..................................
وقال: شُهودُ زُورٍ.
فقال أبو بَكْرَةَ: أليسَ تَرْضَى إن أتاكَ رجلٌ عَدْلٌ يَشْهَدُ تَرْجُمُه 1؟ قال: نعم، والذى نفسِى بيَدِه.
قال أبو بَكْرَةَ: وأنا أشْهَدُ أنَّه زَانٍ.
فأرادَ أن يُعِيدَ عليه الجَلْدَ 2، فقال علىٌّ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّك إن أعَدْتَ عليه الجَلْدَ (2)، أوْجَبْتَ عليه الرَّجْمَ 3. وفى حديثٍ آخَرَ: فلا يُعادُ في فِرْيَةٍ جَلْدٌ مَرَّتَيْن.
قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: قولُ علىٍّ: إن جَلَدْته فارْجُمْ صاحِبَكَ؟ قال: كأنَّه جَعَل شَهادَتَه شَهادَةَ رَجليْن.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: وكنتُ أنا أُفَسِّرُه على هذا، حتى رَأَيْتُه في الحديثِ، فأعْجَبَنِى.
ثم قالَ: يقولُ: إذا جَلَدْتَه ثانيةً، فكأنَّكَ جَعَلْتَه شاهِدًا آخَرَ.
فأمَّا إن حُدَّ له، ثم قَذَفَه بزنًى ثانٍ، نَظَرْتَ؛ فإن قَذَفَه بعدَ طُولِ الفَصْلِ، فحَدٌّ ثانٍ؛ لأنَّه لا تَسْقُطُ حُرْمَةُ المَقْذُوفِ بالنِّسْبَةِ إلى القاذِفِ أبَدًا، بحيثُ يَتَمَكَّنُ مِن قَذْفِه بكلِّ حالٍ.
وإن قَذَفَه عَقِيب حَدِّه،
..................................
ففيه رِوايَتَان؛ إحْداهما، يُحَدُّ أيضًا؛ لأنَّه قَذْفٌ لم يَظْهَرْ كَذِبُه فيه بحَدٍّ، فيَلْزَمُه فيه حَدٌّ، كما لو طالَ الفَصْلُ، ولأَنَّ سائِرَ أسْباب الحَدِّ إذا تَكَرَّرَتْ بعدَ أن حُدَّ للأوَّلِ، ثبت للثانى حُكْمُه، كالزِّنى 1 والسَّرِقَةِ، وغيرِهما مِن الأسْبابِ.
والثانيةُ، لا يُحَدُّ؛ لأنَّه قد حُدَّ له مَرَّةً، فلم يُحَدَّ له بالقَذْفِ عَقِيبَه، كما لو قَذَفَه بالزِّنَى الأَوَّلِ.
فصل: إذا قال: مَن رَمَانِى فهو ابنُ الزَّانِيَةِ.
فرَمَاهُ رجلٌ، فلا حَدَّ عليه في قولِ أحَدٍ مِن أهلِ العلمِ.
وكذلك إنِ اخْتَلَفَ رَجلان في شئٍ، فقال أحدُهما: الكاذبُ هو ابنُ الزَّانِيَةِ.
فلا حَدَّ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنْ أحدًا بالقَذْفِ، وكذلك ما أشْبَهَ هذا.
..................................
فصل: إذا ادَّعَى على رجلٍ أنَّه قَذَفَه، فأنْكَرَ، لم يُسْتَحْلَفْ.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه يُسْتَخلَفُ.
حَكَاها ابنُ المُنْذِرِ.
وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» 1. ولأنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيه، كالدَّيْنِ.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه حَدٌّ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالزِّنَى والسَّرِقَةِ.
فإن نَكَل عن اليَمِينِ، لم يُقَمْ عليه الحَدُّ؛ لأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، كسائِرِ الحُدودِ.
بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ
بابُ حَدِّ المُسْكِرِ
الخمرُ مُحَرَّمٌ بالكتاب والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 1. والآيةُ التى بعدَها إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (1). وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 2. ورَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَعَنَ اللَّه الخَمْرَ، وَشَارِبَها، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، ومُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ».
رَواه أبو داودَ 3. وثَبَت
..................................
عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تحريمُ الخمرِ بأخْبارٍ تَبْلُغُ بمجمُوعِها رُتْبَةَ التَّواتُرِ، وأجمعتِ الأُمَّةُ على تحْرِيمِه، وإنَّما حُكِىَ عن قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ، وعمرِو بنِ مَعْدِيكَرِبَ، وأبى جَنْدَلِ بنِ سهَيل 1، أنَّهم قالوا: هى حَلالٌ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ 2. الآية.
فبَيَّنَ لهم عُلماءُ الصَّحابةِ مَعْنَى هذه الآيةِ، وتحريمَ الخمرِ، وأقاموا عليهم الحَدَّ؛ لشُرْبِهم إيَّاه 3، فرَجَعُوا إلى ذلك، فانْعَقَدَ الإِجْماعُ، فمَنِ اسْتَحَلَّها الآنَ، فقد كَذَّبَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّه قد عُلِمَ ضَرورةً مِن جِهَةِ النَّقْلِ تَحْرِيمُه، فيَكْفُرُ بذلك، ويُسْتَتابُ، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ.
رَوَى الجُوزْجَانِىُّ 4 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ شَربَ الخمرَ، فقال له عمرُ: ما حَمَلَكَ على ذلك؟ فقال: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يقولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.
الآية.
وإنِّى مِن المُهاجرِين الأوَّلينَ مِن أهلِ بدرٍ وأُحدٍ.
فقال عمرُ للقومِ: أجِيبُوا الرجلَ.
فسَكتُوا عنه، فقال لابنِ عباسٍ: أجِبْه.
فقال: إنَّما أنْزَلها اللَّه عُذْرًا للماضِينَ، لِمَن شَرِبَها قبلَ
..................................
أن تُحَرَّمَ، وأنزَلَ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ 1. حُجَّةً على النَّاسِ.
ثم سألَ عمرُ عن الحَدِّ فيها، فقال علىُّ بنُ أبى طالبٍ: إذا شَرِبَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، فاجْلِدُوه ثمانينَ.
فجَلَده عمرُ ثمانينَ.
ورَوى الوَاقِدِىُّ، أنَّ عمرَ قال له: أخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ يا قُدامَةُ، إذا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليك.
