الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 469-508

..................................  النِّكاحِ، فإنَّه يَنْعَزِلُ بفِسْقِ أحَدِهما؛ لخُرُوجِه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وإن كان وَكِيلًا في القَبُولِ، لم يَنْعزِلْ بفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّه لا يُنافِي جَوازَ 1 قَبُولِه.
وهل يَنْعزِلُ بفِسْقِ نَفْسِه؟ على وَجْهَين؛ أوْلاهما، أنَّه لا يَنْعزِلُ؛ لأَنه يَجُوزُ أن يَقْبَلَ النِّكاحَ لنَفْسِه، فجاز أن يَقْبَلَه لغيرِه، كالعدْلِ.
وإن كان وَكِيلًا فيما يُشْتَرَطُ فيه الأمانَةُ، كوَكِيلِ وَلِيِّ اليَتيم، ووليِّ الوَقْفِ على المَساكِينِ، ونحو هذا، انْعَزَلَ بفسْقِه، وفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لخُرُجِهما بذلك عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وإن كان وَكِيلًا لوَكِيلِ مَن يتَصَرَّفُ في مالِ نَفْسِه، انْعَزَلَ بفسْقِه؛ لأنَّ الوَكِيلَ ليس له تَوْكِيلُ فاسِقٍ، ولا يَنْعَزِلُ بفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّ مُوَكِّلَه وَكِيل لرَبِّ المالِ، ولا يُنافِيه الفِسْقُ.

..................................  فصل: ولا تَبْطُلُ الوَكالةُ بالنَّوْمْ، والسُّكْرِ، والإِغْماء؛ لأنَّ ذلك لا يُخْرِجُه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، ولا تَثْبُتُ عليه الولايَةُ، إلًّا أن يَحْصُلَ الفِسْقُ بالسُّكْرِ، فقد ذَكَرْناه مُفَصَّلًا.
ولا تَبْطُلُ بالتَّعَدِّي فيما وُكِّلَ فيه، مثلَ لُبْسِ الثَّوْبَ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهين لأصْحابِ الشافعيِّ.
والثانِي، تَبْطُلُ بذلك، لأنَّها عَقْدُ أمَانَةٍ، فبَطَلَتْ بالتَّعَدِّي، كالوَدِيعَةِ.
ولنَا، أنَّه تَصَرُّفٌ بإذْنِ مُوَكِّلِه، فصَحَّ، كما لو لم يَتَعَدَّ.
ويُفارِقُ الوَدِيعَةَ مِن حيثُ إنَّها أمانَة مُجَرَّدَةٌ، فنافاها التَّعَدِّي والخِيانَةُ، والوَكالةُ إذْنٌ في التَّصَرُّفِ تَضَمَّنَتِ الأمانَةَ، فإذا انْتَفَتِ الأمانَةُ بالتعدِّي، بَقِيَ الإذْنُ بحالِه.
فعلى هذا، لو وَكَّلَه في بَيعِ ثَوْبٍ فلَبِسَه،

..................................  صار ضامِنًا.
فإذا باعَه، صَحَّ بَيعُه، وبَرِئَ مِن ضَمانِه؛ لدخولِه في مِلْكِ المُشْتَرِي وضَمانِه.
فإذا قَبَضَ الثَّمَنَ، كما كان أمانَةً في يَدِه غيرَ مَضْمُونٍ عليه؛ لأَنه قَبَضَه بإذْنِ المُوَكِّلِ ولم يَتَعدَّ فيه.
ولو دَفَع إليه مالًا، ووَكَّلَه أن يَشْتَرِيَ به شيئًا فتَعَدَّى في الثَّمَنِ، صار ضامِنًا له 1، وإذا اشْتَرَى به وسَلَّمَه زال الضَّمانُ، وقَبْضُه للمَبِيعِ قَبْضُ أمانَةٍ.
وإن ظَهَر بالمَبِيعِ عَيبٌ فرُدَّ عليه، أو وَجَد هو بما اشْتَراه عَيبًا فرَدَّه وقَبَض الثَّمَنَ، كان مَضْمُونًا عليه؛ لأنَّ العَقْدَ المُزِيلَ للضَّمانِ زال، فعاد ما زال به.

وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ، وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

1998 - مسألة: (وهل تَبْطُلُ بالردة، وحُرِّيَّةِ العبدِ؟ على وَجْهَين)

يَصِحُّ تَوْكِيلُ المُسْلِمِ كافِرًا فيما يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، سَواء كان ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمَنًا، أو حَرْبِيًّا، أو مُرْتَدًّا؛ لأنَّ العَدالةَ لا تُشْتَرطُ في صِحَّة الوَكالةِ، فكذلك الدّينُ، كالبَيعِ.
فإن وَكَّلَ مُسْلِمًا فارْتَدَّ، لم تَبْطُلْ وكالتُه، في أحَدِ الوَجْهَين، سواء لَحِق بدارِ الحَرْبِ أو أقام.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ إذا لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ؛ لأنَّه صار منهم.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَصَرُّفُه لنَفْسِه، فلم تَبْطُلْ وَكالته، كما لو لم يَلْحَقْ بدارِ الحَرْبِ، ولأنَّ الرِّدَّةَ لا تَمْنَعُ ابتداءَ الوَكالةِ، فلا تَمْنَعُ اسْتِدامَتَها، كسائِر الكُفْرِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَبْطُلُ بالردَّةِ إذا قُلْنا: إن المُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلاكُه وتَبْطُلُ

..................................  تَصَرُّفاتُه.
والوَكالةُ تَصَرُّفٌ.
وإنِ ارتَدَّ المُوَكِّلُ، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ فيما له التَّصَرُّفُ فيه، فأمّا الوَكِيلُ في مالِه فيَنْبَنِي على تَصَرُّفِه نَفْسِه، فإن قلنا: يَصِحُّ تَصرُّفُه.
لم يَبْطُلْ تَوْكِيلُه.
وإن قُلْنا: هو مَوْقُوفٌ.
فوَكالته مَوْقُوفَةٌ.
وإن قُلْنا: يَبْطُلُ تَصرُّفُه.
بَطَل تَوْكِيلُه.
وإن وكَّلَ في حالِ رِدَّتِه، ففيه الوُجُوهُ الثلاثةُ.
فصل: وإن وَكَّلَ عَبْدَه، ثم أعْتَقَه أو باعَه، لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّ زَوالَ مِلْكِه لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الوَكالةِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَها.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَبْطُلُ؛ لأنَّ توْكِيلَ عَبْدِه ليس بتَوكِيلٍ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هو اسْتِخْدامٌ بحَقِّ المِلْكِ، فيَبْطُلُ بزوالِ المِلْكِ وهكذا الوَجْهَانِ فيما إذا وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه ثم باعَه السَّيِّدُ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأن سَيِّدَ العَبْدِ أذِنَ له في بَيعِ مالِه، والعِتْقُ لا يُبْطِلُ الإذْنَ، وكذلك البَيعُ، إلَّا أنَّ المُشْتَرِيَ إن رَضِيَ ببقائِه على الوَكالةِ وإلَّا بَطَلَتْ.
فإن وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه فأعْتَقَه، فقال شيخُنا 1: لا تَبْطُلُ الوَكالةُ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ هذا تَوكِيلٌ حَقِيقَةً،

