..................................
فصل: وإذا وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ بمائةٍ، فاشْتَراهُ بما دُونَها، صحَّ، ولَزِم المُوَكِّلَ؛ لأنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا.
وإن قال: لا تَشْتَرِه بدُونِ المائةِ.
فخالفَه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه خالفَ نَصَّه، وصَرِيحُ قَوْلِه مُقَدَّمٌ على دَلالةِ العُرْفِ.
وإن قال: اشْتَرِه بمائةٍ، ولا تَشْتَرِه بخمْسِين.
جاز له شِراؤُه بما فوقَ الخَمْسِين؛ لأنَّ إذْنَه في الشِّراءِ بمائةٍ دلَّ عُرْفا على الشِّراءِ بما دُونَها، خَرَج منه الخَمْسُون بصَرِيحِ النَّهْي، بَقِيَ فيما فوقَها على مُقْتَضَى الإِذْنِ، فإن اشْتَراه بما دُونَ الخَمْسِين، جاز في أحَدِ الوَجْهَين؛ لذلك، ولأنَّه لم يُخالِفْ صَرِيحَ نَهْيه، أشْبَهَ ما زاد عليها.
والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه نَهاه عن الخَمْسِين اسْتِقْلالًا لها، فكان تَنْبِيهًا على النَّهْي عما دُونَها, كما أنَّ الإِذْنَ في الشِّراءِ بمائةٍ إذْنٌ فيما دُونَها، فجرَى ذلك 1 مَجْرَى صَرِيحِ نَهْيِه،
..................................
فإنَّ تَنْبيهَ الكَلامِ كنَصِّهِ.
فإن قال: اشْتَرِه بمائةِ دِينارٍ.
فاشْتَراه بمائةِ دِرْهمٍ، فالحُكْمُ فيه كما لو قال: بِعْه بدِرْهَمٍ.
فباعَه بدِينارٍ، على ما مَضَى.
وإن قال: اشْتَرِ لي نِصْفَه بمائةٍ.
فاشْتَراه كلَّه أو أكْثَرَ مِن نِصْفِه بمائةٍ، جاز؛ لأنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا.
وإن قال: اشْتَرِ لي نِصْفه بمائةٍ ولا تَشْتَرِه جَمِيعَه.
فاشْتَرى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ وأقَلَّ مِن الكُلِّ بمائةٍ، صَحَّ في قِياسِ المَسْألَةِ التي قبلَها؛ لكَوْنِ دَلالةِ العُرْفِ قاضِيةً بالإِذْنِ في شِراءِ كلِّ ما زاد على النِّصْفِ، خَرَج الجَمِيعُ بصَرِيحِ نَهْيه، ففيما عَداه يَبْقَى على مُقْتَضَى الإِذْنِ.
فصل: وإن وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ مَوْصوفٍ بمائةٍ، فاشْتَرَاه على الصِّفَةِ بدونِها، جَازَ؛ لأنَّه مأْذُونٌ فيه عُرْفًا.
وإن خَالفَ في الصِّفةِ، أو اشْتَراه بأكْثَرَ منها، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ.
وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا بمائةٍ، فاشْتَرَى عبدًا يُساوي مائةً بدُونِها، جازَ؛ لأنَّه لو اشْتَراه بمائةٍ جازٍ، فإذا اشْتَراه بدُونِها فقد زاده خَيرًا، فيَجُوزُ.
وإن كان لا يُساوي مائةً، لِم يَجُزْ وإن ساوَى أكْثَرَ ممّا اشْتَراه به؛ لأنَّه خالفَ أمْرَه، ولم يُحَصِّلْ غرَضَه.
وَلَيسَ لَهُ شِرَاءُ مَعِيبٍ، فَإِنْ وَجَدَ بِمَا اشْتَرَى عَيبًا، فَلَهُ الرَّدُّ.
2011 - مسألة: (وليس له شِراءُ مَعِيبٍ، فإن وَجَد بما اشْتَراه عَيبًا، فله رَدُّه)
إذا وَكَّلَه في شِراءِ سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ، لم يَجُزْ أن يَشْتَرِيَها 1 إلَّا سَلِيمَةً 2؛ لأنَّ إطْلاقَ البَيعِ يَقْتَضِي السَّلامَةَ، ولذلك جاز له الرَّدُّ بالعَيبِ.
فإنِ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لم يَأْذَنْ فيه.
وإن لم يَعْلَمْ، صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّه إنَّما يَلْزَمُه شِراءُ صَحِيحٍ في الظّاهِرِ، لعَجْزِه عن التَّحَرُّزِ عن شِراءِ مَعِيبٍ لا يَعْلَمُ عَيبَه، فإذا عَلِم عَيبَه، مَلَك رَدَّه؛ لأنَّه قائِمٌ مقامَ المُوَكِّل، وللمُوَكِّلِ رَدُّه أيضًا؛ لأنَّه
فَإِنْ قَال الْبَائِعُ: مُوَكِّلُكَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيبِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ
مَلَكَه.
فإن حضَرَ قبل رَدِّ الوَكِيلِ (1)، ورَضِيَ بالعَيب، لم يكن للوَكِيلِ رَدُّه؛ لأنَّ الحَقَّ له، بخِلافِ المُضارِب، فإنَّ له الرَّدَّ وإن رَضِيَ رَبُّ المالِ؛ لأنَّ له حقًّا فلا يَسْقُطُ برِضا غيرِه، وإن لم يَحْضُرْ، فأراد الوَكِيلُ الرَّدَّ، فقال له البائعُ: تَوَقَّفْ حتى يَحْضُرَ المُوَكِّلُ، فرُبَّما رَضِيَ بالعَيب.
لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ فَواتَ الرَّدِّ بهَرَبِ البائعِ، وفَواتَ الثَّمَنِ بتَلَفِه، فإن أخَّرَء بِناءً على هذا القولِ، فلم يَرْضَ به المُوَكِّلُ، فله الرَّدُّ، وإن قُلْنا: الرَّدُّ على الفَوْرِ، لأنَّه أَخَّرَه بإذْنِ البائِع فيه.
وإن رَضِيَ المُوَكِّلُ سَقَط الرَّدُّ.
2012 -
مسألة: (فإن قال البائِعُ: مُوَكِّلُك قد رَضِيَ بالعَيبِ.
1
مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
فَإِنْ رَدَّهُ، فَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْبَائِعَ في الرِّضَا بِالْعَيبِ، فَهَلْ يَصِحُّ الرَّدُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فالقولُ قولُ الوَكِيل مع يَمِينِه أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الرِّضا، فلا يُقْبَلُ قولُه إلَّا ببيِّنَةٍ، فإن لم يُقِمْ بيِّنَةً لم يُسْتَحْلَفِ الوَكِيلُ، إلَّا أن يَدَّعِيَ عِلْمَه، فيحلفَ على نَفْي العِلمِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ في رِوايَةٍ: لا يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّه لو حَلَف كان نائِبًا في اليَمِينِ.
وليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّه لا نِيابَةَ ههُنا، فإنَّه إنما يَحْلِفُ على نَفي عِلمِه، وهذا لا يَنُوبُ فيه عن أحَدٍ.
ولو اشتَرَى المُضارِبُ مَعِيبًا، صَحَّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ منها الرِّبْحُ، وهو يَحْصُلُ مع العَيبِ، بخِلافِ الوَكِيلِ، فإنَّه قد يكونُ غَرَضُ المُوَكِّلِ القُنْيَةَ والانْتِفاعَ، والعَيبُ يَمْنَعُ بعضَ ذلك.
2013 -
مسألة: (فإن رَدَّه، فصَدَّقَ المُوَكِّلُ البائِعَ في الرِّضا بالعَيبِ، فهل يَصِحُّ الرَّدُّ؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، لا يَصحُّ،
..................................
وللمُوَكِّلِ اسْتِرْجاعُه، وللبائعِ رَدُّه عليه؛ لأنَّ رِضاه به عَزْلٌ للوَكِيلِ عن الرَّدِّ، بدَليلِ أنَّه لو عَلِمَهُ 1، لم يكنْ له الرَّدُّ.
