الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 288-327

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 288-327

أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالإِسْلَامِ، أَوْ نُشُوئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدةٍ،  عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
وكذلك إن وَطِئَ امرأتَه في دُبُرِها، أو جارِيَتَه، فهو مُحَرَّمٌ، ولا يَجِبُ به الحَدُّ؛ لأَنَّ المرأةَ مَحَلٌّ للوَطْءِ في الجُمْلَةِ، وقد ذَهَب بعضُ العُلَماءِ إلى حِلِّه، فكان ذلك شُبْهَةً مانِعَةً مِن الحَدِّ، والوَطْءُ في الحَيْضِ والنِّفاسِ صادَفَ مِلْكًا، فكان شُبْهَةً.

4415 -

مسألة: ولا حَدَّ على مَن لم يَعْلَمْ بتَحْرِيمِ الزِّنَى. قال عمرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه

1. وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
فإنِ ادَّعَى الجانِى 2 الجَهْلَ بالتَّحْرِيمِ، وكان يَحْتَمِلُ أن يَجْهَلَه، كحديثِ العَهْدِ بالإِسلامِ، والنَّاشِئَ بِبَادِيَةٍ، قُبِلَ منه؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ صادِقًا.
وإن كان ممَّن لا يَخْفى عليه ذلك، كالمسلمِ النَّاشِئ بينَ المسلمين وأهلِ العلمِ، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ تَحْريمَ الزِّنَى لا يَخْفَى على مَن هو كذلك، فقد عُلِمَ كذِبُه.
فإنِ ادَّعَى الجَهْلَ بفَسادِ نِكاحٍ

أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى، فَلَا حَدَّ فِيهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ فَزَنَى، حُدَّ.
باطِلٍ، قُبِلَ قولُه؛ لأَنَّ عمرَ قَبِلَ قولَ المُدَّعِى الجَهْلَ بتَحْرِيمِ النِّكَاحِ في العِدَّةِ (1)، ولأَنَّ مثلَ هذا يُجْهَلُ كثيرًا، ويَخْفى على غيرِ أهلِ العلمِ.

4416 -

مسألة: (أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى، فَلَا حَدَّ فِيهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ فَزَنَى، حُدَّ)

لا يجبُ الحَدُّ على مُكْرَهَةٍ على الزِّنَى في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
رُوِى ذلك عن عمرَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
ولا نعلمُ فيه مُخالفًا؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأ، والنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 2. وعن عبدِ الجَبَّارِ بن وائلٍ، عن أبِيه، أنَّ امرأةً اسْتُكْرِهَت على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَدَرَأَ عنها الحَدَّ.
رَواه الأَثْرَمُ 3. قال: وأُتِىَ1

..................................  عمرُ بإمَاءٍ مِن إمَاءِ الإِمارةِ، اسْتَكْرَهَهُنَّ غِلْمانٌ مِن غِلْمانِ الإِمارةِ، فضَرَب الغِلْمانَ، ولم يَضْرِب الإِماءَ 1. وروَى سعيدٌ 2، بإسْنادِه، عن طارقِ بنِ شِهابٍ، قال: أُتِى عمرُ بامرأةٍ قد زَنَتْ، فقالَتْ: إنِّى كُنْتُ نائمةً، فلم أسْتَيْقِظْ إلَّا برجلٍ قد جَثَم علىَّ.
فخَلَّى سَبِيلَها، ولم يَضْرِبْها.
ولأَنَّ هذه شُبْهَةٌ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
ولا فَرْقَ بينَ الإِكْراهِ بالإِلْجاءِ، وهو أَنْ يَغْلِبَها على نفسِها، وبينَ الإِكْراهِ بالتَّهْدِيدِ بالقَتْلِ ونحوِه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في راعٍ جاءَتْه امرأةٌ، قد عَطِشَتْ، فسألَتْه أن يَسْقِيَها، فقال لها: أمْكنِينى مِن نَفْسِكِ.
قال: هذه مُضْطَرَّةٌ.
وقد رُوِى عن عمرَ بنِ الخَطَّاب، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ امرأةً اسْتَسْقَتْ راعِيًا، فأَبَى أَنْ يَسْقِيهَا إلَّا أن تُمَكِّنِه مِن نَفْسِها، ففعَلَتْ، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ، فقال لعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ما تَرَى فيها؟ قال 3: إنَّها مُضْطَرَّةٌ.
فأعْطاهَا عمرُ شيئًا، وتَرَكَها 4.

..................................  فإن أُكْرِهَ الرجل فزَنَى، فقال أصحابُنا: عليه الحَدُّ.
وبه قال محمدُ ابنُ الحسنِ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لا يكونُ إلَّا بالانْتِشارِ، والإِكْراهُ يُنافِيه، فإذا وُجِدَ الانْتِشَارُ انْتَفَى الإِكْراهُ، فيَلْزَمُه الحَدُّ، كما لو أُكْرِهَ على غيرِ الزِّنَى فَزَنى.
وقال أبو حنيفةَ: إن أَكْرَهَه السُّلْطانُ، فلا حَدَّ عليه، وإن أكْرَهَه غيرُه، حُدَّ اسْتِحْسانًا.
وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا حَدَّ عليه؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأَنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والإِكْراهُ شُبْهَةٌ، فيَمْنَعُ الحَدَّ، كما لو كانتِ امرأةً.
يُحَقِّقُه أنَّ الإِكْراهِ إذا كان بالتَّخْوِيفِ، أو بمنعِ ما تَفُوتُ حَياتُه بمَنْعِه، كان الرجلُ فيه كالمرأةِ، فإذا لم يجبْ عليها الحَدُّ، لم يجبْ علية.
وقولُهم: إنَّ التَّخْوِيفَ يُنافِى الانْتِشارَ.
لا يَصحُّ؛ لأَنَّ التَّخْوِيفَ بتَرْكِ الفعلِ، والفعلُ لا يُخافُ 1 منه، فلا يَمْنَعُ ذلك.
وهذا أصَحُّ الأقْوالِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.

وَإِنْ وَطِئَ مَيِّتَةً، أو مَلَكَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ، فَوَطِئَهَا، فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

4417 - مسألة: (وَإِنْ وَطِئَ مَيِّتَةً، أو مَلَكَ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ، فَوَطِئَهَا، فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)

إذا وَطِئَ مَيِّتَةً، فعليْه الحَدُّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ آدَمِيَّةٍ، أشْبَهَ وَطْءَ الحَيَّةِ، ولأنَّه أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكثرُ إثْمًا؛ لأنَّه انْضَمَّ إلى فاحِشَتِه هَتْكُ حُرْمَةِ المَيِّتَةِ.
والثانى، لا حَدَّ عليه.
وهو قولُ الحسنِ.
قال أبو بكرٍ: وبهذا أقولُ؛ لأَنَّ الوَطْءَ في المَيِّتَةِ [كَلا وَطْءٍ] 1؛ لأنَّه عُضْوٌ 2 مُسْتَهْلَكٌ، ولأنَّها لا يُشْتَهَى مثلُها، وتَعافُها النَّفْسُ، فلا حاجَةَ إلى شَرْعِ الزَّاجِرِ عنها.
وأمَّا إذا مَلَكَ أُمَّه أو أُخْتَه مِن الرَّضاعِ،

..................................  فوَطِئَها 1، فَذَكَر القاضى عن أصحابِنا، أنَّ عليه الحَدَّ؛ لأنَّه فَرْجٌ لا يُسْتَبَاحُ بحالٍ، فوَجَبَ الحَدُّ بالوَطْءِ فيه، كفَرْجِ الغُلامِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا حَدَّ عليه 2. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ [في فَرْجٍ] 3 مَمْلُوكٍ له، يَمْلِكُ المُعاوَضَةَ عنه، وأخْذَ صَداقِه، فلم يجبِ الحَدُّ عليه 4، كالوَطْءِ في الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ.
فأمَّا إنِ اشْتَرَى ذاتَ

وَإِنْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطلانِهِ، كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ، وَالْمُعْتَدَّةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَذَوَاتِ الْمَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعَ،  مَحْرَمِه مِن النَّسَبِ، ممَّن يَعْتِقُ عليه، ووَطِئَها، فعليه الحَدُّ.
لا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأَنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ فيها، فلم تُوجَدِ الشُّبْهَةُ.