..................................  والعِتْقُ غيرُ مُنافٍ له 1. وإنِ اشْتَرَاهُ المُوَكِّلُ منه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ مِلْكَه إيّاه لا ينافِي إذْنَه له في البَيعِ والشِّراءِ.
وإن وَكَّلَ امْرَأتَه، ثم طَلَّقَها، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ؛ لأنَّ (1) زوال النِّكاحِ لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الوَكالةِ، فلم يَمْنَع اسْتِدامَتَها.
فصل: وإن تَلِفَتِ العَينُ التي وَكَّلَ في التَّصرُّفِ فيها، بَطَلَتِ الوَكالةُ؛ لأن مَحَلَّها ذَهَب، فذَهَبَتِ الوَكالةُ، كما لو وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ فمات.
و 2 لو دَفَع إليه دِينارًا، ووَكَّلَه في الشِّراءِ [به فهَلَكَ الدِّينارُ أو ضاع، أو تَصَرَّفَ فيه الوَكيلُ، بَطَلَتِ الوَكالةُ، سَواءٌ وَكَّلَه في الشِّراءِ] 3 بِعَينه أو مُطْلَقًا؛ لأنَّه إن وَكُّلَه في الشِّراءِ بعَينه، فقد اسْتَحال الشِّراءُ به بعدَ تَلَفِه،

..................................  فبَطَلَتِ الوَكالةُ، وإن وَكَّلَه في الشِّراءِ مُطْلَقًا.
ونَقَد الدِّينارَ، بَطَلَتْ أيضًا؛ لأنَّه إنَّما وَكَّلَه في الشِّراء به، ومَعْناه أن يَنْقُدَه ثَمَنَ ذلك المَبِيعِ، إمّا قبلَ الشِّراءِ أو بعدَه، وقد تَعَذَّرَ ذلك بِتَلَفِه، ولأنَّه لو صَحَّ شِراؤُه، للَزِمَ المُوَكِّلَ ثَمَن لم يَلْتَزِمْه، ولا رَضِيَ بلُزُومِه.
وإنِ اسْتَقْرضَه الوَكِيلُ، وعَزَل دِينارًا عِوَضَه واشْتَرَى به، فهو كالشِّراءِ له مِن غيرِ إذْنٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ بَطَلَتْ، والدِّينارُ الذي عَزَلَه عِوَضًا لا يَصِيرُ للمُوَكِّلِ حتى يَقْبِضَه، فإذا اشْتَرَى للمُوَكِّلِ به شيئًا، وَقَف على إجازَةِ المُوَكِّلِ، فإن أجازَه، صَحَّ، ولَزِمَه الثَّمَنُ، وإلَّا لَزِم الوَكِيلَ.
وعنه، يَلْزَمُ الوَكِيلَ بكلِّ حالٍ.
وقال القاضي: متى اشْتَرَى بعَينِ مالِه شيئًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه 1 لا يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ بعَينِ مالِه ما يَمْلِكُه غيرُه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: متى اشْتَرَى بعَينِ مالِه شيئًا لغيرِه، صَحَّ الشِّراءُ للوَكِيلِ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لم يُؤْذَنْ له فيه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ في الذِّمَّةِ.
فصل: نَقَل الأثْرَمُ عن أحمدَ، في رجلٍ كان له على آخَرَ دَراهِمُ، فقال له: إذا أمْكَنَك قَضاؤُها فادْفَعْها إلى فُلانٍ.
وغاب صاحِبُ الحَقِّ، ولم

..................................  يُوصِ إلى هذا الذي أَذِنَ له في القَبْضِ، لكنْ جَعَلَه وَكِيلًا، وتَمَكَّنَ مَن عليه الدَّيْنُ مِن القَضاءِ، فخاف إن دَفَعَها إلى الوَكِيلِ أن يكونَ المُوَكِّلُ قد مات، ويَخافُ التَّبِعَةَ مِن الوَرَثةِ، فقال: لا يُعْجِبُنِي أَن يَدْفَعَ إليه، لَعَلَّه قد مات، لكنْ يَجْمَعُ بينَ الوَكِيلِ والوَرِثَةِ، ويَبْرَأُ إليهما مِن ذلك.
هذا ذَكَره أحمدُ على طَرِيقِ النَّظَرِ للغَرِيمِ، خوْفًا مِن التَّبِعَةِ مِن الوَرَثَةِ إن كان مَوْرُوثُهم قد مات فانْعَزَلَ وَكِيلُه وصار الحَقُّ لهم، فَيرْجِعُون على الدّافِع إلى الوَكِيلِ.
فأمّا مِن طَريقِ الحُكْمِ، فللوكِيلِ المطالبَةُ، وللآخَرِ الدَّفْعُ إليه، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في رِوايةِ حَرْبٍ: إذا وَكّلَه [في الحَدِّ] 1 وغاب، اسْتَوفاه الوَكِيلُ.
وهو أبْلَغُ مِن هذا؛ لكَوْنِه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، لكنَّ هذا احْتِياط حَسَن، وتَبْرِئَة للغَرِيمِ ظاهِرًا وباطنًا، وإزالةُ التَّبِعَةِ عنه.
وفي هذه الرِّوايَةِ دَلِيلٌ على أنَّ الوَكِيلَ انْعَزَلَ بمَوْتِ المُوَكِّلِ وإن لم يَعْلَمْ بمَوْتِه؛ لأنه اخْتارَ أن لا يَدْفَعَ إلى الوَكِيلِ خَوْفًا مِن أن يكونَ المُوَكِّلُ قد مات فانْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ.
ويَجُوزُ أن يكونَ اخْتارَ هذا لئلَّا يكونَ القاضي ممَّن يَرَى أنَّ الوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بالمَوْتِ، فيَحْكُمُ عليه بالغرامةِ، وفيها

وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
دَلِيلٌ على جَوازِ تَراخِي القَبُولِ عن الإِيجابِ؛ لأنَّه وَكَّلَه في قَبْضِ الحَقِّ ولم يَعْلَمْه، ولم يكنْ حاضِرًا فيَقْبَلَ.
وفيها دَلِيلٌ على صِحَّةِ التَّوكيلِ (1) بغيرِ لَفْظِ التَّوكيل.
وقد نَقَل جَعْفرُ بنُ محمدٍ، في رَجلٍ قال لرجلٍ: بِعْ ثَوْبِي.
ليس بشيءٍ حتى يقولَ: قد وَكَّلْتُكَ.
وهذا سَهْوٌ مِن النّاقِلِ.
وقد تَقَدّمَ ذِكْرُ الدَّلِيلِ على جَوازِ التَّوْكيلِ بغيرِ لفظِه (2)، وهو الذي نَقَلَه الجمَاعَةُ.

