وَهُوَ عَلَى ضَرْبَينِ؛ حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيرِ، نَذْكُرُ.
مِنْهُ
كِتَابُ (1) الحَجْر
الحَجْرُ في اللُّغَةِ: المَنْعُ والتَّضْيِيقُ.
ومنه سُمِّيَ الحَرامُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ (2). أي حَرامًا مُحَرَّمًا.
ويُسَمَّى العَقْلُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (3). أي عَقْلٍ، سُمِّيَ حِجْرًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ صاحِبَه مِن ارْتكابِ ما يَقْبُحُ.
وهو في الشَّرْعِ: مَنْعُ الإِنْسانِ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه.
1903 -
مسألة: (وهو على ضَرْبَين)
حَجْرٌ على الإنْسَانِ لحَظِّ نَفْسِه، و (حَجْرٌ لحَقِّ غيرِه) كالحَجْرِ على المَرِيضِ في التبَّرُّعِ بما زاد على الثُّلُثِ لحَقِّ الوَرَثَةِ، وعلى العَبْدِ والمُكاتَبِ لحَقِّ السَّيِّدِ، والرَّاهِنُ يُحْجَرُ عليه في الرَّهْنِ لحَقِّ المُرْتَهِنِ.
ولهؤلاءِ أبْوابٌ يُذْكَرُون فيها.
ومِن123
###: «باب».
هَهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ.
ذلك (الحَجْرُ على المُفْلِسِ) لحَقِّ الغُرَماءِ، وهو المَذْكُورُ ههُنا.
والمُفْلِسُ: هو الذي لا مال له، ولا ما يَدْفَعُ به حاجَتَه؛ ولهذا لَمّا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصْحابِه: «أتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟».
قالُوا: يا رسولَ اللهِ، المُفْلِسُ فينَا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ.
قال: «لَيسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بحَسَناتٍ أمْثَالِ الجِبالِ، ويَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذا، وَلَطَمَ هذَا، [وأكلَ مال هذا] 1، وأخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا، فَيَأخُذُ هَذَا مِنْ حَسَناتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإنْ بَقِيَ عَلَيهِ شَيْءٌ أخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَرُدَّ عَلَيهِ، ثُمَّ صُكَّ لَهُ صَكٌّ إلى النَّارِ».
أخْرَجَه مسلمٌ بمعْناه 2. فقَوْلُهم
..................................
ذلك إخْبارٌ عن حَقِيقَةِ المُفْلِسِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيسَ ذَلِكَ 1 المُفْلِسَ».
تَجَوُّزٌ لم يُرِدْ به نَفْيَ الحَقِيقَةِ، بل أراد أن فَلَسَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأعْظَمُ؛ بحيث يَصِيرُ مُفْلِسُ الدُّنْيا بالنِّسْبَةِ إليه كالغَنيِّ.
ونَحْوُ هذا قَوْلُه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ ألْغَضَبِ» 2. وقَوْلُه: «لَيسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» 3. ومنه قولُ الشّاعِرِ 4:
لَيسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إنَّمَا المَيتُ مَيِّتُ الأحْيَاء
قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ هذا مُفْلِسًا؛ لأنَّه لا مال له إلَّا الفُلُوسَ، وهي أَدْنَى أنْواعِ المالِ.
والمُفْلِسُ في عُرْفِ الفُقَهاءِ: مَن دَينُه أكْثَرُ مِن مالِه.
وسَمَّوْه مُفْلِسًا وإن كان ذا مالٍ؛ لأنَّ ماله مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ في جِهَةِ دَينِه، فكأنَّه مَعْدُومٌ.
وقد دَلَّ عليه تَفْسِيرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُفْلِسَ الآخِرَةِ، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ له حَسَناتٍ أمثال الجِبالِ، لكنَّها لا تَفِي بما عليه، فقُسِمَتْ بينَ الغُرَماءِ،
وَمَنْ لَزِمَهُ دَينٌ مُؤجَّلٌ، لَمْ يُطَالبْ بِهِ قَبْلَ أجَلِهِ، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيهِ مِنْ أجْلِهِ.
فَإِنْ أرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّينُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ، إلا أَنْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ أوْ كَفِيلٍ.
وبَقِيَ لا شيءَ له.
ويَجُوزُ أن يَكونَ سُمِّيَ بذلك؛ لِما يَئُولُ إليه مِن عَدَمِ مالِه بعدَ وَفاءِ دَينِه.