4418 -

مسألة: (وَإِنْ وَطِئَ فِى نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلانِهِ، كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ، والْمُعْتَدَّةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَذَوَاتِ الْمَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعَ)

فعليه الحَدُّ.
إذا تَزَوَّجَ ذاتَ مَحْرَمِه، فالنِّكاحُ باطِلٌ بالإِجْماعِ.
فإن وَطِئَها، فعليه الحَدُّ.
في قولِ أكثرِ أهلِ

..................................  العلمِ؛ منهم الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وإسحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلم يُوجِبِ الحَدَّ، كما لو اشْتَرَى أُخْتَه مِن الرَّضاعِ ثُمَّ وَطِئَها، وبَيانُ الشُّبْهَةِ أنَّه قد وُجِدَتْ صُورةُ المُبِيحِ، وهو عَقْدُ النِّكاحِ الَّذى هو سَبَبٌ للإِباحَةِ، فإذا لم يَثْبُتْ حُكْمُه وهو الإِبَاحَةُ، بَقِيَتْ صُورَتُه دَارِئَةً للحَدِّ الَّذى يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ فِى فَرْجِ امرأةٍ، مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه مِن غيرِ مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، والواطِئُ مِن أَهلِ الحَدِّ، عالمٌ بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه الحَدُّ، كما لو لم يُوجَدِ العَقْدُ، وصُورَة المُبِيحِ إنَّما تكونُ شُبْهَةً إذا كانت صَحِيحَةً، وِالعَقْدُ ههُنا باطِلٌ مُحَرَّمٌ، وفِعْلُه جِنايَةٌ تَقْتَضِى العُقُوِبَةَ، انْضَمَّتْ إلى الزِّنى، فلم تَكُنْ شُبْهَةً، كما لو أكْرَهَها وعاقَبَها، ثُمَّ زَنى بها، ثُمَّ يَبْطُلُ بالاسْتِيلاءِ عليها، فإنَّ الاسْتِيلاءَ

..................................  سَبَبٌ؛ للمِلْكِ في المُباحاتِ، وليس بشُبْهَةٍ.
وأمَّا إذا اشْتَرَى أُخْتَه مِن الرَّضَاعِ، فهو مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْناه، فإنَّ المِلْكَ المُقْتَضِىَ للإِباحَةِ صَحِيحٌ ثابتٌ، وإنَّما تخَلَّفَتِ الإِباحَةُ لمُعَارِضٍ، بخِلافِ مَسْألتِنا، فإنَّ المُبِيحَ غيرُ موجودٍ، فإنَّ عَقْدَ النِّكاحِ باطِلٌ، والملكَ به غيرُ ثابتٍ، فالمُقْتَضِى معدومٌ، فهو كما لو 1 اشْتَرَى خمرًا فشَرِبَه.
إذا ثَبَت هذا، فاخْتُلِفَ (1) في الحَدِّ، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْتَلُ على كل حالٍ.
وبهذا قال جابِرُ بنُ زيدٍ، وإسحاقُ، وأبو أَيُّوبَ 2، وابنُ أبى خَيْثَمَةَ 3. ورَوَى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبِيه، فقال: يُقْتَلُ ويُؤْخَذُ مالُه إلى بيتِ المالِ.
والرِّوايةُ الثانية، حَدُّه حَدُّ الزِّنَى.
وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، والشافعىُّ؛ لعُمُومِ الدِّيَةِ والخَبَرِ.
ووَجْهُ الأُولَى،

..................................  ما رَوَى البَرَاءُ، قال: لَقِيتُ عَمِّى ومعه الرَّايَةُ، فقلْتُ: إلى أينَ تُرِيدُ؟ فقال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى رجلٍ نَكَح 1 امرأةَ أبيه مِن بَعْدِه أن أضْرِبَ عُنُقَه، وآخُذَ مالَه.
رَواه أبو داودَ، والجُوزْجَانِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وسَمَّى الجُوزْجَانِىُّ عمَّه الحارِثَ ابنَ عمرو.
وروَى الجُوزْجَانِىُّ، وابنُ ماجَه 3، بإسْنادِهِما إلى ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن وَقَع عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، فَاقْتُلُوه».
ورُفِعَ إلى الحَجَّاجِ رجلٌ اغْتَصَبَ أُخْتَه على نَفْسِها، فقال: احْبِسُوه، وسَلُوا مَن ههُنا مِن أصحابِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسأَلُوا عبدَ اللَّهِ بنَ أبى مُطَرِّفٍ، فقال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَنْ تَخَطَّى المُؤْمِنِينَ، فَخُطُّوا وَسَطَه 4 بالسَّيْفِ» 5. وهذه الأحاديث

..................................  [أخَصُّ] 1 ممَّا وَرَد في الزِّنَى، فتُقَدَّمُ.
والقَوْلُ في مَن زَنَى بذاتِ مَحْرَمِه مِن غيرِ عَقْدٍ، كالقولِ في مَن وَطِئَها بعدَ العَقْدِ.
فصل: وكلُّ عَقْدٍ أُجْمِعَ على بُطْلانِه، كنِكاحِ الخَامسةِ، أو مُزَوَّجَةٍ، أو مُعْتَدَّةٍ، أو نِكاحِ المُطَلَّقَةِ ثلاثًا، إذا وَطِئَ فيه عالمًا بالتَّحْريمِ، فهو زِنًى، مُوجِبٌ للحَدِّ المشْرُوعِ فيه قبلَ العَقْدِ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وصاحِباه: لا حَدَّ فيه؛ لِما ذَكَرُوه فيما إذا عَقَد على ذَواتِ مَحارِمِه.
وقال النَّخَعِىُّ: يُجْلَدُ مِائَةً، ولا يُنْفَى.
ولَنا، ما ذَكَرْناه فيما مَضَى، ورَوَى أبو نَصْرٍ المَرُّوذِىُّ، [بإسْنادِه، عن عُبَيْدِ] 2 بنِ نُضَيْلَةَ 3، قال: رُفِعَ إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ في عِدَّتِها، فقال: هل عَلِمْتُمَا؟ قالا: لا.
قال: لو عَلِمْتُما لَرَجَمْتُكُمَا.
فجَلَدَه أسْواطًا، ثم فرَّقَ بينَهما 4. ورَوَى أبو بكرٍ بإسْنادِه قال: رُفِعَ إلى علىٍّ، عليه السلامُ، امرأةٌ تَزَوَّجَتْ ولها زَوْجٌ كَتَمَتْه، فرَجَمَها، وجَلَد زَوْجَها الآخرَ مِائَةَ جَلْدَةٍ 5. فإن لم يَعْلَمْ

أَوْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَى، أَوْ لِغَيْرِهِ وَزَنَى بِهَا، أَوْ زَنَى بِامْرأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ، أَوْ بِصَغِيرَةٍ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، أَوْ زَنى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، أَوْ أَمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ.
تَحْريِمَ ذلك، فلا حَدَّ عليه؛ لعُذْرِ الجَهْلِ، ولذلك دَرَأَ عمرُ عنهما الحَدَّ؛ لجَهْلِهِما.

