..................................
فإذا أراد إحْلالها تَوَصَّلَ إلى شِرائِها منه, كما ذَكَرْنا.
وكلُّ مَوْضِعٍ كانت للمُوَكِّلِ في الباطِنِ وامْتَنَعَ مِن بَيعِها للوَكِيلِ، فقد حَصَلَت في يَدِ الوَكيلِ، وهي للمُوَكِّلِ، وفي ذِمَّتِه ثَمَنُها للوَكِيلِ 1، فأقْرَبُ الوُجُوهِ أن يَأْذَنَ للحاكِمِ في بَيعِها، وتَوْفِيَةِ حَقِّه مِن ثَمَنِها، فإن كانت للوَكِيلِ 2، فقد بِيعَتْ بإذْنِه، وإن كانت للمُوَكِّلِ، فقد باعَها الحاكِمُ في إيفاءِ دَينٍ امْتَنَعَ المَدِينُ مِن وَفائِه.
وقد قِيل غيرُ ما ذَكَرْنا.
وهذا أقْرَبُ، إن شاء اللهُ تعالى.
وإنِ اشْتَراها الوَكِيلُ مِن الحاكِمِ بما له على المُوَكِّلِ، جاز؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ المُوَكِّلِ في ذلك، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى منه.
فصل: ولو وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ، فباعَه نَسِيئَةً، فقال المُوَكِّلُ: ما أذِنْتُ في بَيعِه إلَّا نَقْدًا.
فصَدَّقَه الوَكِيلُ والمُشْتَرِي، فَسَد البَيعُ، وله مُطالبَةُ مَن شاء منهما بالعَبْدِ إن كان باقِيًا، وبقِيمَتِه إن تَلِف.
فإن أخَذَ القِيمَةَ مِن الوَكِيلِ، رَجَع على المُشْتَرِي بها؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمان
..................................
عليه، وإن أخَذَها مِن المُشْتَرِي، لم يَرْجِعْ بالضَّمانِ على أحَدٍ.
وإن كَذَّباه، وادَّعَيا أنَّه أذِنَ في البَيعِ نَسِيئَةً، فعلى قول القاضي، يَحْلِفُ المُوَكِّلُ، ويَرْجِعُ في العَينِ إن كانت قائِمةً، وإن كانت تالِفَةً، رَجَع [بقِيمَتِها على مَن شاء منهما، فإن رجع على المُشترِي، رجع] 1 المُشْتَرِي على الوَكِيلِ بالثَّمَنِ الذي أخَذَه منه؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ له المَبِيعَ 2، وإن ضَمِن الوَكِيلُ، لم يَرْجِعْ على المُشْتَرِي في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ بصِحَّةِ البَيعِ وتَأْجِيلِ الثَّمَنِ، وأنَّ البائِعَ ظَلَمَه بالرُّجُوعِ عليه، وأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ بالثَّمَنِ بعدَ الأجَلِ، فإذا حَلَّ الأجَلُ، رَجَع الوَكِيلُ على المُشْتَرِي بأقَلِّ الأمْرَينِ مِن القِيمَةِ أو الثَّمَنِ المُسَمَّى؛ لأنَّ القِيمَةَ إن كانت أقَلَّ، فما غَرِم أكْثَرَ منها، فلم يَرجِعْ بأكْثَرَ ممّا غَرِم، وإن كان الثَّمَنُ أقَلَّ، فالوَكِيلُ مُعْتَرِفٌ للمُشْتَرِي أنَّه لا يَسْتَحِقُّ عليه أكْثَرَ منه، وأنَّ المُوَكِّلَ ظَلَمَه بأخْذِ الزّائِدِ على الثَّمَنِ، فلا يَرْجِعُ على المُشْتَرِي بما ظَلَم به المُوَكِّلُ.
وإن كَذَّبَه أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فله الرُّجُوعُ على المُصَدِّقِ بغيرِ يَمِينٍ، ويَحْلِفُ على المُكَذِّبِ ويَرْجعُ على حَسَب ما ذَكَرْناه.
هذا إنِ اعْتَرَفَ المُشْتَرِي بالوَكالةِ، وإن أنْكَرَ ذلك، وقال: إنَّما بِعْتَنِي مِلْكَك، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه أنَّه لا يَعْلَمُ كَوْنَه وَكِيلًا ولا يَرْجِعُ عليه بشيءٍ.
..................................
فصل: إذا قَبَض الوَكِيلُ ثَمَنَ المَبِيعِ، فهو أمانَةٌ في يَدِه، لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُه قبلَ طَلَبِه، ولا يَضْمَنُه بتَأْخِيرِه؛ لأنَّه رَضِيَ يكَوْنِه في يَدِه.
فإن طَلَبَه فأخَّر رَدَّه مع إمْكانِه فَتَلِفَ، ضَمِنَه.
وإن وَعَدَه رَدَّه، ثم ادَّعَى إنِّي كُنْتُ رَدَدْتُه قبلَ طَلَبِه، أو أنَّه كان تَلِف، لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لنَفْسِه بوَعْدِه رَدَّه.
فإن صَدَّقَه المُوَكِّلُ، بَرِئَ، وإن كَذَّبه، فالقولُ قوقُ المُوَكِّلِ.
فإن أقام الوَكِيلُ 1 بَيِّنَةً بذلك، قُبِلَتْ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَبْرَأُ بتَصْدِيقِ المُوَكِّلِ، فكذلك إذا قامَتْ له بَيِّنَةٌ؛ لأنَّ البَيِّنةَ إحْدَى الحُجَّتَين، فبَرِئَ بها 2، كالإِقْرارِ.
والثانِي، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه كَذَّبَها بوَعْدِه بالدَّفْعِ بخِلافِ ما إذا صَدَّقَه؛ لأنَّه أقَرَّ ببَراءَتِه، فلم يَبْقَ له مُنازِعٌ.
وإن لم يَعِدْه برَدِّه، لكنْ مَنَعَه أو مَطَلَه مع إمْكانِه، ثم ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إلَّا ببَيِّنَةٍ؛ لأنَّه صار بالمَنْعِ خارِجًا عن حالِ الأمانَةِ، وتُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّه لم يُكَذِّبْها.
وَإِنْ قَال: وَكَّلْتَنِي أَنْ أتَزَوَّجَ لَكَ فُلَانَةً، فَفَعَلْتُ.
وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِغَيرِ يَمِينٍ.
وَهَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2033 - مسألة: (وإن قال: أذِنْتَ لي أن أتَزَوَّجَ لك فُلانَةً، فَفَعَلْتُ. وصَدَّقَتْه المرأةُ، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ بغيرِ يَمِينٍ. وهل يَلْزَمُ الوَكِيلَ نِصْفُ الصَّداقِ؟ على وَجْهَين)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكِيلَ والمُوَكِّلَ إذا اخْتَلَفَا في أصْلِ الوَكالةِ، فقال: وَكَّلْتَنِي.
فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوَكالةِ، ولم يُثْبتْ أنَّه أمِينُه فيُقْبَلَ قَوْلُه عليه.
ولو قال: وَكَّلْتُك، ودَفَعْتُ إليك مالًا.
فأَنْكَرَ الوَكِيلُ ذلك كلَّه، أو اعْتَرَفَ بالتَّوْكِيلِ، وأنْكَرَ دَفْعَ المالِ إليه، فالقولُ قَوْلُه؛ لذلك.
ولو قال رجلٌ لآخَرَ: وَكَّلْتَنِي أن أتَزَوَّجَ لك فُلانَةَ، فَفَعلْتُ.