والثاني، يَصِحُّ الرَّدُّ، بناءً على أن 2 الوَكِيلَ لا يَنْعزِلُ قبلَ العِلْمِ بالعَزْلِ.
فإن رَضِيَ الوَكِيلُ المَعِيبَ، أو أمْسَكَه إمساكًا يَنْقَطِعُ به الرَّدُّ، فحَضَرَ المُوَكِّلُ فأراد الرَّدَّ، فله ذلك على الوَجْهِ الأوَّلِ إن صَدَّقَ البائعُ المُوَكِّلَ أنَّ الشِّراءَ له، أو قامت به بَيِّنَةٌ، وإن كَذَّبَه ولم يكنْ بَيِّنَةٌ، فَحَلَفَ البائِعُ أنَّه لا يَعْلَمُ أَنَّ (2) الشِّراءَ له، فليس له رَدُّه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن اشْتَرَى شيئًا فهو له، ويَلْزَمُ الوَكِيلَ، وعليه غَرامَةُ الثَّمَنِ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: للوَكِيلِ شِراءُ المَعِيبِ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ في البَيعِ مُطْلَقًا يَدْخُلُ المَعِيبُ في إطْلاقِه، ولأنَّه أمِينٌ في الشِّراءِ فجاز له ذلك، كالمُضارِب.
ولَنا، أنَّ البَيعَ بإطْلاقِه يَقْتَضِي الصَّحِيحَ دُونَ المَعِيبِ، فكذلك الوَكالةُ فيه، ويُفارِقُ المُضارَبَةَ مِن حيثُ إنَّ المَقْصُودَ فيها الرِّبْحُ، وهو يَحْصُلُ مِن
وَإِنْ وَكَّلَهُ في شِرَاءِ مُعَيَّنٍ، فَاشْتَرَاهُ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ قَبْلَ إِعْلَامِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
المَعِيبِ كحُصُولِه مِن الصَّحِيح، بخِلافِ الوَكالةِ، فإنَّه قد يكونُ المَقْصُودُ بها القُنْيَةَ، أو يَدْفَعُ بها حاجَةً يكونُ المَعِيبُ مانِعًا منها، فلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ.
وقد ناقَضَ أبو حنيفةَ قَوْلَه؛ فإنَّه قال في قَوْلِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (1): لا تَجُوزُ العَمْياءُ ولا مَعِيبَةٌ عَيبًا يَضُرُّ بالعَمَلِ.
وقال ههُنا: يَجُوزُ للوَكِيل شِراءُ الأعْمَى والمُقْعَدِ ومَقْطُوعِ اليَدَينِ والرِّجْلَين.
2014 -
مسألة: (وإن وَكَّلَه في شِراءِ مُعَيَّنٍ، فاشْتَراه فَوَجدَه معِيبًا، فهل له رَدُّه قبلَ إعْلامِ المُوَكِّلِ؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، له الرَّدُّ؛1
..................................
لأنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، أشْبَهَ ما لو وَكَّلَه في شِراءِ مَوْصُوفَةٍ.
والثانِي، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّ المُوَكِّلَ قَطَع نَظَرَه بالتَّعْيِينِ، فرُبَّما رَضِيَه على جَمِيعِ صِفاتِه.
فإن قُلْنا: له الرَّدُّ.
فحُكْمُه حُكْمُ غيرِ المُعَيَّنِ.
وإن عَلِم عَيبَه قبل شِرائِه، فهل له شِراؤُهُ؟ يَحْتَمِلُ 1 وَجْهَين مَبْنِيَّيْن على رَدِّه إِذَا عَلِم عَيْبَه بعدَ شِرائه، إن قُلْنا: له رَدُّه.
فليس له شِراؤُه؛ لأنَّ العَيبَ إذا جاز الرَّدُّ به بعدَ العَقْدِ فلأن 2 يَمْنَعَ مِن الشِّراءِ أوْلَى.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ الرَّدَّ ثَمَّ 3. فله الشِّراءُ ههُنا؛ لأن تَعْيِينَ المُوَكِّلِ قَطَع نَظَرَه واجْتِهادَه في جَوازِ الرَّدِّ، فكذلك في الشِّراءِ.
وَإنْ قَال: اشْتَرِ لِي بِعَينِ هَذَا الثَّمَنِ.
فَاشْتَرَى لَهُ في ذِمَّتِهِ، لَمْ يَلْزَمَ الْمُوَكِّلَ.
2015 - مسألة: (فإن قال: اشْتَرِ لي بعينِ هذا الثَّمَنِ. فاشْتَرَى له في ذِمَّتِه، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا دَفَع إليه دَراهِمَ وقال: اشْتَرِ لَي بهذه عَبْدًا.
كان له أن يَشْتَرِيَ بعَينِها وفي الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الشِّراءَ يَقَعُ على هذَين الوَجْهَين فإذا أَطْلَقَ كان له فِعْلُ ما شاء منهما.
فإنْ قال: اشْتَرِ بعَينِها.
فاشْتَراه في ذِمَّتِه ثم نَقَدَها، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ؛ لأنَّه إذا تَعَيَّنَ الثَّمَنُ، انْفَسَخَ العَقْدُ بتَلَفِه، أو كونِه مَغْصُوبًا، ولم يَلْزَمْه ثَمَنٌ في ذِمَّتِه، وهذا غَرَضٌ صَحِيحٌ للمُوَكِّلِ، فلم يَجُزْ مُخالفَتُه، ويَقَعُ الشِّراءُ للوَكِيلِ.
وهل يَقِفُ على إجازَةِ المُوَكِّلِ؟ على روَايَتَين.
وإنْ قَال: اشْتَرِ لِي في ذِمَّتِكَ، وَانْقُدِ الثَّمَنَ.
فَاشْتَرَى بِعَينِهِ، صَحَّ.
2016 - مسألة: (فإن قال: اشْتَرِ لي في ذِمَّتِكْ، وانْقُدِ الثَّمَنَ. فاشْتَرَى بعينِه، صَحَّ)
ولَزِم المُوَكِّلَ.
ذَكَرَه أصْحابُنا؛ لأنَّه أذِنَ له في عَقْدٍ يَلْزَمُه به الثمنُ مع بَقاءِ الدَّراهِمِ وتَلَفِها، فكان إذْنًا في عَقْدٍ لا يَلْزَمُه الثمنُ إلَّا مع 1 بَقائِها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في الشِّراءِ بغيرِ عَينِها؛ لشُبْهَةٍ فيها 2 لا يُحِبُّ 3 أن يَشْتَرِيَ بها، أو يَخْتارُ وُقُوعَ عَقْدٍ لا يَنْفَسِخُ بتَلَفِها 4، ولا يَبْطُلُ بتحْرِيمِها، وهذا غَرَضٌ صَحِيحٌ، فلا يَجُوزُ تفويتُه 5 عليه, كما لم يَجُزْ تَفْويتُ غَرَضِه في الصُّورَةِ الأُولَى.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كلِّه على نحو ما ذَكَرْنا.
وَإِنْ أَمَرَهُ بِبَيعِهِ في سُوقٍ بِثَمَنٍ، فَبَاعَهُ بِهِ في آخَرَ، صَحَّ.
وَإِنْ قَال: بِعْهُ لِزَيدٍ.
فَبَاعَهُ مِنْ غيرِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
2017 - مسألة: (وإن أمَرَه ببيعِه في سُوقٍ بثَمَنٍ، فباعَه به في آخَرَ، صَحَّ. وإن قال: بِعْهُ مِن زيدٍ. فباعَه مِن غيرِه، لم يَصِحَّ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكِيلَ لا يَمْلِكُ مِن التَّصَرُّفِ إلَّا ما يَقْتَضِيه إذْنُ مُوَكِّلِه مِن جِهَةِ النُّطْقِ أو العُرْفِ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، فاخْتَصَّ بما أذِنَ فيه، والإِذْنُ يُعْرَفُ بالنُّطْقِ تارَةً وبالعُرْفِ أُخْرَى.
