانى، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكَرَه في صَدْرِ الخَبَرِ بقولِه: «لادَّعَى قَوْمٌ دِماءَ رِجالٍ وأمْوالَهُمْ».
ثم عقَّبَه بقولِه: «ولَكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه».
فيعودُ إلى المُدَّعَى عليه المذكُورِ في الحديثِ، ولا يجوزُ إخْراجُه منه إلَّا بدليلٍ أقْوَى منه، ولأنَّها دَعْوَى في حَقِّ آدَمِىٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيها 1، كدَعْوَى المالِ، ولأنَّها دَعْوَى لو أقَرَّ بها لم يُقْبَلْ رُجُوعُه عنها، فيَجِبُ اليَمِينُ فيها، كالأصْلِ المذْكُورِ.
إذا ثَبَت هذا، فالمَشروعُ يَمِينٌ واحدةٌ.
وعن أحمدَ، أنَّه يُشْرَعُ خَمْسونَ يَمِينًا؛ لأنَّها دَعْوَى في القَتْلِ، فيُشْرَعُ فيها خَمْسونَ يَمِينًا، كما لو كان بينَهم لَوْثٌ.
وللشافعىِّ فيها كالرِّوايتَيْن.
ولَنا، أنَّ قولَه عليه الصلاةُ والسلامُ: «ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
ظاهرٌ في أنَّها يَمِينٌ واحدةٌ لوَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه وَحَّدَ اليَمِينَ، فيَنْصَرِفُ إلى واحدةٍ.
الثانى، أنَّه لم يُفَرِّقْ في اليَمِينِ المَشْرُوعةِ في الدَّمِ والمالِ، ولأنَّها يَمِينٌ يَعْضُدُها الظاهرُ والأصلُ، فنم تُغَلَّظْ، كسائرِ الأيْمانِ، ولأنَّها يَمِينٌ مَشْروعةٌ في جَنَبَةِ المُنْكِرِ ابْتِداءً، فلم تُغَلَّظْ بالتَّكْريرِ 2، كسائرِ الأيْمانِ، وبهذا فارَقَ ما ذكَرُوه.

..................................  فصل: فإن نَكَلَ المُدَّعَى عليه عن اليَمِينِ، لم يجبِ القِصاصُ، بغيرِ خِلافٍ في المذْهبِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن نَكَلَ المُدَّعَى عليه، رُدَّتِ اليَمِينُ على المُدَّعِى فحلَفَ خَمْسينَ يَمِينًا، واسْتَحَقَّ القِصاصَ أو الدِّيَةَ إن كانتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مُوجِبًا للقَتْلِ؛ لأَنَّ يمِينَ المُدَّعِى مع نُكُولِ المُدَّعَى عليه كالبَيِّنَةِ أو 1 الإِقْرارِ، والقِصاصُ يجبُ بكُلِّ واحدٍ منهما.
ولَنا، أنَّ القَتْلَ لم يثْبُتْ ببَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ، ولم يَعْضُدْه 2 لَوْثٌ، فلم يَجِب القِصاصُ، كما لو لم يَنْكُلْ، ولا يَصِحُّ إلْحاقُ الأيْمانِ مع النُّكُولِ ببَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ؛ لأنَّها أضْعَفُ منها، بدَليلِ أنَّها لا تُشْرَعُ إلَّا عندَ عَدَمِهما، فتكونُ بَدَلًا عنهما، والبَدَلُ أضْعَفُ مِن المُبْدَلِ، ولا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الحُكْمِ بالأقْوَى ثُبُوتُه بالأضْعَفِ، ولا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ الدِّيَةِ، وُجوبُ القِصاصِ؛ لأنَّه لا يثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ مع الرِّجالِ، ولا بالشَّاهِدِ مع 3

الثَّالِثُ، اتِّفَاقُ الأَوْلِيَاءِ فِى الدَّعْوَى.
فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ، لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ.
اليَمِينِ، ويُحْتاطُ له، ويُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والدِّيَةُ بخِلافِه.
فأمَّا الدِّيَةُ فتَثْبُتُ بالنُّكُولِ عندَ مَن يُثْبِتُ المالَ به، أو تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِى، فيَحْلِفُ يَمِينًا واحدةً، ويَسْتَحِقُّها، كما لو كانتِ الدَّعْوَى في مالٍ.
وسواءٌ كانتِ الدَّعْوَى عَمْدًا أو خَطأً، فإنَّ العَمْدَ متى تَعَذَّرَ إيجابُ القِصاصِ فيه، وجَبَ به المالُ، وتكونُ الدَّعْوَى ههُنا كسائرِ الدَّعاوَى.
واللَّهُ أعلمُ.
(الثالثُ، اتِّفاقُ الأوْلياءِ في الدَّعْوَى، فإنِ ادَّعَى بعْضُهم وأنْكَرَ بعضٌ، لم تَثْبُتِ القَسامَةُ) مِن شَرْطِ ثُبوتِ القَسامةِ اتِّفاقُ الأوْلياءِ على الدَّعْوَى، فإن كَذَّبَ بعضُهم بعضًا، فقال أحدُهم: قتَلَه هذا.
وقال الآخَرُ: لم يقْتُلْه هذا.
أو قال: بلْ قَتَلَه هذا الآخَرُ.
لم تثْبُتِ القَسامةُ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وسواءٌ كان المُكَذِّبُ عَدْلًا أو فاسقًا.
وعن الشافعىِّ، أنَّ القَسامةَ لا تبْطُلُ بتكْذيبِ الفاسِقِ؛ لأَنَّ قولَه غيرُ مَقْبولٍ.
ولَنا، أنَّه مُقِرٌّ على نفْسِه بتَبْرِئَةِ مَن ادَّعَى عليه أخُوه، فقُيِلَ، كما لو ادَّعَيا دَيْنًا لهما، وإنَّما لا يُقْبَلُ قولُه على غيرِه، وأمَّا على نفْسِه، فهو كالعَدْلِ؛ لأنَّه لا يُتَّهمُ في حَقِّها.
فأمَّا إن لم يُكذِّبْه، ولم يُوافِقْه في الدَّعْوَى، مثلَ أن قال أحدُهما: قتَلَه هذا.
وقال الآخَرُ: لا نعلمُ قاتِلَه.
فظاهِرُ قولِه ههُنا، أنَّ القَسامةَ