1999 -

مسألة: (وهل يَنْعزِلُ الوَكِيلُ بالمَوْتِ والعَزْلِ قبلَ عِلْمِه؟ على رِوايَتَينِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكالةَ عَقْدٌ جائِز مِن الطَّرَفَينِ، وقد ذَكَرْنا ذلك، فللمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيله متى شاء، وللوَكِيلِ عَزْلُ نَفسِه [وقد ذَكَرْنَاه] 3. وتَبْطُلُ بموتِ أحَدِهما، وجُنُونِه المُطْبِقِ.
ولا خِلافَ نَعْلَمُه في ذلك مع العِلْمِ بالحالِ.
فمتى تَصَرَّفَ بعدَ فَسْخِ المُوَكِّلِ.
أو12

..................................  مَوْتِه، فهو باطِلٌ إذا عَلِمَ ذلك.
وإن لم يَعْلَمْ بالعَزْلِ، ولا بمَوْتِ المُوَكِّلِ، ففيه رِوايَتان.
وللشافِعيِّ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، يَنْعزِلُ.
وهو ظاهِر كَلامِ الخِرَقِيِّ.
فعلى هذا، متى تَصَرَّفَ فبان أنَّ تَصَرُّفَه بعدَ عَزْلِه أو مَوْتِ مُوَكِّلِه، فتَصَرُّفُه باطِل؛ لأنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفْتَقِرُ إلى رِضا صاحِبِه، فصَحَّ بغيرِ عِلْمِه، كالطَّلاقِ والعَتاقِ.
والثانيةُ، لا يَنْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفرِ بن محمدٍ؛ لِما في ذلك مِن 1 الضَّرَرِ؛ لأنَّه قد يتَصَرَّفُ تَصَرُّفات 2 فتَقَعُ باطِلةً، ورُبَّما باع الجارِيَةَ فيَطَؤُها المُشْتَرِي، أو الطَّعامَ فيَأكُلُه، أو غيرَ ذلك، فيتَصَرَّفُ فيه المُشْتَرِي، ويَجِبُ ضَمانُه، فيتَضَرَّرُ المُشْتَرِي والوَكِيلُ.
[ولأنَّه] 3 يتَصَرَّفُ بأمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ في حَقِّ المأْمُورِ قبلَ عِلْمِه، كالفَسْخِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، متى تصَرَّفَ قبلَ العِلْمِ، صَحَّ تَصَرُّفُه.
وهذا قولُ

..................................  أبي حنيفةَ.
ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّ الوَكِيلَ إن عَزَل نَفْسَه، لم يَنْعَزِلْ إلَّا بحَضْرَةِ المُوَكِّلِ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بأمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَصِحُّ رَدُّ أمْرِه بغيرِ حَضْرَتِه، كالمُودَعِ في رَدِّ الوَدِيعَةِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْناه.
فأما الفَسْخُ ففيه وَجْهان كالرِّوايَتَينِ.
ويُمْكِنُ الفَرْقُ بينَهما بأنَّ أمْرَ الشّارِعِ يَتَضَمَّنُ المَعْصِيَةَ بتَرْكِه، ولا يكونُ عاصِيًا مع عَدَمِ العِلمِ، وهذا يَتَضَمَّنُ العَزْلُ عنه إِبْطال التَّصَرُّفِ، فلا يَمْنَعُ منه عَدَمُ العِلْمَ.

..................................  فصل: وإذا وقَعَتِ الوَكَالةُ مُطْلَقَةً، مَلَك التَّصَرُّفَ أبدًا، ما لم يَفْسَخ الوَكالةَ، ويَحْصُلُ بقَوْلِه: فَسَخْتُ الوَكالةَ.
أو: أبْطَلْتُها.
أو: نَقَضْتُها.
أو: أزَلْتُك.
أو: صَرَفْتُكَ.
أو: عَزَلْتُكَ عنها.
أو يَنْهاه عن فِعلِ ما أمَرَه به، وما أشْبَهَ ذلك مِن الألفاظِ المُقْتَضِيةِ عَزْلَه، والمُؤَدِّيةِ مَعْناه، أو يَعْزِلُ الوَكِيلُ نَفْسَه، أو يُوجَدُ ما يَقْتَضِي فَسْخَها حُكمًا، على ما ذَكَرْنا، أو يُوجَدُ ما يَدُلُّ على الرُّجُوعِ عن الوَكالةِ.
فإذا وَكَّلَه في طَلاقِ امْرَأتِه ثم وَطِئَها، انْفَسخَتِ الوَكالةُ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على رَغْبَتِه فيها واخْتِيارِ إمْساكِها، وكذلك لو وَطِئَ الرَّجْعِيَّ كان ارْتجاعًا لها، فإذا اقْتَضَى رَجعَتَها بعدَ طَلاقِها، فلأن يَقْتَضِيَ اسْتِبْقاءَها على نِكَاحِه 1 ومَنْعَ [طَلاقِه أوْلَى] 2. وإن باشَرَها دُونَ الفَرْجِ، أو فَعَل ما يَحْرُمُ على غيرِ الزَّوْجِ،

وَإذَا وَكَّلَ اثْنَينِ، لَمْ يَجُزْ لأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، إلَّا أَنْ  فهل تَنْفَسِخُ الوَكالةُ في الطَّلاقِ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، بناءًا على الخِلافِ في حُصُولِ الرَّجْعَةِ به.
وإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ ثم كاتبَه أَو دَبَّرَه، انْفَسَختِ الوَكالةُ؛ لأنَّه على إحْدَى الرِّوايَتَين، لا يَبْقَى مَحَلًّا للبَيعِ، وعلى الرِّوايةِ الأخْرَى، تَصَرُّفُه فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَد الرُّجُوعَ عن بَيعِه.
وإن باعَه بَيعًا فاسِدًا لم تَبْطُلِ الوَكالةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ.
ذَكَرَه ابن المُنْذِرِ.

2000 -

مسألة: (وإذا وَكَّلَ اثْنَين، لم يكُنْ لأحَدِهما الانْفِرادُ

يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيهِ.
بالتَّصَرُّفِ، إلَّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه) وجُمْلَة ذلك، أنَّه إذا وَكَّلَ وَكِيلَين وجَعَل لكلِّ واحِدٍ الانْفِرادَ بالتَّصَرُّفِ، فله ذلك؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه وإن لم يَجْعَلْ له ذلك، فليس لأحَدِهما الانْفِراد به؛ لأنَّه لم يَأْذنْ في ذلك، وإنَّما يَجُوزُ له فِعْلُ ما أذِنَ فيه مُوَكِّلُه.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، فإن وَكَّلَهما في حِفْظِ جمالِه، حَفِظاه معًا في حِرْزٍ لهما؛ لأنَّ قَوْلَه: افْعَلا كذا.
يَقْتَضِي اجْتِماعَهما على فِعْلِه، وهو مما يُمْكِن، فَتَعَلَّقَ بهما، وفارَقَ هذا قَوْلَه: بِعْتُكُما.
حيثُ كان مُنْقَسِمًا بينَهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ المِلْكُ لهما 1 على الاجْتِماعِ، فانْقَسمَ بينَهما.
فإن غاب أحَدُ الوَكِيلَين، لم يكنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا للحاكِمِ ضَمُّ أَمينٍ إليه ليَتَصَرَّفَا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا ولايةَ للحاكِمِ عليه، فلا يُقِيمُ الحاكِمُ وَكِيلًا (1) له بغيرِ إذْنِه.
وفارَقَ ما لو مات أحَدُ الوَصِيَّين، حيث يُضِيفُ الحاكِم إلى الوَصِيِّ أمِينًا ليَتَصَرَّفَا؛ لكونِ الحاكِمِ له النَّظرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوصَ إلى أحَدٍ، أقام الحاكِمُ أمِينًا في النَّظرَ لليَتِيمِ.
وإن حَضَر الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَين، والآخَرُ