4419 -

مسألة: (أَوْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَى، أَوْ لِغَيْرِهِ، وَزَنَى بِهَا، أَوْ زَنَى بِامْرأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ، أَوْ بِصَغِيرَةٍ، أَوْ مَجْنُونَةٍ، أَوْ زَنى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، أَوْ أمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ)

البالِغَةُ (مِن نَفْسِها مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فوَطِئَها، فعليهم الحَدُّ) إذا اسْتَأْجَرَ امرأةً لعملِ شئٍ، فزَنَى بها، أَوْ اسْتَأْجَرَها ليَزْنِىَ بِها، وفَعَلَ ذلك، أَوْ زَنَى بامرأةٍ ثم تَزَوَّجَها، أَوْ بأمَةٍ ثم اشْتَرَاها، فعليهما الحَدُّ.
وبه قال أكثرُ أهلِ العلمِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليهما في هذه المواضِعِ إلَّا إذا اسْتَأْجَرَها لعملِ شئٍ؛ لأَنَّ مِلْكَه لمَنْفَعَتِها شُبْهَةٌ دَارِئَةٌ للحَدِّ، ولا يُحَدُّ بوَطْءِ امرأةٍ هو مالكٌ

..................................  لها 1. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ والأخْبارِ، ووجودُ المَعْنى المُقْتَضِى لوُجوبِ الحَدِّ.
وقولُه: إنَّ مِلْكَه لمَنْفَعتِها شُبْهَةٌ.
لا يَصِحُّ، فإنَّه إذا لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ ببَذْلِها نَفْسَها له، ومُطاوَعَتِها إيَّاه، فَلأنْ لا يَسْقُطَ بمِلْك مَحَلٍّ آخَرَ أَوْلَى.
وأمَّا إذا اسْتَأْجَرَ امرأةً للزِّنَى، لم تَصِحَّ الإِجارَةُ، فوُجودُ ذلك كعدمِه، فأشبَهَ وَطْءَ مَن لم يَسْتَأْجِرها.
وأمَّا إذا زَنَى بامرأةٍ له عليها قِصاصٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غير مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو لم يَكُنْ له عليها قِصاصٌ، وكما لو كان له عليها دَيْنٌ.
وأمَّا إذا زَنىَ بامرأةٍ ثم تزَوَّجَها، أَوْ بأمةٍ ثم اشْتَرَاها، فإنَّه ما وَجَب عليه الحَدُّ بوَطْءِ مَمْلوكَتِه ولا زَوْجَتِه، وإنَّما وَجَب بوَطْءِ أجْنَبِيَّةٍ، فتَغَيُّرُ حالِها لا يُسْقِطُه، كما لو ماتَتْ.
وأمَّا إذا أمْكَنَتِ المُكَلَّفَةُ مِن نَفْسِها صغيرًا أَوْ مَجْنُونًا فوَطِئَها أَوْ

..................................  اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نائمٍ، فعليها الحَدُّ دُونَه.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليها، لأَنَّ فِعْلَ الصَّبِىِّ والمجنونِ ليس بزِنًى، فلم يجبْ عليها الحَدُّ إذا أمْكَنَتْه منه 1، كما لو أمْكَنَتْه من إدْخالِ إصْبَعِه في فَرْجِها.
ولَنا، أنَّ سُقُوطَ الحَدِّ عن أحدِ الواطِئَيْن لمَعْنًى يَخُصُّه، لا يُوجبُ سُقُوطَه عن الآخَرِ، كما لو زَنَى المُسْتَأْمِنُ بمسلمةٍ، أَوْ زَنَى بمَجْنُونَةٍ أَو نائمةٍ.
وقولُهم: ليس بِزِنًى.
لا يَصِحُّ، لأنَّه لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ، وإنَّما لم يَجِبِ الحَدُّ عليه لعُذْرِه، وزَوالِ تَكْلِيفِه.
وكذلك الحُكْمُ في الرجُلِ يَظُنُّ أنَّ المرأةَ زَوْجَتُه، فيَطَؤُها، وهى تعلمُ أنَّه أجْنَبِىٌّ، وفى المرأةِ تَظُنُّه زَوْجَها، وهو يعلمُ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ.
فصل: فأمَّا وطءُ 2 الصَّغيرةِ، فإن كانت ممَّن يُمكِنُ وَطْؤُها، فهو زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ، لأنَّها كالكبيرةِ في ذلك، وإن كانت ممَّن لا تَصْلُحُ للوَطْءِ، ففيها وَجْهان كالمَيِّتَةِ، على ما ذَكَرْنا.
وقال القاضى: لا حَدَّ على مَن وَطِئَ صغيرةً لم تَبْلُغْ تِسْعًا، لأنَّها لا يُشْتَهَى مثْلُها، أشْبَهَ ما لو أدْخَلَ

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَى، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَيْئَيْنِ؛  إصْبَعَه في فَرْجِها، وكذلك لو اسْتَدْخَلَتِ المرأةُ ذَكَرَ صَبِىٍّ لم يَبْلُغْ عشْرًا، فلا حَدَّ عليها.
قال شيخُنا (1): والصَّحِيحُ أنَّه متى وَطِئَ مَن أمْكَنَ وَطْؤُها، أَوْ أمْكَنَتِ المرأةُ مَن يُمْكِنُه الوَطْءُ، فوَطِئَها، أنَّ الحَدَّ يَجِبُ على المُكَلَّفِ منهما (2)، ولا يَصِحُّ تَحْديدُ ذلك بتِسْعٍ ولا عشْرٍ؛ لأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّما يكونُ بالتَّوْقيفِ، ولا تَوْقِيفَ في هذا، وكونُ التسعِ وَقْتًا لإِمْكانِ الاسْتِمْتاعِ غالبًا، لا يَمْنَعُ وُجودَه قبلَه (2)، كما أنَّ البُلوغ يوجَدُ في خمسةَ عشَرَ عامًا غالبًا، ولا يَمْنَعُ مِن وُجودِه قبلَه.

فَصْلٌ:

(الثَّالِثُ، أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَى، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بأحدِ شَيْئَيْنِ؛12

أحَدُهمَا، أَنْ يُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، في مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ الْحَدُّ.
أحدُهما، أن يُقِرَّ أرْبَعَ مرَّاتٍ، في مَجْلِس أَوْ مَجالِسَ، وهو بالِغٌ عاقِلٌ، ويُصَرِّحَ بذِكْرِ حَقيقةِ الوَطْءِ، ولا يَنْزِعَ عن إقْرارِه حتَّى يَتِمَّ الحَدُّ) لا يَثْبُتُ الزِّنَى إلَّا بإقْرارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، فإن ثَبَت بإقْرارٍ، اعْتُبرَ إقْرارُ أرْبَعِ مَرَّاتٍ.
وبهذا قال الحَكَمُ، وابنُ أبى ليلى، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الحسنُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُحَدُّ بإقْرارِه مَرَّةً؛ لقولِ رسوْلِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 1. واعْتِرافُ مَرَّةٍ اعْترافٌ، وقد أوْجَبَ عليها الرَّجْمَ به.
ورَجَم الجُهَنِيَّةَ، وإنَّما اعْتَرَفَتْ مَرَّةً 2. وقال عمرُ: إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ واجبٌ على مَن زَنَى وقد أَحْصَنَ، إذا قامتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كان الحَبَلُ، أَوْ الاعْترافُ 3. ولأنَّه حَقٌّ، فثَبَتَ باعْتِرافِ مَرَّةٍ، كالإِقْرارِ بالقَتْلِ.