وروَى الخَلَّالُ 2 بإسْنادِه، عن مُحارِبِ بنِ دِثَارٍ، أنَّ أُناسًا شَرِبُوا بالشامِ الخمرَ 3، فقال لهم يزيدُ بنُ أبى سفيانَ: شَرِبْتُمُ الخمرَ؟ قالوا: نعم، يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.
الآية.
فكَتَب فيهم إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فكَتَبَ إليه: إن أتاكَ كتابِى هذا نهارًا، فلا تَنْتَظِرْ بهم (3) إِلى اللَّيْلِ، وإن أتاكَ لَيْلًا، فلا تَنْتَظِرْ بهم نَهارًا، حتى تَبْعَثَ بهم إلىَّ، لِئلَّا يَفْتِنُوا عبادَ اللَّهِ.
فبَعَثَ بهم إلى عمرَ، فشاوَرَ فيهم النَّاسَ، فقال لعلىٍّ: ما تَرَى؟ فقال: أرَى أنَّهم قد شَرَّعُوا في دينِ اللَّهِ ما لم يَأذَنِ اللَّه فيه، فإن زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ، فاقْتُلْهم، فقد أحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإن زَعَمُوا أنَّها حَرامٌ فاجْلِدْهم ثمانينَ ثمانينَ، فقد افْتَرَوْا على اللَّهِ، وقد أخْبَرَنا اللَّه بحَدِّ ما يَفْتَرِى بعضُنا على بعضٍ.
قال: فَجَلَدَهم عمرُ ثمانينَ ثمانينَ.
إذا ثَبَت هذا، فالمُجْمَعُ على تَحْرِيمِه عصيرُ العِنبِ، إذا اشْتَدَّ وقَذَف زَبَدَه، وما عَداه مِن الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ، فهو مُحَرَّم، وفيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّه
كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، مِنْ أَىِّ شَىْءٍ كَانَ، وَيُسَمَّى خَمْرًا.
تعالى.
4459 -
مسألة: (كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ كَثِيرُه، فقَلِيلُه حَرامٌ، مِن أىِّ شئٍ كان، ويُسَمَّى خَمْرًا)
حُكمُه حُكْمُ عَصِيرِ العِنَبِ في تَحْرِيمِه، ووُجُوبِ الحَدِّ على شارِبِه.
رُوِى تحْرِيمُ ذلك عن عمرَ، وعلىِّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وأُبىِّ بنِ كَعْبٍ، وأنَسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والقاسِمُ، وقَتادَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ، في عصيرِ العنبِ إذا طُبِخَ وذَهَب ثُلُثاه، ونَقِيعِ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا طُبِخَ وإن لم يَذْهَبْ ثُلُثَاه، ونَبِيذِ الحِنْطَةِ، والذُّرَةِ والشَّعِيرِ، ونحوِ ذلك نقيعًا كان أو مَطْبُوخًا: كلُّ ذلك حَلالٌ، إلَّا ما بَلَغ السُّكْرَ، فأمَّا عصيرُ العِنبِ إذا اشْتَدَّ، وقَذَف زَبَدَه، أو طُبِخَ فذَهَبَ أقَلُّ من ثُلُثَيْه، ونَقِيعُ التَّمْرِ والزَّبِيبِ إذا اشْتَدَّ بغيرِ طَبْخٍ، فهذا مُحَرَّمٌ، قَلِيلُه وكثيرُه؛ لِما رَوَى ابنُ عباسٍ،
..................................
عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «حُرِّمَتِ الخَمْرَةُ لِعَيْنهَا، والسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» 1. ولَنا، مما رَوَى ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر، وكُل خَمْرٍ حَرَامٌ».
وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا أسْكَرَ كثِيرُهُ، فَقَلِيلُه حَرَامٌ».
رَواهما أبو داودَ، والأثْرَمُ، وغيرُهما 2. وعن عائشةَ، قالت: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «كُلُّ مُسْكِر حَرَامٌ، وَمَا أسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ 3، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ».
رَواه
..................................
أبو داودَ، وغيرُه 1. وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: نَزلَ تَحْرِيمُ الخمرِ، وهىِ مِن العنبِ والتَّمْرِ والعسلِ، والبُرِّ والشَّعِيرِ، والخمرُ ما خامَرَ العَقْلَ.
مُتَّفقٌ عليه 2. ولأنَّه مُسْكِر، فأشْبَهَ عصيرَ العِنَبِ.
فأمَّا حديثُهم، فقال أحمدُ: ليس في الرُّخْصَةِ في المُسْكِرِ حديثٌ صَحِيحٌ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ رَواه شُعْبَةُ 3، عن مِسْعَرٍ، عن أبى عَوْنٍ، عن ابنِ شَدَّادٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: والمُسْكِرُ مِن كلِّ شَرَابٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ 4: جاءَ أهلُ الكوفةِ بأحاديثَ مَعْلُولَةٍ، ذَكَرْناها مع عِلَلِها.
وَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ، وَلَا لِلتَّدَاوِى، وَلَا لِعَطَشٍ، وَلَا غَيْرِهِ،
وذَكَر الأَثْرَمُ أحادِيثَهم التى يَحْتَجُّون بها عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- والصَّحابةِ، فضَعَّفَها كلَّها، وبَيَّنَ عِلَلَها.
وقد قِيلَ: إنَّ خَبَرَ ابنِ عباسٍ مَوْقِوفٌ عليه، مع أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالسُّكْرِ المُسْكِرَ مِن كلِّ شَرابٍ، فإنَّه يَرْوِى هو وغيرُه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (1).
4460 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ شُرْبُه للَذَّةٍ، ولا للتَّداوِى، ولا
1
إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بِهَا، فَيَجُوزُ.
لعَطَشٍ، ولا غيرِه، إلَّا أن يُضْطَرَّ إليه، لدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بها، فيَجُوزُ) لا يجوزُ شُرْبُه للَذَّةٍ؛ لِما ذَكَرْنا، ولا للتَّدَاوِى بها؛ لذلك، فإن فَعَل، فعليه الحَدُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ شربُها للتَّدَاوِى.
وللشافعىِّ 1 وَجْهان كالمَذْهَبَيْن.