..................................  غائِبٌ، فادَّعَى الوَكالةَ لهما، وأقام بَيِّنَةً، سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَم بثُبُوتِ الوَكالةِ لهما، لم 1 يَمْلِكِ الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَر الآخَرُ تَصَرَّفا معًا، ولا يَحْتاجُ إلى إعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً.
فإن قِيلَ: هذا حُكْمٌ للغائِبِ.
قُلْنا: يَجُوزُ تَبَعًا لحَقِّ الحاضِرِ، كما يَجُوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ 2 لمَن لم يُخْلَقْ 3 لأجْلِ مَن يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ها هنا.
وإن جَحَد الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَل نَفْسَه، لم يكنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ.
وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَواءٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحِدٍ منهما الانْفِرادُ بها.
ولنَا، أنَّه لم يَرْضَ بتَصَرُّفِ أحدِهِما، أشْبَهَ البَيعَ والشِّراءَ.

وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيعِ أن يَبِيعَ لِنَفْسِهِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي الندَاءِ، أوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ.

2001 - مسألة: (ولا يَجوزُ للوَكِيلِ في البَيعِ أن يَبِيعَ لنَفْسِه)

[ولا في الشِّراءِ أن يَشْتَرِيَ مِن نَفْسِه] 1 (وعنه، يجوزُ إذا زاد على مَبْلَغِ ثَمَنِه في النِّدَاءِ، أو وَكَّلَ مَن يَبِيعُ وكان هو أحَدَ المُشْتَرِين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن وُكِّلَ في بَيعِ شيءٍ، لم يَجُزْ أن يَبِيعَه لنَفْسِه، ولا للوَكِيلِ في الشِّراءِ أن يَشْتَرِيَ مِن نفسِه، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
نَقَلَها مُهَنّا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ وأصحابِ الرَّأي.
وكذلك الوَصِيُّ، لا يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ مِن مالِ اليَتيمِ شيئًا لنَفْسِه، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ في مالِكٌ، والأوْزاعِيِّ جَوازُ ذلك فيهما.
والرِّوايَةُ الثانيةُ عن أحمدَ، يجوزُ لهما أن يَشتَرِيا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يَزِيدَ على مَبْلَغِ ثَمَنِه في النِّداءِ.
والثانِي، أن يَتَولَّى النِّداءَ غيرُه.
قال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يكونَ

..................................  اشْتِراطُ تَوَلِّي غيرِه للنِّداءِ واجِبًا، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا، والأوَّلُ أشْبَهُ بظاهِرِ كلامِه.
وقال أبو الخَطّابِ: الشَّرْطُ الثانِي، أن يُوَلِّيَ مَن يَبِيعُ ويكونَ هو أحَدَ المُشْتَرِين.
فإن قِيلَ: فكيف يجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه ليَبِيعَها، وهذا تَوْكِيل وليس للوَكِيلِ التَّوْكِيلُ؟ قُلْنا: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيما لا يَتَولَّى مِثْلَه بنَفْسِه، والنِّداءُ ممّا لم تَجْرِ 1 العادَةُ أن يَتَوَلّاه أكْثَرُ النَّاسِ بنُفُوسِهِم.
فإن وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِي له، وباع، جاز على هذه الرِّوايَةِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أَمْرَ مُوَكِّلِه في البَيعِ، وحَصَّلَ غرَضَه مِن الثَّمَنِ، فجاز، كما لو اشْتَراها أجْنَبِي.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ للوَصِيِّ الشِّراءُ دُونَ الوَكِيلِ؛

..................................  لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 1. وإذا اشْتَرَى مال اليَتيمِ بأكْثَرَ مِن ثَمَنِه، فقد قَرِبَه بالتي هي أحْسَنُ.
ولأنَّه نائِبٌ عن الأبِ، وذلك جائِز للأبِ، فكدلك نائِبُه.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، أنَّ العُرْفَ في البَيعِ بَيعُ الرجلِ مِن غيرِه، فحُمِلَتِ الوَكالةُ عليه، كما لو صَرَّحَ به، ولأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ، ويتَنَافَى الغَرَضان في بَيعِه لنَفْسِه، فلم يَجُزْ، كما لو نَهاه.
والوَصِيُّ كالوَكِيلِ؛ لأنَّه يلي بَيعَ مالِ غيرِه بتَوْلِيَتِه، فَأشْبَهَ الوكيلَ، أو مُتَّهَم، فأشْبَهَ الوَكِيلَ، بل التُّهْمَة في الوَصِيِّ آكَدُ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُتَّهَمُ في تَرْكِ الاسْتِقْصاءِ في الثَّمَنِ لا غيرُ، والوَصِيُّ يُتَّهَمُ في ذلك، وفي أنَّه يَشْتَرى مِن مالِ اليَتيمِ ما لا حَظ لليَتِيمِ في بَيعِه،

..................................  فكان أَوْلَى بالمَنْعِ، وعندَ ذلك لا يكونُ أخْذُه لمالِه [قُرْبًا له] 1 بالتي هي أحْسَنُ.
وقد رُوِيَ عن 2 ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال في رجلٍ أوْصَى إلى رجلٍ بتَرِكَتِه، وقد تَرَك قَرِيبًا، فقال الوَصِيُّ: أشْتَرِيه.
قال: لا.
فصل: وحُكْمُ الحاكِمِ وأمِيِنه، كحُكْمِ الوَكِيلِ، والحُكْمُ في بَيع أحَدِ هؤلاء لوكِيلِه، أو وَلَدِه الصَّغيرِ، أو طِفْل يَلِي عليه، أو لوَكِيلِه، أو عَبْدِه المَأْذُونِ له، كالحُكْمِ في بَيعِه لنَفْسِه، كلُّ ذلك يُخَرَّجُ على رِوايَتَين، بِناءًا على بَيعِه لنَفْسِه.
فأمّا بَيعُه لوَلَدِه الكَبِيرِ، أو والِدِه، أو مُكاتَبِه، فذَكَرَهم أصحابُنا أيضًا في جُمْلَةِ ما يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
ولأصحابِ الشافعيِّ فيهم وَجْهان.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ بَيعُه لوَلَدِه الكَبِيرِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ مُوَكِّلِه، ووافَقَ 3 العُرْفَ في بَيعِ غيرِه، كما لو باعَه لأخِيه، وفارَقَ البَيعَ لوَكِيلِه؛ لأنَّ الشِّراءَ إنَّما يَقَعُ لنَفْسِه، وكذلك بَيعُ عَبْدِه المَأْذُونِ، وبَيعُ طِفْلٍ يَلي عليه، بَيعٌ لنَفْسِه؛ لأنَّ الشِّراءَ إنَّما 4 يَقَعُ لنَفْسِه.