ولَو وَكَّلَ رجلًا في التَّصَرُّفِ في زَمَنٍ مُقَيَّدٍ،
..................................
لم يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ قبلَه ولا بعدَه؛ لأنَّه لم يتَنَاوَلْه إذْنُه نُطْقًا ولا عُرْفًا، فإنَّه قد يَخْتَارُ التَّصَرُّفَ في زَمَنِ الحاجَةِ إليه دُونَ غيرِه، ولهذا لمَّا عَيَّنَ اللهُ تعالى لعِبادَتِه وَقْتًا، لم يَجُزْ تَقْدِيمُها عليه ولا تَأْخِيرُها عنه.
فلو قال له: بِعْ ثَوْبِي غَدًا.
لم يَجُزْ بَيعُه 1 قبلَه ولا بعدَه.
فإن عَيَّنَ له المكانَ، وكان يَتَعلَّقُ به غَرَضٌ، مثلَ أن يَأْمُرَه [ببَيعِ ثَوْبِه] 2 في سُوقٍ، وكان السُّوقُ مَعْرُوفًا بجَوْدَةِ النَّقْدِ، أو كَثْرَةِ الثَّمَنِ، أو حِلِّه، أو بصَلاحِ أهْلِه، أو بمَوَدَّةٍ بينَ المُوَكِّلِ 3 وبَينَهم، تَقَيَّدَ الإِذْنُ به؛ لأنَّه نَصَّ على أمْرٍ له فيه غرضٌ، فلم يَجُزْ تفْويتُه.
وإن كان هو وغيرُه سَواءً في الغَرضِ، لم يَتَقَيَّدِ الإِذنُ به، وجاز له البَيعُ في غيرِه، لمُساواتِه المَنْصُوصَ عليه في الغَرَضِ، فكان تَنْصِيصُه على أحَدِهما إذْنًا في الآخَرِ, كما لو اسْتَأْجَرَ أو اسْتَعارَ أرْضًا لزرَاعَةِ شيءٍ، كان إذْنًا في زِراعَةِ مثْلِه وما دُونَه، ولو اكْتَرَى عَقارًا، كان له أن يُسْكِنَه مثلَه، ولو نَذَر الاعْتِكافَ أو الصَّلاةَ في مَسْجدٍ، جاز له ذلك في غيرِه.
وسَواءٌ قَدَّرَ له الثَّمَنَ أو لم يُقَدِّرْه.
فأمّا إن عَيَّنَ له المُشْتَرِيَ فقال: بعْه فُلانًا.
لم يَمْلِكْ بَيعَه لغيرهِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، سَواءٌ قَدَّرَ له الثَّمَنَ أَو لا؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في تمليكِه إيّاه دُونَ غيرِه، إلَّا أن يَعْلَمَ بقَرِينَةٍ أو صَرِيحٍ أنَّه لا غَرَضَ له في عَينِ 4 المُشْتَرِي.
..................................
فصل: إذا اشْتَرَى الوَكِيلُ لمُوَكِّلِه شيئًا، انْتَقَلَ المِلْكُ مِن البائِعِ إلى المُوَكِّلِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ الوَكِيلِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَدْخُلُ في مِلْكِ الوَكِيلِ، ثم يَنْتَقِلُ إلى المُوَكِّلِ، لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعلَّقُ بالوَكيلِ، بدَلِيلِ أنَّه لو اشْتَراه بأَكْثَرَ مِن ثَمَنِه، دَخَل في مِلْكِه ولم يَنْتَقِلْ إلى المُوَكِّلِ.
ولَنا، أنَّه قَبِلَ عَقْدًا لغيرِه، صَحَّ له، فوَجَبَ أن يَنْتَقِلَ المِلْكُ إليه، كالأبِ والوَصِيِّ، وكما لو تَزوَّجَ له.
وقَوْلُهم: إن حُقُوق العَقْدِ تَتَعلَّقُ به.
غيرُ مُسَلَّمٍ.
ويَتَفَرَّعُ عن هذا أنَّ المُسْلِمَ لو وَكَّلَ ذِمِّيًّا في شِرَاءِ خمرٍ 1 أو خِنْزِيرٍ، فاشَتَراهُ له، لم يَصِحَّ الشِّراءُ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، ويَقَعُ للذِّمِّيِّ؛ لأنَّ الخَمْرَ مالٌ لهم؛ لأنهم يَتَمَوَّلونَها ويَتَبايَعُونَها، فصَحَّ تَوْكِيلُهم فيها، كسائِرِ أمْوالِهِم.
ولَنا، أنَّ كلَّ ما لا يَجُوزُ للمُسْلِمِ العَقْدُ عليه، لا يجوزُ أن يُوَكِّلَ فيه، كتَزْويجِ المَجُوسِيَّةِ، وبهذا خالفَ سائِرَ أمْوالِهِم.
وإذا باع الوَكِيلُ بثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، ثَبَت المِلْكُ للمُوَكِّلِ في الثَّمَنِ؛ لأنَّه بِمنزِلَةِ المَبِيعِ.
وإن كان الثَّمَنُ في الذِّمّةِ، فللوَكِيلِ والمُوَكِّلِ المُطالبَةُ به.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس للمُوَكِّلِ المُطالبَةُ؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ بالوَكِيلِ دُونه، ولهذا يتَعَلَّقُ مَجْلِسُ الصَّرْفِ والخيارُ به دُونَ مُوَكِّلِه، فكذلك القبضُ.
ولَنا، أنَّ هذا دَينٌ للمُوَكِّلِ يَصِحُّ قَبْضُه له، فمَلَكَ المُطالبَةَ به، كسائِر دُيُونِه
وَإِنْ وَكَّلَهُ في بَيعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ قَبْضَ ثَمَنِهِ إلا بِقَرِينَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ، لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ شَيْءٌ.
التي وَكَّلَ فيها، وفارَقَ مَجْلِسَ الصَّرْفِ (1)؛ لأنَّ ذلك مِن شُرُوطِ (2) العَقْدِ، فتَعَلَّقَ بالعاقِدِ، كالإِيجابِ والقَبُولِ، وأمّا الثَّمَنُ فهو حَقٌّ للمُوَكِّلِ ومالٌ مِن مالِه، فكانت له المُطالبَةُ به.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تتعلَّقُ به، وإنَّما تتَعلَّقُ بالمُوَكِّلِ، وهي تَسْلِيمُ الثَّمَنِ، وقَبْضُ المَبِيعِ، والرَّدُّ بالعَيبِ، وضَمانُ الدَّرَكِ.
فأمّا ثَمَنُ ما اشْتَراه إذا كان في الذِّمَّةِ، فإنَّه يَثْبُت في ذِمَّةِ المُوَكِّلِ أصْلًا، وفي ذِمَّةِ الوَكِيلِ تَبَعًا، كالضّامِنِ.
وللبائِع مُطالبَةُ مَن شاء منهما، فإن أبْرَأ الوَكِيلَ لم يَبْرَأ المُوَكِّلُ، وإن أَبْرَأَ المُوَكِّلَ بَرِئَ الوَكِيلُ، كالضَّامِنِ والمَضْمُونِ عنه سَواء.
وإن دَفَع الثَّمَنَ إلى البائعِ، فوَجَدَ به عَيبًا، فرَدَّه على الوَكِيلِ، كان أمانَةً في يَدِه، إن تَلِف فهو مِن ضَمانِ المُوَكِّلِ.
ولو وَكَّلَ رَجلًا يَسْتَسْلِفُ له [ألفًا في] (3) كُرِّ (4) حِنْطَةٍ، ففَعَلَ، مَلَكَ الموكِّلُ (5) ثَمَنَها، والوَكِيلُ ضامِنٌ عن مُوَكِّلِه, كما تَقَدَّم.