..................................  لا تثْبُتُ.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لاشْتِراطِ 1 ادِّعاءِ الأوْلياءِ على واحدٍ.
وهذا قولُ مالكٍ.
وكذلك إن كان أحدُ الوَلِيَّيْن غائبًا، فادَّعَى الحاضرُ دُونَ الغائبِ، أو ادَّعَيا جميعًا على واحدٍ، ونَكَلَ أحدُهما عن الأيْمانِ، لم يثْبُتِ القتلُ، في قياسِ قولِ الخِرَقِىِّ.
ومُقْتَضَى قولِ أبى بكرٍ والقاضى ثُبوتُ القَسامةِ.
وكذلك مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ أحدَهما لم يُكذِّبِ الآخَرَ، فلم تبْطُلِ القَسامةُ، كما لو كان أحدُ الوارثَيْن امرأةً أو صَغِيرًا.
فعلى قَوْلِهم، يَحْلِفُ المُدَّعِى خَمْسِينَ يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الأيْمانَ ههُنا بمنزلةِ البَيِّنَةِ، ولا يثْبُتُ شئٌ مِن الحَقِّ إلَّا بعدَ كمالِ البَيِّنَةَ، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أحدُهما دَيْنًا لأبِيهما، فإنَّه لا يسْتَحِقُّ نَصِيبَه 2 مِن الدَّيْنِ إلَّا أن يُقِيمَ بَينّةً كاملةً.
ولَنا، أنَّهما لم يَتَّفِقا في الدَّعْوَى، فلم تثْبُتِ القَسامةُ، كما لو كَذَّبَه، ولأَنَّ الحَقَّ في مَحَلِّ الوِفاقِ إنَّما ثَبَتَ بأيْمانِهما التى أُقِيمَتْ مُقامَ البَيِّنَةَ، ولا يجوزُ أن يَقومَ أحدُهما مَقامَ الآخَرِ في الأيْمانِ، كما في سائرِ الدَّعاوَى.
فعلى هذا، إن قَدِمَ الغائبُ، فوافَقَ أخاه، أو عادَ مَن لم يَعْلَمْ، فقال: قد عَرَفتُه، هو الذى عَيِّنَه أخِى.
أقْسَما حينئذٍ.
وإن قال أحدُهما: قَتَلَه هذا.
وقال الآخَرُ: قَتَلَه هذا وفلانٌ.
فعلَى قَوْلِ الخِرَقِىِّ، لا تثْبُتُ القَسامةُ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا [على واحدٍ] 3. وعلى قولِ غيرِه، يحْلِفان على مَنِ اتَّفَقا عليه، ويَسْتحِقَّان

..................................  نِصْفَ الدِّيَةِ، ولا يجبُ القَوَدُ؛ لأنَّه إنَّما يجبُ 1 في الدَّعوَى على واحدٍ، ويَحْلِفان جميعًا على هذا الذى 2 اتَّفَقا عليه على حَسَبِ دَعْواهما، ويَسْتَحِقَّان نِصْفَ الدِّيَةِ، ولا يجبُ أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ أحدَهما يُكَذِّبُ الآخَرَ في النِّصْفِ الآخَرِ، فبَقِىَ اللَّوْثُ في حَقِّه في نِصْفِ الدَّمِ 3 الذى اتَّفَقا عليه، ولم يثْبُتْ في النِّصْفِ الذى كَذَّبه أخُوه فيه، ولا يَحْلِفُ الآخَرُ على الآخَرِ؛ لأَنَّ أخاه كَذَّبَه في دعواه عليه.
كان قال أحدُهما: قَتَلَ أبى زيدٌ وآخرُ لا أعْرِفُه.
وقال الآخَرُ: قتَلَه عمرٌو وآخَرُ لا أعْرِفُه.
لم تثْبُتِ القَسامةُ، في ظاهرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا على واحدٍ، ولأنَّهما ما اتَّفَقا في الدَّعْوَى على أحدٍ، ولا يُمكِنُ أن يحْلِفا على مَن لم يَتَّفِقا على الدَّعوَى عليه، والحقُّ إنَّما يثْبُتُ في مَحَلِّ الوِفاقِ بأيْمانِ الجميعِ، فكيف يثْبُتُ في الفَزعِ بأيْمانِ البعضِ! وقال أبو بكرٍ والقاضى: تثْبُتُ القَسامةُ.
وهذا مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه ليس ههُنا تكْذِيبٌ، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ الذى جَهِلَه كلُّ واحدٍ منهما، هو الذى عَرَفَه أخُوه، فيَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على الذى عَيَّنَه خمسينَ يَمِينًا، ويسْتَحِقُّ رُبْعَ الدِّيَةِ، وإن عادَ كُلُّ واحدٍ منهما، فقال: قد عَرَفْتُ الذى جَهِلْتُه، وهو الذى عَيَّنَه أخِى.
حَلَفَ أيضًا على الذى حَلَفَ عليه أخُوه، وأخَذَ منه رُبْعَ الدِّيَةِ،