وادَّعَتِ المرأةُ ذلك، فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقولُ قَوْلُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن أقام البَيِّنَةَ، وإلَّا فلا يَلْزَمُ الآخَرَ عَقْدُ النِّكاحِ.
قال أحمدُ: ولا يُسْتَحْلَفُ.
قال
..................................
القاضي: لأنَّ الوَكِيلَ يَدَّعِي حَقًّا لغيرِه.
فأمّا إنِ ادَّعَتْه المرأةُ، فيَنْبَغِي أن يُسْتَحْلَفَ؛ لأنَّها تَدَّعِي الصَّداقَ في ذِمَّتِه، فإذا حَلَف، لم يَلْزَمْه الصَّداقُ، ولم يَلْزَمِ الوَكِيلَ منه شيءٌ؛ لأنَّ دَعْوَى المرأةِ على المُوَكِّلِ، وحُقُوقُ العَقْدِ لا تَتَعَلَّقُ بالوَكِيلِ.
ونَقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عن أحمدَ، أنَّ الوَكِيلَ يَلْزَمُه نِصْفُ الصَّداقِ؛ لأنَّ الوَكِيلَ في الشِّراءِ ضامِنٌ للثَّمَنِ، وللبائِعِ مُطالبَتُه به 1، كذا ههُنا.
ولأنَّه فَرَّطَ حيث لم يُشْهِدْ على الزَّوْجِ بالعَقدِ والصَّداقِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْناه.
ويُفارِقُ الشِّراءَ؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودُ البائِعِ، والعادَةُ تَعْجِيلُه وأخْذُه مِن المُتَوَلِّي للشِّراءِ، والنِّكاحُ يُخالِفُه في هذا كلِّه.
فإن كان الوَكِيلُ ضَمِن المَهْرَ، فلها الرُّجُوعُ عليه بنِصْفِه؛ لأنَّه ضَمِنَه عن 2 المُوَكِّلِ، وهو مُقِرٌّ بأنَّه في ذِمَّتِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافعيُّ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: يَلْزَمُ الوَكِيلَ جَمِيعُ الصَّداقِ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ لم تَقَعْ بإنْكارِه، فيكون ثابِتًا في
..................................
الباطِنِ، فيَجِبُ جَمِيعُه.
ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ الطَّلاقَ، فإذا أنْكَرَ، فقد أقَرَّ بتَحْرِيمِها عليه، فصار بمَنْزِلَةِ إيقاعِه لِما تَحْرُمُ به.
قال أحمدُ: ولا تَتَزَوَّجُ المرأةُ حتى يُطَلِّقَ، لَعَلَّه يكونُ كاذِبًا في إنْكارِه.
وظاهِرُ هذا تحْرِيمُ نكاحِها قبلَ طَلاقِها؛ لأنَّها مُعْتَرِفَةٌ بأنَّها زَوْجَةٌ له، فيُؤْخَذُ بإقْرارِها، وإنْكارُه ليس بطَلاقٍ.
وهل يَلْزَمُ المُوَكِّلَ طَلاقُها؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ في حَقِّه نِكاحٌ، ولو ثَبَت لم يُكَلَّفِ الطَّلاقَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لإِزالةِ الاحْتِمالِ، وإزالةِ الضَّرَرِ عنها بما لا ضَرَرَ عليه فيه، فأشْبَهَ النِّكاحَ الفاسِدَ.
ولو مات أحَدُهما لم يَرِثْه الآخَرُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ صَداقُها 1 فتَرِث، وهو يُنْكِرُ أنَّها زَوْجَتُه فلا يَرِثُها.
ولو ادَّعَى أنَّ فُلانًا الغائِبَ وَكَّلَه 2 في تَزَوُّجِ امرأةٍ، فتَزَوَّجَها له، ثم مات الغائِبُ، لم تَرِثْه المرأةُ إلَّا بتَصْدِيقِ الوَرَثةِ أو يَثْبُتُ ببَيِّنَةٍ.
وإن أقَرَّ المُوَكِّلُ بالتَّوْكِيلِ في التَّزْويجِ، وأنْكَرَ أن يكونَ الوَكِيلُ 3 تَزَوَّجَ له، كان القولُ
..................................
قولَ الوَكِيلِ فيه، فيَثْبُتُ التَّزْويجُ ههُنا.
وقال القاضي: لا يَثْبُتُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه لا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، لكَوْنِه لا يَنْعَقِدُ إلَّا بها.
وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه.
وأشار إلى نَصِّه فيما إذا أنْكَرَ المُوَكِّلُ الوَكالةَ مِن أصْلِها.
ولَنا، أنَّهما اخْتَلَفا في فِعْلِ الوَكِيلِ ما أُمِر 1 به، فكان القولُ قَوْلَه, كما لو وَكَّلَه في بَيعِ ثَوْبٍ، فادَّعَى بَيعَه، أو في شِراءِ عَبْدٍ بألْفٍ، فادَّعَى أنَّه اشْتَراه به.
وما ذَكَرَه القاضي مِن نَصِّ أحمدَ 2 فيما إذا أنْكَرَ المُوَكِّلُ 3 الوَكالةَ، فليس بنَصٍّ ههُنا؛ لاخْتِلافِ أحْكامِ الصُّورَتَين وتَبايُنِهِما، فلا يكونُ النَّصُّ في إحْداهما نَصًّا في الأُخْرَى.
وما ذَكَرَه مِن المَعْنَى لا أصْلَ له، فلا يُعَوَّلُ عليه.
..................................
فصل: ولو غاب رجلٌ، فجاء رجلٌ إلى امْرَأتِه فَذَكَرَ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها وأبانَها ووَكَّلَه في تَجْدِيدِ نِكاحِها بألْفٍ، فأذِنَتْ في نِكاحِها، فعَقَدَ عليها، وضمِن الوَكِيلُ الألْفَ، ثم جاء زَوْجُها فأنْكَرَ هذا كلَّه، فالقولُ قَوْلُه، والنِّكاحُ الأوَّلُ بحالِه.
وقِياسُ ما ذَكَرْناه أنَّ المرأةَ إن صَدَّقَتِ الوَكِيلَ، لَزِمَه الألْفُ إلَّا أن يُبِينَها زَوْجُها قبلَ دُخُولِه بها.
وحُكِيَ ذلك عن مالكٍ، وزُفَرَ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، أنَّه لا يَلْزَمُ الضّامِنَ شيءٌ؛ لأنَّه فَرْعٌ على المَضْمُونِ عنه، والمَضْمُونُ عنه لا يَلْزَمُه شيءٌ، فكذلك فَرْعُه.
ولَنا، أنَّ الوَكِيلَ مُقِرٌّ بأنَّ الحَقَّ في ذِمّةِ المَضْمُونِ عنه، وأنَّه ضامِنٌ عنه، فلَزِمَه ما أقَرَّ به, كما لو ادَّعَى على رجلٍ أنَّه ضَمِن له 1 ألْفًا على أجْنَبِيٍّ، فأقَرَّ الضّامِنُ بالضَّمانِ وصِحَّتِه وثُبُوتِ الحَقِّ في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه، [وأَنْكَرَه المَضْمُونُ عَنْهٍ] 2. وكما لو ادَّعَى شُفْعَةً عَلَى إنسانٍ في شِقْصٍ اشْتَراه، فأقَرَّ البائعُ وأنْكَرَه المُشْتَرى، فإنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ في أصَحِّ
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيرِهِ، فَلَوْ قَال: بِعْ ثَوْبِي بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ فَلَكَ.
صَحَّ.
نَصَّ عَلَيهِ.
الوَجْهَين.
