صِفَاتِهِ، أو اتَّخَذَ للهِ صَاحِبَةً، أَوْ وَلَدًا، أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الله تِعَالى، أَوْ شَيئًا مِنْهُ، أوْ سَبَّ اللهَ تعالى، أوْ رَسُولَهُ، كَفَرَ.
وَحْدَانِيَّتَهُ، أو صِفَةً مِن صِفَاتِه، أو اتَّخَذَ للهِ صاحِبَةً، أو وَلَدًا، أو جَحَد نَبيًّا، أو كِتابًا مِن كُتُبِ اللهِ، أو شيئًا منه، أو سَبَّ اللهَ) سُبْحَانَهُ و (تَعالى، أوَ رسولَهُ، كَفَر) وجملةُ ذلك، أنَّ المُرْتَدَّ هو الرَّاجِعُ عن دينِ الإِسلامِ إلى الكُفْرِ، فمَن أقَرَّ بالإِسْلامِ، ثم أنْكَرَه وأنْكَرَ الشَّهَادَتَين، أو إحْدَاهما، كَفَر بغيرِ خِلافٍ.
وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ أوْ شَيئًا مِنْهَا، أوْ أَحَلَّ الزِّنَى، أَو الْخَمْرَ، أو شَيئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيهَا لِجَهْلٍ، عُرِّفَ ذَلِكَ، وَإنْ كَانَ مِمَّن لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَفَرَ.
4580 - مسألة: (فإن جَحَد وُجُوبَ العِبادَاتِ الخَمْسِ، أو شَيئًا منها، أو أحَلَّ الزِّنَى، أو الخَمْرَ، أو شَيئًا مِن المُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ المُجْمَعِ)
على تَحْرِيمِها (لجَهْلٍ، عُرِّفَ ذلِكَ، فإن كان مِمَّن لا يَجْهَلُ
..................................
ذلك، كَفَر) وجملةُ ذلك، أنَّه قد مَضَى شَرْحُ حُكمِ جاحِدِ 1 وُجُوبِ الصلاةِ وغيرِها مِن العِباداتِ الخَمْسِ في كِتابِ الصلاةِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في كُفْرِ مَن تَرَك الصلاةَ جاحِدًا لوُجُوبِها، إذا كان مِمَّن لا يَجْهَلُ مثلُه ذلك، فإن كان مِمَّن لا يَعْرِفُ الوُجُوبَ، كحديثِ الإِسْلامِ، والنَّاشِئ بغيرِ دارِ الإسْلامِ، أو بادِيَةٍ بعيدةٍ عن الأمْصارِ، وأهْلِ العلمِ، لم يُحْكَمْ بكُفْرِه، وعُرِّفَ ذلك، وثَبَتَتْ له أدِلَّةُ وُجُوبِها، فإن جَحَدَها بعدَ ذلك كَفَر.
وأمَّا إذا كان الجاحِدُ لها ناشِئًا بينَ المُسْلِمِينَ في الأَمْصارِ، بينَ أهلِ العلمِ، فإنَّه يَكْفُرُ بمُجرَّدِ جَحْدِها، وكذلك الحكْمُ في مباني الإِسْلامِ كُلِّها، وهي الزَّكاةُ، والصِّيامُ، والحَجُّ، لأنَّها مباني الإِسْلامٍ، وأدِلَّةُ وجُوبِهَا لا تَكادُ تَخْفَى إذ كان الكتابُ والسُّنَّةُ مَشْحُونين بأدِلَّتِها 2، والإِجْماعُ مُنْعَقِدٌ عليها، فلا يَجْحَدُها إلَّا مُعانِدٌ للاسْلامِ، مُمْتَنِعٌ مِن الْتِزامِ الأحْكامِ، غيرُ قابلٍ لكتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رسولِه، وإجْماعِ الأمَّةِ.
وكذلك مَن اعْتَقَدَ حِلَّ شيءٍ أجْمَعَ المسلمونَ على تَحْرِيمِه، وظَهَرَ حُكْمُه بينَ المسلمينَ، وزَالتِ الشُّبْهَةُ فيه للنُّصوصِ الوارِدَةِ فيه، كلَحْمِ الخِنْزيرِ، والزَّنَى، والخَمْرِ، وأشْباهِ هذا ممَّا لا خِلافَ فيه، كَفَر إذا كان قد نَشَأ بينَ المسلمينَ، وهو ممَّن لا يَجْهَلُ مثلُه ذلك، وقد ذَكَرْناه في تاركِ الصلاةِ.
..................................
فصل: ومَن سَبَّ اللهَ تعالى أو رسولَه، كَفَر، سَواءٌ كان جادًّا أو مازِحًا، وكذلك مَن اسْتَهْزَأ باللهِ سُبحانَه وتعالى، أو بآياتِه أو برُسُلِه أو كُتُبه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ 1. ويَنْبَغِي أن لا يُكْتَفَى مِن الهازِئِ بذلك بمُجَرَّدِ الإِسْلامِ حتى يُؤَدَّبَ أدَبًا يَزْجُرُه عن ذلك؛ لأنَّه إذا لم يُكْتَفَ ممَّن سِبَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّوْبةِ، فهذا أوْلَى.
فصل: فإنِ اسْتَحَلَّ قتلَ المَعْصُومِين، وأخْذَ أمْوالِهم، بغيرِ شُبْهَةٍ ولا تأْويلٍ، كَفَر؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان بتأويلٍ، كالخَوارِجِ، فقد ذَكَرْنا أنَّ كثيرًا مِن العُلَماءِ لم يَحْكُموا بكُفْرِهم مع اسْتِحْلالِهم دِماءَ المسلمِين وأمْوالهم، وفِعْلِهم ذلك مُتَقَرِّبِين به إلى اللهِ تعالى، وكذلك لم يُحْكَمْ بكُفْرِ ابنِ مُلْجَم مع قَتْلِه أفضلَ الخَلْقِ في زمنِه، ولا يَكْفُرُ المادِحُ له على ذلك أيضًا، المُتَمَنِّي مثلَ فِعْلِه، وهو عِمْرانُ بنُ حِطَّانَ، قال يَمْدَحُه لقَتْلَ عليٍّ 2:
يا ضَرْبةً مِن تَقِيٍّ ما أرادَ بها … إلَّا لِيَبْلُغَ [مِن ذي العَرْشِ] 3 رِضوانًا
إنِّي لأذْكُرُه يومًا فأحْسَبُه … أوْفَى البَرِيَّةِ عندَ اللهِ مِيزَانًا
..................................
وقد عُرِفَ مِن مذهبِ الخَوارجِ تَكْفِيرُ كثيرٍ مِن الصحابةِ، ومَن بعدَهم، واستِحْلالُ دِمائِهم وأمْوالِهم، واعتِقادُهم التَّقَرُّبَ إلى رَبِّهم بقَتْلِهم، ومع هذا لم يَحْكُمْ أكثرُ الفُقَهاءِ بِكُفْرِهم؛ لتأْويلهم.
وكذلك يُخَرَّجُ في كُلِّ مُحَرَّم اسْتُحِلَّ بتَأْويلٍ مِثلِ هذا.
فقد رُوِيَ أنَّ قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ شَرِب الخَمْرَ مُسْتَحِلًّا، [فأقامَ عمرُ عليه الحَدَّ، ولم يُكَفِّرْه.
وكذلك أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيل، وجماعةٌ، شَرِبُوا الخَمْرَ بالشَّامِ مُسْتَحِلِّينَ] 1 لها، مُسْتَدِلِّين بقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ 2 الآية 3. فلم يُكَفَّرُوا، وعُرِّفُوا تَحْريمَها، فتابُوا، وأُقِيمَ عليهم 4 الحَدُّ 5 فيُخَرَّجُ في مَن كان مثلَهم مثلُ حُكْمِهم.