..................................  ويحلِفُ خَمسًا وعشْرين يَمِينًا؛ لأنَّها يَبْنِى على أيْمانِ أخيه، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن خمسٍ وعِشْرين يَمِينًا 1، كما لو عَرَفه ابْتِداءً.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، يحلِفُ خَمْسينَ يمينًا 2؛ لأَنَّ أخاه حَلَف خَمْسين يَمِينًا.
وللشافعىِّ [في هذا] 3 قَوْلان كالوَجهيْن.
ويجِئُ في المسألةِ وَجْهٌ آخَرُ، [وهو] 4 أنَّ الأوَّل لا يَحْلِفُ أكثرَ مِن خمسٍ وعشرين يَمِينًا؛ لأنَّه إنَّما يَخلِفُ على ما يسْتَحِقُّه، والذى يسْتَحِقُّه النِّصْفُ، فيكونُ عليه نِصْفُ الأيْمانِ، كما لو حَلَف أخُوه معه.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: الذى كنتُ جَهِلْتُه غيرُ الذى عَيَّنَه أخِى.
بَطَلَتِ القَسامةُ التى أقْسَماها؛ لأَنَّ التَّكْذيبَ يَقْدَحُ في اللَّوْثِ، فيَرُدُّ كلُّ واحدٍ منهما ما أخَذَ مِن الدِّيَةِ.
وإن كَذَّبَ أحدُهما أخاه، ولم يُكذِّبْه الآخَرُ، بطَلَتْ قَسامةُ المُكَذِّبِ دونَ الذى لم يُكَذِّبْ.
فصل: إذا قال الوَلِىُّ 5 بعدَ القَسامةِ: غَلِطْتُ، ما هذا الذى قَتَلَه.
أو: ظَلَمتُه بدَغواىَ القَتْلَ عليه.
أو قال: كان هذا المُدَّعَى عليه في بَلَدٍ آخَرَ يومَ قَتْلِ وَلِيِّى.
وكان بيْنَهما بُعْدٌ [لا يُمكِنُ] 6 أن يَقْتُلَه إذا كان فيه، بطَلَتِ القَسامةُ، ولَزِمَه رَدُّ ما أخَذَه؛ لأنَّه مُقِرٌّ على نَفْسِه، فقُبِلَ إقْرارُه.

..................................  وإن قال: ما أخَذْتُه حَرامٌ.
سُئِلَ عن ذلك؛ فإن قال: أرَدتُ أنَّنِى كَذَبْتُ في دَعْواىَ عليه.
بطَلَتْ قَسامَتُه أيضًا.
فإن قال: أرَدْتُ أنَّ الأيْمانَ تكونُ في جَنَبةِ المُدَّعَى عليه، كمذهبِ أبى حنيفةَ.
لم تَبْطُلِ القَسامةُ؛ لأنَّها ثَبَتَتْ باجْتِهادِ الحَاكمِ، فيُقَدَّمُ على اجْتِهادِه.
وإن قال: هذا مَغْصُوبٌ.
وأقَرَّ بمَن غصَبَه منه، لَزِمَه رَدُّه عليه 1، ولا يُقْبَلُ قولُه على مَن أخَذَه منه؛ لأَنَّ الإنسانَ لا يُقْبَلُ إقْرارُه على غيرِه.
وإِن لم يُقِرَّ به لأحَدٍ، لم تُرفع يدُه عنه، لأَنَّه لم يتَعَيَّنْ مُسْتَحِقُّه.
وإنِ اخْتلَفا في مُرادِه بقَوْلِه 2، فالقول قولُه؛ لأنَّه أعْرَفُ بقَصْدِه.
فصل: وإن أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنةً أنَّه كان يومَ القتلِ في بلدٍ بعيدٍ مِن بلدِ المقْتُولِ، لا يمكِنُ مَجيئُه منه إليه في يومٍ واحدٍ، بَطَلَتِ الدَّعْوَى.
وإن قالتِ البَيِّنَةُ: نَشْهدُ أنَّ فلانًا لم يقْتُلْه.
لم تُسْمَع هذه الشهادةُ؛ لأنَّه نَفْىٌ مجرَّدٌ.
فإن قال: ما قتَلَه فلان، بل قتلَه فلانٌ.
سُمِعَت؛ لأنَّها شَهِدَتْ بإثْباتٍ تَضَمَّنَ 3 النَّفْىَ، فسُمِعَت، كما لو قالت: ما قتَلَه فلانٌ؛ لأنَّه كان يومَ القتلِ في بلدٍ بعيدٍ.
فصل: فإن جاءَ إنْسانٌ، فقال: ما قَتلَه هذا (2) المُدَّعَى عليه، بل أنا قَتَلْتُه.
فكَذَّبَه الوَلِىُّ، لم تَبْطُلْ دَعواه، وله القَسامةُ، ولا يَلْزَمُه رَدُّ الدِّيَةِ