2018 -
مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعِ شيءٍ، مَلَك تَسْلِيمَه، ولم يَمْلِكْ قَبْضَ ثمنِه إلَّا بقَرِينةٍ. فإن تَعَذَّرَ قَبْضُه، لم يَلْزَمِ الوَكِيلَ شيءٌ)
لأنَّ12345
..................................
إطْلاقَ التَّوْكِيلِ في البَيعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ، لكَوْنِه مِن تَمامِه، ولم يَمْلِكِ الإِبراءَ مِن الثَّمَنِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُه.
ولَنا، أنَّ الإِبراءَ ليس مِن المَبِيعِ ولا من ثَمَنِه، فلا يكونُ التَّوْكِيلُ في البَيعِ توكيلًا 1 فيه، كالإِبراءِ مِن غيرِ ثَمَنِه.
فأمّا قَبْضُ الثَّمَنِ، فقال القاضِي، وأبو الخَطَّاب: لا يَمْلِكُه.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه قد يُوَكِّلُ في البَيعِ مَن لا يَأْتَمِنُه على قَبْضِ الثَّمَنِ.
فعلى هذا، إن تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمنِ مِن المُشْتَرِي، لم يَلْزَمِ الوَكِيلَ شيءٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ قَبْضَ الثَّمَنِ؛ لأنَّه مِن مُوجَبِ البَيعِ، فمَلَكَه، كتَسْلِيمِ المَبِيعِ.
فعلى هذا ليس له تَسْلِيمُا المَبِيعِ إلّا بقَبْضِ الثَّمَنِ أو حُضُورِه،
..................................
فإن سَلَّمَه قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه ضَمِنَه.
قال شيخُنا 1: والأوْلَى أن يَنْظرُ فيه، فإن دَلَّتْ قَرِينَةُ الحالِ على قَبْضِ الثَّمنِ، مثلَ تَوْكِيلِه في بَيعِ ثَوْبٍ في سُوقٍ غائبٍ عن المُوَكِّلِ، أو مَوْضِعٍ يَضِيعُ الثَّمَنُ بتركِ قَبْضِ الوَكِيلِ له 2، كان إذْنًا في قَبْضِه، فمتى تَرَك قَبْضَه ضَمِنَه؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِ المُوَكِّلِ أنَّه إنَّما أمَرَه بالبَيعِ لتَحْصِيل ثَمَنِه، فلا يَرْضَى بتَضْيِيعِه، ولهذا يُعَدُّ مَن فَعَل ذلك مُفَرِّطًا.
وإن لم تَدُلَّ القَرِينةُ على ذلك، لم يَكُنْ له قَبْضُه.
وَإنْ وَكَّلَهُ في بَيعٍ فَاسِدٍ،
فصل: فإن وَكَّلَه في شِراءِ شيءٍ، مَلَك تَسْلِيمَ ثَمَنِه؛ لأنَّه مِن تَتِمَّتِه (1) وحُقُوقِه، فهو كتَسْليمِ المَبيعِ في البَيعِ.
والحُكْمُ في قَبْضِ المَبِيعِ كالحُكْمِ في قَبْضِ الثَّمَنِ في البَيع (2)، على ما ذكرْنا.
فإن اشْتَرَى عَبْدًا فنَقَدَ ثَمَنَه، فخرَجَ العَبْدُ مُسْتَحَقًّا، فهل يَمْلِكُ أن يُخاصِمَ البائِعَ في الثَّمَنِ؟ على وَجْهَينِ.
فإن اشْتَرَى شيئًا وقَبَضه، وأخَّرَ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ لغيرِ عُذْرٍ، فهَلَكَ في يَدِه، ضَمِنَه، وإن كان له عُذْرٌ، مثلَ أن ذَهَب ليَنْقُدَه [فهَلَكَ] (3) أو نحوَ ذلك، فلا ضَمانَ عليه.
نَصَّ أحمدُ على هذا، لأنَّه مُفَرِّطٌ في إمْساكِه في الصُّورَةِ الأُولَى، فلَزِمَه الضَّمان، بخِلافِ ما إذا لم يُفَرِّطْ.
2019 -
مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعٍ فاسِدٍ، لم يَصِحَّ)
ولم يَمْلِكْه؛ لأنَّ الله تعالى لم يَأْذَنْ فيه، ولأنَّ المُوَكِّلَ لا يَمْلِكُه، فالوَكِيلُ123
أَوْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، لَمْ يَصِحَّ.
أوْلَى.
ولا يَمْلِكُ الصَّحِيحَ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ لم يَأْذَنْ فيه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُ الصَّحِيحَ؛ لأنَّه إذا أذِنَ في الفاسِدِ، فالصَّحِيحُ أوْلَى.
ولَنا، أنَّه أَذِنَ له في مُحَرَّمٍ، فلم يَمْلِكِ الحَلال بالإِذْنِ في الفاسِدِ, كما لو أذِنَ في شِراءِ خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، لم يَمْلِكْ شِراءَ الخَيلِ والغَنَمِ.
2020 -
مسألة: (و)
إن وَكَّلَه في (كُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، لم يَصِحَّ) لأنَّه يَدْخُلُ فيه كلُّ شيءٍ، فيَعْظُمُ الغَرَرُ، ولأنَّه لا يَصحُّ التَّوْكِيلُ إلَّا في تَصَرُّفٍ مَعْلُوم.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: يَصِحُّ ويَمْلِكُ به كلَّ ما تَناوَلَه لَفْظُه؛ لأنَّ لَفْظَه عامٌّ، فصَحَّ فيما تَناوَلَهُ، كما لو قال: بعْ مالِي كُلَّه.
ولنا، أنَّ في هذا غَرَرًا عَظِيمًا وخَطَرًا كَبيرًا؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه هِبَةُ مالِه، وطَلاقُ نِسائِه، وإعْتاقُ رَقِيقِه، وتَزَوُّجُ نِساءٍ كَثِيرٍ، وتَلْزَمُه المُهُورُ الكَثِيرَةُ، والأثْمانُ 1 العَظِيمةُ، فيَعْظُمُ الضَّرَرُ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ في بَيعِ مَالِهِ كُلِّهِ، صَحَّ.
وَإنْ قَال: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ.
أَوْ: عَبْدًا بمَا شِئْتَ.
لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَذْكُرَ النَّوْعَ وَقَدْرَ الثَّمَنِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ.
2021 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في بَيعِ مالِه كلِّه، صَحَّ)
لأنَّه يَعْرِفُ ماله، فيَعْرِفُ أقْصَي ما يَبِيعُ، فيَقِلُّ الغَرَرُ.
وكذلك لو وَكَّلَه في بَيعِ ما شاء مِن مالِه، أو قَبْضِ دُيُونِه، أو الإِبراءِ منها، أو ما شاء منها، صَحَّ؛ لأنَّه يَعْرِفُ دَينَه، فيَعْرِفُ ما يَقْبِضُ، فيَقِلُّ الغَرَرُ.
2022 -
مسألة: (وإن قال: اشْتَرِ لي ما شِئْتَ. أو: عَبْدًا بما شِئْتَ. لم يَصِحَّ)
[ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ] 1 (حتى يَذْكُرَ النَّوْعَ وقَدْرَ الثَّمَنِ.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّه يَصِحُّ) وذكره أبو الخطّابِ أيضًا 2؛ لأنَّ
..................................
ما يُمْكِنُ شِراؤُه يَكْثُرُ، فيَكْثُرُ فيه الغَرَرُ.
وإن قَدَّرَ له أكْثَرَ الثَّمَنِ وأقَلَّه، صحَّ؛ لأنَّه يَقِلُّ الغَرَرُ.
وقال القاضي: إذا ذَكَر النَّوْعَ لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ الثَّمَنِ؛ لأنَّه أذِنَ 1 في أعْلاه.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّه يَصِحُّ.
فإنَّه قد رُوِيَ عنه، في مَن قال: ما اشْتَرَيتَ مِن شيءٍ فهو بينَنا.
أنَّ هذا جائِزٌ، وأعْجَبَه.