وله وَجْه ثالِث، يُباحُ للتَّدَاوِى دُونَ العَطَشِ؛ لأنَّها حالُ ضَرورَةٍ، فأُبِيحَ فيها، كدَفْعِ الغُصَّةِ وسائرِ ما يُضْطرُّ إليه.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ 2، بإسْنادِه عن طارقِ بنِ سُوَيدٍ، أنَّه سألَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: إنَّما أصْنَعُها للدَّواء.
فقال: «إنَّه لَيْس بدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ».
وبإسْنادِه عن مُخارِقٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَخل على أُمِّ سَلَمَةَ، وقد نَبَذَتْ نَبِيذًا في جَرَّةٍ، فخَرَجَ والنَّبِيذُ يَهْدِرُ، فقال: [«مَا هَذا؟».
فقالَتْ:] 3 فلانةُ اشْتَكَتْ بَطْنَها، فَنَقَعْتُ لها.
فدَفَعَه برِجْلِه فكسَرَه، وقال: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ شِفَاءً» 4. ولأنَّه مُحَرَّمٌ
وَمَنْ شَرِبَهُ مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا،
لعَيْنِه، فلم يُبَحْ للتَّدَاوِى، كلَحْمِ الخِنْزيرِ.
فإن شَرِبهَا للعَطَشِ، وكانت مَمْزُوجَةً بما يَرْوِى مِن العَطَشِ، أُبِيحَتْ لدَفْعِه عندَ الضَّرُورَةِ، كما تُبَاحُ المَيْتَةُ عندَ المَخْمَصَةِ، وكإباحَتِها لدَفْعِ الغُصَّةِ، وقد رَوَيْنا في حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ حُذَافَةَ، أنَّه حَبَسَه طاغيَةُ الرُّومِ في بيتٍ فيه ماءٌ مَمْزُوجٌ بخَمْرٍ (1)، ولَحْمُ خِنْزيرٍ مَشْوِىٌّ، ليَأكُلَه ويَشرَبَ الخَمْرَ، وتَرَكَه ثلاثةَ أيامٍ، فلم يَفْعَلْ، ثم أخْرَجُوه حينَ خَشُوا مَوْتَه، فقال: واللَّهِ لقد كانَ اللَّهُ أحَلَّه لى، فإنِّى مُضْطَرٌّ، ولكن لم أكُنْ أُشْمِتُكُمْ بدِينِ الإِسلامِ (2). وإن كانت صِرْفًا، أو مَمْزُوجةً بشئٍ يَسِيرٍ لا يَرْوِى مِن العَطَشِ، لم تُبَحْ، وعليه الحَدُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تُبَاحُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ.
ولَنا، أنَّ العَطَشَ لا يَنْدَفِعُ به، فلم يُبَحْ، كما لو تَدَاوَى بها فيما لا يَصْلُحُ له.
فأمَّا شُرْبُها لدَفْعِ الغُصَّةِ فيجوزُ، كما يجوزُ أكْلُ المَيْتَةِ في حالِ المَخْمَصَةِ، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
4461 -
مسألة: (ومَن شَرِبَه مُخْتَارًا عالِمًا أنَّ كَثِيرَه يُسْكِرُ، قَلِيلًا
12
فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً.
وَعَنْهُ، أَرْبَعُونَ إِنْ كَاْنَ حُرًّا.
كان أو كَثِيرًا، فعليه الحَدُّ ثَمَانُون جَلْدَةً.
وعنه، أرْبَعُونَ) ولا نعلمُ بينَهم خِلافًا في عَصِيرِ العِنَبِ غيرِ المَطْبُوخِ، واخْتَلَفُوا في سائِرِها، فمذهبُ أحمدَ التَّسْوِيَةُ بينَ عصيرِ العنبِ وغيرِه من المُسْكِراتِ.
وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقَتادَةَ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقالت طائِفَةٌ: لا يُحَدُّ، إلَّا أن يُسْكرَ؛ منهم [أبو وائلٍ] 1, والنَّخَعِىُّ، وكثيرٌ مِن أهلِ الكُوفَةِ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: مَن شَرِبَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه حُدَّ، ومَن شَرِبَه مُتَأوِّلًا 2، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فأشْبَهَ النِّكاحَ بلا وَلِىٍّ.
ولَنا، ما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-, أنَّه قال: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ».
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 3.
..................................
وقد ثَبَت أنَّ كلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، فيَتَناوَلُ الحديثُ قليلَه وكثيرَه، ولأنَّه شَرابٌ فيه شِدَّة مُطْرِبَةٌ، فوَجَبَ الحَدُّ بقليله، كالخمرِ، والاخْتِلافُ فيها لا يَمْنَعُ وُجوبَ الحَدِّ فيها، بدليلِ ما لو اعْتَقَدَ تَحْرِيمَها.
وبهذا فارَقَ النِّكاحَ بلا وَلِىٍّ وغيرَه من المُخْتَلَفِ فيه، وقد حَدَّ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ، وأصحابَه، مع اعْتِقادِهم حِلَّ ما شَرِبُوه.
والفرقُ بينَ هذا وبينَ سائرِ المُخْتَلَفِ فيه من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ فِعْلَ المُخْتَلَفِ فيه ههُنا دَاعِيةٌ إلى فِعْلِ ما أُجْمِعَ على تَحْرِيمِه، وفِعْلَ سائر المُخْتَلَفِ فيه يَصْرِفُ عن جِنْسِه من المُجْمَعِ على تَحْرِيمِه.
الثانى، أن السُّنَّةَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد اسْتفاضَتْ بتَحْرِيمِ المُخْتَلَفِ فيه، فلم يَبْقَ فيه لأحَدٍ عُذْرٌ في اعْتقادِ إباحَتِه، بخِلافِ غيرِه من المُجْتَهَداتِ.
قال أحمدُ بنُ القاسم: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ، يقولُ: في تحريمِ المُسْكِرِ عشرونَ وَجْهًا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في بَعْضِها: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ».
وفى بعضِها: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
..................................
فصل: وحَدُّه ثمانون، في إحْدى الرِّوايَتَيْن.
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومَن تَبِعَهم؛ لإجْماعِ الصَّحابةِ، فإنَّه رُوِى أنَّ عمرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ في حَدِّ الخمرِ، فقال عبدُ الرحمنِ: اجْعَلْه كأخَفِّ الحدودِ ثمانينَ.