..................................  وإن كان أخَذَها؛ لأنَّه قولُ واحدٍ، ولا يَلْزَمُ المُقِرَّ شئٌ؛ لأنَّه أقَرَّ لمَن يُكَذِّبُه.
وإن صَدَّقَه الوَلِىُّ، أو طالبَه بمُوجَبِ القَتْلِ، لَزِمَه رَدُّ ما أخَذ، وبَطَلَتْ دَعواه على الأَوَّلِ؛ لأَنَّ ذلك جَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ ببُطْلانِ الدَّعْوَى.
وهل له مُطالَبَةُ المُقِرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له مُطالبَتُه؛ لأنَّه أقَرَّ له بحَقٍّ، فملَكَ مُطالَبَتَه به، كسائرِ الحُقوقِ.
والثانى، ليس له مُطالَبَتُه؛ لأَنَّ دعواه على الأَوَّلِ انْفِرادَه بالقَتْلِ إبْراءٌ لغيرِه، فلا يَملِكُ مُطالبَةُ مَن أبْرَأه.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَسْقُطُ القَوَدُ عنهما، وله مُطالبةُ الثانى بالدِّيَةِ، فإنَّه قال في رَجُلٍ شَهِدَ عليه شاهِدان بالقَتْلِ، فأُخِذَ ليُقادَ منه، فقامَ 1 رَجُلٌ، فقال 2: ما قَتَلَه هذا، بل 3 أنا قَتَلْتُه: فالقَوَدُ يَسْقُطُ عنهما، والدِّيَةُ على الثانى.
ووَجْهُ ذلك، ما رُوِى أنَّ رَجُلًا ذبَحَ رَجُلًا في خَرِبَةٍ، وتَرَكَه وهرَب، وكان قَصَّابٌ [قد ذَبَحَ] 4 شاةً، وأرادَ ذَبْحَ أُخْرَى، فهرَبَتْ منه إلى الخَرِبَةِ، فتَبِعَها حتى وقفىَ على القَتِيلِ، والسِّكِّينُ بيَدِه عليها الدَّمُ، فأُخِذَ على تلك الحالِ، وجئَ به إلى عمرَ، فأمَرَ بقَتْلِه، فقال القاتلُ في نفْسِه: يا وَيْلَه، قتلْتُ نفْسا، ويُقْتَلُ بسَبَبِى آخَرُ.
فقام، فقال: أنا قتَلْتُه، لم يقْتُلْه هذا.
فقال عمرُ: إن كان قد قتل نفْسًا فقد أَحيا نفْسًا.
ودَرَأ عنه القِصاصَ.
ولأَنَّ الدّعوَى على الأَوَّلِ شُبْهةٌ

الرَّابِعُ، أن يَكُونَ فِى الْمُدَّعِينَ رِجَالٌ عُقَلَاءُ.
وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فِى الْقَسَامَةِ، عَمدًا كَانَ الْقَتْلُ أو خَطَأً.
في دَرْءِ القِصاصِ عن الثانى، وتجبُ الدِّيَةُ عليه؛ لإِقْرارِه بالقَتْلِ المُوجِبِ لها.
وهذا القولُ أصَحُّ وأعْدلُ، مع شَهادةِ الأثَرِ بصِحَّتِه.
(الرابعُ، ان يكونَ في المُدَّعِين رِجال عُقَلاءُ، ولا مَدخَلَ للنِّساءِ والصِّبْيان والمَجانينِ في القَسامةِ، عَمدًا كان القتلُ أو خَطأً) أمَّا الصِّبْيانُ فلا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ أنَّهم لا يُقْسِمُون، سواءٌ كانوا مِن الأوْلياءِ أو مُدَّعًى عليهم؛ لأَنَّ الأيْمانَ حُجَّةٌ على الحالف، والصَّبِىُّ لا يثْبُت بقولِه حُجَّةٌ، ولو أقَرَّ على نفْسِه، لم يُقْبَلْ، فلأَن لا يُقْبَلَ قولُه في حَقِّ غيرِه أوْلَى.
والمَجْنُونُ في مَعْناه؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلا حُكْمَ لقوْلِه.
وأمَّا النِّساءُ فإذا كُنَّ مِن أَهْلِ القَتِيلِ لم يُسْتَخلَفْنَ.
وبهذا قال ربيعةُ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ.
وقال مالكٌ: لهنَّ مَدخَلٌ في قَسامةِ الخَطأ دُونَ العَمدِ.
قال ابنُ القاسمِ: ولا يُقْسِمُ في العَمْدِ إلَّا اثْنان فصاعِدًا، كما أنَّه لا يُقْتَلُ إلَّا بشاهِدَيْن، وقال الشَّافعىُّ: يُقْسِمُ كلُّ وارِثٍ بالغٍ؛ لأنَّها يَمِينٌ في

..................................  دَعوَى، فتُشْرَعُ في حَقِّ النِّساءِ، كسائرِ الأيْمانِ.
ولَنا، قولُ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» 1. ولأنَّها حُجَّة يثْبُتُ بها قَتْلُ العَمدِ، فلا تُسْمَعُ مِن النِّساءِ، كالشَّهادةِ، ولأَنَّ الجِنايةَ المُدَّعاةَ التى تَجِبُ القَسامةُ عليها هى القتلُ، ولا مَدْخَلَ للنِّساءِ في إثْباتِه، وإنَّما يثْبُتُ المالُ ضمنًا، فجَرَى ذلك مَجْرَى رَجُل ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امرأةٍ بعدَ مَوْتِها لِيَرِثَها، فإنَّ ذلك لا يثْبُتُ بشاهدٍ ويَمِين، ولا بشهادةِ رَجُلٍ وامْرأتَيْنِ، وإن كان مَقْصودُها المالَ.
فأمَّا إن كانتِ المرأةُ مُدَّعًى عليها القتلُ، فإن قُلْنا: إنَّه يُقْسِمُ مِن العَصَبَةِ رِجالٌ.
لم تُقْسِمِ المرأةُ أيضًا؛ لأَنَّ ذلك مُخْتَصٌّ بالرِّجالِ.
وإن قُلْنا: يُقْسِمُ المُدَّعَى عليه.
فيَنْبَغِى أن تُسْتَحْلَفَ؛ لأنَّها لا 2 تُثْبِتُ بقَوْلِها حَقًّا ولا قتلًا، وإنَّما هى لتَبْرِئَتِها منه، فَتُشْرَعُ في حَقِّها اليَمِينُ، كما لو لم يكُنْ لَوْث.
فعلى هذا، إذا كان في الأوْلياءِ [نِساءٌ و] 3 رِجالٌ، أقْسَمَ الرِّجالُ، وسَقَط حُكمُ 4 النِّساءِ، وإن كان منهم صِبْيانٌ ورِجالٌ بالِغُونَ، أو كان منهم حاضِرون وغائِبون،

فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا غَائب أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَخلِفَ وَيَسْتَحِقَّ نَصيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ.
وهلْ يَحْلِفُ  فإنَّ القَسامةَ لا تَثْبُتُ حتى يَحضُرَ الغائِبُ، ويَبْلُغَ الصَّبِىُّ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يثْبُتُ إلَّا بالبَيَنةِ الكاملةِ، والبَيِّنَةُ أيمانُ الأوْلياءِ كلِّهمِ، والأيمانُ لا تَدخُلُها النِّيابَةُ، ولأَنَّ الحَقَّ إن كان قِصاصًا، فلا يُمكِنُ تبْعِيضُه، فلا فائدةَ في قَسامَةِ الحاضرِ والبالغِ، وإن كان غيرَه، فلا يثْبُتُ إلَّا بواسِطَةِ ثُبُوتِ القتلِ، وهو لا يتبَعَّضُ أيضًا.
وقال القاضى: إن كان القتلُ 1 عَمْدًا، لم يُقْسِمِ الكبيرُ حتى يَبْلُغَ الصغيرُ، ولا الحاضرُ حتى يَقْدَمَ الغائِبُ؛ لأَنَّ حَلِفَ الكبيرِ الحَاضرِ لا يُفِيدُ شيئًا في الحالِ.
وإن كان مُوجِبًا للمالِ، كالخَطَأ وشِبْهِ العَمدِ، فللحاضِرِ المُكَلَّفِ أن يَحلِفَ، ويَسْتَحِقَّ قِسْطَه مِن الدِّيَةِ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ، ومذْهبُ الشافعىِّ.
واخْتَلفوا في كم يُقْسِمُ الحاضِرُ؟ فقال ابنُ حامدٍ: يُقْسِمُ بقِسْطِه مِن الأيْمانِ، فإن كان الأوْلِياءُ اثْنَيْن، أقْسَمَ الحاضِرُ خَمسًا وعِشْرين يَمِينًا، وإن كانوا ثلاثةً، أقْسَمَ سَبْعَ عَشْرةَ يَمِينًا، وإن كانوا أربعةً، أقسَمَ ثلاثَ عَشْرةَ يَمِينًا، وكلَّما

خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ؛ عَلَى وَجْهيْنِ.
وَإِذَا قَدِمَ  قَدِمَ غائبٌ أقسمَ بقَدر ما عليه، واستَوْفَى 1 حَقَّه؛ لأنَّه لو كان الجميعُ حاضِرين، لم يَلْزَمه أكَثرُ مِن قِسْطِه، فكذلك إذا غاب بعضُهم، كما في سائرِ الحُقوقِ، ولأنَّه لا يَسْتَحِقُّ أكثرَ مِن قِسْطِه [مِن الدِّيَةِ، فلا يَلْزَمُه أكثرُ مِن قِسْطِه مِن الأيمانِ] 2. وقال أبو بكرٍ: يَخلِف الأَوَّلُ خمسين يَمِينًا.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الحُكْمَ لا يثْبُتُ إلَّا بالبَيِّنةِ الكاملةِ، والبَيِّنةُ هى الأيمانُ كلُّها، ولذلك 3 لو ادَّعَى أحَدُهما دَيْنًا لأبيهِما، لم يَسْتَحِقَّ نَصِيبَه منه إلَّا بالبَيِّنةِ المُثْبِتَةِ لجميعِه، ولأَنَّ الخمسين في القَسامَةِ كاليَمِينِ الواحدةِ في سائرِ الحُقوقِ، ولو ادَّعَى مالًا له فيه شَرِكَةٌ، له به شاهِدٌ، لحَلَفَ يَمِينًا كاملةً، [كذا هذا] 4. فإذا قَدِمَ الثانى، أقْسَمَ خمسًا وعشرين

الْغَائِبُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِىُّ، حَلَفَ خَمسًا وَعِشْرِينَ، وَلَهُ بَقِيَّتُهَا.
وَالْأوْلَى عِنْدِى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يَخلِفَ الآخَرُ.
يَمِينًا، وجهًا واحدًا عندَ أبى بكرٍ؛ لأنَّه يَبْنِى على أيْمانِ أخِيه المُتَقَدِّمةِ.
وقال الشافعىُّ: فيه قولٌ آخرُ أنَّه 1 يَخلِفُ خمسين يَمِينًا أيضًا؛ لأَنَّ أخاه إنَّما اسْتَحَقَّ بخَمسين، فكذلك هو.
وحُكِىَ نَحوُ ذلك عن أبى بكرٍ والقاضى أيضًا.
فإذا قَدِمَ ثالث، أو 2 بَلَغَ، فعلى قولِ أبى بكرٍ، يَحلِف سبعَ عَشْرَةَ يَمِينًا؛ لأنَّه يَبْنِى على أيمانِ أخَوَيْه 3، وكذلك على أحدِ

وَذَكَرَ الْخِرَقِىُّ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ، أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَمدًا تُوجِبُ الْقِصَاصَ إِذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ، وَأَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ.
قَوْلَى الشافعىِّ، وعلى الثانى، يُقْسِمُ خمسين يَمِينًا.
وإن قَدِمَ رابعٌ، فهل يَحلِفُ [ثلاثَ عَشْرةَ] (1) يَمِينًا أو خمسين؟ فيه قَوْلان.