فإن لم تَدَّعِ المرأةُ صِحَّةَ ما ذَكَره الوَكِيلُ، فلا شيءَ عليه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن أسْقَطَ عنه الضَّمانَ، أسْقَطَه في هذه الصُّورَةِ، ومَن أوْجَبَه أوْجَبَه في الصُّورةِ الأُخْرَى، فلا يكون بينَهما اخْتِلافٌ.
والله أعلمُ.
2034 -
مسألة: (ويجُوزُ التَّوْكِيلُ بجُعْل وبغيرِه، فلو قال: بعْ ثَوْبِي بعَشَرَةٍ فما زاد فَلَك. صَح)
[واسْتَحَقَّ الزِّيادَةَ] 1 (نصَّ عليه) رُوِيَ ذلك عن ابن عباسٍ.
وهو قولُ ابنِ سِيرينَ، وإسحاقَ.
وكَرِهَه النَّخَعِيُّ، وحَمّادٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه أجْرٌ مَجْهُولٌ يَحْتَمِلُ الوُجُودَ [والعَدَمَ] (1). ولَنا أنَّ عَطاءً روَى عن ابن عباس، أنَّه كان لا يَرَى بذلك 2 بَأْسًا، أن يُعْطِيَ الرجلُ الرجلَ الثَّوْبَ أو غيرَه، فيقولُ: بِعْه بكذا، فما ازْدَدْتَ فهو لَكَ.
ولا يُعْرَفُ له في عَصْرِه
..................................
مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، أشْبَهَ دَفْعَ مالِه مُضارَبَةً [ولأنَّه تَصَرُّفٌ لغيرِه لا يَلْزَمُه، فهو كرَدِّ الآبِقِ] 1. إذا ثَبَت ذلك، فإذا باعَه بزِيادَةٍ، فهي له؛ لأنَّه جَعَلَها له، وإن باعَه بما عَيَّنَهَ، فلا شيءَ له؛ لأنَّه جَعَل له الزِّيادَةَ، ولا زِيادَةَ، فهو كالمُضارِبِ إذا لم يَرْبَحْ.
وإن باعَه بنَقْصٍ، فعنه، لا يَصِحُّ؛ لمُخالفَتِه، فإن تَعَذَّرَ، ضَمِن النَّقْصٍ.
وعنه، يَصِحُّ، ويَضْمَنُ النَّقْصَ.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
وإن باعَه نَسِيئَةً، لم يَصِحَّ، ولا يَسْتَحِقُّ الوَكِيلُ شيئًا 2 وإن باعَه بزيادةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ.
ويَجُوزُ بغيرِ جُعْلٍ.
بغيرِ خِلافٍ.
فإذا وَكَّلَه بجُعْلٍ، فباع، اسْتَحَقَّ الجُعْلَ قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ؛ لتَحَقُّقِ البَيعِ قبلَ قَبْضِه.
فإن قال في التَّوْكِيلِ: فإذا سَلَّمْتَ إليَّ الثَّمَنَ فلك كذا.
وَقَف اسْتِحْقاقُه على التَّسْلِيمِ إليه؛ لاشْتِراطِه إيّاه.
نَصَّ عليه.
فصل: إذا وَكَّلَه في شِراءِ شيءٍ فاشْتَرَى غيرَه، مثلَ أن يُوَكِّلَه في شِراءِ عَبْدٍ فيَشْتَرِىَ جارِيَةً، فإن كان الشِّراءُ بعَينِ مالِ المُوَكِّلِ، فالبَيعُ 3 باطِلٌ في أصَحِّ الرِّوايَتَين.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه
..................................
صَحِيحٌ 1، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ، فإن أجازَه، صَحَّ، وإلَّا بَطَل.
وهو قولُ مالِكٍ، وإسحاقَ.
وقد ذَكَرْناه في كِتابِ البَيعِ.
فإن كان اشْتَراه في ذِمَّتِه ثم نَقَد الثَّمَنَ، فالشِّراءُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه إنَّما اشْتَرَى بثَمَنٍ في ذِمَّتِه، وليس ذلك مِلْكًا لغيرِه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه عَقَد على أنَّه للمُوَكِّلِ ولم يَأْذَنْ فيه، فلم يَصِحَّ, كما لو اشْتَرَى بعَيْنِ مالِه.
ولَنا، أنَّه لم يتَصَرَّفْ في مِلْكِ غيرِه، فصَحَّ, كما لو لم يَنْوه لغيرِه.
إذا ثَبَت هذا فرُوِيَ عن أحمدَ روايَتان؛ إحْداهُما، الشِّراءُ لازِمٌ للمُشْتَرِي.
وهو الوَجْهُ الثانِي لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه بغيرِ [إذْنِ غيرِه] 2، فكان الشِّراءُ له, كما لو لم يَنْو غيرَه.
والثانيةُ، يَقِفُ على إجازَةِ المُوَكِّلِ 3، إن أجازَه، لَزِمَه، وإن لم يُجِزْه، لَزِم الوَكِيلَ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَلْزَمَ المُوَكِّلَ؛ لكَوْنِه لم يَأْذَنْ في شِرائِه، ولَزِم الوَكِيلَ؛ لأنَّ الشِّراءَ صَدَر منه ولم يَثْبُتْ لغيرِه، فثَبَتَ في حَقِّه, كما لو اشْتَراه لنَفْسِه.
وهكذا ذَكَر الخِرَقِيُّ.
وهذا حُكْمُ كلِّ مَن اشْتَرَى شيئًا في ذِمَّتِه لغيرِه بغيرِ إذْنِه، سَواءٌ كان وَكِيلًا للذي قَصَد الشِّراءَ له أو لم يَكُنْ.
فصل: فإن وَكَّلَه في أن يَتَزَوَّجَ له امرأةً، فتَزَوَّجَ له غيرَها، أو تَزَوَّجَ له بغيرِ إذْنِه، فالعَقْدُ فاسِدٌ بكلِّ حالٍ، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو مَذْهَبُ
..................................
الشافعيِّ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ صِحّةِ النِّكاحِ 1 ذِكْرَ الزَّوْجِ، فإذا كان بغيرِ إذْنِه، لم يَقَعْ له ولا للوَكِيلِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ أعْيانُ الزَّوْجَين، بخِلافِ البَيعِ، فإنَّه يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ له مِن غيرِ تَسْمِيَةِ المُشْتَرِي له.
والثانيةُ، يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَقِفُ على إجازَةِ المُتَزَوِّجِ، فإن أجازَه، صَحَّ، وإلَّا بَطَل.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
والقولُ فيه كالقولِ في البَيعِ.
على ما تَقَدَّمَ.
فصل: قال القاضي: إذا قال لرجلٍ: اشْتَرِ لي بدَينِي عليك طَعامًا.
لم يَصِحَّ.
ولو قال: أسْلِفْ لي ألْفًا مِن مالِك 2 في كُرِّ طَعامٍ.
ففَعل، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَشْتَريَ الإِنْسانُ بمالِه ما يَمْلِكُه غيرُه.
وإن قال: اشْتَرِ لي في ذِمَّتِك.
أو قال: أسْلِفْ لي ألْفًا في كُرِّ طَعامٍ، واقْضِ الثَّمَنَ عَنِّي مِن مالِك.
أو: مِن الدَّينِ الذي عليك.
صَحَّ؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، حَصَل الشِّراءُ للمُوَكِّلِ، والثَّمَنُ عليه، فإذا قَضاه مِن الدَّينِ الذي عليه، فقد دَفَع الدَّينَ إلى مَن أمَرَه صاحِبُ الدَّينِ بدَفْعِه إليه، وإن قَضاه مِن مالِه عن دَينِ السَّلَفِ الذي عليه، صار قَرْضًا عليه.