..................................  ووَجْهُ الجَمْعِ بينَهم، أنَّه يُتَّهَمُ في حَقِّهم، ويَمِيلُ إلى تَرْكِ الاسْتِقْصاءِ عليهم في الثَّمَنِ، كتُهْمَتِه في حَقِّ نَفْسِه، [ولذلك] 1 لا تُقْبَلُ شَهادَتُه لهم.
والحُكْمُ فيما إذا أراد أن يَشْتَرِيَ لمُوَكِّلِه، كالحُكْمِ 2 في بَيعِه لمالِه؛ لأنَّهما سَواءٌ في المَعْنَى.
فصل: وإن وَكَّلَ رَجلًا يَتَزَوَّجُ له امرأةً، فهل له أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه؟ يُخَرَّجُ على ما ذَكَرْنا في الوَكِيلِ في البَيعِ، هل يَبِيعُ لوَلَدِه الكَبِيرِ؟ وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَجُوزُ.
ووَجْهُ القَوْلَينِ ما تَقَدَّمَ فيما قبلَها 3. وإن أَذِنَتْ له مُوَلِّيتُه 4 في تَزْويجِها، خُرِّجَ في تَزْويجِها لنَفْسِه أو لوَلَدِه أو لوالِدِه وَجْهانِ، بناءً على ما ذُكِر في البَيعِ.
وكذلك إن وَكَّلَه رجل في تَزْويجِ ابْنَتِه، خُرِّجَ فيه مِثْلُ ذلك.

وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَبِيعَهُ لِوَلَدِهِ، أو وَالِدِهِ، أو مُكَاتَبِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2002 - مسألة: (وهل يَجُوزُ أن يَبِيعَه لوَلَدِه، أو والِدِه، أو مُكاتَبِه؟ على وَجْهَينِ)

وقد ذَكَرْناه في المسألَةِ قبلَها.
فصل: فإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدِه، ووَكّلَه آخَرُ في شِرَاءِ عَبْدٍ، فقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ شِرائِه مِن نفْسِه؛ لأنَّه أُذِن له في طَرَفَي العَقْدِ، فجاز له أن يَليَهما إذا انْتَفَتِ التُّهْمَةُ، كالأبِ يَشْتَرِي مِن مالِ وَلَدِه لنَفْسِه.
ولو وَكَّلَه المُتَدَاعِيان في الدَّعْوَى عنهما فالقِياسُ جوازُه؛ لأنَّه يُمْكِنُه الدَّعْوَى عن أحَدِهما والجَوابُ عن الآخَرِ، وإقامَةُ حُجَّةِ كل واحِدٍ منهما، ولأصحابِ الشافعيِّ في المَسْألَتَين وَجْهان.
فصل: فإن أذِنَ للوَكِيلِ أن يَشْتَرِيَ مِن نَفْسِه، جاز ذلك.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَجُوزُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ له في عَقْدِه غَرَضان، الاسْتِرْخاصُ لنَفْسِه، والاسْتِقْصاءُ للمُوَكِّلِ، وهما مُتَضادَّان، فتَمانعا.
ولَنا، أنَّه وَكَّلَه في التَّصَرُّفِ لنَفْسِه، فجاز، كما وَكّلَ المرأةَ في

..................................  طَلاقِ نَفْسِها، ولأنَّ عِلَّةَ المَنْعِ مِن الشراءِ 1 لنَفْسِه في مَحَلِّ الاتِّفاقِ التُّهْمَةُ؛ لدَلالتِها على عَدَمِ رِضا المُوَكِّلِ بهذا التَّصَرُّفِ، وإخْراجِ هذا التَّصَرُّفِ عن عُمُومِ لَفْظِه وإرادَتِه، وقد صَرَّحَ ههُنا بالإِذْنِ فيها، فلا يَبْقَى 2 دَلالةُ الحالِ مع نَصِّه بلَفْظِه على خِلافِها.
وقَوْلُهم: إِنَّه يتَضَادُّ مَقْصُودُه في البَيعِ والشِّراءِ.
قُلْنا: إن عَيَّنَ المُوَكِّلُ له الثَّمَنَ فاشْتَرَى به 3، فقد زال مَقْصُودُ الاسْتِقْصاءِ، فإنَّه لا يُرادُ أكْثَرُ ممَّا قد 4 حَصَّلَ، وإن لم يُعَيِّنْ له الثَّمَنَ تَقَيَّدَ 5 البَيعُ بثَمَنِ المِثْلِ، كما لو باع لأجْنَبِيٍّ 6. وقد ذَكَر أصحابُنا فيما إذا وَكَّلَ عَبْدًا يَشْتَرِي له نَفْسَه مِن سَيِّدِه وَجْهًا، أنَّه لا يَجُوزُ، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه.
والصَّحِيحُ ما قلنا، إن شاء اللهُ تعالى.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، وَلَا بِغَيرِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
وَيَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ، كَالْمُضَارِبِ.

2003 - مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَبِيعَ نَساءً، ولا بغيرِ نَقْدِ البلدِ. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ، كالمضاربِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُوَكِّلَ إذا عيَّنَ للوكِيلَ الشراءَ أو البيع بنقدٍ مُعَيَّنٍ أو حالٍّ، لم تَجُزْ مُخالفَتُه؛ لأنَّه إنَّما يَتَصَرَّف بإذْنِه، ولم يَأْذَنْ في غيرِ ذلك.
وإن أذِن له في الشِّراءِ أو البَيعِ بنسِيئَةٍ، جاز.
وإن أطْلَقَ، لم يَبعْ إلَّا حالًّا بنقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّ الأصْلَ والبَيعِ الحُلُولُ، وإطْلاقُ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلى نَقْدِ البَلَدِ، كما لو باع ماله.
فإن كان في البَلَدِ نَقْدان، باع بأغْلَبِهما، فإن تَساوَيا، باع بما شاء منهما.
وبهذا

..................................  قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحِباه: له البَيعُ نَساءً؛ لأنَّه مُعْتادٌ، فأشْبَهَ الحالَّ.
ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك، بِناءً غلى الرِّوايَةِ في المضُارِبِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لو أطْلَقَ البَيعَ حُمِل على الحُلُولِ، فكذلك إذا أطْلَقَ الوَكالةَ، ولا نُسَلِّمُ تَساويَ العادَةِ فيهما، فإنَّ بَيعَ الحالِّ أكْثَرُ.
ويُفارِقُ المُضارَبَةَ 1 لوَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ المَقْصُودَ مِن المُضارَبَةِ الرِّبْحُ، لا دَفْعُ الحاجَةِ بالثَّمَنِ في الحالِ، وقد يكونُ المَقْصُودُ في الوَكالةِ دَفْعَ حاجَةٍ

وَإنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، صَحَّ، وَضَمِنَ النَّقْصَ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَصِحَّ.
ناجِزَةٍ (1) تَفُوتُ بَتأْخِيرِ الثَّمَنِ.
والثانِي، أنَّ اسْتِيفاءَ الثَّمَنِ: في المُضارَبَةِ على المُضارِبِ، فيَعُودُ ضَرَرُ التَأْخِيرِ في التَّقاضِي عليه، وههُنا بخِلافِهِ، فلا يَرْضَى به المُوَكِّلُ، ولأنَّ الضَّررَ في تَوَى الثَّمَنِ (2) على المُضارِبِ؛ لأنَّه يُحْسَبُ مِن الرِّبْحِ؛ لكَوْنِ الرِّبْحِ وقايَةً لرأْسِ المالِ، وههُنا يَعُودُ على المُوَكِّلِ، فانْقَطَعَ الإِلْحاق.