فصل

: والخُنْثَى المُشْكِلُ يَحتَمِلُ أن يُقْسِمَ؛ لأَنَّ سبَبَ القَسامةِ وُجِدَ في حَقِّه، وهو الاسْتِحقاقُ مِن الدِّيَةِ، ولم يتَحَقَّقِ المانِعُ مِن يَمِينِه.
ويَحتَمِلُ أَنْ لا يُقْسِمَ؛ لأنَّه لا يَحمِلُ مِن العَقْلِ، فلا يثْبُتُ القتلُ بيَمِينِه، كالمرأةِ.

4364 -

مسألة: (وذَكَرَ الخِرَقِىُّ مِن شُروطِ القَسامَةِ أن تَكُونَ الدَّعْوَى عَمدًا، تُوجِبُ القِصاصَ إذا ثَبَت القَتْلُ، وأن تَكُونَ الدَّعْوَى على واحِدٍ)

لا يخْتلِف المذهبُ أنَّه لا يُسْتَحَقُّ بالقَسامةِ أكثرُ مِن قَتْلِ واحدٍ.
وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالك، وبعضُ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم:1

..................................  يُسْتَحَقُّ بها قتلُ الجماعةِ؛ لأنَّها بَيِّنَةٌ مُوجِبَةٌ للقَوَدِ، فاسْتَوَى فيها الواحدُ والجماعةُ، كالبَينةِ.
وقولُ أبى ثَوْرٍ نحوُ هذا.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُم على رجُل مِنْهُمْ، فَيُدفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِه» 1. فخَصَّ بها الواحدَ.
ولأنَّها بَيِّنَةٌ ضَعِيفَة، خُولِفَ بها الأصْلُ 2 في قَتْل الواحدِ، فيُقْتَصَرُ عليه، ويَبْقَى على الأصلِ فيما عَداه.
وبَيانُ مُخالفةِ الأصلِ بها، أنَّها تَثْبُتُ باللَّوْثِ، واللَّوْثُ شُبْهةٌ مُغَلِّبَةٌ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، والقَوَدُ يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، فكيفَ يثْبُتُ بها! ولأَنَّ الأيْمانَ ثَبَتتِ ابْتِداءً في سائرِ الدَّعاوَى في جانبِ المُدَّعَى عليه، وهذه بخِلافِه 3. وبيانُ ضَعْفِها، أنَّها تَثْبُتُ بقولِ المُدَّعِى ويَمِينه، مع التُّهْمَةِ في حَقِّه، والشَّكِّ في صِدْقِه، وقيامِ العَداوَةِ المانِعَةِ مِن صِحَّةِ الشَّهادَةِ عليه في إثْباتِ حَقٍّ لغيرِه، فلأَنْ تَمْنَعَ مِن قَبُولِ قولِه وحدَه في إثْباتِ حَقٍّ له أوْلَى وأحْرَى.
وفارقَ البَيِّنَةَ، فإنَّها قَوِيَتْ بالعَدَدِ، وعَدالةِ الشُّهُودِ، وانْتِفاءِ التُّهْمَةِ في حَقِّهم مِن الجِهَتَيْن، في كَوْنِهم لا يُثْبِتُونَ لأنْفُسِهِم حَقًّا ولا نَفْعًا، ولا يَدْفَعُونَ عنها ضُرًّا، ولا عَداوَةَ بينَهم وبينَ المَشْهُودِ عليه، ولهذا يَثْبُتُ بها سائِرُ الحُقُوقِ والحُدودِ التى تَنْتَفِى بالشُّبُهاتِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فلا قَسامةَ فيما لا قَوَدَ فيه، في قولِ الخِرَقِىِّ، فيَطَّردَ قولُه في أنَّ القَسامةَ لا تَسُوغُ

وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ.
لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مَحْضًا، لَمْ يُقْسِمُوا إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَيَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ.
إلَّا في حَقِّ واحدٍ.
وعندَ غيرِه مِن أصْحابِنا أنَّ القَسامةَ تَجْرِى فيما لا قَوَدَ فيه، فيجوزُ أن يُقْسِمُوا على جَماعةٍ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
فعلى هذا، إذا ادَّعَى على رَجُلَيْن، على أحَدِهما لَوْثٌ دُونَ الآخَرِ، حَلَفَ على مَن عليه اللَّوْثُ خمسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ الدِّيَةَ عليه، وحَلَفَ 1 الآخَرُ يَمِينًا واحدةً، وبَرِئَ.
وإن نَكَلَ عن اليَمِينِ، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإنِ ادَّعَى على 2 ثلاثةٍ عليهم لَوْثٌ، ولم يَحْضُرْ إلَّا أحَدُهم، حَلَفَ على الحاضِرِ منهم خَمْسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فإذا حَضَرَ الثانى، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْلِفُ عليه خمسين يَمِينًا أيضًا، ويَسْتَحِقُّ ثُلثَ