فصل: قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في رجلٍ له على آخَرَ دَراهِمُ، فبَعَثَ إليه رسولًا يَقْبِضُها، فبَعَثَ إليه مع الرسولِ دِينارًا، فضاع مع الرسولِ: فهو مِن مالِ الباعِثِ؛ لأنَّه لم يَأْمُرْه بمُصارَفَتِه، إنَّما كان
..................................
مِن ضَمانِ الباعِثِ؛ لأنَّه دَفَع إلى الرسولِ غيرَ ما أمَرَه به المُرسِلُ؛ لأنَّ المُرْسِلَ إنَّما أمَرَه بقَبْضِ الدَّراهِمِ، ولم يَدْفَعْها، إنَّما دَفع دِينارًا 1 عِوَضًا عنها 2، وهذا صَرْفٌ يَفْتَقِرُ إلى إذْنِ صاحِبِ الدَّينِ [ولم يَأْذَن، فصار الرسولُ وَكِيلًا للباعِثِ في تَأْدِيَتِه إلى صاحِبِ الدَّينِ] 3 ومُصارَفَتِه به، فإذا تَلِف في يَدِ وَكِيلِه، كان مِن ضَمانِه، اللَّهُمَّ إلَّا أن يُخْبِرَ الرسولُ الغَرِيمَ أنَّ رَبَّ الدَّينِ أذِنَ له في قَبْضِ الدِّينارِ عن الدَّراهِمِ، فيكونُ مِن ضَمانِ الرسول؛ لأنَّه غرَّه وأخَذَ الدِّينارَ على أنَّه وَكِيلٌ للمُرْسِلِ.
وإن قَبَض الدَّراهِمَ التي أُمِر بقَبْضِها، فضاعَتْ مِن الرسولِ بغيرِ تَفرِيطٍ، فهي مِن ضَمانِ صاحِبِ الدَّينِ.
وقال أحمدُ في رِوَايَةِ مُهَنّا، في رجلٍ له عندَ آخَرَ دَنانِيرُ وثِيابٌ، فبَعَثَ إليه رسولًا، وقال: خُذْ دينَارًا و 4 ثَوْبًا.
فأخَذَ دِينارَين وثَوْبَين، فضاعَتْ، فالضّمانُ على الباعِثَ.
يَعْنِي الذي أعْطاه الدِّينارَين والثَّوْبَين.
ويَرْجِعُ به على الرسولِ.
يَعْنِي عليه ضَمانُ الدِّينارِ والثَّوْبِ الزّائِدَين، إنَّما جَعَل عليه الضَّمانَ؛ لأنَّه دَفَعَهما إلى مَن لم يُؤْمَرْ بدَفْعِهما إليه، ورَجَع بهما على الرسولِ؛ لأنَّه غَرَّه، وحَصَلِ التَّلَفُ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
وللمُوَكِّلِ تَضْمِينُ الوَكِيلِ؛ لأنَّه تَعَدَّى
..................................
بقَبْضِ لم يُؤْمَرْ بقَبْضِه.
فإذا ضَمِنَه، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
وقال أحمدُ، في رجلٍ وَكَّل وَكِيلًا في اقْتِضاءِ دَينِه، وغاب، فأخَذَ الوَكِيلُ به رَهْنًا، فتَلِفَ الرَّهْنُ في يَدِ الوَكِيلِ، فقال: أساء الوَكِيلُ في أخْذِ الرَّهْنِ، ولا ضَمانَ عليه.
إنما لم يُضمِّنْه الرَّهْنَ 1؛ لأنَّه رَهْنٌ فاسِدٌ، والقَبْضُ في العَقْدِ الفاسِدِ كالقَبْضِ في العَقْدِ الصَّحِيحِ، فما كان القَبْضُ في صَحِيحِه مَضْمُونًا، كان مَضْمُونًا في فاسِدِه، وما كان غيرَ مَضْمُونٍ في صَحِيحِه، كان غيرَ مضمونٍ في فاسِدِه.
ونَقَل البَغَويُّ عن أحمدَ في رجلٍ أعْطَى آخَرَ دَراهِمَ ليَشْتَرِيَ له بها شاةً فخلَطَها مع دَراهِمِه، فضاعا، فلا شيءَ عليه.
وإن ضاع أحَدُهما، أيُّهما ضاع غَرِمَه.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه خَلَطَها بما تَتَمَيَّزُ منه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أذِنَ له في خَلْطِها.
أمّا إن خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَها، كالوَدِيعَةِ.
وإنَّما لَزِمَه الضَّمانُ إذا ضاع أحَدُهما؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ الضّائِعَ دَراهِمُ المُوَكِّلِ، والأصْلُ بَقاؤُها.
ومَعْنَى الضَّمانِ ههُنا، أنَّه يَحْسُبُ الضّائِعَ مِن دَراهِمِ نَفْسِه.
فأمّا على المَحْمَلِ 2 الآخَرِ، وهو إذا خَلَطَها بما تَتَمَيَّزُ منه، فإذا ضاعَتْ دَراهِمُ المُوَكِّلِ وَحْدَها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها ضاعَتْ مِن غيرِ تَعَدٍّ منه.
واللهُ أعلمُ.
فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ عَلَيهِ حَقٌّ لإِنْسَانٍ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّه وَكِيلُ صَاحِبِهِ في قَبْضِهِ، فَصَدَّقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ إِلَيهِ.
فصل: قال أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنّا: إذا دَفَعَ إلى رَجُلٍ ثَوْبًا ليَبِيعَه، ففَعَلَ، فوَهَبَ له المُشَتَرِي مِنْدِيلًا، فالمِنْدِيلُ لصاحِبِ الثَّوْبِ.
إنَّما قال ذلك لأنَّ هِبَةَ المِنْدِيلِ سَبَبُها البَيعُ 1، فكان المِنْدِيلُ زِيادَةً في الثَّمَنِ، والزِّيادَةُ في مَجْلِسِ العَقْدِ تَلْحَقُ به.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (فإن كان عليه حَقٌّ لإِنْسانٍ، فادَّعَى آخَرُ أنَّه وَكِيلُ صاحِبِه في قَبْضِه، فصدَّقَه، لم يَلْزَمْه الدَّفْعُ إليه) إلَّا أن تَقُومَ به بَيِّنَةٌ.
وإن لم تَقُمْ به بَيِّنَةٌ، لم يَلْزَمْه الدَّفْعُ إليه وإن صَدَّقَه.
وبه قال الشافعيُّ.
وسَواءٌ كان الحَقُّ في ذِمَّتِه أو وَدِيعَةً عنده.
ؤقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه وَفاءُ الدَّينِ إن صَدَّقَه.
وفي الوَدِيعَةِ رِوايتَان، أشْهَرُهما، لا يَجبُ تَسْلِيمُها؛ لأنَّه أقَرَّ له بحَقِّ الاسْتِيفاءِ، فلَزِمَه إيفاؤُه, كما لو أقَرَّ أنَّه وارِثُه.
ولَنا، أنَّه تَسْلِيمٌ لا يُبْرِئُه، فلا يَجِبُ (1), كما لو كان الحَقُّ عَينًا، وكما لو أقَرَّ بأنَّ هذا وَصِيُّ الصَّغِيرِ.
وفارَقَ الإِقْرارَ بكَوْنِه وارِثَه؛ لأنَّه يتَضَمَّنُ بَراءَتَه، فإنَّه أقَرَّ بأنَّه لا حَقَّ لسِواه.
وَإِنْ كَذَّبَهُ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ.
فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيهِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالةَ، حَلَفَ، وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعَ وَحْدَهُ.
2035 - مسألة: (وإن كَذَّبَه، لم يُسْتَحْلَفْ)
وقال أبو حنيفة: يُسْتَحْلَفُ.
وهذا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في وُجُوبِ الدَّفْعِ مع التَّصْدِيقِ، فمَن أوْجَبَ عليه ثَمَّ، أوْجَبَ عليه اليَمِينَ (1) مع التَّكْذِيبِ، كسائِرِ الحُقُوقِ، ومَن لم يُوجبْ عليه الدَّفْعَ مع التَّصْدِيقِ، لم يُلْزِمْه اليَمِينَ مع التَّكْذِيبِ؛ لعَدَمِ فائِدَتِها.
2036 -
مسألة: (فإن دَفَعَه إليه، فأنْكَرَ صاحِبُ الحَقِّ الوَكالةَ، وحَلَف، رَجَع على الدّافِعِ وَحْدَه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن عليه الحَقُّ إذا دَفَعَه إلى الوَكِيلِ مع التَّصْدِيقِ أو عَدَمِه، فحَضَرَ المُوَكِّلُ وصَدَّقَ الوَكِيلَ، بَرِئَ الدّافِعُ، وإن كَذَّبَه، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينهِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
فإذا حَلَف1
.................................. وكان الحَقُّ دَينًا، لم يَرْجِعْ إلَّا على الدّافِعِ وَحْدَه؛ لأنَّ حَقَّه في ذِمَّتِه، ولم يَبْرأْ منه بتَسْلِيمِه إلى غيرِ وَكِيلِ صاحِبِ الحَقِّ، والذي أخَذَه الوَكِيلُ عَينُ مالِ الدّافِعِ في زَعْمِ صاحِبِ الحَقِّ، والوَكِيلُ والدّافِعُ يَزْعُمان أنَّه صار مِلْكًا لصاحِبِ الحَقِّ، وأنَّه ظالِمٌ للدّافِعِ بالأخْذِ منه، فيَرْجِعُ الدّافِعُ فيما أخَذَ منه الوَكِيلُ، ويكونُ قِصاصًا ممّا أخَذَ منه صاحِبُ الحَقِّ، وإن كان قد تَلِف في يَدِ الوَكِيلِ، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأنَّه مُقِرٌّ بأنَّه أمِينٌ لا ضَمانَ عليه، إلَّا أن يَتْلَفَ بتَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، فيَرْجِعَ عليه.
وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ وَدِيعَةً، فَوَجَدَهَا، أَخَذَهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَلَا يَرْجِعُ مَنْ ضَمِنَهُ عَلَى الْآخَرِ.
2037 - مسألة: (وإن كان المَدْفُوعُ وَدِيعَةً، فوَجَدَها، أخَذَها، وإن تَلِفَت، فله تَضْمِينُ مَن شاء منهما، ولا يَرْجِعُ مَن ضَمِنَه على الآخَرِ)
بشيءٍ إذا كان المَدْفُوعُ عَينًا فوَجَدَها صاحِبُها، أخَذَها، وله مُطالبَةُ مَن شاء برَدِّها؛ لأنَّ الدّافِعَ دَفَعها إلى غيرِ مُسْتَحِقِّها، والوَكِيلُ عَينُ مالِه في يَدِه.
فإن طالبَ الدّافِعَ، فللدّافِعِ مُطالبَةُ الوَكِيلِ جها وأخْذُها مِن يَدِه؛ ليُسَلِّمَها إلى صاحِبِها.
فإن تَلِفَتِ العَينُ أو تَعَذَّرَ رَدُّها، فلصاحِبِها الرُّجُوعُ ببَدَلِها على مَن شاء منهما؛ لأنَّ الدّافِعَ ضَمِنَها بالدَّفْعِ، والقابِضَ قَبَض ما لا يَسْتَحِقُّ قَبْضَه.
وأيُّهما ضَمِنَه لم يَرْجِعْ على الآخَرِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدَّعِي أنَّ ما يَأْخُذُه ظُلْمٌ، ويُقِرُّ بأنَّه لم يُوجَدْ 1 مِن صاحِبِه تَعَدٍّ، فلا يَرْجِعُ على صاحِبِه بظُلْمِ غيرِه، إلَّا أن يكونَ الدّافِعُ دَفَعَها إلى الوَكِيلِ مِن غيرِ تَصْدِيقٍ، فيَرْجِعُ على الوَكِيلِ؛ لكَوْنِه لم يُقِرَّ بوَكالتِه، ولم تَثْبُتْ ببَيِّنَةٍ.
وإن ضَمِن الوَكِيلُ، لم يَرْجِعْ على الدّافِعِ وإن صَدَّقَه، لكنْ إن كان الوَكِيلُ تَعَدَّى فيها أو فَرَّطَ اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
فإن ضَمِن لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمِن الدّافِعُ، رَجَع عليه؛ لأنَّه وإن كان يُقِرُّ بأَنَّه قَبَضَه قَبْضًا شَرْعِيًّا، لكن إنَّما لَزِمَه الضَّمانُ لتَفْرِيطِه وتَعَدِّيه، فالدّافِعُ يقولُ: ظَلَمَنِي المالِكُ بالرُّجُوعِ عَلَيَّ.
وله على الوَكِيلِ حَقٌّ
وَإِنْ كَانَ ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحالهُ بِهِ، فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينِ مَعَ الإِنْكَارِ وَجْهَانِ.
يَعْتَرِفُ به الوَكِيلُ، فيَرْجِعُ عليه به.
2038 -
مسألة: (فإن كان ادَّعَى أنَّ صاحِبَ الحَقِّ أحاله، ففي وُجُوبِ الدَّفْعِ إليه مع التَّصْدِيقِ، واليَمِينِ مع الإِنْكارِ وَجْهان)
أحَدُهما، لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه غيرُ مُبْرِئٍ؛ لاحْتِمالِ أن يُنْكِرَ المُحِيلُ الحَوالةَ ويُضَمِّنَه، فأشْبَهَ المُدَّعِيَ للوَكالةِ.
والثانِي، يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إليه، أشْبَهَ الوارِثَ.
والأوَّلُ أشْبَهُ؛ لأنَّ العِلَّةَ في جَوازِ مَنْعِ الوَكِيلِ كَوْنُ الدَّفْع 1 لا يُبْرِئُ، وهي مَوْجُودَةٌ ههُنا، والعِلَّةُ في وُجُوبِ الدَّفْعِ إلى الوارِثِ كَوْنُه مُسْتَحِقًّا، والدَّفْعُ إليه يُبْرِئُ، وهو مُتَخَلِّفٌ 2 ههُنا، فإلحاقه بالوَكِيلِ أوْلَى.
فإن قُلْنا: يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ.
لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ.
وإن قلنا: لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع التَّصْدِيقِ.
لم تَلْزَمْه اليمِينُ مع الإِنْكارِ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيها.
ومثلُ هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَّهُ وَارِثُهُ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينُ مَعَ الإِنْكَارِ.
2039 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّه مات، وأنا وارِثُه)
فصَدَّقَه أنَّه
..................................
وارِثُ الحَقِّ لا وارِثَ له سِواه (لَزِمَه الدَّفْعُ إليه) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه مُقِرٌّ له بالحَقِّ، وأنَّه يَبْرَأُ بهذا الدَّفْعِ، فلَزِمَه, كما لو جاء صاحِبُ الحَقِّ.