فضَرَبَ عمرُ ثمانين، وكَتَب به إلى خالدٍ، وأبى عُبَيْدَةَ بالشَّامِ 1. ورُوِىَ أنَّ عليًّا قال في المَشُورَةِ: إنَّه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوه حَدَّ المُفْتَرِى.
روَى ذلك الجُوزْجَانِىُّ، والدَّارَقُطْنِىُّ، وغيرُهما 2. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ الحَدَّ أربعون.
وهو اخْتيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَلَد الوليدَ ابنَ عُقْبَةَ أربعين، ثم قال: جَلَد النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبعين، وأبو بكرٍ أربعين،
..................................
وعمرُ ثمانين، وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحَبُّ إلىَّ.
رَواه مسلمٌ 1. وعن أنَسٍ، قال: أُتِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- برجلٍ قد شَرِب الخمرَ، فضَرَبَه بالنِّعالِ نحوًا مِن أربعين، ثم أُتِى به أبو بكرٍ، فصَنَعَ 2 مثلَ ذلك، ثم أُتِى به عمرُ، فاسْتَشَارَ النَّاسَ في الحُدُودِ، فقال ابنُ عوفٍ: أقَلُّ الحدودِ ثمانون.
فضَرَبَه عمرُ.
مُتَّفَقٌ عليه (1). وفعلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُجَّةٌ لا يجوزُ تَرْكُه لفِعْلِ غيرِه، ولا يَنْعَقِدُ الإِجْماعُ على ما خالَفَ فعلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبى بكرٍ وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فتُحْمَلُ الزِّيادَةُ على أنَّها تَعْزِيرٌ، يجوزُ فِعْلُها إذا رَآها الإِمامُ.
فصل: وإنَّما يَلْزَمُ الحَدُّ مَن شَرِبَها مُخْتارًا لشُرْبِها، فإن شَرِبَها مُكْرَهًا، فلا حَدَّ عليه، ولا إثْمَ، سَواءٌ أُكْرِهَ بالوَعِيدِ أو الضَّرْبِ، أو أُلْجِئَ إلى شُرْبِها بأن يُفْتَحَ فُوه، وتُصَبَّ فيه، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «عُفِىَ
..................................
لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 1. وكذلك مَن اضْطُرَّ إليها لدَفْعِ غُصَّةٍ 2 بها، إذا لمِ يَجِدْ مائِعًا سِوَاها، فإنَّ اللَّهَ تعالى قال في آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 3. وكذلك إن شَرِبَها لعَطَشٍ شديدٍ، وكانت مَمْزُوجَة بما يَرْوِى من العَطَشِ، فإنَّها تُباحُ بذلك عندَ الضَّرُورَةِ، كما تُبَاحُ المَيْتَةُ في المَخْمَصَةِ.
فصل: فإن ثَرَدَ في الخمرِ، أو اصْطَبَغَ به، أو طَبَخ به لَحْمًا فأكَلَ من مَرَقِه، فعليه الحَدُّ؛ لأَنَّ عينَ الخمرِ مَوْجودة، وكذلك إن لَتَّ به سَوِيقًا فأكَلَه.
فإن عَجَن به دَقِيقًا، فخَبَزَه وأكَلَه، لم يُحَدَّ؛ لأَنَّ النَّارَ أكَلَتْ أجْزاءَ الخمرِ، فلم يَبْقَ إلَّا أثَرُه، وإنِ احْتَقَنَ بالخمرِ، لم يُحَدَّ؛ لأنَّه ليس بشُرْبٍ ولا أكْلٍ، ولأنَّه لم يَصِلْ إلى حَلْقِه، فأشْبَهَ ما لو دَاوَى به جُرْحَه، فإنِ اسْتَعَطَ به، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى باطِنِه من حَلْقِه، ولذلك نَشَرَ الحُرْمَةَ في الرَّضاعِ دونَ الحُقْنَةِ.
وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّ على مَن احْتَقَنَ به الحَدَّ؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى جَوْفِه.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْناه.
..................................
فصل: ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الحَدِّ على مَن شَرِبَها أن يَعْلَمَ أنَّ كثيرَها يُسْكِرُ، فإن لم يَعْلَمْ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه غيرُ عالم بالتَّحْرِيمِ، ولا قَصَد ارْتِكابَ المَعْصِيَةِ بها، فأشْبَهَ مَن زُفَّتْ إليه غيرُ امرأتِه.
وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
فأمَّا مَن شَرِبَها غيرَ عالم بتَحْرِيمِها، فلا حَدَّ فيه أيضًا؛ لأَنَّ عمرَ وعثمانَ قالا: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه 1. ولأنَّه غيرُ عالمٍ بالتَّحْريمِ، أشْبَهَ مَن لم يَعْلَمْ أنَّها خَمْرٌ.
ومتى ادَّعَى الجَهْلَ بتَحْرِيمِها، وكان ناشِئًا ببَلَدِ الإِسْلامِ بينَ المسلمين، لم تُقْبَلْ دَعْواهُ؛ لأَنَّ هذا لا يَكادُ يَخْفَى على مِثْلِه، فلم تُقْبَلْ دَعْوَاه فيه.
وإن كان حديثَ عهدٍ بالإِسْلامِ، أو ناشِئًا بباديةٍ بعيدةٍ عن البُلدان 2 قُبلَ منه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قالَه.
وَالرَّقِيقُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا الذِّمِّىَّ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِشُرْبِهِ، في الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
4462 - مسألة: (والرَّقِيقُ على النِّصْفِ مِن ذلك)
أى على النِّصْفِ مِن حَدِّ الحُرِّ، وهو أربعون، إن قُلْنا: إنَّ الحَدَّ ثمانون.
ويَسْتَوِى في ذلك العَبْدُ والأمَةُ.
وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى عشرون.
فصلِ: ويُجْلَدُ العَبْدُ والأمَةُ بدُونِ سَوْطِ الحُرِّ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لأنَّه لَمَّا خُفِّف عنه في عَدَدِه، خُفِّفَ عنه في صِفَتِه، كالتَّعْزِيرِ مع الحَدِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ سَوْطُه كسَوْطِ الحُرِّ؛ لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ [إذا كان السَّوْطُ مثلَ السَّوطِ، أمَّا إذا كان نِصْفًا في عَدَدِه، وأخَفَّ منه في سَوْطِه، كان أقَلَّ من النِّصْفِ] (1)، واللَّهُ سبحانَه قد أوْجَبَ النِّصْفَ بقولِه: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (2).