..................................  الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يَثْبُتُ على أحدِ 1 الرَّجُلَيْن إلَّا بما يَثْبُتُ على صاحِبِه، كالبَيِّنَةِ، فإنَّه يَحْتاجُ إلى إقامةِ البَيِّنَةِ الكاملةِ على الثانى كإقامَتِها على الأَوَّلِ.
والثانى، يَحْلِفُ عليه خَمْسًا وعشرين يَمِينًا؛ لأنَّهُما لو حَضَرا معًا، لحَلَفَ عليهما خَمْسِين يمينًا، حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهما خمسٌ وعشرون.
وهذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ فإنَّ اليَمِينَ لا تُقْسَمُ عليهم إذا حَضَرُوا، ولو حَلَفَ على (1) كلِّ واحدٍ مُنْفَرِدًا 2 حِصَّتَه مِن الأيْمانِ لم يَصِحَّ، ولم يَثْبُتْ له حَقٌّ، وإنَّما الأيْمانُ عليهم جميعِهم، وتتَناولُهم تَناوُلًا واحدًا، ولأنَّها لو قُسِمَتْ عليهم بالحِصَصِ، لَوَجَبَ أن لا يُقْسَمَ على الأَوَّلِ أكثرُ مِن سبعَ عشْرَةَ يَمِينًا.
وإن قِيلَ: إنَّما حَلَفَ بقَدْرِ حِصَّتِه وحِصَّةِ الثالثِ.
فيَنْبَغِى أن يَحْلِفَ أربعًا وثلاثين يَمِينًا.
وإذا قَدِمَ الثالثُ، ففيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، يَحْلِفُ عليه

فَصْلٌ: وَيُبْدَأُ فِى الْقَسَامَةِ بأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ  خمسين يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الدِّيَةِ.
والآخرُ، يَحْلِفُ سَبْعَ عشْرةَ يَمِينًا.
وإن حَضَرُوا جميعًا، حَلَف عليهم خَمْسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ الدِّيَةَ عليهم أثْلَاثًا.
وهذا التَّفْرِيعُ يَدُلُّ على اشْتِراطِ حُضُورِ المُدَّعَى عليه وقْتَ الأيْمانِ؛ وذلك لأنَّها أُقِيمَتْ مُقامَ البَيِّنَةِ، فاشْتُرِطَ (1) حُضُورُ مَن أُقِيمَتْ عليه، كالبَيِّنَةِ.
وكذلك إن رُدَّتِ الأيْمانُ على المُدَّعَى عليهم، اشْتُرِطَ حُضُورُ المُدَّعِينَ وَقْتَ خَلِفِ المُدَّعَى عليهم؛ لأَنَّ الأيْمانَ له عليهم، فيُعْتَبَرُ رِضاه بها وحُضُورُه، إلَّا أن يُوَكِّلَ وَكِيلًا، فيقومُ مَقامَ المُوَكِّلِ (2).

فصل

: (ويُبْدأُ في القَسامةِ بأيْمانِ المُدَّعِينَ، فيَحْلِفُون خَمْسينَ12

يَميِنًا،  يَمِينًا) الكلامُ في هذا الفصلِ في أمْرَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ الأيْمانَ تُشْرَعُ في حَقِّ المُدَّعِين أوَّلًا، فيَحْلِفُون خَمسين يَمِينًا على المُدَّعَى عليه، أنَّه قَتَلَه 1، ويَثْبُتُ حَقُّهم قِبَلَه 2، فإن لم يَحْلِفوا، حَلَفَ المُدَّعَى عليه خمسينَ يَمِينًا، [وبَرِئَ] 3. وهذا قولُ يحيى بنِ سعيدٍ، ورَبيعةَ، وأبى الزِّنادِ، واللَّيْثِ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال الحسنُ: يُسْتَخلَف المُدَّعَى عليهم أوَّلًا خمسين يَمِينًا، ويَبْرَأون، فإن أبَوْا أن يَحْلِفُوا، اسْتُحْلِفَ خَمْسون مِن المُدَّعِينَ أنَّ حَقَّنا قِبَلَكُم، ثُمَّ يُعْطَون الدِّيَةَ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ولَكِن اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه».
رواه مُسْلِم 4. وفى لَفْظٍ: «البينةُ على المُدَّعِى، واليَمِينُ على المُدَّعَى عليه».
رواه الشَّافعىُّ في «مُسْنَدِه» 5. ورَوَى أبو داودَ 6 بإسْنادِه، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن رِجالٍ مِن الأنْصارِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ليَهودَ، وبَدأ بهم: «يَحْلِفُ مِنْكُم خَمْسُونَ رَجُلًا».
فأبَوْا، فقال للأنْصارِ: «اسْتَحِقُّوا».
قالوا: نَحْلِفُ على الغَيْبِ يارسولَ اللَّهِ! فجعَلَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على اليَهودِ ابْتِداءً؛ لأنَّه وُجِدَ بينَ أظْهُرِهم.
ولأنَّها يَمِينٌ في دَعْوَى، فوَجَبَتْ في جانِبِ