وإن أنْكَرَ، لَزِمَتْه اليَمِينُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ صِحَّةَ ما قال؛ لأنَّ اليَمِينَ ههُنا على نَفْي فِعْلِ الغيرِ، فكانت على نَفْي العِلْمِ، وإنَّما لَزِمَتْه اليَمِينُ ههُنا؛ لأنَّ مَن لَزِمَه الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ، لَزِ مَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ كسائِرِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ.
فصل: ومَن طُلِب منه حَقٌّ فامْتَنَعَ مِن دَفعِه حتى يَشْهَدَ القابِضُ على نَفْسِه بالقَبْضِ، وكان الحَقُّ عليه بغيرِ بَيِّنَةٍ، لم يَلْزَمِ القابِضَ الإِشْهادُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في ذلك، فإنَّه متى ادَّعَى الحَقَّ على الدّافِعِ بعدَ ذلك قال: لا يُسْتَحَقُّ عَلَيَّ شيءٌ.
والقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه.
وإن كان الحَقُّ ثَبَت ببَيِّنةٍ، وكان مَن عليه الحَقُّ يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُودَعِ والوكِيلِ بلا جُعْلٍ، فكذلك؛ لأنَّه متى ادُّعِيَ عليه حَقٌّ، أو قامَتْ به بَيِّنَةٌ، فالقولُ في الرَّدِّ قَوْلُه.
وإن كان ممَّن لا يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّدِّ، أو يُخْتَلَفُ في قَبُولِ قَوْلِه، كالغاصِبِ والمُسْتَعيرِ والمُرْتَهِنِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُ ما قَبِلَه إلَّا بالإِشْهادِ؛ لئَلَّا يُنْكِرَ القابضُ القَبْضَ.
ولا يُقْبَلُ قولُ الدّافِعِ في الرَّدِّ.
وإن أنْكَرَ، قامت عليه البَيِّنَةُ.
ومتى أشْهَدَ القابِضُ على نَفْسِه بالقَبْضِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُ الوَثِيقَةِ بالحَقِّ إلى مَن عليه الحَقُّ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القَبْضِ تُسْقِطُ البَيِّنَةَ الأُولَى، والكِتابُ مِلْكُه، فلا يَلْزَمُه تَسْلِيمُه إلى غيرِه.
..................................
فصل في الشَّهادَةِ على الوَكالةِ: إذا شَهِد بالوَكالةِ شاهِدٌ 1 وامْرَأتان، أو شاهِدٌ وحَلَف معه، فقال أصحابُنا: فيها رِوايَتان؛ إحْداهُما، تَثْبُتُ بذلك، إذا كانتِ الوَكَالةُ في المالِ.
قال أحمدُ، في الرجلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا، ويُشْهِدُ على نَفْسِه رجلًا وامْرَأتَين: إذا كانتِ المُطالبَةُ بدَينٍ، فأمّا غيرُ ذلك فلا.
والثانيةُ، لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَين عَدْلَين.
نَقَلَها الخِرَقِيُّ في قَوْلِه: ولا يُقْبَلُ فيما سِوَى الأمْوالِ 2 ممّا يَطَّلِع عليه الرِّجالُ أقَلُّ مِن رَجُلَين.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَكالةَ إثْباتٌ للتَّصَرُّفِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ قولُ الخِرَقِيِّ كالرِّوايَةِ الأُولَى؛ لأنَّ الوَكالةَ في المالِ يُقْصَدُ بها المالُ، فتُقْبَلُ شَهادَةُ النِّساءِ مع الرِّجالِ، كالبَيعِ والقَرْضِ.
فإن شَهِدا بوَكالةٍ، ثم قال أحَدُهما: قد عَزَلَه.
لم تَثْبُتْ وَكالتُه بذلك.
وإن كان الشّاهِدُ بالعَزْلِ أجْنَبِيًّا، لم يَثْبُتِ العَزْلُ بشَهادَتِه وَحْدَه؛ لأنَّ العَزْلَ لا يَثْبُتُ إلَّا بما يَثْبُتُ به التَّوْكِيلُ.
ومتى عاد أحَدُ الشّاهِدَين بالتَّوْكِيلِ، فقال: قد عَزَلَه.
لم يُحْكَمْ بشَهادَتِهما؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الشَّهادَةِ قبلَ الحُكْمِ بها، فلا يَجُوزُ للحاكِمِ الحُكْمُ بما رَجَع عنه الشّاهِدُ.
وإن كان حُكْمُ الحاكِمِ بشَهادَتِهما، ثم قال أحَدُهما: قد عَزَلَه بعدَ ما وَكَّلَه.
لم يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِه؛ لأنَّ الحُكْم 3 قد نَفَذ بالشَّهادَةِ، ولم يَثْبُتِ العَزْلُ.
فإن قالا جَمِيعًا: كان
..................................
قد عَزَلَه.
ثَبَت العَزْلُ؛ لأنَّ الشَّهادَةَ تَمَّتْ 1 في العَزْلِ، كتَمامِها في التَوْكِيلَ.
فصل: فإن شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه يومَ الجُمُعَةِ، وشَهِدآخَرُ أنَّه وَكَّلَهُ يومَ السَّبْتِ، لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ يومَ الجُمُعَةِ غيرُ التَّوْكِيلِ يومَ السَّبْتِ، فلم تَكْمُلْ شَهادَتُهما على فِعْلٍ واحِدٍ.
وإن شَهِد أحَدُهما أنَّه أقَرَّ بتَوْكِيلِه يومَ الجُمُعَةِ، وشَهِدآخَرُ أنَّه أقَرَّ به يومَ السَّبْتِ، تَمَّتِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ الإِقْرارَين إخْبارٌ عن عَقْدٍ واحِدٍ، ويَشُقُّ جَمْعُ الشُّهُودِ ليُقِرَّ عندَهم حالةً واحِدةً، فجَوَّزَ له الإِقْرارَ عندَ كلِّ واحِدٍ وَحْدَه.
وكذلك لو شَهِد أحَدُهما أنَّه أقَرَّ عندَه بالوَكالةِ بالعَجَميَّةِ، وشَهِد آخَرُ أنَّه أقَرَّ بها بالعَرَبِيَّةِ، ثَبَتَتْ.
ولو شَهِد أحَدُهما أنه وَكَّلَه بالعَرَبِيةِ وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه بالعَجَمِيَّةِ، لم تَكْمُلِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ بالعَرَبِيَّةِ غيرُ التَّوْكِيلِ بالعَجَمِيَّةِ، فلم تَكْمُلِ الشَّهادَةُ على فِعْلٍ واحَدٍ.
وكذلك لو شَهِد أحَدُهما أنَّه قال: وَكَّلْتُك.
وشَهِد الآخَرُ أنَّه قال: أذِنْتُ لك في التَّصَرُّفِ.
أو أنَّه قال: جَعَلْتُك وَكِيلًا.
أو شَهِد أنَّه قال: جَعَلْتُك جَرِيًّا.
لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ اللَّفْظَ مُخْتَلِفٌ.
والجَرِيُّ؛ الوَكِيلُ.
ولو قال أحَدُهما: أشْهَدُ أنَّه وَكَّلَه.
وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أذِنَ له في التَّصَرُّفِ.
تَمَّتِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّهما لم يَحْكِيا لَفْظَ المُوَكِّلِ، وإنَّما عَبَّرا عنه بلَفْظِهما، واخْتِلافُ لَفْظِهما لا يُؤَثِّرُ إذا اتَّفَقَ مَعْناه.
ولو قال أحَدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ
..................................
عندِي أنَّه وَكِيلُه 1. وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِي أنَّه جَرِيُّه.