..................................  ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أتى رجل مِنِ الأسْلَمِيِّين رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو في المسجدِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّىِ زَنيْتُ.
فأعْرَضَ عنه، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى زَنيْتُ.
فأعْرَضَ عنه، حتَّى ثَنَى ذلك أربعَ مَرَّاتٍ، فلمَّا شَهِد على نَفْسِه أرْبَعَ شَهاداتٍ، دَعاهُ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «أبِكَ جُنُونٌ؟».
قال: لا.
قال: «هَلْ 1 أَحْصَنْتَ؟».
قال: نعم.
فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ارْجُمُوهُ».
مُتَّفقٌ عليه 2. ولو وجَبَ الحَدُّ بمَرَّةٍ، لم يُعْرِضْ عنه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لأنَّه لا يجوزُ تَرْكُ حَدٍّ وَجَب للَّهِ تعالى.
ورَوَى نُعَيْمُ بنُ هَزَّالٍ حديثَه، وفيه: حتَّى قالَها أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أربعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟».
قال: بفُلانَةَ.
رَواه أبو داودَ 3. وهذا تَعْلِيلٌ منه يَدُلُّ على أنَّ إقْرارَ الأرْبعِ [هى المُوجِبةُ] 4. ورَوَى أبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِىُّ، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال له عندَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن أقْرَرْتَ أرْبَعًا، رَجَمَكَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 5. وهذا يَدُلُّ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما،

..................................  أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أقَرَّه على هذا، ولم يُنْكِرْه، فكانَ بمَنْزِلَةِ قولِه؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَأ.
الثانى، أنَّه قد عَلِم هذا مِن حُكْمِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لولا ذلك ما تَجاسَرَ على قولِه بينَ يَدَيْه.
فأمَّا أحادِيثُهمِ، فإنَّ الاعْتِرافَ لفظٌ للمَصْدَرِ، يَقَعُ على القليلِ والكثيرِ، وحدِيثُنا يُفَسِّرُه، ويُبَيِّنُ أنَّ الاعْتِرافَ الَّذى يَثْبُتُ به كان أرْبعًا.
فصل: وسَواءٌ كان في مجلسٍ واحدٍ، أَوْ مجالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ.
قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن الزَّانِى، يُرَدَّدُ أرْبَعَ مَرَّاتٍ؟ قال: نعم، على حديثِ ماعِزٍ، هو أحْوَطُ.
قلتُ له: في مجلس واحدٍ، أَوْ في مجالِسَ شَتَّى؟ قال: أمَّا الأحاديثُ، فليستْ تَدُلُّ إلَّا على مجلسٍ واحدٍ، إلَّا عن 1 ذلك الشَّيخِ بَشِيرِ بنِ المُهاجِرِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه 2، وذلك عندِى مُنْكَرُ الحديثِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ إلَّا بأَرْبَعِ إقْراراتٍ، في أرْبَعَةِ مجالسَ؛ لأَنَّ ماعِزًا أقَرَّ في أرْبَعةِ مجالسَ.
ولَنا، أنَّ الحديثَ الصَّحِيحَ إنَّما يَدُلُّ أنَّه أقَرَّ أرْبعًا في مجلس واحدٍ، وقد ذَكَرْنا الحديثَ، ولأنَّه أحَدُ حُجَّتَىِ الزِّنَى، فاكْتُفِىَ به في مجلسٍ واحدٍ، كالبَيِّنَةِ.
= وقد رووه كلهم عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبى بكر.
وقال الهيثمى: وفى أسانيدهم كلها جابر بن يزيد الجعفى وهو ضعيف.
مجمع الزوائد 6/ 266. وانظر: الإرواء 8/ 26، 27.

..................................  فصل: ويعْتَبَرُ في صِحَّةِ الإِقْرارِ أن يَذْكُرَ حقيقةَ الفعلِ، لتَزُولَ الشُّبْهَةُ؛ لأَنَّ الزِّنَى يُعَبَّرُ به عمّا ليسَ بمُوجِبٍ للحَدِّ.
وقد رَوى ابنُ عباس، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لماعِزٍ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو غَمَزْتَ؟».
قال: لا.
قال: «أفَنِكْتَهَا؟».
[لا يَكْنِى.
قال: نعم.
قال: فعندَ ذلك أَمَرَ برَجْمِه.
رَواه البُخارِىُّ 1. وفى روايةٍ عن أبى هريرةَ، قال: «أفنكتها».] 2 قال: نعم.
قال: «حَتَّى غَابَ ذَاكَ مِنْكَ في ذَاكَ مِنْهَا؟».
قال: نعم.
قال: «كَمَا يَغِيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءُ في البِئْرِ؟».
قال: نعم.
قال: «أَتدْرِى مَا الزِّنَى؟».
قال: نعم، أتَيْتُ منها حَرَامًا ما يَأْتِى الرجلُ مِن امرأتِه حَلالًا.
وذكرَ الحديثَ.
رَواه أبو داودَ 3. فصل: فإنْ أقَرَّ أنَّه زَنَى بامرأةٍ فكَذَّبَتْه، فعليه الحَدُّ دُونَها.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّا صَدَّقْناها

..................................  في إنْكارِها، فصارَ مَحْكُومًا يكَذِبِه.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ 1، بإسْنادِه، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رجُلًا أتاه، فأقَرَّ عندَه أنَّه زَنَى بامرأةٍ، فسَمَّاها له، فبَعَثَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المرأةِ، فسَأَلَها عن ذلك، فأنْكَرَتْ أن تكونَ زَنَتْ، فجَلَدَه الحَدَّ وتَرَكَها.
ولأَنَّ انْتِفاءَ ثُبُوتِه في حَقِّها لا يُبْطِلُ إقْرارَه، كما لو سَكَتَتْ، أَوْ كما لو لم 2 تُسْأَلْ.
ولأَنَّ عُمومَ الخبرِ يَقْتَضِى وُجوبَ الحَدِّ عليه باعْتِرافِه، وهو قولُ عمرَ: إذا كان الحَبَلُ أَوْ الاعْتِرافُ 3. وقولُهم: إنَّا صَدَّقْناهَا في إنْكارِها.
غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّا لم نَحْكُمْ بصِدْقِها، وانْتِفاءُ الحَدِّ إنَّما كان لعَدَمِ المُقْتَضِى، وهو الإِقْرارُ أَوْ 4 البَيِّنَةُ، لا لوُجودِ التَّصْدِيقِ، بدَليلِ ما لو سَكَتَتْ، أَوْ لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الحُرَّ والعبدَ، والبكْرَ والثَّيِّبَ، في الإِقْرارِ سَواءٌ؛ لأنَّه أحَدُ حُجَّتَى الزِّنَى، فاسْتَوَى الكلُّ فيه، كالْبَيِّنَةِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يكونَ المُقِرُّ بالِغًا عاقِلًا، ولا خِلافَ في اعْتِبارِ ذلك في وُجُوبِ الحَدِّ، وصِحَّةِ الإِقْرارِ؛ لأَنَّ الصَّبِىَّ والمجنونَ قد رُفِعَ القَلمُ عنهما، ولا حُكْمَ لكلامِهما؛ لِما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه،

..................................  عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
رَواه أبو داودَ، والتَّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسنٌ.
فصل: والنَّائِمُ مَرْفُوعٌ عنه [القلمُ، فلو زُنِىَ بنَائِمَةٍ، أَوْ اسْتَدْخَلَتِ امرأةٌ ذَكَرَ نائِمٍ، أَوْ وُجدَ منه الزِّنَى حالَ نَوْمِه، فلا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ القَلمَ مَرْفوعٌ عنه] 2، ولو أقَرَّ في حالِ نوْمِه، لم يُلْتَفَتْ إلى إقْرارِه؛ لأَنَّ كلامَه غيرُ معْتَبَرٍ، ولا [يَدُلُّ على] 3 صِحَّةِ مَدْلُولِه.
وأمَّا السَّكْرانُ ونحوُه، فعليه حَدُّ الزِّنى والسَّرِقَةِ والشُّرْبِ والقَذْفِ، إذا فعله في حالِ سُكْرِه؛ لأَنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أوْجَبُوا عليه حَدَّ 4 الفِرْيَةِ؛ لكَوْنِ السُّكْرِ مَظِنَّةً لها، ولأنَّه تَسَبَّبَ إلى هذه المُحَرَّماتِ بسَبَبٍ لا يُعْذَرُ فيه، فأشْبَهَ مَن لا عُذْرَ له.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه 5 لا يَجِبُ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه غيرُ