..................................  المُدَّعَى عليه ابْتِداءً، كسائِرِ الدَّعاوَى.
وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: يُسْتَخلَفُ خَمْسون رَجُلًا مِن أهلِ المَحَلَّةِ التى وُجِدَ فيها القَتِيلُ: باللَّهِ ما قَتَلْناه، ولا عَلِمْنا قاتِلًا.
ويُغَرَّمونَ الدِّيَةَ؛ لقَضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بذلك 1. ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا.
وتكَلَّمُوا في حديثِ سَهْلٍ بما رَوَى أبو داودَ 2، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَيْمِىِّ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ بُجَيْدِ ابنِ قَيْظِىٍّ، أحدِ بنى حارثةَ، قال محمدُ 3 بنُ إبراهيمَ: وايْمُ اللَّهِ، ما كان سَهْلٌ بأعْلَمَ منه، ولكنَّه كان أسَنَّ منه.
قال: واللَّهِ ما قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «احْلِفُوا على ما لا عِلْمَ لَكُمْ به».
ولكنَّه كتبَ إلى يهودَ حينَ كلَّمتْه الأنْصارُ: «إنَّه وُجِدَ بَيْنَ أبْياتِكم 4 قَتِيلٌ فَدُوهُ».
فكتبوا يَحْلِفُون باللَّهِ ما قتَلُوه، ولا يَعلَمُون له قاتلًا، فَوَداه رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن عندِه.
ولَنا، حديثُ سَهْلٍ 5، وهو صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه مالِكٌ في «مُوَطَّئِه»، وعمِلَ به.
وما عارَضَه مِن الحديثِ لا يَصِحُّ لوُجوهٍ؛ أحدُها، أنَّه نفْىٌ، فلا يُرَدُّ به قولُ المُثْبِتِ.
والثانى، أنَّ سَهْلًا مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، شاهدَ القِصَّةَ، وعَرَفَها، حتى إنَّه قال: رَكَضَتْنِى ناقةٌ

..................................  من تلك 1 الإِبلِ.
والآخَرُ يقولُ برأْيه وظَنِّه، مِن غيرِ أن يَرْوِيَه عن أحدٍ، ولا حَضَر القِصَّةَ.
والثالثُ، أنَّ حديثَنا مُخَرَّجٌ في الصَّحِيحَيْن، وحدِيثَهم بخِلافِه.
الرابعُ، أنَّهم لا يَعمَلُونَ 2 بحدِيثهم، ولا 3 حَديثِنا، فكيفَ يَحْتَجُّونَ بما هو حُجَّةٌ عليهم فيما خالَفُوه فيه! وحديثُ سليمانَ ابنِ يسارٍ، عن رجالٍ مِن الأنْصارِ، لم يذْكُرْ لهم صُحبَةً، فهو أدْنَى حالًا مِن حديثِ محمدِ بنِ إبراهيمَ، وقد خالفَ الحديثَيْن جميعًا، فكيفَ يجوزُ أن يُعْتَمَدَ عليه! وحديثُ: «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
لم يُرَدْ به هذه القَضِيَّةُ؛ لأنَّه يَدُلُّ على أنَّ الناسَ لا يُعْطَوْن بدَعْواهم، وههُنا قد أُعْطُوا بدَعْواهم، على أنَّ حَدِيثَنا أخَصُّ منه، فيجبُ تَقْديمُه، وهو حُجَّةٌ عليهم، لكَوْنِ المُدَّعِينَ أُعْطُوا بمُجَرَّدِ دَعْواهم مِن غيرِ بَيِّنَةٍ ولا يَمِينٍ منهم.
وقد رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ 4، بإسْنادِه، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، واليَمِينُ عَلَى مَن أنْكَرَ، إلَّا فِى القَسامَةِ».
وهذه الزيادةُ يتَعَيَّنُ العملُ بها؛ لأَنَّ الزِّيادةَ مِن الثِّقَةِ مقْبولَةٌ، ولأنَّها أيْمانٌ مُكَرَّرَةٌ، فيُبْدأُ فيها بأيْمانِ المُدَّعِين، كاللِّعانِ.
إذا ثبتَ هذا، فإنَّ أيْمانَ القَسامةِ خَمْسونَ على ما جاءتْ به

وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَارِثِ، فَتُقْسَمُ الأَيْمَانُ بَيْنَ الرِّجَالِ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا، حَلَفَهَا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً، قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدرِ مِيرَاثِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيها كَسْرٌ، جُبِرَ عَلَيْهِمْ، مِثْلَ زَوْجٍ وَابْنٍ، يَحْلِف الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا،  الأحاديثُ الصَّحِيحةُ، [وأجْمَعَ عليه] 1 أهْلُ العلمِ، لا نعلمُ أحدًا خالفَ فيه الأمرُ الثانى، أنَّ الأيْمانَ تَخْتَصُّ بالوُرَّاثِ دُونَ غيرِهم.
هذا ظاهرُ المذهَبِ، وظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ ابنِ حامدٍ، وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ في دَعوَى حَقٍّ، فلا تُشْرَعُ في حَقِّ غيرِ المُتَداعِيَيْن 2، كسائرِ الأيْمانِ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، تُقْسَمُ بينَ الوَرَثَةِ 3 مِنٍ الرِّجالِ مِن ذَوِى الفُروضِ والعَصَباتِ على قَدْرِ إرْثِهم، إن كانوا جماعةً، وإن كان واحدًا حَلَفَها، فإنِ انْقَسَمَتْ مِن غيرِ كسْرٍ، مثلَ أن يُخَلِّفَ المقْتولُ ابْنَيْن، أو أخًا وزَوْجًا، حلفَ كلُّ واحدٍ منهم خمسًا وعشرين يَمِينًا (وإن كان فيها كسْرٌ، جُبِرٍ عليهم، مثلَ زَوْجٍ وابنٍ، يحلِفُ الزَّوْجُ ثلاثَ عَشْرةَ يَمِينًا، والابنُ ثمانيةً وثلاثينَ) يَمِينًا؛ لأَنَّ تَكْمِيلَ الخَمْسينَ واجبٌ، ولا يُمْكِنُ

جارٍ التحميل