وكذلك كُلُّ جاهلٍ بشيءٍ يُمْكِنُ أن يَجْهَلَه، لا يُحْكَمُ بكُفْرِه حتى يَعْرِفَ ذلك، وتَزُولَ عَنه الشُّبْهَةُ، ويَسْتَحِلَّه بعدَ ذلك.
وقد قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: مَن قال: الخمرُ حَلالٌ.
فهو كافرٌ يُسْتَتَابُ، فإن تابَ، وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه.
وهذا مَحْمُولٌ على مَن لا يَخْفَى على مثلِه تحْريمُه؛ لِما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن أكَلَ لحمَ الخِنْزيرِ، أو مَيتَةً، أو شَرِب خَمْرًا، لم يُحْكَمْ برِدَّتِه بمُجَرَّدِ ذلك، سَواءٌ فَعَلَه في دارِ الحربِ أو دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ فَعَلَه مُعْتَقِدًا تَحْريمَه، يفعلُ غيرَ
وَإنْ تَرَكَ شَيئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الخَمْسِ تَهَاوُنًا، لَمْ يَكْفُرْ.
وَعَنْهُ،
ذلك مِن المُحَرَّماتِ.
فصل: والإِسلامُ شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامُ الصَّلَواتِ الخمسِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحَجُّ البيتِ، فمَن أقَرَّ بهذا فهو مسلمٌ وتَجْرِي عليه أحكامُ الإِسلامِ، ومَن أنْكَرَ هذا أو شيئًا منه كَفَر، لأنَّ الإِقْرارَ بالجميعِ واجبٌ بالاتِّفاقِ، ولا يكونُ مسلمًا إلَّا بذلك، فَمن أنْكرَ ذلك (1) لم يَكُنْ مسلمًا، ومَن أنكرَ البعضَ، كان كمَن أنكرَ الجميعَ، لأنَّه إذا أنكرَ البعضَ كان البعضُ الآخرُ كالمعْدومِ، والدليلُ على ذلك أنَّ مَن تَرَك رُكْنًا مِن أركانِ الصلاةِ عامدًا، بَطَلَتْ، وكان وجودُ باقي الأركانِ كالمعدومِ، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمسئِ في صلاتِه: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (2). فجَعَلَ وجودَ صلاتِه كعدمِها حيثُ تَرَك بعضَ أركانِها.
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ (3). وإنَّما كَذَّبُوا نوحًا وحدَه، فكان تكذيبُهم إياه كتَكْذِيبِهم جميعَ المرسلِين.
وعلى هذا لو جَحَد حُكْمًا مِن أحكامِ الإِسلامِ مُجْمَعًا عليه، كان كمَن جَحَدَه جميعَه.
4581 -
مسألة: (ومَن ترَك شَيئًا مِن العِباداتِ الخَمْسِ تَهاوُنًا،
123
يَكْفُرُ إلا الْحَجَّ لَا يَكْفُرُ بِتَأْخِيرِهِ بِحَالٍ.
فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ،
لم يَكْفُرْ.
وعنه، يَكْفُرُ) وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ الرِّوايَتَين في بابِ مَن ترَك الصلاةَ.
فأمَّا (الحَجُّ، فلا يَكْفُرُ بتَأْخِيرِه بحالٍ) لأنَّ في وَجُوبِه على الفَوْرِ خِلافًا بينَ العلماءِ، على ما ذُكِر في مَوْضِعِه.
4582 -
مسألة: (ومَن ارْتَدَّ عن الإِسلامِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ،
دُعِيَ إِلَيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَضُيِّقَ عَلَيهِ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ، قُتِلَ.
وهو بالِغٌ عاقِلٌ، دُعِيَ إليه ثَلاثَةَ أيَّامٍ، وضُيِّقَ عليه، فإن لم يتُبْ قُتِلَ) الكلامُ في هذه المسألةِ في خمسةِ فُصولٍ، أحدُها: أنَّه لا فَرْقَ بينَ الرِّجال والنِّساءِ في وُجوبِ القتلِ.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعليٍّ 1، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، والحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّها تُسْتَرَقُّ ولا تُقْتَل؛ لأنَّ أبا بكرٍ اسْتَرَقَّ نِساءَ بني حنيفةَ، وذَرَارِيَّهم، وأعْطَى عليًّا امرأةً منهم، فوَلَدَت له محمدَ بنَ الحَنَفِيَّةِ 2، وكان 3 هذا بمَحْضَرٍ من الصحابةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.
وقال أبو حنيفةَ: تُجْبَرُ على الإسْلامِ بالحَبْسِ والضَّرْبِ، ولا تُقتَلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً» 4. ولأنَّها لا تُقْتَلُ بالكُفْرِ الأصْلِيِّ، فلا تُقْتَلُ بالطَّارِئ، كالصَّبِيِّ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
..................................
رَواه البخاريُّ، وأبو داودَ 1. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِيِنِهِ المُفَارِقُ للْجَمَاعَةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وروَى الدَّارَقُطْنِيُّ 3، أنَّ امرأةً يُقالُ لها: أُمُّ مَرْوانَ، ارْتَدَّتْ عن الإِسْلامِ، فبَلَغَ امْرُها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فأمَرَ أن تُسْتَتابَ، فإن تابَتْ، وإلَّا قُتِلَتْ.
ولأنَّها شَخْصٌ مُكَلَّفٌ بَدَّلَ دِينَ الحَقِّ بالباطلِ، فتُقْتَلُ كالرجُلِ.
وأمَّا نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن قَتْلِ المرأةِ، فالمُرادُ به الأصلِيَّةُ، فإنَّه 4 قال ذلك حينَ رَأى امرأةً مَقْتُولَةً، وكانت كافِرَةً أصْلِيَّةً، وكذلك نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الذين بَعَثَهم إلى ابنِ أبي الحُقَيقِ 5 عن قتلِ النِّساءِ 6، ولم يَكُنْ فيهم مُرْتَدٌّ.
ويُخالِفُ الكُفْرُ الأصْلِيُّ الطارِئَ، بدليلِ أنَّ الرَّجُلَ يُقَرُّ عليه، ولا يُقْتَلُ الشُّيوخُ، ولا المَكافِيفُ، ولا تُجْبَرُ المرأةُ على تَرْكِه بضَرْبٍ ولا حَبْسٍ، والكُفْرُ
..................................
الطارئُ 1 بخِلافِه، والصَّبِيُّ غيرُ مُكَلَّفٍ، بخِلافِ المرأةِ.
وأمَّا بنو حنيفةَ، فلم يَثْبُتْ أنَّ مَن اسْتُرِقَّ منهم تَقَدَّمَ له إسْلامٌ، ولم يَكُنْ بنو حنيفةَ أسْلَمُوا كلُّهم، وإنَّما أسْلَمَ بعضُهم، والظَّاهِرُ أنَّ الذين أسْلَمُوا كانوا رِجالًا، فمنهم مَن ثَبَت على إسْلامِه، منهم ثُمامةُ بنُ أُثالٍ، ومنهم مَن ارْتَدَّ، منهم الدَّجَّالُ الحَنَفِيُّ.
الفصلُ الثاني: أنَّ الرِّدَّةَ لا تَصِحُّ إلَّا من عاقلٍ، فأمَّا الطِّفْلُ الذي لا يَعْقِلُ، والمجْنونُ، ومَن زال عَقْلُه بنَوْمٍ، أو إغْماءٍ، أو شُرْبِ دَواءٍ مُباحٍ شُرْبُه، فلا تَصِحُّ رِدَّتُه، ولا حُكْمَ لكَلامِه، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 2: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ المجنونَ إذا ارْتَدَّ في حالِ جُنونِه، أنَّه 3 مسلمٌ على ما كان عليه قبلَ ذلك، ولو قَتَلَه قاتِلٌ عَمْدًا، كان عليه القَوَدُ، إذا طَلَب أوْلِياؤُه.
وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ».
أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 4، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلم يُؤاخَذْ بكَلامِه، كما لم يُؤاخَذْ به في إقرارِه، ولا طَلاقِه، ولا عَتاقِه.