وهذا تَوْكِيلٌ في شِراءِ كلِّ شيءٍ، ولأنَّه إذْنٌ في التَّصَرُّفِ، فجاز مِن غيرِ تَعْيين، كالإِذنِ في التِّجارَةِ.
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّه إذا قال: بعْ ما شِئْتَ مِن مالِي.
أنَّه يَصِحُّ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إذا قال: بِعْ ما شِئْتَ مِن مالِي.
لم يَجُزْ.
وإن قال: بِعْ ما شِئْتَ مِن عَبِيدي.
جاز؛ لأنَّه مَحْصُورٌ بالجِنْسِ.
ولَنا، أنَّ ما جاز التَّوْكِيلُ في جَمِيعِه، جاز التَّوْكِيلُ في بَعْضِه، كعَبِيدِه 2. وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا تُرْكِيًّا.
أو: ثَوْبًا هَرَويًّا 3. صَحَّ.
وكذلك إن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا.
أو: ثَوْبًا.
لم يَذْكُرْ جنْسَه، صحَّ أيضًا.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
ولَنا، أنه إذا 4 ذَكَرَ
وَإِنْ وَكَّلَهُ في الْخُصُومَةِ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا في الْقَبْضِ.
نَوْعًا فقد أذِنَ في أعْلاه ثَمَنًا، فيَقِلُّ الغَرَرُ، ولأنَّ تَقْدِيرَ الثَّمَنِ يَضُرُّ به، فإنَّه قد لا يَجِدُ بقَدْرِ الثَّمَنِ، ومَن اعْتَبَر ذِكْرَ الثَّمَنِ، جَوَّزَ أن يَذْكُرَ له أكْثَرَ الثَّمَنِ وأقَلَّه، وقد ذَكَرْناه.
2023 -
مسألة: (وإن وَكَّلَه في الخُصُومَةِ، لم يكنْ وَكِيلًا في القَبْضِ)
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُ قَبْضَه؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن التَّثَبُّتِ قَبْضُه و 1 تَحْصِيلُه.
ولَنا، أنَّ القَبْضَ لم يَتَناوَلْه الإِذْنُ نُطْقًا ولا عُرْفًا؛ لأنَّه قد يَرْضَى للخُصُومَةِ مَن 2 لا يَرْضاه للقَبْضِ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ في الْقَبْضِ، كَانَ وَكِيلًا في الْخُصُومَةِ، في أَحَدِ
فصل: وإذا وَكَّلَه في الخُصُومَةِ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه على المُوَكِّلِ بقَبْضٍ الحَقِّ ولا غيرِه.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وابنُ أبي لَيلَى.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: يُقْبَلُ إقْرارُه في مَجْلِسِ الحُكْمِ، فيما عَدا الحُدُودَ والقِصاصَ.
وقال أبو يُوسُف: يُقْبَلُ إقْرارُه في مَجْلِسِ الحُكْمِ وغيرِه؛ لأنَّ الإِقْرارَ أحَدُ جَوابَيِ المُدَّعِي، فَمَلَكَه، كالإِنْكارِ.
ولَنا، أنَّ الإِقْرارَ مَعْنًى (1) يَقْطَعُ الخُصُومَةَ ويُنافِيها، فلم [يَمْلِكْه الوَكِيلُ] (2) فيها، كالإِبْراءِ.
وفارَقَ الإِنْكارَ؛ فإنَّه لا يَقْطَعُ الخُصُومَةَ، ويَمْلِكُه في الحُدُودِ والقِصاصِ، وفي غيرِ مَجْلِسِ الحاكِمِ.
ولأنَّ الوَكِيلَ لا يَمْلِكُ الإِنْكارَ على وَجْهٍ يَمْنَعُ المُوَكِّلَ مِن الإِقْرارِ، فلو مَلَك الإِقْرارَ لامْتَنَعَ على المُوَكِّلِ الإِنْكارُ، فافْتَرَقَا.
ولا يَمْلِكُ المُصالحَةَ على الحَقِّ، ولا الإِبراءَ منه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ (3) الإِذْنَ في الخُصُومَةِ لا يَقْتَضِي شيئًا مِن ذلك.
2024 -
مسألة: (وإن وَكَّلَه في القَبْضِ، كان وَكِيلًا في
123
الْوَجْهَينَ.
الخُصُومَةِ، في أحَدِ الوَجْهَين) [وبه] 1 قال أبو حنيفةَ.
والآخَرُ، ليس له ذلك.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّهما مَعْنَيَان مُخْتَلِفان، فالوَكِيلُ في أحَدِهما لا يكونُ وَكِيلًا في الآخَرِ؟ لأنَّه لم يَتَناوَلْه اللَّفْظُ.
ووَجْهُ الاوَّلِ، أنَّه لا يَتَوَصَّلُ إلى القَبْضِ إلَّا بالتَّثْبِيتِ، فكان إذْنًا فيه عُرْفًا، ولأنَّ القَبْضَ لا يَتِمُّ إلَّا به، فمَلَكَه, كما لو وَكَّلَه في 2 شِراءِ شيءٍ مَلَك تَسْلِيمَ ثَمَنِه، أو في بَيعِ شيءٍ مَلَك تَسْلِيمَه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن
..................................
كان المُوَكِّلُ عالِمًا بجَحْدِ مَن عليه الحَقُّ أو مَطْلِه، كان تَوْكِيلًا في تَثْبِيتِه والخُصُومَةِ فيه؛ لِعِلْمِه بوُقُوفِ القَبْضِ عليه.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الحَقِّ عَينًا أو دَينًا.
وقال بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ: إن [وَكَّلَه في قَبْضِ] 1 عَينٍ، لم يَمْلِكْ تَثْبِيتَها؛ لأنَّه وَكِيلٌ في نَقْلِها، أشْبَهَ الوَكِيلَ في نَقْلِ الزَّوْجةِ.
ولَنا، أنَّه وَكِيلٌ في قَبْضِ حَقٍّ، أشْبَهَ الوَكِيلَ في قَبْضِ الدَّينِ، وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه؛ فإنَّه تَوْكِيلٌ في قَبْضِه ونَقْلِه إليه.
وَإِنْ وَكَّلَهُ في قَبْضِ الْحَقِّ مِنْ إِنْسَانٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ وَإِنْ قَال: اقْبِضْ حَقِّيَ الَّذِي قِبَلَهُ.
فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْ وَارِثِهِ.
وَإِنْ قَال: اقْبِضْهُ الْيَوْمَ.
لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ غَدًا.
2025 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَبْضِ الحَقِّ مِن إنسانٍ، لم يكنْ له قَبْضه مِن وارِثِه. وإن قال: اقْبِضْ حَقِّي الذي قِبَلَه. فله القَبْضُ مِن وارِثِه)
إذا وَكَّلَه في قَبْضِ دَينٍ مِن رجلٍ، فمات، نَظَرْتَ في لَفْظِه؛ فإن قال: اقْبِضْ حَقِّي مِن فُلانٍ.
لم يَكُنْ له قَبْضه مِن وارِثِه؛ لأنَّه لم يُؤْمَرْ بذلك، ولا يَقْتَضِيه العُرْفُ؛ لأنَّه قد يَرْضَى (1) بقاءَ الحَقِّ عندَهم دُونَه.
وإن قال: اقْبِضْ حَقِّي الذي قِبَلَه.
أو: عليه.
فله مُطالبَةُ وارِثِه، والقَبْضُ منه؛ لأنَّ قَبْضَه مِن الوارِثِ قَبْضٌ للحَقِّ الذي على مَوْرُوثِه.
فإن قِيلَ: فلو قال: اقْبِضْ حَقِّي مِن زيدٍ.
فوَكَّلَ زَيدٌ إنْسانًا في الدَّفْع إليه، كان له القَبْضُ منه (2)، والوارِثُ نائِبُ المَوْرُوثِ، فهو كالوَكِيلِ.