أو: أنَّه وَصَّى إليه بالتَّصَرُّفِ في حَياتِه.
ثَبَتَتِ الوَكالةُ بذلك.
ولو شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدِه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه وزيدًا، أو شَهِد أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه، وقال: لا تَبِعْه حتى تَسْتَأْمِرَنِي، أو تَسْتَأْمِرَ فُلانًا.
لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ الأوَّلَ أثْبَتَ اسْتِقْلاله 2 بالبَيعِ مِن غيرِ شَرْطٍ، والثاني يَنْفِي ذلك، فكانا مُخْتَلِفَين.
وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عبدِه، وشَهِد الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عبدِه وجارِيَتِه، حُكِمَ بالوَكالةِ في العَبْدِ؛ لاتِّفاقِهما عليه، وزِيادَةُ الثاني لا تَقْدَحُ في تَصَرُّفِه في الأوَّلِ، فلا تَضُرُّ.
وهكذا لو شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه لزيدٍ، وشَهِد الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه لزيدٍ وإن شاء لعمرٍو.
فصل: ولا تَثْبُتُ الوَكالةُ والعَزْلُ بخَبَرِ الواحِدِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الوَكالةُ 3 يخَبَرِ الواحِدِ، وإن لم يكنْ ثِقَةً.
ويَجُوزُ التَّصَرُّفُ للمُخْبَرِ 4 بذلك، إذا غَلَب على ظَنِّه صِدْقُ المُخْبِرِ، بشَرْطِ الضَّمانِ إن أنْكَرَ المُوَكِّلُ، ويَثْبُتُ العَزْلُ بخَبَرِ الواحِدِ إذا كان رسولًا؛ لأنَّ اعْتِبارَ شاهِدَين عَدْلَين في هذا يَشُقُّ، فسَقَطَ اعْتبارُه، ولأنَّه
..................................
إذْنٌ في التَّصَرُّفِ ومَنْعٌ منه، فلم تُعْتَبَرْ فيه شُرُوطُ الشَهادَةِ، كاسْتِخدامِ غُلامِه.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ مالِيٌّ، فلا يَثْبُتُ بخَبَرِ الواحِدِ، كالبَيعِ، وفارَق الاسْتِخْدامَ؛ فإنَّه ليس بعَقْدٍ.
ولو شَهِد اثْنان أنَّ فُلانًا الغائِبَ وَكَّلَ فُلانًا الحاضِرَ، فقال الوَكِيلُ: ما عَلِمْتُ هذا، وأنا أتَصَرَّفُ عنه.
ثَبَتَتِ الوَكالةُ؛ لأنَّ مَعْنَى ذلك أنِّي لم أعْلَمْ إلى الآنَ، وقَبُولُ الوَكالةِ يَجُوزُ مُتَراخِيًا، وليس مِن شَرْطِ التَّوكِيلِ حُضورُ الوَكِيلِ ولا عِلْمُه، فلا يَضُرُّ جَهْلُه به.
وإن قال: ما أعْلَمُ صِدْقَ الشّاهِدَين.
لم تَثْبُتْ وَكالتُه؛ لقَدْحِه في شَهادَتِهما.
وإن قال: ما عَلِمْتُ.
وسَكَتَ، قِيلَ له: فسِّرْ.
فإن فَسَّرَ بالأوَّلِ، ثَبَتَتْ وَكالتُه، وإن فَسَّرَ بالثانِي، لم تَثْبُت.
فصل: ويَصِحُّ سَماعُ البَيِّنَةِ بالوَكَالةِ على الغائِبِ، وهو أن يَدَّعِيَ أنَّ فُلانًا الغائِبَ وَكَّلَنِي في كذا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ.
بناءً على أنَّ الحُكْمَ على الغائِبِ لا يَصِحُّ.
ولَنا، أنَّه لا يُعْتَبرُ رِضاه في سَماعِ البَيِّنَةِ، فلا يُعْتَبَرُ حُضُورُه، كغيرِه.
وإذا قال له مَن عليه الحَقُّ: احْلِفْ أنَّك تَسْتَحِقُّ مُطالبَتِي.
لم يُسْمَع؛ لأنَّ ذلك طَعْنٌ في الشَّهادَةِ.
وإن قال: قد عَزَلَك المُوَكِّلُ، فاحْلِفْ أنَّه ما عَزَلك.
لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ الدَّعْوَى على المُوَكِّلِ، واليَمِينُ لا تَدْخُلُها النِّيابَةُ.
وإن قال: أنت تَعْلَمُ أنَّ مُوَكِّلَك قد عَزَلَك.
سُمِعَتْ دَعْواه.
فإن طَلَبَ 1 اليَمِينَ مِن الوكيلِ 2، حَلَف على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّ الدَّعْوَى
..................................
عليه، وإن أقام الخَصْمُ بَيِّنةً بالعَزْلِ، سُمِعَتْ، وانْعَزَلَ الوَكِيلُ.
فصل: وتُقْبَلُ شَهادَةُ الوَكِيلِ على مُوَكِّلِه؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ؛ لأنَّه لا يَجُرُّ بها نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها ضَرَرًا.
وتُقْبَلُ شَهادَتُه له فيما لم يُوَكِّلْه فيه؛ لكَوْنِه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا.
ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه له فيما هو وَكِيل 1 فيه؛ لأنَّه يُثْبِتُ لنَفْسِه حَقًّا، بدَلِيلِ أنَّه إذا 2 وَكَّلَه في قَبضِ حَقٍّ، فشَهِدَ به، ثَبَت له اسْتِحْقاقُ قَبْضِه، ولأنَّه خَصْمٌ فيه، بدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ المُخاصَمَةَ فيه.
فإن شَهِد بما كان وَكِيلًا فيه بعدَ عَزْلِه، لم تُقْبَلْ أيضًا، سَواءٌ كان خاصَمَ فيه بالوَكالةِ أو لم يُخاصِمْ.
وبهذا قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان لم يُخاصِمْ فيه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، [ولم] 3 يخاصِمْ فيه، فأشْبَهَ ما لو 4 لم يَكُنْ وَكِيلًا فيه.
وللشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أنَّه بعَقْدِ الوَكالةِ صار خَصْمًا فيه، فلم تُقْبَلْ شَهادَتُه فيه، كما لو خاصَمَ فيه، وفارَقَ ما لم يَكُنْ وَكِيلًا فيه؛ فإنَّه لم يَكُنْ خَصْمًا فيه.
فصل: إذا كانتِ الأمَةُ بينَ نَفْسَين، فشَهِدَا 5 أنَّ زَوْجَها وَكَّلَ في طَلاقِها، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما، لأنَّهما يَجُرّانِ إلى أنْفُسِهما نَفْعًا، وهو زَوالُ
..................................
حَقِّ الزَّوْجِ مِن البُضْعِ الذي هو مِلْكُهما.
وإن شَهِدا بعَزْلِ الوَكِيلِ في الطَّلاقِ، لم تُقْبَلْ 1؛ لأنَّهما يَجُرّان إلى أنْفُسِهما نَفْعًا، وهو إبْقاءُ النَّفَقَةِ على الزَّوْجِ.
ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ ابْنَي الرجلِ له بالوَكالةِ، ولا أبوَيه؛ لأنَّهما يُثْبِتان له حَقَّ التَّصَرُّفِ.
ولا يَثْبُتُ للإِنْسانِ حَقٌّ بشَهادَةِ ابْنِه ولا أبِيه، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ ابْنَي المُوَكِّلِ ولا أبَوَيه بالوَكَالةِ.