وأمَّا السَّكْرانُ، والصَّبِيُّ العاقلُ، فيُذْكَرُ حُكْمُهُمَا فيما بعدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الفصلُ الثالثُ: أنَّه لا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتابَ ثلاثًا.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ
وَعَنْهُ، لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، وَيَجُوزُ قَتْلُهُ في الْحَالِ.
العلمِ؛ منهم عمرُ وعليٌّ 1 وعَطاءٌ، والنَّخَعِيّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
وهذا أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى 2 (لا تجبُ اسْتِتَابَتُه، بل تُسْتَحَبُّ) وهو القولُ الثاني للشافعيِّ.
وبه قال عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ، وطاوُسٌ.
ويُرْوَى ذلك (1) عن الحسنِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
ولم يَذْكُرِ اسْتِتابَةً.
ورُوِيَ أنَّ مُعاذًا قَدِمَ على أبي موسى، فوَجَدَ عندَه رجلًا مُوثَقًا، فقال: ما هذا؟ قال: رجل كان يَهُودِيًّا فأسْلَمَ، ثم راجَعَ دِينَه دينَ السَّوْءِ فتَهَوَّد.
فقال: لا أجْلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضاءُ اللهِ ورسولِه 3. ثلاثَ مَرَّاتٍ، [فأمَرَ به] 4 فقُتِلَ.
مُتَّفَق عليه 5. ولم يَذْكُرِ اسْتِتابَةً؛
..................................
ولأنَّه يُقْتَلُ لكُفْرِه، فلم تَجِبِ اسْتِتابَتُه كالأصْلِيِّ، ولأنَّه لو قُتِلَ قبلَ الاسْتِتابَةِ، لم يُضْمَنْ، ولو حَرُمَ قَتْلُه قبلَه 1 ضُمِنَ.
وقال عطاءٌ: إن كان مسلمًا أصْلِيًّا، لم يُسْتَتَبْ، وإن كان أسْلَمَ ثمَّ ارْتَدَّ اسْتُتِيبَ.
ولَنا، حديثُ أُمِّ مَرْوانَ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أن تُسْتَتابَ.
وروَى مالكٌ، في «المُوطَّأ» 2 عن عبدِ الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدٍ القارِيِّ، عن أبِيه، أنَّه قَدِمَ على عمرَ رجلٌ من قِبَلِ أبي موسى، فقال له عمرُ: هل كان مِن مُغَرِّبةِ خَبَرٍ 3؟ قال: نعم، رجلٌ كَفَر بعدَ إسْلامِه.
فقال: ما فَعَلْتُم به؟ قال: قَرَّبْناه، فَضَرَبْنا عُنُقَه.
فقال عمرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوه ثلاثًا، فأطْعَمْتُمُوه كلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، واسْتَتَبْتُمُوه، لعلَّه يَتُوبُ، أو 4 يُرَاجِعُ أمْرَ اللهِ؟ اللَّهُمَّ إنِّي 5 لم أحْضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أرْضَ إذْ بَلَغَنِي.
ولو لم تَجِبِ اسْتِتابَتُه لَمَا بَرِئَ من فِعْلِهم.
ولأنَّه أمْكَنَ اسْتِصْلاحُه، فلم يَجُزْ إتْلافُه قبلَ اسْتِصْلاحِه، كالثَّوْبِ النَّجِسِ.
وأمَّا الأمْرُ بقَتْلِه، فالمُرادُ
..................................
به بعدَ الاسْتِتابَةِ، بدَليلِ ما ذَكَرْناه.
وأمَّا حديثُ مُعاذٍ فإنَّه قد جاءَ فيه: وكان قد اسْتُتِيبَ 1. ويُرْوَى أنَّ أبا موسى اسْتَتابَه شَهْرَين قَبْلَ قُدومِ مُعاذٍ عليه، وفي رِوايةٍ: فدَعاهُ عِشْرِينَ لَيلَةً أو قَرِيبًا من ذلك، فجاءَ مُعاذٌ، فدَعاه فأبَى، فضُرِبَتْ عُنُقُه.
رواهنَّ أبو داودَ (1). ولا يَلْزَمُ من تحْريم القَتْلِ وُجُوبُ الضَّمانِ، بدليلِ نِساءِ أهلِ الحَرْبِ وصِبْيانِهِم.
إذا ثَبَت وُجُوبُ الاسْتِتابَةِ، فمُدَّتُها ثلاثةُ أيَّامٍ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال مالكٌ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: إن تابَ [في الحال] 2 وإلَّا قُتِلَ مَكانَه.
وهذا أصَحُّ قَوْلَيه.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لحَدِيثِ أُمِّ مَرْوانَ [ومُعاذٍ] (2)؛ لأنَّه مُصِرٌّ على كُفْرِه، أشْبَهَ بعدَ الثَّلاثِ، وقال الزُّهْرِيُّ: يُدْعَى ثلاثَ مَرَّاتٍ، فإن أبي، ضُرِبَتْ عُنُقُه.
وهذا يُشْبِهُ قَوْلَ الشافعيِّ.
وقال النَّخَعِيُّ: يُسْتَتابُ أبَدًا.
وهذا يُفْضِي إلى أنَّه لا يُقْتَلُ أَبدًا، وهو مُخالِفٌ للسُّنَّةِ والإِجْماعِ.
وعن عليٍّ، أنَّه استتاب رجلًا شَهْرًا 3. ولَنا، حديثُ
وَيُقْتَلُ بِالسَّيفِ
عمرَ (1)، ولأنَّ الرِّدَّةَ إنَّما تكونُ لشُبْهَةٍ، ولا تَزُولُ في الحالِ، فوَجَبَ أن يُنْظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فيها، وأَوْلَى (2) ذلك ثلاثة أَيَّامٍ؛ للأَثَرِ فيها، وأنَّها مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ.
ويَنْبَغِي أن يُضيَّقَ عليه في مُدَّةِ الاسْتِتابَةِ، ويُحْبَسَ؛ لقولِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنه: هَلَّا حَبَسْتُمُوه، وأطْعَمْتُموهُ كلَّ يومٍ رَغِيفًا.
ويُكَرِّرَ دِعايتَه، لَعَلَّهُ يَنْعَطِفُ قَلْبُه، فيُرَاجِعَ دِينَه.
الفصلُ الرابعُ: إن لم يَتُبْ قُتِلَ؛ لِما قَدَّمْنا ذِكْرَه.
وهو قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
4583 -
مسألة: (ويُقْتَلُ بالسَّيفِ)
لأنَّه آلةُ القَتْلِ ولا يُحْرَقُ بالنَّارِ.
ورُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه أمَرَ بتَحْرِيقِ المُرْتَدِّينَ 3، وفعَلَ ذلك بهم خالِدٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لقَوْلِ النبِّي - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ».
يَعْنِي النَّارَ، أخْرَجَه البخارِيُّ 4. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فإِذَا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ» 5. الفصلُ الخامسُ: أنَّ مَفْهُومَ كلامِ المُصَنِّفِ، رَحِمَه اللهُ، في هذه المسألةِ، إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، وسَنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.12
وَلَا يَقْتُلُهُ إلَّا الإمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، فَإنْ قَتَلَهُ غَيرُهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ، أسَاءَ، وَعُزِّرَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ، سَواءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الْاسْتِتَابَةِ أوْ بَعْدَهَا.
4584 - مسألة: (ولا يَقْتُلُه إلَّا الإمامُ أو نائِبُه)
حُرًّا كان المُرْتَدُّ أو عَبْدًا.
وهذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا الشافعيَّ، في أحَدِ الوَجْهَين في العَبْدِ، أنَّ لسَيِّدِه قَتلَه.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ لَه قَتْلَه في الرِّدَّةِ، وقَطْعَه في السَّرِقَةِ؟ لقولِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ» (1). ولأنَّ حَفْصَةَ قَتَلَتْ جَارِيَةً سَحَرَتْها (2)، وابنَ عمرَ قَطَع عَبْدًا سَرَق (3). ولأنَّه حَدٌّ للهِ تعالى، فَمَلَك السَّيِّدُ إقَامَتَه، كحَدِّ الزَّانِي.