2004 -

مسألة: (وإن باع بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أو بأنْقَصَ ممّا قَدَّرَه له، صَحَّ، وضَمِنَ النَّقْصَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ)

وجُمْلَةُ ذلك،12

..................................  أنَّ الوَكِيلَ ليس له أن يَبِيعَ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أو دُونِ ما قَدَّرَه له.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا أطْلَقَ الوَكالةَ في البَيعِ، فله البَيعُ بأيِّ ثَمَنٍ كان؛ لأنَّ لَفْظَه في الإِذْنِ مُطْلَقٌ، فيَجِبُ حَمْلُه على إطْلاقِه.
ولَنا، أنَّه وَكِيل مُطْلَق في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فاقتَضَى ثَمَنَ المِثْلِ، كالشِّراءِ، فإنَّه قد وافَقَ عليه، وبه يَنْتَقِضُ دَلِيلُه.
فإن باعَ بأقَلَّ

..................................  مِن ثَمنِ المِثْلِ ممّا لا 1 يتَغَابَنُ النّاسُ بمِثْلِه أو بدُونِ ما قَدَّرَه له، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يُؤْذَنْ 2 له في البَيعِ.
وعن أحمدَ أنَّ 3 البَيعَ صَحِيحٌ، ويَضْمَنُ الوَكِيلُ النَّقْصَ؛ لَأنَّ مَن صَحَّ بيعُه بثَمَنِ المِثْلِ، صَحَّ بدُونِه، كالمَرِيضِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يكونُ على الوَكِيلِ ضَمانُ النَّقْصِ، وفي

..................................  قَدْرِه وَجْهان، أحَدُهما ما بينَ ثَمنِ المِثْلِ 1 وما باعَه به.
والثاني، ما بينَ ما يَتَغابنُ النَّاسُ به 2 وما لا يَتغابنونَ؛ لأنَّ ما يتغابنُ الناسُ به يَصِحُّ بَيعُه به ولا ضَمانَ عليه.
والأوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّه بَيغ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، أشْبَهَ بَيعَ الأجْنَبِيِّ.
وكلُّ تَصَرُّفٍ كان الوَكِيلُ فيه مُخالِفًا لمُوَكِّلِه، فحُكْمُه فيه حُكْمُ تَصَرُّفِ الأجْنَبِيِّ، على ما ذُكِر 3 في مَوْضِعِه.
فأمّا ما يَتَغابَنُ النّاسُ به عادَةً، وهو دِرْهَمٌ في عَشَرَةٍ، فَمَعْفُو عنه إذا لم يكنِ المُوَكِّل قَدَّرَ الثَّمَنَ؛ لأنَّ ما يَتَغابَنُ النّاسُ به يُعَدُّ 4 ثمَنَ المِثْلِ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
فصل: ولو حَضَر مَن يَزِيدُ على ثَمَنِ المِثْلِ، لم يَجُزْ أن يَبِيعَ بِثَمَن المِثْلِ؛ لأنَّ عليه الاحْتِياطَ وطَلَبَ الحَظِّ لمُوَكِّلِه.
فإن باع بثَمَنِ

وَإنْ بَاع بِأَكْثَرَ مِنْهُ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، أوْ لَمْ تَكُنْ.
المِثْلِ، فحَضَرَ مَن يَزِيدُ في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَلْزَمْه فَسْخُ العَقْدِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ مَنْهِيٌّ عنها، فلا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إليها، ولأنَّ المُزايِدَ قد لا يَثْبُتُ على الزِّيادَةِ، فلا يَلْزَمُه الفَسْخُ بالشَّكِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه ذلك؛ لأنَّها زيِادَة أمْكَنَ تَحْصيلُها، أشْبَهَ ما قبلَ البَيعِ، والنَّهْيُ يتَوَجَّهُ إلى الذي زاد لا إلى الوَكِيلِ، فأشْبَهَ ما إذا زاد قبلَ البَيعِ بعدَ الاتفاقِ عليه.

2005 -

مسألة: (وإن باع بأكْثَرَ)

مِن ثَمَنِ المِثْلِ (صَحَّ، سَواءٌ كانتِ الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ الثَّمَنِ الذي أمَرَ به، أو لم تكنْ) إذا وَكَّلَه

وَإنْ قَال: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ.
فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ، صَحَّ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
في بَيعِ شيءٍ بثَمَنٍ (1)، مُعَيَّنٍ، فباعَه بأكْثَرَ منه، صَحَّ، قَلَّتِ الزِّيادَةُ أو كَثُرَتْ.
وكذلك إن أطْلَقَ، فباعَه بأكْثَرَ مِن ثَمَن المِثْلِ؛ لأنَّه باع بالمأذُونِ فيه وزاد زِيادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه، وسَواءٌ كانتِ الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ الثَّمَنِ المَأْمُورِ به أو مِن غيرِ جِنْسِه، كمَن أذِنَ في البَيعِ بمائةِ دِرْهَمٍ، فباعَه بمائةِ درْهَم ودِينارٍ أو ثَوْبٍ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ بَيعُه بمائةٍ وثَوْبٍ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه مِن غيرِ جِنْسِ الأثْمانِ.
ولنا، أنَّها زِيادَةٌ تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه، أشْبَهَ ما لو باعَه بمائةٍ ودينارٍ، ولأنَّ الإِذْنَ في بَيعِه بمائةٍ إذْنٌ في بَيعِه بزيادَةٍ عليها عُرْفًا؛ لأنَّ مَن رَضِيَ بمائةٍ لا يَكْرَهُ أن يُزادَ عليها ما يَنْفَعُه ولا يَضُرُّه، ويَصِيرُ كما لو وَكَّلَهُ في الشِّراءِ فاشْتَرَى بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ أو بدُونِ ما قَدَّرَ له.

2006 -

مسألة: (وإن قال: بِعْه بدِرْهَمٍ. فباعَه بدِينارٍ، صَحَّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)

لأنَّه مَأذُون فيه عُرْفًا، فإن مَن رَضِيَ بدِرْهَم رَضِيَ مَكانَه دِينارًا، فجَرَى مَجْرَى بَيعِه بمائةِ دِرْهَم ودِينارٍ، على ما ذَكَرْنا في1