وقال بعضُ الشافعيَّةِ: تُقْبَلُ، لأنَّ هذا حَقٌّ على المُوَكِّلِ يَسْتَحِقُّ به الوَكِيلُ المُطالبَةَ، فقُبِلَتْ فيه شَهادَةُ قَرابَةِ المُوَكِّلِ، كالإِقْرارِ.
ولَنا، أنَّ هذه شَهادَةٌ يَثْبُتُ بها حَقٌّ لأبيه أو ابْنِه، فلم تُقْبَلْ، كشهادَةِ ابْنَي الوَكِيلِ وأبوَيه، ولأنَّهما يُثْبِتانِ لأبِيهما نائِبًا مُتَصَرِّفًا له، وفارَق الشَّهادَةَ عليه بالإِقْرارِ، فإنَّها شَهادَةٌ عليه مُتَمَحِّضَةٌ.
ولو ادَّعَى الوَكِيلُ الوَكالةَ، فأنْكَرَها المُوَكِّلُ، فشَهِدَ عليه ابْناه أو أربواه، ثَبَتَتِ الوَكالةُ، وأُمْضِيَ تَصَرُّفُه؛ لأنَّ ذلك شَهادَةٌ عليه.
ولو ادَّعَى المُوَكِّلُ أنَّه تَصَرَّفَ بوَكالتِه، وأنْكَرَ الوَكِيلُ، فشَهِدَ عليه أبَواه أو ابْناه، قُبِل أيضًا؛ لذلك 2. وإنِ ادَّعَى وَكِيلٌ لمُوَكِّلِه الغائِبِ حَقًّا، وطالبَ به، فادَّعَى الخَصْمُ أنَّ المُوَكِّلَ عَزَلَه، وشَهِد له بذلك ابْنا المُوَكِّلِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وثَبَت العَزْلُ بها؛ لأنَّهما يَشْهَدان على أبيهما.
وإن لم يَدَّعِ الخَصْمُ عَزْلَه، لم تُسْمَعْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يَشْهَدان لمَن لا يَدَّعِيها.
فإن قَبَض الوَكِيلُ، فحَضَرَ المُوَكِّلُ وادَّعَى أنَّه
..................................
كان قد عَزَل الوَكِيلَ، وأنَّ حَقَّه باقٍ في ذمَّةِ.
الغَرِيمِ، وشَهِد له ابْناه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يُثْبِتان حَقًّا لأبيهَما.
ولو ادَّعَى مُكاتَبٌ الوَكالةَ، فشَهِدَ له سَيِّدُه، أو ابْنا سَيِّدِه، أو أبَواه، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَشْهَدُ لعَبْدِه، وابْناه يَشْهَدان لعَبْدِ أبيهما، والأبَوان يَشهَدان لعَبْدِ ابْنِهما.
وإن عَتَق، فأعاد الشَّهادَةَ، فهل تُقْبَلُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
فصل: إذا حَضَر رَجُلانِ عندَ الحاكِمِ، فأقَرَّ أحَدُهما أنَّ الآخَرَ وَكِيلُه، ثم غاب المُوَكِّلُ، وحَضَر الوَكِيلُ، فقَدَّمَ خَصْمًا لمُوَكِّلِه، وقال: أنا وَكِيلُ فُلانٍ.
فأنْكَرَ الخَصْمُ كَوْنَه وَكِيلًا، فإن قُلْنا: لا يَحْكُم الحاكِمُ بعِلْمِه.
لم تُسْمَعْ دَعْواه حتى تَقومَ البَيِّنَةُ بوَكالتِه.
وإن قُلْنا: يَحْكُمُ بعِلْمِه.
وكان الحاكِمُ يَعْرفُ المُوَكِّلَ بعَينِه واسْمِه ونَسَبِه، صَدَّقَه ومَكَّنَه مِن التَّصَرُّفِ؛ لأنَّ مَعْرِفَتَه كالبَيِّنَةَ.
وإن عَرَفَه بعَينِه دُونَ اسْمِه ونَسَبِه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه حتى تَقُومَ البَيِّنَةَ عندَه بالوَكالةِ؛ لأنَّه يُرِيدُ تَثْبِيتَ نَسَبِه عندَه 1 بقَوْلِه، فلم يُقْبَلْ.
فصل: ولو حَضَر عندَ الحاكِمِ رجلٌ، فادَّعَى أنَّه وَكِيلُ فُلانٍ الغائِبِ، في شيءٍ عَيَّنَه، وأحْضَرَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ له بالوَكَالةِ، سَمِعَها الحاكِمُ.
ولو ادَّعَى حَقًّا لموَكِّلِه قبلَ ثُبُوتِ وَكالتِه، لم يَسْمَعِ الحاكِمُ دَعْواه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْمَعُها، إلَّا أن يُقَدِّمَ خَصْمًا مِن خُصَماءِ المُوَكِّلِ، فيَدَّعِيَ عليه حَقًّا، فإذا أجابَ المُدَّعَى عليه، حِينَئِذٍ يَسْمَعُ
..................................
الحاكِمُ البَيِّنَةَ، فحَصَلَ الخِلافُ بينَنا في حُكْمَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الحاكِمَ يَسْمَعُ البَيِّنةَ على الوَكَالةِ مِن غيرِ حُضُورِ خَصْمٍ، وعندَه لا يَسْمَعُ.
والثاني، أنَّه لا يَسْمَعُ دَعْواه لمُوَكِّلِه قبلَ ثُبُوتِ وَكالتِه، وعندَه يَسْمَعُ.
وبَنَى أبو حنيفةَ على أصْلِه في أنَّ 1 القَضاءَ على الغائِبِ لا يَجُوزُ، وسَماعَ البَيِّنَةِ بالوَكالةِ مِن غيرِ خَصْمٍ 2 قَضاءٌ على الغائِبِ، وأنَّ الوَكالةَ لا تَلْزَمُ الخَصْمَ ما لم يُجِبِ الوَكِيلُ عن دَعْوَى الخَصْمِ أنَّك لست بوَكِيلٍ.
ولَنا، أنَّه إثْباتٌ للوَكالةِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُضُورِ المُوَكَّلِ عليه, كما لو كان المُوَكَّلُ 3 عليه جَماعةً، فأحْضَرَ واحِدًا منهم، فإنَّ الباقِين لا يُفْتَقَرُ إلى حُضُورِهم، كذلك ههُنا.
والدَّلِيلُ على أنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ قبلَ ثُبُوتِ الوَكالةِ، أنَّها لا تُسْمَعُ إلَّا مِن خَصْمٍ يُخاصِمُ عن نَفْسِه, أو عن مُوَكِّلِه، وهذا لا يُخاصِمُ عن نفْسِه، ولم يَثْبُتْ أنَّه وَكِيلٌ 4 لمَن يَدَّعِي له، فلا تُسْمَعُ دَعْواه, كما لو ادَّعَى لمَن لم يَدَّعِ وَكَالتَه.
وفي هذا الأصْلِ جَوابٌ عمّا ذَكَرَه.
فصل: ولو حَضَر رجلٌ، وادَّعَى على غائِبٍ مالًا في وَجْهِ وَكِيله، فأنْكَرَه، فأقام بَيِّنَةً بما ادَّعاه، حَلَّفَه الحاكِمُ، وحَكَم له بالمالِ.
فإذا حَضَر
.................................. المُوَكِّلُ وجَحَد الوَكالةَ، أو ادَّعَى أنَّه كان قد عَزَلَه، لم يُؤَثِّرْ ذلك في الحُكْمِ؛ لأنَّ القَضاءَ على الغائِبِ لا يَفْتَقِرُ إلى حُضُورِ وَكِيلِه.
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