4463 -
مسألة: (والذِّمِّىُّ لا يُحَدُّ بشُرْبِه، في الصَّحِيحِ)
عنه؛ لأنَّه يَعْتَقِدُ حِلّه، فلم يُحَدَّ بفِعْلِه، كنِكاحِ المجوسِ ذواتِ مَحارِمِهم.
وعنه، يُحَدُّ، لأنَّه شَرِب مُسْكِرًا عالِمًا به مُخْتارًا، فأشْبَهَ شَارِبَ النَّبِيذِ إذا اعْتَقَدَ حِلَّه.12
وَهَلْ يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فصل: ولا يجبُ الحَدُّ حتى يَثْبُتَ شُرْبُه بأحَدِ شَيْئَيْن؛ الإقْرارِ أو البَيِّنَةِ.
ويَكفِى في (1) الإقْرارِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه لا يَتَضَمَّنُ إتْلافًا، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ.
ومتى رَجَع عن إقْرارِه قُبِلَ رُجُوعُه؛ لأنَّه حَدٌّ للَّهِ سبحانَه، فقُبِلَ رُجُوعُه عنه (2)، كسائرِ الحُدُودِ.
ولا يُعْتَبَرُ مع الإِقْرارِ وُجودُ الرَّائحةِ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، لا حَدَّ عليه، إلَّا أن توجَدَ رائحة.
ولنا، أنَّه أحَدُ بَيِّنتَىِ الشُّرْبِ، فلم يُعْتَبَرْ معه وجُودُ الرّائحةِ، كالشَّهادَةِ، ولأنَّه قد يُقِرُّ بعدَ زَوالِ الرائحةِ عنه، ولأنَّه إقْرارٌ بحَدٍّ، فاكْتُفِىَ به، كسائرِ الحُدودِ.
4464 -
مسألة: (وهل يَجِبُ الحَدُّ بوُجُودِ الرّائحَةِ؟ على
12
..................................
رِوايَتَيْن) لا يَجِبُ الحَدُّ [بوجودِ رائحةِ الخمرِ] 1 مِن فِيه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه يُحَدُّ بذلك.
روَاها عنه أبو طالبٍ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ ابنَ مسعودٍ جَلَد رجلًا وَجَد منه رائحةَ الخمرِ 2. ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: إنى وَجَدْتُ من عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرابٍ، فأقَرَّ أنَّه شَرِبَ الطِّلاءَ 3. فقال عمرُ: إنِّى سائِلٌ عنه، فإن كان يُسْكِرُ جَلَدْتُه 4. ولأَنَّ الرّائحةَ تَدُلُّ على شُرْبِه، فَجَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الرَّائحةَ يَحْتَمِلُ أنَّه تَمَضْمَضَ بها، أو ظَنَّها ماءً، فلَمَّا صارتْ في فِيه مَجَّهَا، أو ظَنَّها لا تُسْكِرُ، أو كان مُكْرَهًا، أو أكَلَ نَبْقًا بالِغًا، أو شَرِب مِن 5 شَرابِ التُّفَّاحِ، فإنَّه يكونُ منه كرائحةِ الخمرِ، وإذا احْتَمَلَ ذلك، لم يجبِ الحَدُّ الذى يُدْرَأُ بالشُّبُهات.
وحديثُ عمرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه لم يَكْتَفِ بوُجودِ الرائحةِ، ولو وَجَب ذلك، لبادَرَ إليه عمرُ.
..................................
فصل: وإن وَجَدَه سَكْرانَ، أو تَقَيَّأَ الخمرَ، فعن أحمدَ، لا حَدَّ عليه؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ مُكْرَهًا، أو لم يَعْلَمْ أنَّها تُسْكِرُ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ورِوايةُ أبى طالبٍ عنه في الحَدِّ بالرَّائحةِ تَدُلُ على وُجوبِ الحَدِّ ههُنا بطرِيقِ الأُوْلَى؛ لأَنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا بعدَ شُرْبِها، فأَشْبَهَ ما لو قامَتِ البَيِّنةُ عليه 1 بشُرْبِها.
وقد روَى سعيدٌ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا المُغيرةُ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: لمَّا كان من أمْرِ قُدامةَ ما كانَ، جاءَ عَلْقَمَةُ الخَصِىُّ،
..................................
قال: أشهدُ أنِّى رأيْتُه يَتَقَيَّؤُهَا.
فقالَ عمرُ: من قاءَها فقد شَرِبَها.
فضَرَبَه الحَدَّ 1. وروَى حُضَيْنُ بنُ المُنْذِرِ الرَّقاشِىُّ، قال: شَهِدْت عثمانَ، وأُتِىَ بالوليدِ بنِ عُقبَةَ، فشَهِدَ عليه حُمْرانُ ورجل آخَرُ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه رآه شَرِبَها، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه رآه يَتَقَيَّؤُها.
فقال عثمانُ: إَّنه لم يَتَقَيَّأْها حتى شَرِبَها.
فقال لعلىٍّ: أقِمْ عليه الحَدَّ.
فأمَرَ على عبدَ اللَّهِ بنَ جَعْفَرٍ، فضَرَبَه.
رَواه مسلمٌ 2. وفى رِوايةٍ، قال له عثمانُ: لقد تَنَطَّعْتَ في الشَّهادَةِ.
وهذا بمَحْضَرٍ مِن عُلَماءِ الصحايةِ وسادَتِهم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.
ولأنَّه يُكْتَفَى بالشَّهادَةِ عليه أنَّه شَرِبَها، ولا يَتَقَيَّؤُها أو لا يَسْكَرُ منها حتى يَشرَبَها.