قُلْنا: الوَكِيلُ إذا دَفَع عنه بإذْنِه، جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِه؛ لأنَّه أقامَهُ مُقامَ نَفْسِه، وليمر كذلك ههُنا، فإنَّ الحَقَّ انْتَقَل إلى الوَرَثَةِ واسْتَحَقَّتِ المُطالبَةُ عليهم، لا بطَرِيقِ النِّيابَةِ عن المَوْرُوثِ، ولهذا لو حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، حَنِث بفِعْلِ وَكِيله دُونَ وارِثِه.
2026 -
مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَبْضِه اليَوْمَ، لم يكنْ له قَبْضه غدًا)
لأنَّه قد يَخْتَصُّ غَرَضُه به في زَمَنِ حاجَتِه إليه.12
وَإِنْ وَكَّلَهُ في الإِيدَاعِ، فَأَوْدَعَ وَلَمْ يُشْهِدْ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَضَاءِ دَينٍ، فَقَضَاهُ وَلَمْ يُشْهِدْ، وَأَنْكَرَهُ الْغَرِيمُ، ضَمِنَ، إلا أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ.
2027 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في الإِيداعِ، فأوْدَع ولم يُشْهِدْ، لم يَضْمَنْ)
إذا أنْكَرَ المُودَعُ.
كذلك ذَكَرَه أصحابُنا.
وعُمُومُ كَلامِ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه على الآمِرِ (1). وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ لا تَثْبُتُ إلَّا ببَيِّنَةٍ، فهو كما لو وَكَّلَه في قَضاءِ الدَّينِ.
وقال أصحابُنا: لا يَصِحُّ القِياسُ؛ لأنَّ قولَ المُودَعِ يُقْبَلُ في الرَّدِّ والهَلاكِ، فلا فائِدَةَ في الاسْتِيثاقِ؛ بخِلافِ قَضاءِ الدَّينِ.
فإن قال الوَكِيلُ: دَفَعْتُ المال إلى المُودَعِ.
فقال: لم تَدْفَعْه.
فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في تَصَرُّفِه فيما وُكِّلَ فيه، فكان القولُ قَوْلَه فيه.
2028 -
مسألة: (وإن وَكَّلَه في قَضاءِ دَينٍ، فقَضَاه ولم يُشْهِدْ، وأنْكَرَ الغَرِيمُ، ضَمِن، إلَّا أن يَقْضِيَه بحَضْرَةِ المُوَكِّلِ)
إذا وَكَّلَ رَجلًا1
..................................
في قَضاءِ دَينِه، ودَفَع إليه مالًا ليَدْفَعَه إليه، فادَّعَى الوَكِيلُ قَضاءَ الدَّين ودَفْعَ المالِ إلى الغَرِيمِ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه على الغَرِيمِ إلَّا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّه ليس بأمِينِه، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه عليه في ذلك, كما لو ادّعاه المُوَكِّلُ.
فإذا حَلَف الغَرِيمُ، فله مُطالبَةُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّ ذِمَّتَه لا تَبْرَأُ بدَفْعِ المالِ إلى وَكِيلِه.
وهل للمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ على وَكِيلِه؟ يُنْظَرُ؛ فإن كان قَضاه بغيرِ بَيِّنةٍ، فللمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ عليه إذا قَضاه في غَيبَتِه.
قال القاضي: سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذْنٌ له 1 في القَضاءِ يُبْرئُه 2، ولم يُوجَدْ.
وعن أحمدَ، أنَّه لا يَرْجِعُ عليه بشيءٍ، إلَّا أن يكونَ أمَرَه بالإِشْهادِ فلم يَفْعَلْ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، إن صَدَّقَه المُوَكِّلُ في الدَّفْعِ، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ، وإن كَذَّبَه، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ مع يَمِينِه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ووَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه ادَّعَى فِعْلَ ما أمَرَه به مُوَكِّلُه، فكان القولُ قَوْلَه، كما لو أمَرَه ببَيعِ ثَوْبِه، فادَّعَى بَيعَه.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه مُفَرِّطٌ بتَرْكِ الإشْهادِ، فضَمِن, كما لو فَرَّطَ في البَيعِ بدُون ثَمَنِ المِثْلِ.
فإن قِيلَ: فَلَمْ يأْمُرْه بالإِشْهادِ؟ قُلْنا: إطْلاقُ الأمْرِ بالقَضاءِ يَقْتَضي ذلك؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا به، فيَصِيرُ كأمْرِه بالبَيعِ والشِّراءِ، يَقْتَضي ذلك العُرْفُ لا
..................................
العُمُومُ.
كذا ههُنا.
وقِياسُ القولِ الآخَرِ يُمْكِنُ القولُ بمُوجِبِه، وأنَّ قَوْلَه مَقْبُولٌ في القَضاءِ، وإنَّما لَزِمَه الضَّمانُ لتَفْرِيطِه، لا لرَدِّ قَوْلِه.
وعلى هذا، لو كان القَضاءُ بحَضْرةِ المُوَكِّلِ، لم يَضْمَن الوَكِيلُ؛ لأنَّ تَرْكَه الاحْتِياطَ والإِشْهادَ رَضًا منه بما فَعَل وَكِيلُه.
وكذلك لو أذِنَ له في القَضاءِ بغيرِ إشْهادٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ صَرِيحَ قَوْلِه يُقَدَّمُ على ما تَقْتَضِيه دَلالةُ الحالِ.
وكذلك إن أشْهَدَ على القَضاءِ عُدُولًا فماتُوا أو غابُوا، فلا ضَمانَ
فَصْلٌ: وَالْوَكِيل أَمِينٌ، لَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيمَا تَلِفَ في يَدِهِ بِغَيرِ تَفْرِيطٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ في الْهَلَاكِ وَنَفْي التَّفْرِيطِ.
[على الوَكِيلِ] 1 لعَدَمِ تَفْرِيطِه.
وإنِ أشْهَد مَن يُخْتَلَفُ في ثُبوتِ الحقِّ بشَهادَتِه، كشاهِدٍ واحدٍ، أو رجلًا وامْرَأَتَين، فهل يَبْرَأُ مِن الضَّمانِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
فإنِ اخْتَلَفَ الوَكِيلُ والمُوَكِّلُ، فقال: قَضَيتُ الدَّينَ بحَضْرَتِك.
فأنْكَرَ المُوَكِّلُ ذلك، أو قال: أذِنْتَ لي في قَضائِه بغيرِ بَيِّنَةٍ.
فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، أو قال: أَشْهَدْتُ على القَضاءِ شُهُودًا فماتُوا.
فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ معه.
فصل: قال المُصنِّفُ، رَحِمَه اللهُ: (والوَكيلُ أمِينٌ، لا ضَمانَ عليه فيما تَلِف في يَدِة بغيرِ تَفْرِيطٍ) سَواءٌ كان بجُعْلٍ أو لا؛ لأنَّه أَمِينٌ، أشْبَهَ المُوَدَعَ.
ومتى اخْتَلَفا في تَعَدِّي الوَكِيلِ، أو تَفْرِيطِه في الحِفْظِ، أو
..................................
مُخالفَتِه أمْرَ مُوَكِّلِه، مثلَ أن يَدَّعِيَ عليه 1 أنَّك حَمَلْتَ على الدّابَّةِ فوقَ طاقَتِها، أو حَمَلْتَ عليها شيئًا لنَفْسِك، أو فَرَّطْتَ في حِفْظِها.
أو لَبِسْتَ الثَّوْبَ، أو أمَرْتُك برَدِّ المالِ فلم تَفْعَلْ، ونحوَ ذلك، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أمِينٌ، وهذا ممّا يَتَعذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، فلا يُكَلَّفُ ذلك، كالمُودَعِ.
ولأنَّه مُنْكِرٌ لِما يُدَّعَى عليه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
وكذلك إنِ ادَّعَى الوَكِيلُ التَّلَفَ فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ مع يَمينِه؟ لِما ذَكَرْنا.