..................................  عاقِلٍ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْء ما يَنْدِرئُ بالشُّبُهاتِ، ولأَنَّ طَلاقَه لا يَقَعُ في رِوايَةٍ، فأشْبَهَ النائِمَ.
والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأَنَّ إسْقاطَ الحَدِّ عنه يُفْضِى إلى أنَّ مَن أرادَ فِعْلَ هذه المُحَرَّماتِ، شَرِبَ الخمرَ، وفَعَل ما أحَبَّ، فلا يَلْزَمُه شئٌ، ولأَنَّ السُّكْرَ 1 مَظِنَّةٌ لفِعْلِ المحارِمِ، وسَبَبٌ إليه، فقد تَسَبَّبَ إلى فِعْلِها حالَ صَحْوِه.
فأمَّا إن أقَرَّ بالزِّنَى وهو سَكْرِانُ، لم يُعْتَبَرْ إقْرارُه؛ لأنَّه لا يَدْرِى ما يقولُ، ولا يَدُلُّ قولُه على صِحَّةِ خبَرِه، فأشْبَهَ قولَ النَّائِمِ والمجْنونِ.
وقد روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَنْكَهَ ماعِزًا.
رَواه أبو داودَ 2. وإنَّما فعلَ ذلك، ليَعْلَمَ هل هو سَكْرانُ أَوْ لا، ولو كان السَّكْرانُ مَقْبُولَ الإِقْرارِ، لَما احْتِيجَ إلى تَعَرُّفِ بَرَاءَتِه منه.
فصل: وأمَّا الأخْرَسُ؛ فإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، فلا يُتَصَوَّرُ منه إقْرارٌ، وإن فُهِمَتْ إشارَتُه، فقالَ القاضى: عليه الحَدُّ.
وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ القاسمِ [صاحِبِ مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ] 3؛ وابنِ المُنْذِرِ؛ لأَنَّ مَن صَحَّ إقْرارُه بغيرِ الزِّنَى، صَحَّ إقْرارُه به، كالنَّاطِقِ.
وقال أصحابُ أبى

..................................  حنيفةَ: لا يُحَدُّ بإقْرارٍ ولا بَيِّنَةٍ؛ لأَنَّ الإِشارَةَ تَحْتَمِلُ ما فُهِمَ منها وغيرَه، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، لكَوْنِه ممَّا يَنْدَرئُ بالشُّبُهاتِ، ولا يَجِبُ بالبَيِّنَةِ؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ له شُبْهَة لم يُمْكِنْه التَّعْبِيرُ عنها، ولم يَعْرِفْ كَوْنَها شُبْهَةً.
ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِىِّ أن لا يَلْزَمَه الحَدُّ بإقْرارِه؛ لأنَّه شَرَط أن يكونَ صَحِيحًا، وهذا غيرُ صَحِيحٍ، ولأَنَّ الحَدَّ لا يجبُ بالشُّبْهَةِ، فأمَّا الإِشارَةُ فلا تَنْتَفِى 1 معها الشُّبُهاتُ.
وأمَّا البَيِّنَةُ، فيَجِبُ عليه بها الحَدُّ؛ لأَنَّ قولَه معها غيرُ مُعْتَبَرٍ.
فصل: ولا يَصِحُّ الإِقْرارُ مِن المُكْرَهِ، فلو ضُرِبَ الرجلُ ليُقِرَّ بالزِّنَى، لم يجبْ عليه الحَدُّ، ولم يَثْبُتْ عليه الزِّنى.
ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ إقْرارَ المُكْرَهِ لا يجبُ به حَدٌّ.
ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: ليس 2 الرجلُ مَأْمُونًا على نَفْسِه إذا جَوَّعْتَه، أَوْ ضَرَبْتَه، أَوْ

..................................  أوْثَقْتَه.
رَواه سعيدٌ 1. وقال ابنُ شِهَابٍ، في رجلٍ اعْتَرَفَ بعدَ جَلْدِه: ليس عليه حَدٌّ.
ولأَنَّ الإِقْرارَ إنَّما يَثْبُتُ به المُقَرُّ به، لوُجُودِ الدَّاعِى إلى الصِّدْقِ، وانْتِفاءِ التُّهْمَةِ عنه، فإنَّ العاقِلَ لا يُتَّهمُ بقَصدِ الإِضْرارِ 2 بنَفْسِه، ومع الإِكْراهِ يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ إقْرارَه لدَفْعِ ضَرَرِ الإِكْراهِ، فانْتَفَى ظَنُّ 3 الصِّدْقِ عنه، فلم يُقْبَلْ.
فصل: وإن أقَرَّ بوَطْءِ امرأةٍ، وادَّعَى أنَّها امرأتُه، فأنْكَرتِ المرأِةُ الزَّوْجِيَّةَ 4، نَظَرْنا، فإن لم تُقِرَّ المرأةُ بوَطْئِه إيَّاها، فلا حَدَّ عليه، لأنَّه لم يُقِرَّ بالزِّنَى، وِلا مَهرَ لها، لأنَّها لا تَدَّعِيه، وإنِ اعْتَرَفَتْ بوَطْئِه، إيَّاها، واعْتَرفت بأنَّه زَنَى بها مُطاوِعَةً، فلا مَهْرَ عليه أيضًا، ولا حَدَّ على واحدٍ منهما، إلَّا أن يُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، لأَنَّ الحَدَّ لا يجبُ بدُونِ إقْرارِ أرْبَعٍ، وإنِ ادَّعَتْ أنَّه أكْرَهَها عليه، أَوْ اشْتَبَهَ عليه، فعليه المَهْرُ، لأنَّه أقَرَّ بسَبَبِه.
وقد روَى مُهَنَّا، عن أحمدَ، أنَّه سَألَه عن رجلٍ وَطِئَ امرأةً، وزَعَمَ أنَّها زَوْجَتُه، وأنْكَرَتْ هى أن يكونَ زَوْجَها، وأقَرَّتْ بالوَطْءِ، فقال: هذه

..................................  قد أقَرَّتْ على نَفْسِها بالزِّنَى، ولكن يُدْرَأُ عنه الحَدُّ بقَوْلِه: إنَّها امرأتُه.
ولا مَهْرَ عليه، وأدْرَأُ عنها الحَدَّ حتَّى تَعْتَرِفَ مِرارًا.
قال أحمدُ: وأهلُ المدينةِ يَرَوْنَ عليها 1 الحَدَّ، يذْهَبُونَ إلى قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 2. وقد تَقَدَّمَ الجَوابُ عن قولِهم.
فصل: (ولا يَنْزِعُ عن إقْرارِه حتَّى يَتِمَّ الحَدُّ) لأَنَّ مِن شروطِ إقامةِ الحدِّ بالإِقرارِ البقاءَ عليه إلى 3 تمام الحَدِّ، فإن رَجَع عن إقرارِه أَوْ هرَب، كُفَّ عنه.
وبهذا قال عَطاءٌ، ويحيى بنُ يَعْمُرَ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ.

الثَّانِى، أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ يَصِفُونَ الزِّنَى، وَيَجِيئُونَ في مَجْلسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ.
وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وابنُ أبى ليلى: يُقامُ عليه (1) الحَدُّ، ولا يُتْرَكُ؛ لأَنَّ ماعِزًا هَرَب فقَتَلُوه.
وَرُوِىَ أنَّه قال: رُدُّونى إلى رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ قَوْمِى هم غَرُّونِى مِن نفسِى، وأخْبَرونى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- غيرُ قاتِلى.
فلم يَنْزِعُوا عنه حتَّى قَتَلُوه.
أخْرَجَه أبو داودَ (2). وقد ذَكَرْنا ذلك في كتابِ الحُدُودِ.

4420 -

مسألة: ومتى رَجَع المُقِرُّ بالحَدِّ عن إقْرارِه قُبِلَ منه، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه.