ولَنا، أنَّه قَتْل لحَقِّ اللهِ تعالى، فكان إلى الإِمامِ، كقَتْلِ الحُرِّ، فأمَّا قولُه: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ».
فلا يَتَناوَلُ القَتْلَ في الرِّدَّةِ، فإنَّه قَتْلٌ لكُفْرِه، لا حَدَّا في حَقِّه.
وأمَّا خبَرُ حَفْصَةَ، رضي اللهُ عنهِا، فإنَّ عُثمانَ، رضي اللهُ عنه، تَغَيَّظَ عليها، وشَقَّ عليه (4). فأمَّا الجَلْدُ في الزِّنى، فإنَّه تَأْدِيبُ عَبْدِهِ، بخِلافِ القَتْلِ، وقد ذَكَرْنا.
ذلك في كتابِ (5) الحُدُودِ.
4585 -
مسألة: (فإن قَتَلَه غيرُه بغيرِ إذْنِه، أسَاءَ، وعُزِّرَ)
12345
وَإنْ عَقَلَ الصَّبِيُّ الإسْلَامَ، صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ إِسْلَامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَبْلُغَ.
وَالْمَذْهَبُ الْأوَّلُ.
لإساءَتِه وافْتِيَاتِه على الإمامِ (ولا ضَمانَ عليه) لأنَّه مَحَلٌّ غيرُ مَعْصُومٍ، و (سَواءٌ قَتَلَه قبلَ الاسْتِتابَةِ أو بعدَها) لذلك.
4586 -
مسألة: (وإن عَقَل الصَّبِيّ الإِسْلامَ، صَحَّ إسْلامُه ورِدَّتُهُ. وعنه، يَصِحُّ إسْلامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ. وعنه، لا يَصِحُّ شيءٌ منهما حَتَّى يَبْلُغَ. والمذهبُ الأوَّلُ)
يَصِحُّ إسْلامُ الصَّبِيِّ في الجملةِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وابنُ أبي شَيبَةَ، وأبو أيُّوبَ.
وقال الشافعيُّ، وزُفَرُ: لا يَصِحُّ إسْلامُه حتى يَبْلُغَ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» 1. حديثٌ حسنٌ.
ولأنَّه قَوْلٌ تَثْبُتُ به الأحْكامُ، فلم يَصِحَّ مِن الصَّبِيِّ، كالهِبَةِ والعِتْقِ، ولأنَّه أحَدُ مَن رُفِعَ عنه القَلَمُ، فلم يَصِحَّ إسْلامُه، كالنَّائِمِ والمَجْنُونِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ قَال: لَا الهَ إلَّا اللهُ.
دَخَلَ الجَنَّةَ» 2. وقولِه: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا:
.................................. لَا إلهَ إلَّا اللهُ، فإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» 1. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ، فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، ويُنَصِّرَانِه، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، إمَّا شَاكِرًا وَإمَّا كَفُورًا» 2. وهذه الأخْبارُ يَدْخُلُ في عُمُومِها الصَّبِيُّ، ولأنَّ الإِسْلامَ عِبادَة مَحْضَة، فصَحَّتْ من الصَّبِيِّ العاقلِ، كالصلاةِ والحَجِّ، ولأنَّ اللهَ تعالى دَعا عبادَه إلى دارِ السَّلامِ 3، وجَعَل طريقَها الإِسْلامَ، وجَعَل مَن لم يُجِبْ دَعْوتَه في الجحيمِ والعَذابِ الأليمِ، فلا يجوزُ مَنْعُ الصَّبِيِّ من إجابَةِ دَعْوَةِ اللهِ تعالى، مع إجابتِه إليها، وسُلوكِه طَرِيقَها، ولا إلْزامُه بعذاب اللهِ، والحكمُ عليه بالنَّارِ، وسَدُّ طريقِ النَّجاةِ عليه مع هَرَبِه منها، ولأنَّ ما ذَكَرناه إجْماعٌ، فإنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، أسْلَم صَبِيًّا، وقال 4: سَبَقْتُكُمُ إلى الإِسْلامِ طُرًّا … صَبيًّا ما بَلَغْتُ أوانَ حُلْمِي ولهذا قِيلَ: أوَّلُ مَن أسْلَمَ من الرِّجالِ أَبو بكرٍ، ومن الصِّبْيانِ عليٌّ،
..................................
ومن النِّساءِ خَدِيجَةُ، ومن العَبِيدِ بلالٌ 1. وقال عُرْوَةُ: أسْلَمَ على والزُّبَيرُ، وهما ابنا ثمانِ سنينَ، وبايعَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ابنُ الزُّبَيرِ لسَبْعِ أو ثمانِ سِنِينَ، ولم يَرُدَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أحَدٍ إسْلَامَه، من صَغِيرٍ أو 2 كبيرٍ.
فأمَّا قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ».
فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّه يَقْتَضِي 3 أنْ لا يُكْتَب عليه ذَنْبٌ، والإِسْلامُ يُكْتَبُ له لا عليه، ويَسْعَدُ به في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فهو كالصلاةِ تَصِحُّ منه وتُكْتَبُ له وإن لم تَجِبْ عليه، وكذلك غيرُها من العباداتِ المَحْضَةِ، فإن قِيلَ: فالإِسْلامُ يُوجِبُ عليه الزَّكاةَ [في مالِه، ونَفَقَةَ قَرِيبِه المُسْلِمِ، ويَحْرِمُه مِيرَاثَ قَرِيبِه الكَافِرِ، ويَفسَخُ نِكاحَه.
قُلْنا: أمَّا الزَّكاةُ] 4 فإنَّها نَفعٌ؛ لأنَّها سَبَبُ الزِّيادَةِ والنَّماءِ، وتَحْصِينِ المالِ، والثَّوابِ، وأمَّا المِيراثُ والنَّفَقَةُ، فأمْرٌ مُتَوَهَّمٌ، وهو مَجْبُورٌ بمِيرَاثِه من أقارِبِه المسلمينَ، وسُقوطِ نَفَقَةِ أقارِبِه الكُفَّارِ، ثم إنَّ هذا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ في جَنبِ ما يَحْصُلُ له من سعادةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وخَلاصِه من شَقاءِ الدَّارَين والخُلودِ في الجحيمِ فيُنَزَّلُ 5 منْزِلَةَ الضَّرَرِ في أكْلِ القُوتِ، المُتضمِّنِ افَوْتَ ما يَأْكُلُه وكُلْفَةَ
..................................
تَحْريكِ فِيه لمَّا كان بَقاؤُه به 1 لم يُعَدَّ ضَرَرًا، والضَّرَرُ في مسألتِنا في جَنْبِ ما يَحْصُلُ من النَّفْعِ، أدْنَى من ذلك بكثيرٍ.
فصل: واشْتَرَطَ الخِرَقِيُّ لصِحَّةِ إسْلامِه، أن يكونَ له عشرُ سِنِينَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بضَرْبِه على الصلاةِ لعَشْرٍ 2. وأن يكونَ ممَّن يَعْقِلُ الإِسْلامَ.
ومعناه أن يَعْلَمَ أنَّ اللهَ تَعالى ربُّه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبْدُه ورسولُه.
وهذا لا خِلافَ في اشْتِراطِه.
فإنَّ الطِّفْلَ الذي لا يَعْقِلُ، لا يَتَحَقَّقُ منه اعْتِقادُ الإِسْلام، وإنَّما كلامُه لَقْلَقَةٌ بلسانِه، لا يَدُلُّ على شيءٍ.