وهكذا حُكْمُ كلِّ 2 مَن كان في يَدِه شيءٌ لغيرِه على سَبِيلِ الأمانَةِ، كالأبِ، والوَصيِّ، وأمينِ الحاكِمِ، والشَّرِيكِ، والمُضارِبِ، والمُرْتَهِنِ، والمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه لو كُلِّفَ ذلك مع تَعَذُّرِه عليه 3، لامْتَنَعَ النّاسُ مِن الدُّخُولِ في الأماناتِ مع دَعْوَى الحاجَةِ إليها، وذلك ضَرَرٌ.
وقال القاضي: إلَّا أن يَدَّعِيَ تَلَفَها بأمْرٍ ظاهِرٍ، كالحَرِيقِ والنَّهْبِ، فعليه إقامَةُ البَيِّنَةِ على وُجُودِ هذا الأمْرِ في تلك النّاحِيَةِ، ثم يكونُ القولُ قَوْلَه في تَلَفِها به.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ وُجُودَ الأمْرِ الظّاهِرِ
وَلَوْ قَال: بِعْتُ الثَّوْبَ، وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ.
فَالْقَوْلُ قَولهُ.
ممّا لا يَخْفَى، فلا يتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه.
ومتى ثَبَت التَّلَفُ في يَدِه مِن غيرِ تَعَدِّيه؛ إمّا لقَبُولِ قوْلِه، أو بإقْرارِ مُوَكِّلِه أو بَيِّنَةٍ (1)، فلا ضَمانَ عليه، سَواءٌ تَلِف المَتاعُ الذي أُمِر ببَيعِه، أو باعَه وقَبَض ثَمَنَه فتَلِفَ الثَّمَنُ، سواءٌ كان بجُعْلٍ أو غيرِه؛ لأنَّه نائِبُ المالِكِ في اليَدِ والتَّصَرُّفِ، فالهَلاكُ في يَدِه كالهَلاكِ في يَدِ المالِكِ، وجَرَى مَجْرَى المُودَعِ والمُضارِبِ وشِبْهِهما.
فإن تَعَدَّى أو فَرَّطَ، ضَمِن.
وكذلك سائِرُ الأُمَناءِ.
ولو باع الوَكِيلُ سِلْعَةً وقَبَض ثَمَنَها، فتَلِفَ في يَدِه مِن غيرِ تَعَدٍّ، واسْتُحِقَّ المَبِيعُ، رَجَع المُشْتَرِي بالثَّمَنِ على المُوَكِّل دُونَ الوَكِيلِ؛ لأنَّ المَبِيعَ له، فالرُّجُوعُ بالعُهْدَةِ عليه, كما لو باع بنَفسِه.
2029 -
مسألة: (ولو قال: بِعْتُ الثَّوْبَ، وقَبَضْتُ الثَّمَنَ فتَلِفَ. فالقولُ قَوْلُه)
إذا اخْتَلَفَ الوَكِيلُ والمُوَكِّلُ في التَّصَرُّفِ، فيقولُ1
..................................
الوَكِيلُ: بِعْتُ الثَّوْبَ، وقَبَضْتُ الثَّمَنَ.
فيُنْكِرُ المُوَكِّلُ ذلك، أو يقولُ: بِعْتَ ولم تَقْبِضْ 1 شيئًا.
فالقولُ قولُ الوَكِيلِ.
ذَكَرَه ابنُ حامدٍ.
وهو قولُ أصحاب الرَّأْي؟ لأنَّه يَمْلِكُ البَيعَ والقَبْضَ، فقُبِلَ قَوْلُه فيهما، كما يُقْبَلُ قولُ وَلِيِّ المرَأةِ المُجْبَرةِ على النِّكاحِ في تَزْويجِها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه.
وهو أحَدُ القَوْلَين لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه يُقِرُّ بحَقٍّ لغيرِه على مُوَكِّلِه، فلم يُقْبَلْ, كما لو أقَرَّ بدَينٍ عليه.
فإن وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ، فاشْتَراه، واخْتَلَفا في قَدْرِ ما اشْتَراه به، فقال: اشْتَرَيتُه بألْفٍ.
قال: بل بخَمْسِمائةٍ.
فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لِما ذَكَرْناه.
وقال القاضي: القولُ قولُ المُوَكِّلِ، إلَّا أن يكونَ عَيَّنَ له الشِّراءَ بما ادَّعاه، فقال: اشْتَرِ
وَإِنِ اخْتَلَفَا في رَدِّهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا.
وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
لي عَبْدًا بألْفٍ.
فادَّعَى الوَكِيلُ أنَّه اشْتَراه بها، فالقولُ قولُ الوَكِيلَ إذًا، وإلَّا فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّ مَن كان القولُ قَوْلَه في أصْلِ شيءٍ، كان القولُ قَوْلَه في صِفَتِه.
وللشافعيِّ قَوْلانِ كهَذَينِ الوَجْهَين.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الشِّراءُ في الذِّمَّةِ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّه غارِمٌ، لكَوْنِه مُطالبًا بالثَّمَنِ، وإنِ اشْتَرى بعَينِ المالِ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لكَوْنِه.
الغارِمَ، فإنَّه يُطالِبُه برَدِّ ما زاد على خَمْسِمائةٍ.
ولَنا، أنَّهما اخْتَلَفا في تَصَرُّفِ الوَكِيلِ، فكان القولُ قَوْلَه, كما لو اخْتَلَفا في البَيعِ، ولأنَّه وَكِيلٌ في الشِّراءِ، فكان القولُ قَوْلَه في قَدْرِ ثَمَنِ المُشْتَرَى، كالمُضارِبِ، وكما لو قال له: اشْتَرِ بألْفٍ.
عندَ القاضي.
2030 -
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في رَدِّه إلى المُوَكِّلِ، فالقولُ قَولُه إن كان مُتَطَوِّعًا. وإن كان بجُعْلٍ، فعلى وَجْهَين)
إذا اخْتَلَفا في الرَّد، فادَّعاه الوَكِيلُ وأنْكَرَه المُوَكِّلُ، فإن كان بغيرِ جُعْلٍ، فالقولُ قولُ
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في الْأَجِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ.
الوَكِيلِ؛ لأنَّه قَبَض المال لنَفْعِ مالِكهِ، فكان القولُ قَوْلَه، كالمُودَعِ.
وإن كان بجُعْلٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّ القولَ قَوْلُه، كالأوَّلِ.
والثاني، لا يُقْبَلُ قولُه؛ لأنَّه قَبَض المال لنَفْعِ نَفْسِه، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُسْتَعِيرِ.
وسَواءٌ اخْتَلَفا في رَدِّ العَينِ أو رَدِّ ثَمَنِها.
2031 -
مسألة: (وكذلك يُخَرَّجُ في الأجِيرِ والمُرْتَهِنِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأُمَناءَ على ضَرْبَين؛ أحَدُهما، مَن قَبَض المال لنَفْعِ مالِكِه لا غيرُ، كالمُودَعِ والوَكِيلِ بغيرِ جُعْلٍ، فيقبَلُ قَوْلُهم في الرَّدِّ؛ لأنَّه لو لم يُقْبَلْ قَوْلُهم لامْتَنَعَ الناسُ مِن قَبُولِ هذه الأماناتِ، فيَلْحَقُ
..................................
الناسَ الضَّرَرُ.
الثاني، مَن 1 يَنْتَفِعُ بقَبْضِ الأمانَةِ، كالوَكِيلِ بجُعْلٍ، والمُضارِبِ، والأجِيرِ المُشْتَركِ، والمُسْتَأْجِرِ، والمُرْتَهِنِ، ففيهم وَجْهان.
ذَكَرَهما أبو الخَطَّابِ؛ أحَدُهما، لا يُقْبَلُ قولُ 2 المُرْتَهِن [والمُسْتَأْجِرِ] 3 والمُضارِب في الرَّدِّ؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في المُضارِبِ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، ولَأنَّ مَن قَبَض المال لنَفْعِ نَفْسِه، لا يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّد، كالمُسْتَعِيرِ.