..................................  المسألَةِ قبلَها.
وقال القاضي: لا يَصحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه خالفَ مُوَكِّلَه في الجِنْسِ، أشْبَهَ ما لو باعَه بثَوْبٍ يُساوي دينارًا.
فأمّا إن قال: بِعْه بمائةِ دِرْهَمٍ.
فباعَه بمائةِ ثَوْبٍ قِيمَتُها أكثَرُ مِن الدَّرَاهِمِ، أو بثَمانِين دِرْهَمًا وعِشْرِين ثَوْبًا، لم يَصِحَّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها مِن غيرِ 1 الأثمانِ، ولأنَّه لم يُؤذَنْ فيه لَفْظًا ولا عُرْفًا بخِلافِ بَيعِه بدِينارٍ.
فصل: فإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ بمائةٍ فباع بعضَه بها، أو وَكَّلَه مُطْلَقًا فباع بعضَه بثَمَنِ الكلِّ، جاز؛ لأنَّه مَأْذُون فيه عُرْفًا، فإنَّ مَن رَضِيَ بمائةٍ ثَمَنًا للكلِّ، رَضِيَ بها ثَمَنًا للبَعْضِ، ولأنَّه حَصَّلَ له المائةَ وأبْقَى له زِيادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه.
وله بَيعُ النِّصْفِ الآخرِ؛ لأَنه مأْذُونٌ فيه، فأشْبَهَ ما لو باع العَبْدَ كُلَّه بزِيادةٍ على ثَمَنِه، ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّه قد حَصَّلَ للمُوَكِّلِ غَرَضَه مِن الثَّمَنِ ببَيعِ البعضِ، فرُبَّمأ لا يَخْتارُ بَيعَ باقِيه للغِنَى عن بَيعِه بما حَصَلَ له مِن ثَمَنِ البَعضِ.
وهكذا لو وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدَين بمائةٍ فباع أحَدَهما بها، صحَّ؛ لِما ذكَرْنا.
وهل له بَيعُ الآخرِ؟ على

وَإِنْ قَال: بِعْهُ بِأَلْفٍ نَسَاءً.
فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةً، صَحَّ، إِنْ كَانَ لَا يَسْتَضِرُّ بِحِفْظِ الثَّمَنِ في الْحَالِّ.
وَجْهَين.
فأمّا إن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدِهِ بمائةٍ فباع بعضَه بأقَلَّ منها، أو وَكَّلَه مُطْلَقًا فباع بعضَه بدُونِ ثَمَنِ الكلِّ، لم يَصِحَّ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ فيما إذا أطْلَقَ الوَكَالةَ.
بناءً على أصْلِه في أنَّ للوَكِيلِ المُطْلَقِ البَيعَ بما شاء.
ولَنا، أنَّ على المُوَكِّلِ ضَرَرًا في تَبْعِيضِه، ولم يُوجَدِ الإِذْنُ فيه نُطْقًا ولا عُرْفًا، فلم يَجُزْ, كما لو وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ فاشْتَرَى بعضَه.

2007 -

مسألة: (وإن قال: بعْه بألْفٍ نَساءً. فباعَه بألْفٍ حالَّةٍ، صَحِّ، إن كان لا يَسْتَضِرُّ بحِفْظِ الثَّمَنِ في الحالِّ)

إذا وَكَّلَه في بَيعِ سِلْعَةٍ نسِيئَةً، فباعَها نَقْدًا بدُونِ ثَمَنِها نَسِيئَةً، أو بدُونِ ما عَيَّنَه له، لم يَنْفُذْ بَيعُه؛ لأنَّه خالفَ مُوَكِّلَه، لكَوْنِه إنَّما رَضِيَ بثَمَنِ النَّسِيئَةِ دُونَ

..................................  النَّقْدِ.
وإن باعَها نَقْدًا بمِثْلِ ثَمَنِها نَسِيئَةً، أو بما عَيَّنَه مِن الثَّمَنِ، فقال القاضي: يَصِحُّ؛ لأنَّه زاده خَيرًا، فهو كما لو وَكَّلَه في بَيعِها بعَشرَةٍ فباعَها بأكْثَرَ منها 1. والأوْلَى أن يُنْظَرَ 2 فيه، فإن لم يكنْ لهُ (2) غَرَضٌ في النَّسِيئَةِ، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان له فيها غَرَضٌ، مثلَ أن يَسْتَضِرَّ بحِفْظِ الثَّمَنِ.
في الحالِّ، أو يُخافَ عليه مِن التَّلَفِ أو المُتَغَلِّبين، أو يَتَغَيرَ 3 حالُه إلى وَقْتِ الحُلُولِ، أو نحو ذلك، فهو كمن لم يُؤْذَنْ له؛ لأنَّ حُكمَ الإِذْن لا يَتناوَلُ المَسْكُوتَ عنه، إلَّا إذا عُلِمَ أنَّه في المَصْلَحَةِ، كالمَنْطُوقِ أو أكْثَرَ، فيكونُ الحُكْمُ فيه ثابِتًا بطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أو المُماثَلَةِ، ومتى كان في المَنْطُوقِ به غَرَضٌ صَحِيحٌ، لم يَجُزْ تَفْويتُه، ولا ثُبُوتُ الحُكْمِ في غيرِه [وقد ذَكَر نحْوَ هذا في مَوْضِعٍ آخَرَ] 4.

وَإِنْ وَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ، فَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ في بَيعِ شَيْءٍ، فَبَاعَ نِصْفَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْكُلِّ، لَمْ يَصِحَّ.

2008 - مسألة: (وإن وَكَّلَه في الشِّراءِ، فاشْتَرَى بأَكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، أو بأكْثَرَ ممّا قَدَّرَه له أو وَكَّلَه في بَيعِ شيءٍ، فباع نِصْفَه بدُونِ ثَمَنِ الكلِّ، لم يَصِحَّ)

أمّا إذا وَكَّلَه في الشِّراءِ، فاشْتَرَى بأكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ مِمّا لا يَتغابَنُ النّاسُ بمِثْلِه، 1 أو أكْثَرَ ممّا قَدَّرَه له، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَؤْذَنْ له في الشِّراءِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، فهو كتَصَرُّفِ الأجْنَبِيِّ.
وأمّا إذا وَكَّلَه في بَيعِ شيءٍ بثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فباع بعضَه بدُونِ ثَمنِ الكلِّ، لم يَصحَّ؛ لأنَّه بيعٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، وكذلك إن وَكَّلَه مُطْلَقًا، فباع بعضَه بدُونِ ثَمَنِ الكلِّ، لم يَصِحَّ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وعندَ أبي حنيفةَ يَجُوزُ؛ بناءً على أصْلِه في أنَّ للوَكِيلِ المُطْلَقِ البَيعَ بما شاء، وقد ذَكَرْناه.
وفي التَّبْعِيضِ إضْرارٌ بالمُوَكِّلِ وتَشْقِيصٌ لمِلْكِه.
فإن باع بعضَه بثمنِ الكلِّ، فيما إذا عيَّنَ له الثَّمَنَ، أو وَكَّله مُطْلَقًا فباع بعضَه بثَمَنِ المِثْلِ لجمِيعِه، صَحَّ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه عُرْفًا،

..................................  فإنَّ مَن رَضِيَ مائةً ثَمَنًا للكلِّ، رَضِيَ بها ثَمَنًا للنِّصْفِ، ولأنه حَصَّلَ له المائةَ وأبْقَى له زِيادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه.
وله بَيعُ الباقي منه؛ لأنَّه مأْذُونٌ في بيعِه، فأشْبَه ما لو باع العَبْدَ كلَّه بمِثْلَيْ ثَمَنِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّه قد حصَّلَ للمُوَكِّلِ غرَضَهُ مِن الثَّمَنِ ببَيعِ النِّصْفِ، فرُبَّما لا يُؤثِّرُ بَيعُ باقِيه، للغِنَى عن بَيعِه بما حَصَّلَ له مِن ثَمَنِ النِّصْفِ.
وكذا لو وَكَّلَه في بَيْعِ عَبْدَين بمائةٍ، فباع أحَدَهما بها، صَحَّ.
وهل له بَيعُ الآخرِ؟ على وجهين.