فأمَّا اشْتِراطُ العَشْرِ، فإنًّ أكثرَ المُصَحِّحِينَ لإِسْلامِه لم يَشْتَرِطُوا ذلك، ولم يَحُدُّوا له حَدًّا من السِّنينَ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ متى حَصَل، لم يَحْتَجْ إلى زِيادةٍ عليه.
ورُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، إذا كانَ ابنَ سَبْعِ سِنينَ، فإسْلامُه إسْلامٌ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ» (2). فدَلَّ على أنَّ ذلك حَدٌّ لأمْرهم، وصِحَّةِ
وَإنْ أسْلَمَ ثُمَّ قَال: لَمْ أَدرِ مَا قُلْتُ.
لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَأُجْبِرَ
عِبادَتِهم، فيكونُ حَدًّا لصِحَّةِ إسْلامِهم.
وقال ابنُ أبي شَيبَةَ: إذا أسْلَمَ وهو ابنُ خَمْسِ سِنِينَ، جُعِلَ إسْلامُه إسْلامًا.
ولعلَّه يقولُ: إن عليًّا أسْلَمَ (1) وهوٍ ابنُ خَمسٍ؛ لأنَّه قد قِيلَ: إنَّه قد ماتَ وهو ابنُ ثمانٍ وخمسينَ سنةً.
فعلى هذا يكونُ إسْلامُه، وهو ابنُ خَمسٍ؛ لأنَّ مُدَّةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - منذُ بُعِثَ إلى أن ماتَ ثلاثٌ وعشرونَ سَنَةً، وعاشَ عليٌّ بعدَه ثلاثين سنةً؛ فذلك ثلاثٌ وخمسونَ سنةً (2)، فإذا ضَمَمْنا إليها خَمْسًا، كانت ثمانيًا وخمْسين.
وقال أبو أيُّوبَ: أُجِيزَ إسْلامُ ابنِ ثلاثِ سِنِينَ، مَن أصابَ الحقَّ من صَغِيرٍ أو (3) كبِيرٍ أجَزْناه.
وهذا لا يَكادُ يَعْقِلُ الإِسْلامَ، ولا يَدْرِي ما يقولُ، ولا يَثْبُتُ لقولِه حُكْمٌ، فإن وُجِدَ ذلك منه ودَلَّتْ أحْوالُه وأقوالُه على مَعرِفَةِ الإِسْلامِ، وعَقْلِه إيَّاهُ، صَحَّ منه كغيرِه.
4587 -
مسألة: (وإن أسْلَمَ، ثم قال: لم أدْرِ ما قُلْتُ. لم يُلْتَفَتْ
123
عَلَى الإسْلَامِ.
إلى قولِه، وأُجْبِرَ على الإِسْلامِ) متى حَكَمْنا بصِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيِّ، لمعرِفَتِنا بعَقْلِه 1 بأدِلَّتِه، فرَجَعَ، وقال: لم أدْرِ ما قلتُ.
لم يُقْبَلْ قولُه، ولم يَبْطُلْ إسْلامُه الأوَّلُ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ منه، ولا يُجْبَرُ على الإِسْلام.
قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ مُحْتَمِلٌ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ في مَظِنَّةِ النَّقْصِ، فيجوزُ أن يكونَ صادِقًا.
قال: والعملُ على الأوَّلِ؛ لأنَّه قد ثَبَت عَقْلُه للإِسْلامِ، ومعرفتُه به بإفْعالِه أفعال العُقَلاءِ، وتَصرُّفاتِه تَصَرُّفاتِهم، وتَكَلُّمِه بكلامِهم، وهذا يَحْصُلُ به معرِفَةُ عَقْلِه؛ ولهذا اعْتَبَرْنا رُشْدَه بعدَ بُلُوغِه بأفْعالِه وتَصرُّفاتِه، وعَرَفْنا جُنونَ المجْنُونِ وعَقْلَ العاقلِ بما يَصْدُرُ عنه من أقْوالِه وأفْعالِه وأحْوالِه، فلا يَزولُ ما عَرَفْناه بمُجَرَّدِ دَعْوَاه.
وهكذا كلُّ مَن تَلَفَّظَ بالإِسْلامِ، أو أخْبَرَ عن نفْسِه، ثم أنْكَرَ معرفتَه بما قال، لم يُقْبَلْ إنْكارُه، وكان مُرْتَدًّا.
نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ.
وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُجَاوزَ ثَلَاثَةَ أَيامٍ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِهِ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ قُتِلَ.
فعلى هذا، إذا ارْتَدَّ، صَحَّتْ رِدَّتُه، وأُجْبِرَ على الإِسْلامِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
والظاهرُ مِن مذهبِ مالكٍ.
وعندَ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ إسْلامُه ولا رِدَّتُه.
وقد رُوِيَ أنَّه يَصِحُّ إسْلامُه، ولا تَصِحُّ رِدَّتُه، لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» (1). وهذا يَقْتَضِي أنَّه لا يُكْتَبُ عليه ذَنْبٌ ولا شَيءٌ، ولو صَحَّتْ رِدَّتُه، لكُتِبَتْ.
وأمَّا الإِسْلامُ فلا يُكْتَبُ عليه، إنَّما يُكْتَبُ له، ولأنَّ الرِّدَّةَ أمرٌ يُوجِبُ القَتْلَ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه في حَقِّ الصَّبِيِّ كالزِّنَى، ولأنَّ الإِسْلامَ إنَّما صَحَّ منه، لأنَّه تَمَحَّضَ مصلحةً، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ والتَّدْبِيرَ، والرِّدَّةُ تَمَحَّضَت مَضَرَّةً ومَفْسَدَةً، فلم يَلْزَمْ صِحَّتُها منه.
فعلى هذا، حُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَرْتَدَّ، فإذا بَلَغ، فإن أصَرَّ على الكُفْرِ كان مُرْتَدًّا حِينَئِذٍ.
4588 -
مسألة: (ولا يُقْتَلُ حتى يَبْلُغَ، ويُجاوزَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ مِن وَقْتِ بُلُوغِه، فإن ثَبَت على كُفْرِه قُتِلَ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الصَّبِيَّ لا يُقْتَلُ1
وَمَنِ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وَتَتِمَّ لَهُ ثَلَاثةُ أيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، فَإِنْ مَاتَ في سُكْرِهِ، مَاتَ كَافِرًا.
وَعَنْهُ، لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ.
إذا ارْتَدَّ، سَواءْ قُلْنا بصِحَّةِ رِدَّتِه أو لا؛ لأنَّ الغُلامَ لا يجبُ عليه عُقُوبَةٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَتَعَلَّقُ به حُكمُ الزِّنَى والسَّرِقَةِ وسائرِ الحُدُودِ، ولا يُقْتَلُ قِصاصًا، فإذا بَلَغ، وثَبَت على رِدَّتِه، ثَبَت حُكمُ الرِّدَّةِ حِينَئذٍ، فيُسْتَتابُ ثلاثًا، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّه كان مُرْتَدًّا قبلَ بُلُوغِه أو لم نَقُلْ، وسَواءٌ كان مسلمًا أصْلِيًّا فارْتَدَّ، أو كان كافِرًا فأسْلَمَ صَبِيًّا ثم ارْتَدَّ.
4589 -
مسألة: (ومَن ارْتَدَّ وهو سَكْرانُ، لم يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وتَتِمَّ له ثَلاثَةُ أيَّام مِن وَقْتِ رِدَّتِه، فإن ماتَ في سُكْرِه، ماتَ كَافِرًا. وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في رِدَّةِ السَّكْرانِ؛ فرُوىَ عنه أنَّها تصِحُّ.
قال أبو الخَطَّابِ: وهو أظهرُ الرِّوايَتَين عنه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه 1. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ
..................................