واللَّهُ أعلمُ.
(الثَّانِى، أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ يَصِفُونَ الزِّنَى، وَيَجِيئُونَ في مَجْلسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ) يُشْتَرَطُ في شهودِ الزِّنَى سبعةُ شُروطٍ، ذَكَرها الخرَقِىُّ؛ أحدُها، أن يكونوا12

..................................  أربعةً، وهذا إجْماعٌ، ليس فيه اخْتلافٌ بينَ أهلِ العلمِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 1. وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 2. وقال سعدُ بنُ عُبادَةَ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أرأْيتَ لو وَجَدْتُ مع امرأتِى رجُلًا، أُمْهِلُه حتَّى آتِىَ بأَرْبَعَةِ شُهداءَ؟ فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «نَعَمْ».
رَواه مالكٌ، في «المُوَطَّأ»، وأبو داودَ 3. الشرطُ الثانى، أن يكونُوا رجالًا كلُّهم، ولا تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ بحالٍ.
ولا نعلمُ فيه خِلافًا، إلَّا شيئًا يُرْوَى عن عَطاءٍ، وحَمَّادٍ، أنَّه يُقْبَلُ فيه ثلاثةُ رِجالٍ وامْرأتان.
وهو قولٌ شاذٌّ لا يُعَوَّلُ عليه؛ لأَنَّ لَفْظَ الأرْبعة اسمٌ لعَدَدِ المُذَكَّرِينَ 4، ويَقْتَضِى أن يُكْتَفَى فيه بأربعةٍ، ولا خِلافَ في أنَّ الأربعةَ إذا كان بعضُهم نِساءً أنَّه

..................................  لا يُكْتَفَى بهم، وأنَّ أقَلَّ ما يُجْزِئُ خمسةٌ، [وهذا خِلافُ النَّصِّ] 1، ولأَنَّ في شَهادَتِهِنَّ شُبْهَةً؛ لتَطَرُّقِ الضَّلالِ إليهنَّ، قال اللَّهُ تعالى، ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ 2. والحُدُودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
الشَّرطُ الثالثُ، الحُرِّيَّةُ، فلا تُقْبَلُ شَهادَةُ العَبِيدِ.
ولا نَعلمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا رِوايةً حُكِيَتْ عن أحمدَ، وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لعُمومِ النُّصوصِ فيه، ولأنَّه عَدْل مسلمٌ ذَكَرٌ، فتُقْبَلُ شَهادَتُه، كالحُرِّ.
ولَنا، أنَّه مُخْتَلَفٌ في شَهادَتِه في سائِرِ الحُقُوقِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً تَمْنَعُ مِن قَبولِ شَهادتِه في الحَدِّ؛ لأنَّه يَنْدَرئُ بالشُّبُهاتِ.
الشَّرطُ الرابعُ، العَدالَةُ، ولا خِلافَ في اشْتراطِها، فإنَّها تُشْتَرَطُ.
في سائرِ الشَّهاداتِ، فههُنا مع مَزِيدِ الاحْتِياطِ فيها أوْلَى، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ الفاسِقِ، ولا مَسْتُورِ الحالِ الذى لا تُعْلَمُ عَدَالته؛ لجَوازِ أن يكونَ فاسِقًا.
الشرطُ الخامسُ، أن يكونُوا مسلِمين، فلا تُقْبَلُ شهادةُ أهلِ الذِّمَّةِ فيه، سواءٌ كانتِ الشَّهادَةُ على مسلمٍ أو ذِمِّىٍّ؛ لأَنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ، لا تَتَحَقَّقُ العَدالَةُ فيهم، فلا تُقْبَلُ رِوايَتُهم ولا أخْبارُهم الدِّينِيَّةُ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُهم، كعَبَدَةِ الأوْثانِ.
الشرطُ السادسُ، أن يَصِفُوا الزِّنَى، فيقُولوا: رَاينا ذَكَرَه في فَرْجِها، كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءِ في البِئْرِ.
وهذا قولُ مُعاويةَ بنِ أبى سفيانَ، والزُّهْرِىِّ،

..................................  والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لِما رَوَينا في قِصَّةِ ماعِزٍ، أنَّه لمَّا أقَرَّ عندَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالزِّنَى، فقال: «أَنِكْتَهَا؟».
فقال: نعم.
قال: «حَتَّى غَابَ ذَاكَ مِنْكَ فِى ذَاكَ مِنْهَا، كما يَغِيبُ المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشَاءُ فِى البِئْرِ؟».
قال: نعم 1. وإذا اعْتُبِرَ التَّصرِيحُ في الإِقْرارِ، كان اعْتِبارُه في الشَّهادة أوْلَى.
وروَى أبو داودَ 2 بإسْنادِه، عن جابرٍ، قال: جاءتِ اليهودُ برجُلٍ منهم وامرأةٍ زَنَيَا، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ائْتُونِى بأعْلَمٍ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ».
فأتَوْه بابْنَى صُوريا، فنَشَدَهما: «كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هذيْنِ فِى التَّوْرَاةِ؟».
[قالوا: نَجِدُ في التوراةِ] 3 إذا شَهِدَ أرْبعةٌ أنَّهم رَاوا ذَكَرَه في فَرْجِها، مثلَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، رُجِما.
قال: «فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا؟» قالا: ذهَبَ سُلْطَانُنا، وكَرِهْنا القتْلَ.
فدَعا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشُّهودِ، فجاءَ أربعة، فشَهِدُوا أنَّهم رَأَوْا ذَكَرَه في فَرْجِها مثلَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، فأمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- برَجْمِهِما.
ولأنَّهم إذا لم يَصِفُوا الزِّنَى، احْتَملَ أن يكونَ المَشْهُودُ به لا يُوجِبُ الحَدَّ فاعْتُبرَ كَشْفُه.
قال بعضُ أهلِ العلمِ: يجوزُ للشُّهودِ أن يَنْظُرُوا إلى ذلك منهما، لإِقامةِ الشَّهادَةِ عليهما ليَحصُلَ الرَّدْعُ بالحَدِّ، فإن شَهِدُوا أنَّهم رَأَوْا ذَكَرَه قد غَيَبّهَ في فَرْجِها كَفَى، والتَّشْبِيهُ تَأْكيدٌ.

..................................  فصل: فأمَّا تَعْيِينُ المَزْنِىِّ بها، إن كانتِ الشَّهادة على رجُلٍ، أو الزَّانِى إن كانتِ الشهادةُ على امرأةٍ، ومكانِ الزِّنَى، فذَكَر القاضى أنَّه يُشْتَرَطُ، لئلَّا تكونَ المرأةُ ممَّن اخْتلِفَ في إباحَتِها، ويُعْتَبَر ذِكْرُ المكانِ، لئلَّا تكونَ شهادة أحدِهم على غيرِ 1 الفِعْلِ الذى شَهِدَ به الآخَر، ولهذا سَألَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال 2: «إِنَّكَ أَقْرَرْتَ أربَعًا، فَبِمَنْ؟» 3. وقال ابنُ حامِدٍ: لا 4 يُعْتَبَر ذِكْر هذيْن؛ لأنَّه لا يعْتَبَر ذكرهما في الإِقْرارِ، ولم يَأْتِ ذِكْرهما في الحديثِ الصَّحيحِ، وليس في حَديثِ الشهادةِ في رَجْمِ اليَهُودَيَّيْن ذِكْر المكانِ، ولأَنَّ ما لا يُشْتَرَطُ فيه ذِكْر الزَّمانِ، لا يُشْتَرَطُ فيه ذكْر المكانِ، كالنِّكاحِ، ويَبْطُلُ ما ذكَرُوه بالزَّمانِ.
الشرطُ (2) السابعُ، مَجِئُ الشُّهودِ كُلِّهم في مجلسٍ واحدٍ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ، فقال: وإن جَاء أربعةٌ متفرِّقِين، والحاكم جالسٌ في مجلسِ حُكْمِه، لم يَقمْ قبلَ شهادَتِهم، وإن جاءَ بعضهم بعدَ أن قامَ الحاكمُ، كانوا قَذَفَةً، وعليهم الحَدُّ.
وبهذا قال، مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ، والبَتِّىُّ، وابن المُنْذِرِ: لا يُشْتَرَطُ ذلك؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ 5. ولم يَذْكرِ المجلس.
وقال تعالى:

..................................  ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ﴾ 1. ولأَنَّ كلَّ شهادةٍ مَقْبولةٌ إذا اتَّفَقَتْ، مَقْبُولةٌ إذا افْتَرَقَتْ في مَجالِسَ، كسائرِ الشَّهاداتِ.
ولَنا، أنَّ أبا بَكْرَةَ، ونافِعًا، وشِبْلَ 2 ابنَ مَعْبدٍ، شَهِدُوا عندَ عمرَ، على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ بالزِّنَى، ولم يَشهَدْ زِيادٌ، فحَدَّ الثلاثةَ 3. ولو كان المجلسُ غيرَ مُشْتَرَطٍ، لم يَجُزْ أن فحَدَّهم، لِجوازِ أن يَكْمُلُوا برابع في مجلس آخَرَ، ولأنَّه لو شَهِد ثلاثةٌ، فحَدَّهم، ثم جاءَ رابعٌ فشَهِدَ، لمِ تُقْبَلْ شَهادَتُه، ولولا اشْتراطُ المجلسِ، لَكَمَلَتْ شَهادَتُهم.
وبهذا فارَق سائِرَ الشَّهاداتِ.
وأمَّا الآيةُ فإنَّها لم تَتَعَرَّضْ للشُّروطِ، ولهذا لم تَذْكُرِ 4 العَدالَةَ، وصِفَةَ الزِّنى، ولأَنَّ قَوْلَه: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ 5. لا يَخْلُو مِن أن يكونَ مُطْلَقًا في الزَّمانِ كلِّه، أو مُقَيَّدًا، لا يجوزُ أن يكونَ مُطْلقًا، لأنَّه يَمْنَعُ مِن جَوازِ جَلْدِهم، لأنَّه ما مِن زَمَن إلَّا 6 يجوزُ أن يَأْتِىَ فيه بأَرْبَعةِ شُهداءَ، أو بكَمالِهم إن كان قد شَهِد بعضُهم، فيَمْتَنِعُ جَلْدُهم المأمورُ به، فيكونُ

فَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ، أَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ  مُتَناقِضًا، وإذا ثَبَت أنَّه مُقَيَّدٌ بالمجلسِ؛ لأَنَّ المجلسَ كلَّه بمَنْزِلَةِ الحالةِ الواحدةِ، ولهذا ثَبَت فيه خِيارُ المجلس، واكْتُفِىَ فيه بالقَبْضِ فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ اجْتماعُهم حالَ مجِيئِهم، ولو جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ واحدًا بعدَ واحدٍ، في مجلسٍ واحدٍ، قَبِلَ شَهادَتَهم.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إن جاءوا مُتَفَرِّقِينَ، فهم قَذَفَة؛ لأنَّهم لم يَجْتَمِعُوا في مجِيئهم، فلم تُقْبَلْ شَهادَتُهم، كالذين لم يَشهَدُوا في مجلسٍ واحدٍ.
ولَنا، قِصَّةُ المُغيرَةِ، فإنَّ الشُّهُودَ جاءوا واحدًا بعدَ واحدٍ، وسُمِعَتْ شَهادَتُهم، وإنَّما حُدُّوا لعَدَمِ كَمالِها في المجلسِ.
وفى حديثِه، أنَّ أبا بَكْرَةَ قال: أرأيتَ لو جاءَ آخَرُ يَشْهَدُ، أكنتَ تَرْجُمُه؛ قال عمرُ (1): إىْ، والذى نفسِى بيدِه.
ولأنَّهم اجْتَمَعُوا في مجلسٍ واحدٍ، أشْبَهَ ما لو جاءوا مُجْتَمِعِين، ولأَنَّ المجلسَ كلَّه بمَنْزِلَةِ ابْتِدائِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإذا تَفَرَّقُوا في مجالسَ، فعليهم الحَدُّ؛ لأَنَّ مَن شَهِدَ بالزِّنَى، ولم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، يَلْزَمُه الحَدُّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (2).

4421 -

مسألة: (فإن جاء بعضُهم بعد أن قام الحاكمُ، أو شَهِد

12

الرَّابعُ مِنَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْهَا، فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِم الْحَدُّ،  ثلاثةٌ وامْتَنَعَ الرَّابعُ مِن الشَّهادَةِ، أو لم يُكْمِلْهَا، فهم قَذَفَةُ، وعليهم الحَدُّ) إذا لم 1 يَكْمُلْ شهودُ الزِّنَى، فعليهم الحَدُّ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وذَكَرَ أبو الخَطابِ فيهم رِوايَتَيْن.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ فيهم قَوْلان؛ أحَدُهما، لا حَدَّ عليهم؛ لأنَّهم شُهودٌ، فلم يجبْ عليهم الحَدُّ، كما لو كانوا أربعةً أحدُهم فاسِقٌ.
ولَنا، قَولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
وهذا يُوجِبُ الحَد 2 على كلّ رامٍ لم يَشْهَدْ بما قال أرْبَعةٌ، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، [فإنَّ عمرَ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وأصحابَه حينَ لم يُكْمِلِ الرَّابعُ شهادَتَه، بمَحْضرٍ مِن الصَّحابَةِ] 3، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ.
وروَى صالِحٌ 4 بإسْنادِه، عن أبى عثمانَ النَّهْدِىِّ، قال: جاءَ رجلٌ إلى عمرَ، فشَهِدَ على المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، فتَغَيَّرَ لونُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشَهِدَ، فتَغَيَّرَ لونُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشَهِدَ، فاسْتَنْكَرَ ذلك عمرُ، ثم جاءَ شابٌّ يَخْطُرُ بيَدَيْه، فقال عمرُ: ما عندَكَ يا سَلْحَ العُقابِ؟

..................................  وصاحَ به عمرُ صَيْحَةً، فقال أبو عثمانَ: واللَّهِ لقد كِدْتُ يُغْشَى علىَّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، رَأْيتُ أمْرًا قَبِيحًا.
فقال: الحمدُ للَّه الذى لم يُشْمِتِ الشَّيْطانَ بأصحابِ محمدٍ.
قال: فأمَرَ بأولئِك النَّفَرِ، فجُلِدُوا.
وفى رِوايةٍ، أنَّ عمرَ لَمَّا شُهِدَ عندَه على المُغيرةِ، شَهِد ثلاثة، وبَقِىَ زِيادٌ، فقال عمرُ: أرى شابًّا حَسنًا، وأرْجُو ألَّا يَفْضَحَ اللَّهُ على لِسانِه رجُلًا مِن أصحابِ محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-: فقال: يا أميرَ المؤمنين، رأيتُ اسْتًا تَنْبُو، ونَفَسًا يَعْلُو، ورأيتُ رِجْلَيْها فوقَ عُنُقِه، كأنَّهما أُذُنا حِمارٍ، ولا أدْرِى ما وراءَ ذلك؟ فقال عمرُ: اللَّه أكبرُ، وأمَرَ بالثَّلاثةِ فضُرِبُوا.
قولُ عمرَ: يا سَلْحَ العُقابِ.
معناه أنَّه يُشْبِهُ سَلْحَ العُقابِ 1، الذى يَحْرِقُ كلَّ شئٍ أصابَه، كذلك هو، يُوقِعُ العُقوبَةَ بأحَدِ الفَرِيقَيْن لا مَحَالَةَ، إن كَمَلَتْ شَهادَتُه حُدَّ المَشْهُودُ عليه، وإن لم (1) تَكْمُلْ، حُدَّ أصحابُه.
فإن قيلَ: فقد خالَفَهم أبو بَكْرَةَ 2 وأصحابُه الذين شَهِدُوا.
قُلْنا: لم يُخالِفُوا في وُجوِبِ الحَدِّ عليهم، إنَّما خَالَفُوهم في صِحَّةِ ما شَهِدُوا به.
ولأنَّه رامٍ بالزِّنى لم يَأْتِ بأربَعةِ شُهَداءَ، فيجبُ عليه الحَدُّ، كما لو لم يَأْتِ بأحَدٍ.

وَإِنْ كَانُوا فُسَّاقًا، أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ.
وَعَنْهُ، لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ.