فصل: وأمَّا البَيِّنَةُ، فلا تكونُ إلَّا رجلَيْن عَدْلَيْن مسلمَين، يَشْهَدانِ أنَّه شَرِب مُسْكِرًا، ولا يَحْتاجان إلى بَيانِ نوْعِه؛ لأنَّه لا يَنْقَسِمُ إلى ما يُوجِبُ الحَدَّ وإلى ما لا يُوجِبُه، بخِلافِ الزِّنى، فإنَّه يُطْلَقُ على الصَّرِيحِ وعلى
.................................. دَواعِيه، ولهذا قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» 1. فلهذا احْتاجَ الشَّاهِدُ إلى تَفْسِيرِه، وفى مسْألَتِنا لا يُسَمَّى غيرُ المُسْكِرِ مُسْكِرًا، فلم يَفْتَقِرْ إلى ذِكْرِ نَوْعِه، ولا يَفْتَقِرُ في الشَّهادَةِ إلى ذِكْرِ عَدَمِ الإِكْراهِ، ولا ذِكْرِ عِلْمِه أنَّه مُسْكِرٌ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ الاخْتِيارُ والعلمُ، وما عَداهما نادِرٌ، فلم يَحْتَجْ إلى إثْباتِه، ولذلك لم يُعْتَبَرْ في شئٍ مِن الشَّهاداتِ، ولم يَعْتَبِرْه عثمانُ في الشَّهادَةِ على الوليدِ بنِ عُقْبَةَ، ولا عمرُ في الشَّهادَةِ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ، ولا في الشَّهادَةِ على المُغِيرةِ بنِ شُعْبَةَ، ولو شَهِدا 2 بعِتْقٍ أو طَلاقٍ، لم يَفْتَقِرْ إلى ذِكْرِ الاخْتِيارِ، كذا ههُنا.
وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِىَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ.
4465 - مسألة: (وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِىَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ)
أما إذا غَلَى العَصِيرُ كغَلَيإنِ القِدْرِ، وقَذَف بزَبَدِه، فلا خِلاف في تَحْرِيمِه.
وإنْ أتَتْ عليه ثلاثةُ أَيَّام ولم يَغْلِ، فقال أصحابُنا: هو حَرَامٌ.
وقال أحمدُ: اشْرَبْه ثلاثًا ما لم يَغْلِ، فإذا أتَتْ عليه أكثرُ من ثلاثةِ أَيَّامٍ، فلا تَشْرَبْه.
وأكثرُ أهلِ العلمِ يَقُولُونَ: هو مُبَاحٌ ما لم يَغْلِ ويُسْكِرْ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اشْرَبُوا في كُلِّ وعَاءٍ، ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».
أخْرَجَه أبو داودَ 1. ولأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِه الشِّدَّةُ المُطْرِبَةُ، وإنَّما ذلك في المُسْكِرِ خاصَّةً.
ووَجْه الأوَّل ما روَى أبو داودَ 2، بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنْبَذُ له
..................................
الزَّبِيبُ، فيَشْرَبُه اليومَ والغَدَ وبعدَ الغَدِ، إلى مساءِ الثالثةِ، ثم يَأْمُرُ به فيُسْقَى الخَدَمَ، أو يُهَرَاقُ.
وروَى الشَّالَنْجِىُّ، بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «اشْرَبُوا العَصِيرَ ثَلاثًا، مَا لَمْ يَغْلِ» 1. وقال ابنُ عمرَ: اشْرَبْه ما لم يَأْخُذْه شَيْطانُه.
قيل: وفى كمْ يَأْخُذُه شَيْطانه؟ قال: في
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ يَتَخَمَّرُ في ثَلَاثٍ غَالِبًا.
ثلاثٍ (1). ولأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ في الثَّلاثِ غالِبًا، وهى خَفِيَّةٌ، تَحْتاجُ إلى ضابطٍ، فجاز جَعْلُ الثَّلاثِ ضابِطًا لها.
قال شيخُنا (2): ويَحْتَمِلُ أن يكونَ شُرْبُه بعدَ الثَّلاثِ إذا لم يَغْلِ مَكْرُوهًا غيرَ مُحَرَّم، فإنَّ أحمدَ لم يُصَرِّحْ بالتَّحْرِيمِ، وقال في مَوْضِعٍ: أكْرَهُه.
وذلك لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَكُنْ يَشْرَبُه بعدَ ثلاثٍ.
4466 -
مسألة: وقال أبو الخَطَّابِ: عِندى أنَّ كلامَ أحمدَ في ذلك مَحْمُولٌ عَلَى عصيرٍ الغالِبُ أنَّه يَتَخَمَّرُ في ثلاثةِ أَيَّامٍ.
فصل: وكذلك النَّبيذُ مُباحٌ ما لم يَغْلِ، أو يَأْتِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ.
والنَّبِيذُ ما يُلْقَى فيه تمرٌ أَو زَبيبٌ أو نحوُهُما؛ ليَحْلوَ به الماءُ، وتَذهَبَ مُلُوحَتُه، فلا بَأْسَ به ما لم يَغْلِ، أو يَأْتِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ؛ لِما رَوَيْنا عن ابنِ عباسٍ.
وقال أبو هُرَيْرَةَ: عَلِمْتُ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَصُومُ، فتَحَيَّنْتُ فِطْرَه.
بنَبِيذٍ صَنَعْتُه في دُبَّاءَ، ثم أتَيْتُه به، فإذا هو يَنِشُّ.
فقال: «اضْرِبْ بِهَذَا الحَائِطَ، فَإنَّ هذَا شَرَابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ12
وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ في الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ، لِيَأَخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَأْتِىَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ.
وَلَا يُكْرَهُ الْانْتِبَاذُ في الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ.
الآخِرِ».
روَاه أبو داودَ (1). ولأنَّه إذا بَلَغ ذلك صارَ مُسْكِرًا، وكلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ.
4467 -
مسألة: (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ في الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ؛ لِيَأَخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَأْتِىَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ)
لِما ذَكَرْنا في الفصلِ الَّذى قبلَه 4468 -
مسألة: (ولا يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ،
1
وَعَنْهُ، يُكْرَهُ.
والنَّقِيرِ، والمُزَفَّتِ) [يجوزُ الانْتِباذُ في الأوْعِيَةِ كلِّها.
وعن أحمدَ، أنَّه يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ] 1؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الانْتِباذِ فيها 2. والدُّبَّاءُ: اليَقْطِينُ 3. والحَنْتَمُ: الجِرارُ.
والنَّقِيرُ: الخَشَبُ.
والمُزَفَّتُ: الَّذى يُطْلَى بالزِّفْتِ.
والصَّحِيحُ أَنَّه لا يُكْرَهُ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاثٍ، وأنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ، نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأشْرِبَةِ [أن لا تَشْرَبُوا إلَّا] 4 في ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».