ذلك يتعَلَّقُ بالاعْتِقادِ والقَصْدِ، والسَّكْرانُ لا يَصِحُّ عقدُه، فأشْبَهَ المَعْتُوهَ، ولأنَّه زائِلُ العَقْلِ، فلم تَصِحَّ رِدَّتُه كالنَّائمِ والمَجْنُونِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ المَجْنُونَ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى أنَّ الصحابةَ قالوا في السَّكْرانِ: إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوه حَدَّ المُفْتَرِي 1. وأوْجَبُوا عليه حَدَّ الفِرْيَةِ التي يأْتِي بها في سُكْرِه، وأقامُوا مَظِنَّتَهَا مُقَامَها، ولأنَّه يَقَعُ طَلاقُه، فصَحَّتْ رِدَّتُه كالصَّاحِي.
وقولُهم: ليس بمُكَلَّفٍ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ الصلاةَ واجِبَةٌ عليه، وكذلك سائِرُ أرْكانِ الإِسْلامِ، ويَأْثَمُ بفِعْلِ المُحَرَّماتِ.
وهذا معنى التَّكْلِيفِ، ولأنَّ السَّكْرانَ لا يَزُولُ عقلُه بالكُلِّيَّةِ، ولهذا يَتَّقِي المُحْذُورَاتِ، ويَفْرَحُ بما يَسُرُّه، ويُساءُ بما يَضُرُّه، ويزولُ سُكْرُه عن قَرِيبٍ مِن الزَّمانِ، فأشبَهَ النَّاعِسَ، بخِلافِ المجْنُونِ، وأمَّا اسْتِتابَتُه فتُؤَخَّرُ إلى حينِ صَحْوه، فيَكْمُلُ عَقْلُه، ويَفْهَمُ ما يُقالُ له، وتَزُولُ شُبْهَتُه أنْ كان قد قال الكُفْرَ مُعْتَقِدًا له، كما تُؤَخَّرُ اسْتِتابَتُه إلى حينِ زَوالِ شِدَّةِ عَطَشِه وجُوعِه، ويُؤَخَّرُ الصَّبِيُّ إلى حينِ بُلُوغِه وكمالِ عَقْلِه، ولأنَّ القَتْلَ جُعِلَ للزَّجْرِ، ولا يَحْصُلُ الزجرُ
..................................
في حالِ سُكْرِه.
وإن قَتَلَه قاتِلٌ في حالِ سُكْرِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ عِصْمَتَه زالتْ.
برِدَّتِه.
وإن ماتَ أو قُتِلَ، [مات كافِرًا و] 1 لم يَرِثْه ورَثَتُه، ولا يُقْتَلُ حتى يَتِمَّ له ثلاثةُ أيَّامٍ مِن وَقْتِ رِدَّتِه، فإنِ اسْتَمَرَّ سُكْرُه أكثرَ مِن ثلاثٍ، لم يُقْتَلْ حتى يَصْحُوَ، ثم يُسْتَتابَ عَقِيبَ صَحْوه، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ في الحالِ.
فصل: فإن أسْلَمَ في سُكْرِه، صَحَّ إسْلامُه كما صَحَّتْ رِدَّتُه، ثم يُسْألُ بعدَ صَحْوه، فإن ثَبَت على إسْلامِه، فهو مسلمٌ مِن حينَ أسْلَمَ؛ لأنَّ إسْلامَه صَحَّ، وإنَّما يُسْألُ اسْتِظْهارًا، فإن ماتَ بعدَ إسْلامِه في سُكْرِه، مات مُسْلِمًا.
ويَصِحُّ إسْلامُه في سُكْرِه؛ سَواءٌ كان كافِرًا 2 أصْلِيًّا أو مُرْتَدًّا، لأنَّه إذا صَحَّتْ رِدَّتُه مع أنَّها مَحْضُ مَضَرَّةٍ، وقولُ باطلٍ، فلأنْ يَصِحَّ إسْلامُه، الذي هو مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، أوْلَى.
ويَتَخرَّجُ أن لا يَصِحَّ [إسْلامُه في حالِ سُكْرِه، بِناءً على القولِ بأنَّ رِدَّتَه لا تَصِحُّ] (1)، فإنَّ مَن لا تَصِحُّ رِدَّتُه، لا يَصِحُّ إسْلامُه، كالمَجْنُونِ.
وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أوْ مَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالى أوْ رَسُولَهُ، وَالسَّاحِرِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ؛ إِحْدَاهُمَا، لَا تقْبَل تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَالأخْرَى، تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، كَغَيرِهِ.
فصل: ولا تَصِحُّ رِدَّةُ المجنونِ ولا إسْلامُه، لأنَّه لا قولَ له.
فإنِ ارْتَدَّ في صِحَّتِه، ثم جُنَّ، لم يُقْتَل في حالِ جُنونِه؛ لأنَّه يُقْتَلُ بالإِصْرارِ على الرِّدَّةِ، والمجنونُ لا يُوصَفُ بالإصْرارِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِتابَتُه.
ولو وَجَب عليه القِصاصُ فجُنَّ، قُتِل؛ لأنَّ القِصاصَ لا يَسْقُطُ عنه بسَبَبٍ من جِهَتِه، وههُنا يَسْقُطُ برُجُوعِه، ولأنَّ القِصاصَ إنَّما يَسْقُطُ بسَبَبٍ من جِهَةِ المُسْتَحِقِّ له، فَنَظِيرُ مَسْألَتِنا أن يُجَنَّ المُسْتَحِقُّ للقِصاصِ، فإنَّه لا 1 يَسْتَوْفِي في حالِ جُنُونِه.
4590 -
مسألة: (وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، ومَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، أو مَن يسبَّ اللهَ تَعَالى أو رسولَه، أو السَّاحِرِ؟ على روَايَتَين؛ إحْدَاهُما، لا تُقْبَلُ تَوْبَتُه، ويُقتَلُ بِكُلِّ حالٍ.
والأُخْرَى، تُقْبَلُ توْبَتُه كغيرِه)
مفهومُ كلامِ الشيخِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ المُرْتَدَّ إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، ولم يُقْتَلْ،
..................................
أيَّ كُفْرٍ 1 كان.
وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ، سَواءٌ كان زِنْدِيقًا، أو لم يَكُنْ.
وهذا مذهبُ الشافعَيِّ، وَالعَنْبَرِيِّ.
ويُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، واختيارُ أبي بكرٍ الخَلَّالِ، وقال: إنَّه أَوْلَى على مذهبِ أبي عبدِ اللهِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، ومَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه.
وهو قولُ مالكٍ، واللَّيثِ، وإسْحاق.
وعن أبي حنيفةَ رِوايَتان، كهاتَين.
واخْتيارُ أبي بكرٍ أنَّها لا تُقْبَلُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ 2. والزِّنْدِيقُ لا يَظْهَرُ منه ما يُبَيِّنُ به رُجُوعَه وتَوْبَتَه؛ لأنَّه كان مُظْهِرًا للإِسْلامِ، مُسِرًّا للكُفْرِ، فإذا أظْهَرَ التَّوْبَةَ، لم يَزِدْ على ما كان منه قبلَها، وهو إظْهارُ الإِسْلامِ، وأمَّا مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ 3. وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن ظَبْيانَ 4 بنِ عُمارَةَ، أنَّ رَجلًا مِن بني سَعْدٍ مَرَّ على مسجدِ بني حَنِيفَةَ، فإذا هم يَقْرَأْونَ
..................................
برَجَزِ مُسَيلَمَةَ، فرَجَعَ إلى ابنِ مسعودٍ، فذَكَرَ ذلك له، فبَعَث إليهم، فأُتِيَ بهم، فاسْتَتابَهُم، فتابُوا، فخَلَّى سَبِيلَهم، إلَّا رجُلًا منهم يُقالُ له: ابنُ النَّوَّاحَةِ.
قال: قد أُتِيتُ بك مَرَّةً، فزَعَمْتَ أنَّك قد تُبْت، وأرَاكَ قد عُدْتَ.