..................................  فصل: وإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبِيدٍ أو شِرائِهم، مَلَك العَقْدَ عليهم جملةً واحدةً، وواحدًا واحدًا؛ لأنَّ الإِذْنَ يتناولُ العَقْدَ عليهم جملةً، والعرفُ في بيعِهم وشرائِهم العَقْدُ على واحِدٍ واحِدٍ، ولا ضَرَرَ في جَمْعِهم ولا إفْرادِهم، بخِلافِ ما لو وَكَّلَه في شِراءِ عَبْدٍ فاشْتَرَى بعضَه، فإنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى التَّشْقِيصِ، وفيه إضْرارٌ بالمُوَكِّلِ.
فإن قال: اشْتَرِ لي عَبِيدًا صَفْقَةً واحِدَةً.
أو: واحِدًا واحدًا.
أو: بِعْهم 1. لم يَجُزْ مخُالفَتُه؛ لأنَّ تَنْصِيصَه على ذلك يَدُلُّ على غَرَضِه فيه، فلم يَتَناوَلْ إذْنُه سِواه.
وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدَين صَفْقةً.
فاشْتَرَى عَبْدَين لِاثْنَينِ شَرِكَةً بينَهما مِن وَكِيلِهما 2، أو مِن أحَدِهما بإذْنِ الآخَرِ، جاز.
وإن كان لكلِّ واحِدٍ منهما 3 عَبْدٌ مُفْرَدٌ، فاشْتَرَى من المالِكَين بأن أوْجبا له

..................................  البَيْعَ فيهما وقَبِل ذلك منهما بلَفْظٍ واحدٍ، فقال القاضي: لا يَلْزَمُ المُوَكِّلَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأن عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَفْدانِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّ القَبُولَ هو الشِّراءُ، وهو مُتَّحِدٌ والغَرَضُ لا يَخْتَلِفُ.
وإنِ اشْتَراهما مِن وَكِيلِهِمَا 1، وعَيَّنَ ثَمَنَ كلِّ واحِدٍ منهما، مثلَ أن يقولَ: بعْتُك هَذَين العَبْدَين، هذا بمائةٍ وهذا بثَمانِين.
فقال: قَبِلْتُ.
احْتَمَلَ أَيضًا وَجْهَين.
وإن لم يُعَيِّنِ الثَّمَنَ لكلِّ واحِدٍ، لم يَصِحَّ البَيعُ؛ لجَهالةِ الثَّمَنِ.
وفيه وَجْهٌ، أنَّه يَصِحُّ، ويُقَسَّطُ 2 الثَّمَنُ على قَدْرِ قِيمَتِهما.
وقد ذُكِر ذلك في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
واللهُ أعلمُ.

وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمَا قَدَّرَهُ لَهُ مُؤَجَّلًا، أَوْ قَال: اشْتَرِ لِي شَاةً بدِينَارٍ.

2009 - مسألة: وإن وَكَّلَه في شِراءِ شيءٍ نَقْدًا بثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فاشْتَراه به مُؤَجَّلًا، صَحَّ.
ذكَرَه القاضي؛ لأنَّه زاده خَيرًا، فأشْبَهَ ما لو وَكَّلَه في الشِّراءِ بمائةٍ، فاشْتَرَى بدُونِها.
ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ في ذلك، فإن كان فيه ضَرَرٌ نحوَ

(1) أن يَسْتَضِرَّ ببَقاءِ الثَّمنِ معه ونحوَ ذلك، لم يَجُزْ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ في صِحَّةِ الشِّراءِ وَجْهان.
2010 -

مسألة: وإن (قال: اشْتَرِ لي شاةً بدِينارٍ. فاشْتَرَى)

1

فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ تُسَاوي إِحْدَاهُمَا دِينَارًا، أَو اشْتَرَى شَاةً تُسَاوي دِينَارًا بِأَقلَّ مِنْهُ، صَحَّ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
له (شاتَيْن تُساوي إحْداهما دِينارًا، أو اشْتَرَى) له (شاةً تُساوي دِينارًا بأقَلَّ منه، صَحَّ، وإلَّا يَصِحَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا وَكَّلَه في شِراءِ شاةٍ بدِينارٍ، فاشْتَرَى شاتَين تُساوي كلُّ واحِدَةٍ منهما أقلَّ مِن دِينارٍ، لم يَقَعْ للمُوَكِّلِ.
وإِنْ كانت كلُّ واحدةٍ منهما تساوي دينارًا، أو إحْدَاهما تُساوي دينارًا والأخْرَى أقلَّ منْه، صحَّ ولَزِم الوكِّلَ.
وهذا المَشْهُورُ مِن مَذهَبِ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ للمُوَكِّلِ إحْدَى الشّاتَين بنِصفِ دِينارٍ والأُخْرَى للوَكِيلِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ إلَّا 1 بإلْزامِه عُهْدَةَ شاةٍ واحِدَةٍ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْطَى عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ البارِقيَّ دِينارًا، فقال: «اشْتَرِ لَنَا بِهِ شَاةً» قال: فأتَيتُ الجَلَبَ، فاشْتَرَيت شاتَينِ بدِينارٍ، فجِئْتُ أسُوقُهما -أو أقُودُهما- فلَقِيَنِي رَجلٌ في الطَّريقِ فساوَمَني، فبِعْتُ منه شاةً بدِينارٍ، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالدِّينارِ وبالشّاةِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ هذا دِينارُكم وهذه شاتُكم.
فقال: «وصَنَعْتَ كَيفَ»؟ فحدَّثْتُه

..................................  الحديثَ، قال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ في صَفْقَةِ يَمِينِهِ» 1 ولأنه حَصَّلَ له 2 المأْذُونَ فيه وزِيادَةً مِن جِنْسِه تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فوَقَعَ ذلك له, كما لو قال: بِعْه بدِينارٍ.
فباعَه بدِينارَين، وما ذَكَره يَبْطُلُ بالبَيعِ.
فإن باع الوَكِيلُ إحْدَى الشّاتَينِ بغيرِ أمْرِ المُوكِّلِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه باع مال مُوَكِّلِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كبَيعِ الشّاتَينِ.
والثاني، إن كانتِ الباقِيةُ تُساوي دِينارًا، جاز؛ لحديثِ عُرْوَةَ، [ولأنَّه] 3 حَصَّلَ له المَقْصُودَ، والزِّيادَةُ لو كانت غيرَ الشاةِ، جاز، فجاز له إبْدالُها بغيرِها.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه أخَذَ بحديثِ عُرْوَةَ وذَهَب إليه.
وإذا قُلْنا: لا يَجُوزُ له بَيعُ الشّاةِ.
فباعهَا، فهل يَبْطُلُ البَيعُ، أو يَصِحُّ وَيقِفُ على إجازَةِ المُوَكِّلِ؟ على رِوايَتَين.
وهذا أصْلٌ لكلِّ تَصَرُّفٍ في مِلْكِ الغيرِ بغيرِ إذْنِه ووَكِيلٍ خالفَ مُوَكِّلَه، فيه الرِّوايَتان.
وللشافعيِّ في صِحَّةِ 4 البَيعِ ههُنا 5 وَجْهان.

جارٍ التحميل