رَواه مسلمٌ 5. وهذا
وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَبِذَ شَيْئَيْنِ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
دَلِيلٌ على نَسْخِ النَّهْى، ولا حُكْمَ للمَنْسُوخِ.
فصل: وما طُبِخَ مِن النَّبيذِ والعَصِيرِ قبلَ غَلَيَانِه، حتَّى صارَ غيرَ مُسْكِرٍ، كالدِّبْسِ (1)، ورُبِّ الخَرُّوبِ، وغيرِهما من المُرَبَّيَاتِ والسُّكَّرِ، فهو مُبَاحٌ، لأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما ثَبَت في المُسْكِرِ، ففيما عَدَاه يَبْقَى على أصْلٍ الإِباحَةِ، وما أسْكَرَ كثيرُه فقلِيلُه حَرامٌ، سَواءٌ ذَهَب منه الثُّلُثان، أو أقَلُّ، أو أكثرُ.
قال أبو داودَ: سألتُ أحمدَ عن شُرْبِ الطِّلَاءِ إذا ذهبَ ثُلُثاه (2)، وبَقِىَ ثُلُثه؟ قال: لا بَأْسَ به.
قيل لأحمدَ: إنَّهم يقولونَ: إنَّه يُسْكِرُ.
قال: لا يُسْكِرُ، لو كان يُسْكِرُ ما أحَلَّه عمرُ.
4469 -
مسألة: (ويُكْرَهُ الخَلِيطَان، وهو أن يَنْتَبِذَ شَيْئَيْن،
12
..................................
كالتَّمْرِ والزَّبِيبِ) لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الخَلِيطَين 1. وقال أحمدُ: الخَلِيطان حَرامٌ.
وقال في رجلٍ يَنْقعُ الزَّبِيبَ، والتَّمْرَ الهِنْدِىَّ، والعُنَّابَ ونحوَه، يَنْقَعُه غُدْوَةً، ويَشْرَبُه عَشِيَّةَ للدَّواءِ: أكْرَهُه؛ لأنَّه نَبِيذٌ، ولكن يَطْبُخُه ويَشْرَبُه على المَكانِ.
وقد روَى أبو داودَ 2 بإسْنادِه، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نَهَى أن يُنْبَذَ الرُّطَبُ والبُسْرُ جميعًا، ونَهَى أن يُنْبَذَ التمرُ والزَّبِيبُ جميعًا.
وفى رِوايةٍ: «انْتَبذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ» 3. وعن أبى قَتادَةَ، قال: نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ يُجْمَعَ بينَ التَّمْرِ والزَّهْوِ 4، والتَّمْرِ
..................................
والزَّبِيبِ، ولْيُنْتَبَذْ كلُّ واحدٍ منهما على حِدَةٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. قال القاضى: يَعْنِى أحمدُ بقولِه: هو حَرامٌ.
إذا اشْتَدَّ وأسْكَرَ، وإذا لم يُسْكِرْ لم يَحْرُمْ.
وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللَّهُ، وإنَّما نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعلةِ إسْراعِه إلى السُّكْرِ المُحَرَّمِ، فإذا لم يُوجَدْ، لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ، كما أنَّه عليه السَّلامُ نَهَى عن الانْتِباذِ في الأوعِيَةِ المَذْكُورَةِ لهذه العِلَّةِ، ثم أمَرَهُم بالشُّرْبِ فيها، ما لم تُوجَدْ حقيقةُ الإِسْكارِ، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا ما رُوِى عن عائشةَ، قالت: كنَّا نَنْبِذُ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنَأخُذُ قَبْضةً من تَمْرٍ، وقَبْضَةً من زبيبٍ، فنَطْرَحُها فيه، ثم نَصُبُّ عليه الماءَ، فَنَنْبِذُه غُدْوَةً، فيَشْرَبُه عَشِيَّةً، ونَنْبِذُه عَشِيَّة، فيَشْربُه غُدْوَةً.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 2. فلمَّا كانت مُدَّةُ الانْتِباذِ قريبةً، وهى يومٌ وليلةٌ،
وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعَ.
لا يُتَوَهَّمُ الإسْكارُ فيها، لم يُكْرَهْ، ولو كان مَكْرُوهًا لَمَا فُعِلَ هذا في بيتِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- له.
فعلى هذا، لا يُكْرَهُ ما كان في المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، ويُكْرَهُ ما كان في مُدَّةٍ يَحْتَمِلُ إفْضاؤُه إلى الإِسْكارِ، ولا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ ما لم يَغْلِ، أو تَمْضِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ.
4470 -
مسألة: (ولا بأْسَ بالفُقَّاعِ)
1 وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال شيخُنا 2: ولا أعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا يُسْكِرُ، وإذا تُرِكَ يَفْسُدُ، بخلافِ الخمرِ، والأشْياءُ على الإِباحةِ ما لم يَرِدْ بتَحْرِيمِها حُجَّةٌ.
..................................
فصل: والخَمْرَةُ إذا أُفْسِدَتْ، فصُيِّرَتْ خَلًّا، لم تَحِلَّ، وإن قَلَب اللَّهُ عَيْنَها فصارَتْ خَلًّا، فهى حَلالٌ.
رُوِى هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الزُّهْرِىُّ.
ونحوُ؛ قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: إن أُلقِىَ فيها شئٌ يُفْسِدُها كالمِلْحِ، فتخلَّلَتْ، فهى على تَحْرِيمِها، وإن نُقِلَتْ مِن شمسٍ إلى ظِلٍّ، أو مِن ظِلٍّ إلى شمسٍ، فتَخَلَّلَتْ، ففى إباحَتِها قَوْلان.
وقال أبو حنيفةَ: تَطْهُرُ في الحالَيْن؛ لأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِها زالَتْ بتَخْلِيلِها فطَهُرَتْ، كما لو تَخَلَّلَتْ بنَفْسِها، يُحَقِّقُه أنَّ التَّطهِيرَ لا فَرْقَ فيه بينَ ما حَصَل بفِعْلِ اللَّهِ تعالى، وفِعْلِ الآدَمِىِّ، كتَطْهيرِ الثَّوْبِ والبَدَنِ والأَرْضِ.
ونحوُ هذا قولُ عَطاءٍ، وعمرو بنِ دِينارٍ، والحارِثِ العُكْلِىِّ.
وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في مذهَبِنا.
ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان عندَنا خَمْرٌ ليَتِيمٍ، فلمَّا نَزَلَتِ المائدةُ، سألتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّه لَيَتِيمٌ؟ قال: «أَهْرِيقُوهُ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
وعن أنَس، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتُتَّخَذُ الخمرُ خَلًّا؟ قال: «لَا».
رَواه مسلمٌ، والتِّرْمِذِىُّ 2،
..................................
وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
وعن أبى طَلْحَةَ، أنَّه سألَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أيْتامٍ وَرِثُوا خَمْرًا؟ فقال: «اهرِقْهَا».
قال: أفَلا أُحَلِّلُها؟ قال: «لَا».
رَواه أبو داودَ 1. وهذا نَهْىٌ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، ولو كان إلى اسْتِصْلاحِها سَبِيلٌ، لم تَجُزْ إراقتُها، بل أرْشَدَهم إليه 2، سِيّما وهى لأيْتامٍ يَحْرُمُ التَّفْرِيطُ في أمْوالِهم، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فرُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَعِدَ المِنْبَرَ، فقال: لا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَت، حتَّى يكونَ اللَّهُ تعالى هو الَّذى تَوَلَّى إفْسادَها، ولا بَأْسَ على مسلمٍ ابْتاعَ مِن أَهْلِ الكتابِ خَلًّا، ما لم يَتَعَمَّدْ إفسادَها.
رواه أبو عُبَيْدٍ في «الأَمْوالِ» بنَحْوٍ من هذا المعنى 3. وهذا قولٌ يَشْتَهِرُ؛ لأنَّه خَطَب به النَّاسَ على المِنْبَرِ، فلم يُنْكَرْ.
فأمَّا إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها، فإنَّها تَطْهُرُ وتَحِلُّ، في قولِ جميعِهم، فقد رُوِى عن جماعةٍ من الأوائِلِ، أنَّهمِ اصْطَبَغُوا بخَلِّ خمرٍ؛ منهم علىٌّ، وأبو الدَّرْدَاء.
ورَخَّصَ فيه الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
وليس في شئٍ من أخْبارِهم أنَّهَم اتَّخَذُوه خَلًّا، [ولا أنَّه] 4 انْقَلَبَ بنَفْسِه، لكنْ قد بَيَنّهَ عمرُ بقولِه: لا يَحِلُّ خَلُّ خمرٍ افْسِدَتْ، حتَّى يكونَ اللَّهُ تعالى هو الَّذى يَتَوَلَّى إفْسادَها.
ولأنَّها إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها، فقد زالَتْ عِلَّةُ
..................................
تَحْرِيمِها، من غيرِ عِلَّةٍ خَلَفَتْها، فطَهُرَتْ، كالماءِ إذا زالَ تَغَيُّره بمُكْثِه.
وإذا أُلْقِىَ فيها شئٌ يَنْجُسُ بها، ثم انْقَلَبَتْ، بَقِىَ ما أُلْقِىَ فيها نَجِسًا، فنَجَّسَها وحَرَّمَها.
فأمَّا إن نَقَلَها مِن مَوْضِعٍ إلى آخَرَ، فتَخَلَّلَتْ مِن غيرِ أن يُلْقِىَ فيها شيئًا، فإن لم يَكُنْ قَصَد تَخْلِيلَها، حَلَّتْ بذلك؛ لأنَّها تخلَّلَتْ بفِعْلٍ اللَّهِ تعالى فيها، وإن قَصَد بذلك تخْلِيلَها، احْتَمَلَ أن تَطْهُرَ، لأنَّه لا فَرْقَ بينَهما إلَّا القَصْدُ، فلا يَقْتَضِى تحْريمَها.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْهُرَ، لأنَّها خلَّلَت، فلم تَطْهُرْ، كما لو أُلْقِىَ فيها شئٌ.
بَابُ التَّعْزِيرِ
وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِى كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، كَالْاسْتِمْتَاعِ الَّذِى لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإتْيَانِ الْمَرأَةِ الْمَرأَةِ، وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ.
بَابُ التَّعْزِيرِ
وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِى كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، كَالْاسْتِمْتَاعِ الَّذِى لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإتْيَانِ الْمَرأَةِ الْمَرأَةِ، وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ) والنَّهْبِ والغَصْبِ والاخْتِلاسِ.
وسُمِّىَ تَعْزِيرًا، لأنَّه
..................................
يَمْنَعُ من الجِنايَةِ.
والأَصْلُ في التَّعْزِيرِ المَنْعُ، ومنه التَّعْزِيرُ بمعنى النُّصْرَةِ؛
.................................. لأنَّه مَنْعٌ لعَدُوِّه من أذاه.
وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَحَلَّتْهَا لَهُ، فَيُجْلَدُ مِائَةً.
4471 - مسألة: (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ)
قد (أحَلَّتْها له، فيُجْلَدُ مائَةً.
وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها؟ على رِوايَتَيْن) أمَّا إذا وَطِئَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها، فإنَّه يُجْلَدُ مائةً، ولا يُرْجَمُ إن كان ثَيِّبًا، وإن كان بِكرًا لم يُغَرَّبْ.
وإن لم تَكُنْ أحَلَّتْها له، فهو زانٍ، حُكْمُه حُكْمُ الزَّانِى بجارِيَةِ الأجْنَبِىِّ.
وحُكِىَ عن النُّخَعِىِّ، أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّه يَمْلِكُ امرأتَه، فكانت له شُبْهَةٌ في مَمْلُوكَتِها.
وعن عمرَ، وعَلىٍّ، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، أنَّه كوَطْءِ الأجْنَبِيَّةِ، سَواءٌ أحَلَّتْها له أو لم تُحِلَّها؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها، فأشْبَهَ جاريةَ أُخْتِه، ولأنَّه إباحَةٌ لوَطْءِ مُحَرَّمَةٍ عليه، فلم يَكُنْ شُبْهَةً، كإباحةِ سائرِ المُلَّاكِ.
وعن ابنِ مسعودٍ، والحسنِ، إن كان اسْتَكْرَهَها، فعليه غُرْمُ مِثْلِها، وتَعْتِقُ، وإن كانت طاوَعَتْه، فعليه غُرْمُ مِثْلِها، ويَمْلِكُها؛ لأَنَّ