فقَتَلَه 1. ووَجْهُ الرَّوايةِ الأولى، قولُ اللهِ تعالى: ﴿قُل للَّذِينَ كَفَروا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ 2. ورُوِيَ أنَّ رجلًا سَارَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلم يُدْرَ ما سَارَّه به، فإذا هو يَسْتَأْذِنُه في قَتْلِ رَجُلٍ من المُنافِقين، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «أَليسَ يَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ؟».
قال: بلى، ولا شَهادةَ له.
قال: «أليسَ يُصَلِّي؟».
قال: بلى، ولَا صلاةَ له.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِيَ اللهُ عَنْ قَتْلِهِمْ» 3. وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 4. ورُوِيَ أنَّ مَخشِيَّ 5
..................................
ابنَ حُمَيِّرٍ كان في النَّفَرِ الذين أنْزَلَ اللهُ فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ 1. فأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتابَ إلى اللهِ تعالى، فقَبِلَ اللهُ توْبَتَه 2، وهو الطَّائِفَةُ التي عَفا اللهُ عنها بقولِه سبحانه: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ 3. ورُوِيَ أنَّه سألَ اللهَ تعالى أن يُقْتَلَ شَهِيدًا في سَبيلِه، ولا يُعْلَمَ بمكانِه، فقُتِلَ يومَ اليَمامَةِ، ولم يُعْلَمْ مَوْضِعُه.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَفَّ عن المُنافِقِين بما أظْهَرُوا مِن الشَّهادةِ، مع إخْبارِ الله تعالى له بباطِنِهم، بقولِه تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ 4 وغيرِها مِن الآياتِ.
وحديثُ ابن مسعودٍ حُجَّةُ في قَبُولِ تَوْبَتِهم، مع إسْرارِهِم بكُفْرِهم.
فأمَّا قَتْلُ ابنِ النَّوَّاحَةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه قَتَلَه لظُهُورِ كَذبِه في تَوْبَتِه؛ لأنَّه أظْهَرَها، وتَبَيَّنَ أنَّه ما زال عمَّا كان عليه مِن كُفْرِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه 5 قَتَلَه؛ لقولِ النبيِّ
..................................
- صلى الله عليه وسلم - له حينَ جاءَ رسولًا لمُسَيلِمَةَ: «لَوْلَا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ» 1. فقَتَلَه 2 تَحْقِيقًا لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقد رُوِيَ أنَّه قَتَلَه لذلك.
فصل: فأمَّا مَن سَبَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أو رَسُولَه، فروَى القاضي، عن أحمدَ، أنَّه قال: لا تَوْبَةَ لِمَن سَبَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ
..................................
رِوايةً أُخْرَى، أنَّ تَوْبَتَه مَقْبُولَةٌ، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
ولحديثِ مَخْشِيِّ بنِ حُمَيِّرٍ، ولأنَّ مَن زَعَم أنَّ للهِ ولدًا فقد سبَّ اللهَ تعالى، بدَليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إخْبارًا عن رَبِّه تعالى أنَّه قال: «شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتِمَنِي، أمَّا شَتْمُه إِيَّايَ، فَزَعَمَ أنَّ لِي وَلدًا» 1. وتَوْبَتُه مَقْبُولةٌ، بغيرِ خِلافٍ، وإذا قُبِلَتْ تَوْبَةُ مَن سبَّ اللهَ تعالى، فمن سبَّ نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى أن تُقْبَلَ توْبَتُه.
..................................
فصل: وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ السَّاحِرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحدَاهُما، لا يُسْتَتابُ.
وهو ظاهِرُ ما نُقِلَ عن الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فإنَّه لم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه اسْتَتابَ ساحِرًا، وفي الحديثِ الذي رَواه هشامُ بنُ 1 عُرْوَةَ، عن عائشةَ، أنَّ امرأةً جاءَتْها، فقالت: يا أُمَّ المُؤْمِنينَ، إنَّ عَجُوزًا ذَهَبتْ بي إلى هاروتَ وماروتَ، فقلتُ: عَلِّمانيَ السِّحْرَ.
فقالا: اتَّقِي اللهَ ولا تَكْفُرِي، فإنَّكِ على رأسِ أمْرِكِ.
فقلتُ: عَلِّمانِيَ السِّحْرَ.
فقالا: اذْهَبِي إلى ذلك التَّنُّورِ، فبُولِي فيه.
ففعَلْتُ، فرأيتُ كأنَّ فارِسًا مُقَنَّعًا في الحديدِ خرَج مِنِّي حتى طارَ، فغابَ في السَّماءِ، فرَجَعْتُ إليهما، فأخْبَرْتُهما، فقالا: ذلك إيمانُكِ.
فذكَرتْ باقِيَ القِصَّةِ، إلى أن قالتْ: واللهِ يا أمَّ 2 المؤمِنين ما صنعتُ شيئًا غيرَ هذا، ولا أصْنَعُه أبدًا، فهل لي مِن تَوْبَةٍ؟ قالت عائشةُ: ورأيتُها تَبْكِي بُكاءً شديدًا، فطَافَتْ 3 في أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهم مُتوافِرُون تسْألُهم، هل لها مِن تَوْبةٍ؟
..................................
فما أفْتاها أحدٌ، إلَّا ابنَ عَبَّاسٍ قال: إن كان أحَدٌ مِن أُبوَيكِ حَيًّا، فبَرِّيه، وأكْثِري مِن عملِ 1 البِرِّ ما اسْتَطَعْتِ 2. ولأنَّ السِّحْرَ مَعْنًى في قلبِه لا يزولُ بالتَّوْبَةِ، فيُشْبهُ مَن لم يَتُبْ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، يُسْتَتابُ، فإن تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، فإنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ تَوْبَةَ سَحَرَةِ فِرْعَونَ، وجَعَلَهم مِن أوْلِيائِه في ساعةٍ، ولأنَّ السَّاحِرَ لو كان كافِرًا فأسْلَمَ صَحَّ إسْلامُه وتَوْبَتُه، فإذا صَحَّتِ التَّوْبَةُ منهما؛ صَحَّتْ من أحَدِهما، كالكُفْرِ، ولأنَّ الكُفْرَ والقتلَ ما هو إلَّا بعَمَلِه بالسِّحْرِ، [لا بعِلْمِه] 3، بدَليلِ السَّاحِرِ إذا أسْلَمَ، والعملُ به تُمْكِنُ التَّوْبَةُ منه، وكذلك اعْتِقادُ ما يَكْفُرُ باعْتِقادِه، تُمْكِنُ التَّوْبَةُ منه، كالشِّرْكِ.
فصل: والخِلافُ بينَ الأئِمَّةِ في قَبُولِ تَوْبَتِهم إنَّما هو في الظَّاهِرِ مِن
وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
إلا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ أو جَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ، أَوْ انْتَقَلَ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
أحْكام الدُّنْيا؛ مِن تَرْكِ قَتْلِهم، وثُبُوتِ أحْكامِ الإِسْلامِ في حَقِّهِم؛ فأمَّا قَبُولُ اللَّهِ تعالى لها في الباطِنِ، وغُفْرَانُ ذُنُوبِهم لِمَن تابَ وأقْلَعَ ظاهِرًا وباطِنًا، فلا خِلافَ فيه، فإنَّ اللهَ تَعالى قال في المُنافِقِين: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 1.
4591 -
مسألة: (وتَوْبَةُ المُرْتَدِّ إسْلامُه، وهو أن يَشْهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه.
إلَّا أن تكونَ رِدَّتُه بإنْكارِ فَرْضٍ، أو إحْلالِ مُحَرَّمٍ، أو جَحْدِ نَبِيٍّ أو كِتابٍ، أو إلى دِينِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ مُحَمَّدًا
- صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ، وَيَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إِلَى الْعَالمِينَ، أَوْ يَقُولَ: أنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الإسْلَامِ.
بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، فلا يَصِحُّ إسْلامُه حتى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويَشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلى العَالمِينَ، أو يَقُولَ: أنا بَرِئٌ مِن كلِّ دِينٍ يُخالِفُ دينَ الإسْلام) مَن ثَبَتَتْ رِدَّتُه بإقْرارٍ أو بَيِّنَةٍ، فتَوْبَتُه أن يَشْهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، [وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ] 1، ولا يُكْشَفُ عن صِحَّةِ ما شُهِدَ به عليه، ويُخَلَّى سَبِيلُه، ولا يُكَلَّفُ الإقْرارَ بما نُسِبَ إليه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا الهَ إلَّا اللهُ.
فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَموَالهمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأنَّ هذا يَثْبُتُ به إسْلامُ الكافِرِ الأصْلِيِّ، فكذلك إسْلامُ المُرْتَدِّ، ولا حاجَةَ مع ثُبُوتِ إسْلامِه إلى الكَشْفِ عن صِحَّةِ رِدَّتِه.
وهذا يَكْفِي في مَن كانت رِدَّتُه بجَحْدِ الوَحْدانِيَّةِ، أو جَحْدِ رسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، أو جَحْدِهما معًا، فأمَّا مَن كَفَر بغيرِ هذا، فلا يَحْصُلُ إسْلامُه إلَّا بالإقْرارِ بما جَحَده.
..................................
فمَن أقَرَّ برسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأنْكَرَ أنَّه مَبْعُوثٌ إلى العَالمِينَ، فلا يَثْبُتُ إسْلامُه حتى يَشْهَدَ أنَّ محمدًا [رسولُ اللهِ] 1 بُعِثَ إلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ، أو يَتَبَرَّأَ مع الشَّهادَتَين مِن كلِّ دِين يُخالِفُ الاسْلامَ.
فإن زَعَم أنَّ محمدًا رسول مَبْعُوثٌ بَعْدُ 2 غيرَ هذا، لَزِمَه الإقْرارُ بأنَّ هذا المبعوثَ هو رسولُ اللهِ، لأنَّه إذا اقْتَصَر على الشَّهادَتَينِ، احْتَمَلَ أنَّه أرادَ ما اعْتَقَدَه.
وإنِ ارْتَدَّ بجُحودِ فَرْضٍ، لم يُسْلِمْ حتى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويُعِيدَ الشَّهادَتَين؛ لأنَّه كَذَّبَ اللهَ ورسولَه بما اعْتَقَده.
وكذلك إن جَحَد نَبِيًّا، أو آيَةً مِن كتابِ الله تعالى، أو كتابًا من كُتُبِه، أو مَلَكًا مِن مَلائِكَتِه الذين ثَبَت أنَّهم مَلائِكَةُ اللهِ، أو اسْتَباحَ مُحَرَّمًا، فلا بُدَّ في إسْلامِه مِن الإِقْرارِ بما جَحَده.
وأمَّا
..................................
الكافِرُ بجَحْدِ الدِّينِ مِن أصْلِه، إذا شَهِدَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ واقْتَصَر على ذلك، ففيه رِوايَتان، إحداهما، يُحْكَمُ بإسْلامِه، لأنَّه رُوِيَ أنَّ يَهُودِيًّا قال: أشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ.
ثم ماتَ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» 1. ولأنَّه لا 2 يُقِرُّ برِسالةِ محمدٍ إلَّا وهو مُقِرٌّ بمَن أرسَلَه وبتَوحِيدِه، لأنَّه صَدَّقَ النبيَّ 3 - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءَ به، وقد جاءَ بتَوْحِيدِه.
والثانيةُ، إن كان مُقِرًّا بالتَّوْحِيدِ كاليهودِ، حُكِمَ بإسْلامِه؛ لأنَّ تَوْحيدَ اللهِ ثابتٌ في حَقِّه، وقد ضَمَّ إليه الإِقْرارَ برسالةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فكَمَلَ إسْلامُه.
وإن كان غيرَ مُوَحِّدٍ، كالنَّصارَى والمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ، لم يُحْكَمْ بإسْلامِه حتى يشهدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ.
وبهذا جاءتْ أكثرُ الأخْبارِ، وهو الصَّحِيحُ، لأنَّ مَن يَجْحَدُ شَيئَين لا يزولُ جَحْدُهما إلَّا [بإقْرارِه بهما] 4 جميعًا.
وإن قال: أشْهَدُ أنَّ النبيَّ رسولُ اللهِ.
لم يُحْكَمْ بإسْلامِه، لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه يُريدُ غيرَ نَبِيِّنا.
وإن قال: أنا مؤمنٌ.
..................................
أو: أنا مسلمٌ.
فقال القاضي: يُحْكَمْ بإسْلامِه بهذا، وإن لم يَأْتِ بلَفْظِ الشَّهادَتينِ؛ لأنَّهما اسمان لشيءٍ مَعْلومٍ معروفٍ وهو الشَّهادَتان، فإذا أخْبَرَ عن نفْسِه بما تَضَمَّنَ الشَّهادَتين، كان مُخْبِرًا بهما.
ورَوَى المِقْدَادُ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ 1 إن لَقِيتُ رجلًا من الكُفَّارِ، فقاتَلَنِي، فضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيفِ، فقَطَعَها 2، ثم لاذَ مِنِّي بشَجَرَةٍ، فقال: أسْلَمْتُ.
أفأقْتُلُه يا رسولَ اللهِ بعدَ أن قالها؟ قال: «لَا تَقْتُلْه، فَإنْ قَتَلْتَهُ، فَإنَّه بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَه، وإنَّكَ بمَنْزِلَتِه قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالها».
وعن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، قال: أَصابَ المسلمون رجلًا مِن بَني عُقيلٍ، فأتَوْا به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمدُ، إنِّي مسلمٌ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وأنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ، أفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ».
رَواهُما مسلمٌ 3. ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا في الكافرِ الأصْلِيِّ، أو مَن جَحَد الوَحْدانِيَّةَ،
.................................. أمَّا مَن كَفَر بجَحْدِ نَبِيٍّ أو كتابٍ أو فَرِيضَةٍ أو نحو هذا، فإنَّه لا يَصِيرُ مسْلِمًا بذلك؛ لأنَّه رُبَّما اعْتَقَد أنَّ الإِسْلامَ ما هو عليه، فإنَّ أهلَ البِدَعِ كلَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم هم المسلمون، ومنهم مَن هو كافِرٌ.
وَإذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
4592 - مسألة: وإذا أتَى الكافِرُ بالشَّهَادَتَينِ، ثم قال: لم أُرِدِ الإِسْلامَ.
صارَ بذلك مُرْتَدًّا، ويُجْبَرُ على الإِسْلامِ.
نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ جماعةٍ، ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَل منه، ولا يُجْبَرُ على الإِسْلامِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، فلا يُرَاقُ دَمُه بالشُّبْهَةِ
(1)، والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه قد حُكِمَ بإسْلامِه، فلم يُقْبَلْ إذا رَجَع، كما لو طالتْ مُدَّته.
4593 -
مسألة: (وإذا مات المُرْتَدُّ، فأقام وارِثُهَ بَيِّنَةً أنَّه صَلَّى بعدَ الردَّةِ، حُكِمَ بإسْلامِه)
متى صَلَّى الكافِرُ، حُكِمَ بإسْلامِه، أصْلِيًّا كان أو مُرْتَدًّا، جماعةً أو فُرَادَى، في دارِ الحربِ أو في دارِ الإسْلام.
وقال الشافعيُّ: يُحْكَمُ بإسْلامِه إذا صَلَّى في دارِ الحرب، ولا نَحْكُمُ بَإسْلامِه [إذا صَلَّى] 2 في دارِ الإسْلامِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنه صَلَّى رِياءً وتَقِيَّةً.
ولَنا، أنَّ ما كان إسلامًا في دارِ الحربِ، كان إسلامًا في دارِ الإسلام، كالشَّهَادَتَين، واحْتِمالُ التَّقِيَّةِ والرِّياءِ يَبْطُلُ بالشَّهادَتَين.
وأمَّا سائِرُ أرْكانِ1