ولو أنْكَرَ الوَكِيلُ قَبْضَ المالِ، ثم ثَبَت ذلك ببَيِّنَةٍ أو اعْتِرافٍ، فادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّ جِنايَتَه قد ثَبَتَتْ بجَحْدِه.
فإن أقام بَيِّنةً بما ادَّعاه مِن الرَّدِّ أو التَّلَفِ، لم تُقْبَلُ بَيِّنَتُه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه كَذَّبَها بجَحْدِه، فإنَّ قَوْلَه: ما 4 قَبَضْتُ.
يَتَضَمَّنُ أنَّه لم يَرُدَّ شيئًا.
والثاني، يُقْبَلُ؛ لأنَّه يَدَّعى الرَّدَّ والتَّلَفَ قبلَ وُجُودِ خِيانتِه،
وَإِنْ قَال: أَذِنْتَ لِي في الْبَيعِ نَسَاءً، وَفِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ.
فَأَنْكَرَهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
فإن كان جُحُودُه أنك لا (1) تَسْتَحِقُّ عَليَّ شيئًا، أو ما لَكَ عندِي شيءٌ، سُمِع قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ جَوابَه لا يُكَذِّبُ ذلك، فإَّنه إذا كان قد تَلِف أو رُدَّ، فليس له عندَه شيءٌ، فلا تَنافِيَ بينَ القَوْلَين، إلَّا أن يَدَّعِيَ أنَّه رَدَّه أو تَلِف بعدَ قَوْلِه: ما لَكَ عندِي شيءٌ.
فلا يُسْمَعُ قَوْلُه؛ لثُبُوتِ كَذِبِه وخِيانَتِه.
2032 -
مسألة: (فإن قال: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَساءً، وفي الشِّراءِ بخَمْسةٍ. فأنْكَرَه، فعلى وَجْهَين)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّهما متى اخْتَلَفا في صِفَةِ الوَكالةِ، فقال: وَكَّلْتُك في بَيعِ هذا العَبْدِ.
قال: بل في بَيعِ هذه1
..................................
الأمَةِ 1، أو قال: [وَكَّلْتُكَ في البَيعِ بألْفَين.
قال: بل بألْفٍ.
أو قال: وَكَّلْتُكَ] 2 في بَيعِه نَقدًا.
قال: بل نَسِيئَةً.
أو قال: وَكَّلْتُكَ في شِراءِ عَبْدٍ.
قال: بل في شِراءِ أمَةٍ.
أو قال: وَكَّلْتُكَ في الشِّراءِ بعَشَرَةٍ.
قال: بل بخَمْسَةٍ.
فقال القاضي 3: القولُ قولُ المُوَكِّلِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إذا قال: أذِنْتُ لك في البَيعِ نَقْدًا، وفي الشِّراءِ بخَمْسَةٍ.
قال: بِل أذِنْتَ لي في البَيعِ نَسِيئَةً، وفي الشِّراءِ بعشَرَةٍ.
فالقولُ قولُ الوَكِيلِ.
نصَّ عليه أحمدُ 4 في المُضارَبَةِ؛ لأنَّه أمِينٌ في التَّصَرُّفِ، فكان القولُ قَوْلَه في صِفَتِه، كالخَيّاطِ إذا قال: أذِنْتَ لي في تَفْصِيلِه قَباءً.
قال: بل قَمِيصًا.
وحُكِيَ عن مالكٍ: إن أُدْرِكَتِ السِّلْعَةُ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ، وإن فاتَتْ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لأنَّها إذا فاتَتْ لَزِم الوَكِيلَ الضَّمانُ،
..................................
والأصلُ عَدَمُه، بخِلافِ ما إذا كانت مَوْجُودَةً.
والقولُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّهما اخْتَلَفا في التَّوْكِيلِ الذي يَدَّعِيه الوَكِيلُ 1، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيه, كما لو لم يُقِرَّ المُوَكِّلُ بتَوْكِيلِه في غيرِه.
والثاني، أنَّهما اخْتَلَفا في صِفَةِ قولِ المُوَكِّلِ، فكان القولُ قَوْلَه في صِفَةِ كَلامِه, كما لو اخْتَلَفَ الزَّوْجانِ في صِفَةِ الطَّلاقِ.
فعلى هذا، إذا قال: اشْتَريتُ لك هذه الجارِيَةَ بإذْنِكَ.
قال: ما أذِنْتُ لك 2 إلَّا في شِراء غيرِها.
أو قال: اشْتَرَيتُها لك بألْفَين.
فقال: ما أذِنْتُ لك في شِرائِها إلَّا بأَلْفٍ.
فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ، وعليه اليَمِينُ.
فإذا حَلَف بَرِئَ مِن الشِّراءِ.
ثم لا يَخْلُو؛ إمّا أن يكونَ الشِّراءُ بعَينِ المالِ أو في الذِّمَّةِ، فإن كان بعَينِ المالِ، فالبَيعُ باطِلٌ، ويَرُدُّ الجارِيَةَ على البائِعِ إنِ اعْتَرَفَ بذلك،
..................................
وإن كَذَّبَه في أنَّ الشِّراءَ لغيرِه، أو بمالِ غيرِه، [أو بغيرِ] 1 إذْنِه، فالقولُ قولُ البائِعِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما في يَدِ الإِنْسانِ له.
فإنِ ادَّعَى الوَكِيلُ عِلْمَه بذلك، حَلَف أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّه اشْتَراه بمالِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّه يَحْلِفُ على نَفْي فِعْلِ غيرِه، فإذا حَلَف، مَضَى البَيعُ، وعلى الوَكِيلِ غَرامَةُ الثَّمَنِ لمُوَكِّلِه، ودَفعُ الثَّمَنِ إلى البائِعِ، وتَبْقَى الجارِيةُ في يَدِه، لا تَحِلُّ له؛ لأنَّه إن كان صادِقًا فهي للمُوَكِّلِ، وإن كان كاذِبًا فهي للبائِعِ.
فإن أراد
..................................
اسْتِحْلالها، اشْتَراها ممَّن هي له في الباطِنِ، فإنِ امْتَنَع مِن بَيعِه إيّاها، رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ؛ ليَرْفُقَ به ليَبِيعَه إيّاها، ليَثْبُتَ المِلْكُ له ظاهِرًا وباطِنًا، ويَصِيرَ ما ثَبَت له في ذِمَّتِه ثَمَنًا قِصاصًا بالذي 1 أخَذَ منه الآخَرُ ظُلْمًا، فإنِ امْتَنَعَ الآخَرُ مِن البَيعِ، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّه عَقْدُ مُراضاةٍ.
فإن قال له: إن كانتِ الجارِيةُ لي فقد بِعْتُكَها.
أو قال المُوَكِّلُ: إن كُنْتُ أذِنْتُ لك في شِرائِها بألْفَين 2 فقد بِعْتُكَها.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ.
وهو قولُ القاضي، وبعضِ الشافِعيَّةِ؛ لأنَّه بَيعٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ.
والثاني يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا أمْرٌ واقِعٌ يَعْلَمان وُجُودَه، فلا يَضُرُّ 3 جَعْلُه شَرْطًا, كما لو قال: إن كانت هذه الجارِيةُ جارِيةً، فقد بعْتُكَها.
وكذلك كلُّ شَرْطٍ عَلِما وُجُودَه، فإنَّه لا يُوجِبُ وُقُوفَ البَيعِ ولا شَكًّا فيه.
وأمّا إن كان الوَكِيلُ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، ثم نَقَد الثَّمَنَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولَزِم الوَكِيلِ في الظّاهِرِ، فأمّا في الباطِنِ، فإن كان كاذِبًا في دَعْواه فالجارِيَةُ [له؛ لأنَّه اشْتَراها في ذِمَّتِه بغيرِ أمْرِ المُوَكِّلِ، وإن كان صادِقًا فالجارِيَة] 4 لمُوَكِّلِه.