4422 - مسألة: (وإن كانُوا فُسَّاقًا، أو عُمْيَانًا، أو بعضُهم، فعليهم الحَدُّ. وعَنه، لا حَدَّ عليهم)

إذا كانُوا أربعةً غيرَ مَرْضِيِّينَ، كالعَبِيدِ والفُسَّاقِ والعُمْيانِ، ففيهم ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، عليهم الحَدُّ.
وهو قولُ مالكٍ.
قال القاضى: هذا الصَّحِيحُ؛ لأنَّها شهادة لم تَكْمُلْ، فوَجَبَ الحَدُّ على الشُّهودِ، كما لو لم يَكْمُلِ العَدَدُ.
والثانيةُ، لا حَدَّ عليهم.
وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وأبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ هؤلاءِ قد جاءوا بأربعةِ شُهَدَاءَ، فَدَخَلُوا في عُمُومِ الآيةِ، ولأنَّ عَدَدَهم قد كَمَل، ورَدُّ الشَّهادَةِ لمَعْنًى غيرِ تَفْرِيطِهم، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَ أرْبَعَةٌ مَسْتُورون 1، ولم تَثْبُتْ عَدالَتُهم ولا فِسْقُهم.
الثَّالثةُ، إن كانوا عُمْيَانًا أو بعضُهم، جُلِدُوا، وإن كانوا عَبِيدًا أو فُسَّاقًا، فلا حَدَّ عليهم.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ؛ لأَنَّ العُمْيانَ مَعْلُوم كَذِبُهم؛ لكَوْنِهم شَهِدُوا بما لم يَرَوْه يَقِينًا، والآخَرُونَ يَجوزُ صِدْقُهم، وقد كَمَل عدَدُهم 2،

وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ زَوْجًا، حُدَّ الثَّلاثَةُ، وَلَاعَنَ الزَّوجُ إِنْ شَاءَ.
فأشْبَهُوا مَسْتُورِى الحالِ.
وقال أصحابُ.
الشافعىِّ: إن كان رَدُّ الشَّهادَةِ لمَعْنًى ظاهرٍ، كالعَمَى، والرِّقِّ، والفِسْقِ الظاهِرِ، ففِيهم قَوْلان، وإن كان لمَعْنًى خفِىٍّ، فلا حَدَّ عليهم؛ لأَنَّ ما يَخْفَى يَخْفَى على الشُّهودِ، فلا يكونُ ذلك تَفْرِيطًا منهم، بخِلافِ ما يَظْهَرُ.
فإن شَهِدَ ثلاثةُ رجالٍ وامْرأتان، حُدَّ الجميعُ؛ لأَنَّ شهادةَ النِّساءِ في هذا البابِ كعَدَمِها.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وهذا يُقَوِّى رِوايةَ إيجابِ الحَدِّ على الأوَّلِينَ، ويُنَبِّهُ على إيجابِ الحَدِّ فيما إذا كانوا عُمْيانًا أو بعضُهم؛ لأن المرأتَيْنِ يَحْتَمِلُ صِدْقُهما، وهما مِن أهلِ الشهادَةِ في الجُمْلَةِ، والأعْمَى كاذِبٌ يَقِينًا، وليس مِن أهلِ الشَّهادةِ على الأفْعالِ، فوُجوبُ (1) الحَدِّ عليهم وعلى مَن معهم أوْلَى.

4423 -

مسألة: (وإن كان أحَدُهم زَوْجًا، حُدَّ الثَّلَاثَةُ، ولَاعَنَ الزَّوْجُ إن شاء)

لأَنَّ الزَّوْجَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه على امرأتِه؛ لأنَّه بشهادَتِه مُقِرٌّ1

وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أنَّهُ زَنَى بِهَا في بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ، وَاثنَانِ أنَّه زَنى بِهَا في بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ آخَرَ، فَهُمْ قَذَفَةٌ عَلَيْهِمُ  بعُدوَانِه لها، فلا تُقْبَلُ شهادتُه عليها (1)، فيَبْقَى الشُّهودُ ثلاثةً، فيُحَدُّون، كما حُدَّ (2) شهُودُ المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، ولأَنَّ اللَّهَ سبحانَه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.

4424 -

مسألة: (وإن شَهِدَ اثْنَانِ أنَّه زَنَى بها في بَيْتٍ أو بَلَدٍ، واثْنَان أنَّه زَنَى بها فِى بَيْتٍ أو بَلَدٍ آخَرَ، فهم قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ. وعنه،

12

الْحَدُّ.
وَعَنْهُ، يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ بَعِيدٌ.
يُحَدُّ المَشْهُودُ عليه.
وهو بَعِيدٌ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بها في هذا البيتِ، واثنان أنَّه زَنَى بها في بيتٍ آخَرَ، أو شَهِد كلُّ اثْنَيْن عليه بالزِّنَى في بلدٍ غيرِ البلدِ الذى شَهِدَ به 1 صاحِبَاهُما، أو اخْتَلَفُوا في اليومِ، فالجميعُ قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
واخْتارَ أبو بكرٍ، أنَّه لا حَدَّ عليهم.
وبه قال النَّخَعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّهم كَمَلُوا أربعةً.
ولَنا، أنَّه لم يَكْمُلْ أربعةٌ على زِنًى واحدٍ، فوَجَبَ عليهم الحَدُّ، كما لو انْفَرَدَ بالشَّهادةِ اثْنان.
وأمَّا المَشْهُودُ عليه، فلا حَدَّ عليه في قولِهم جميعًا.
وقال أبو بكر: عليه الحَدُّ.
وحَكاه قوْلًا لأحمدَ.
وهو بَعِيدٌ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ زِنَى واحدٍ بشَهادَةِ أرْبَعةٍ، فلم يجبِ الحَدُّ، ولأَنَّ جميعَ ما يُعْتَبَرُ له البَيِّنَةُ يُعْتَبَرُ كَمالُهَا في حَقِّ واحدٍ، فالمُوجِبُ

..................................  للحَدِّ أوْلَى؛ لأنَّه 1 ممَّا يُحْتَاطُ له، ويُدْرأُ بالشُّبُهاتِ.
وقد قال أبو بكرٍ: إنَّه لو شَهِدَ اثنان أنَّه زَنَى بامرأةٍ بَيْضاءَ، وشهدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى [بامرأةٍ سوداءَ] 2، فهم قَذَفَةٌ.
ذَكَرَه القاضى، وهذا يَنْقُضُ قولَه.

وَإِنْ شَهِدَا أَنَّه زَنَى بِهَا في زَاوِيةِ بَيْتٍ، وَشَهِدَ الآخَرَانِ أنَّه زَنَى بهَا في زَاوِيَتِهِ الأُخْرَى،

4425 - مسألة: (وإن شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بِها في زاوِيَةِ بَيْتٍ، وشَهِد اثْنانِ أنَّه زَنَى بها في زَاوِيةٍ أُخْرَى)

كَمَلَتْ شَهَادَتُهُم، إن كانَتِ الزَّاوِيَتَان مُتَقَارِبَتَيْن، وحُدَّ المَشْهُودُ عليه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: لا حَدَّ عليه، لأَنَّ شَهادَتَهم لم تَكْمُلْ، ولأنَّهم اخْتَلَفُوا في المَكانِ، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفُوا 1 في البَيْتَيْن.
فأمَّا إن كانتِ الزَّاوِيتان مُتَباعِدَتيْن، فالقولُ فيهما كالقولِ في البَيْتَيْن.
وعلى قولِ أبى بَكرٍ تَكْمُلُ الشَّهادَةُ، سَواءٌ تَقارَبَتِ الزَّاوِيَتان أو تَباعَدَتا.
ولَنا، أنَّهما إذا تَقارَبَتا، أمْكَنَ صِدْقُ الشُّهودِ، بأن يكونَ ابْتِداءُ الفِعْلِ في إحْداهما، وتَمامُه في الأُخْرَى، أو يَنْسِبَه كلُّ اثْنَيْن إلى إحْدَى الزَّاوِيَتَيْن لقُرْبِه منها، فيجبُ قَبولُ شَهادَتِهم، كما لو اتَّفَقُوا، بخِلافِ ما إذا كانَتَا مُتَباعِدَتَيْن، فإنَّه لا يُمْكِنُ كَوْنُ المَشْهودِ به فِعْلًا واحدًا.
فإن قِيلَ: فقد يُمْكِنُ أن يكونَ المَشْهُودُ

جارٍ التحميل