ويَجُوزُ أن يكُونَ سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يُمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه، إلا الشئَ التّافِهَ الذي لا يَعِيشُ إلَّا به، كالفُلُوسِ.
1904 -
مسألة: (ومَنْ لَزِمَه دَينٌ مُوجَّلٌ، لم يُطالبْ به قبلَ أجَلِه)
لأنَّه لا يَلْزَمُه أداؤُه (ولم يُحْجَرْ عليه مِن أجْلِه) لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ به، فلم يَجُزْ مَنْعُه مِن التَّصَرُّفِ في مالِه بسَبَبِه.
فإن كان بعضُ دَينِه مُؤَجَّلًا، وبعضُه حالًّا، وكان مالُه يَفِي بالحالِّ، لم يُحْجَرْ عليه أيضًا.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: إن ظَهَرَتْ أماراتُ الفَلَسِ؛ لكَوْنِ مالِه بإزاء دَينِه، ولا نَفَقَةَ له إلَّا مِن مالِه، حُجِر عليه في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ماله يَعْجِزُ عن دُيُونِه، فهو؛ لو كان مالُه ناقِصًا.
ولَنا، أنَّ ماله وافٍ بما يَلْزَمُه أداؤُه، فلم يُحْجَرْ عليه، كما لو لم تَظْهَرْ أماراتُ الفَلَسِ، ولأنَّ الغُرَماءَ لا يُمكِنُهم طَلَبُ حُقُوقِهم في الحالِ، فلا حاجَةَ إلى الحَجْرِ.
1905 -
مسألة: (فإن أراد سَفَرًا يَحِل الدَّينُ قبلَ مُدَّتِه، فلِغَرِيمِه مَنْعُه، إلَّا أن يُوَثِّقَهُ برَهْنٍ أو كَفِيلٍ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَدِينَ إذا أراد
وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَهُ، فَفِي مَنْعِهِ رِوَايَتَانِ.
السَّفَرَ، وأراد غَرِيمُه مَنْعَه، نَظَرْنا؛ فإن كان مَحِلُّ الدَّينِ قبلَ مَحِلِّ قُدُومِه مِن السَّفَرِ، كمَن يُسافِرُ إلى الحَجِّ لا يَقْدَمُ إلا في صَفَر، ودَينُه يَحِلُّ في المُحَرَّمِ، فله مَنْعُه مِن السَّفَرِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ حَقِّه عن مَحِلِّه.
فإن أقام ضَمِينًا مَلِيئًا، أو دَفَع رَهْنًا يَفِي بالدَّينِ عندَ المَحِلِّ، فله السَّفَرُ؛ لزَوالِ الضَّرَرِ بذلك.
1906 -
مسألة: (فإن كان لا يَحِلُّ)
الدَّينُ (قبلَه، ففي مَنْعِه رِوايَتانِ) أمّا إذا كان الدَّينُ لا يَحِلُّ إلَّا بعدَ مَحِلِّ السَّفَرِ، مثلَ أن يَكُونَ مَحِلُّه في رَبِيعٍ، وقُدُومُه في صَفَر، فإن كان سَفَرُه إلى الجِهادِ، فلغَرِيمِه مَنْعُه إلَّا بضَمِينٍ أو رَهْنٍ؛ لأنَّه سَفَرٌ يَتَعَرضُ فيه لذَهَابِ النَّفْسِ، فلا يَأْمَنُ فواتَ الحَقِّ.
وإن كان لغيرِ الجِهادِ، فليس له مَنْعُه، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأن هذا السَّفَرَ ليس بأمارةٍ على مَنْعِ الحَقِّ في مَحِلِّه، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه منه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ، وكالسَّعْي إلى الجُمُعَةِ.
والثانيةُ، له مَنْعُه؛ لأنَّ قُدُومَه عندَ المَحِلِّ غيرُ
..................................
مُتَيَقَّنٍ ولا ظاهِرٍ، فمَلَكَ مَنْعَه منه، كالأوَّلِ.
وقال الشافعيُّ: ليس له مَنْعُه مِن السَّفَرِ ولا المُطالبَةُ بكَفِيلٍ، إذا كان الدَّينُ مُؤَجَّلًا، بحالٍ، سَواءٌ كان الدَّينُ يَحِلُّ قبلَ مَحِلِّ سَفَرِه أو لا، إلى الجِهادِ أو إلى غيرِه؛ لأنَّه لا
..................................
يَمْلِكُ المُطالبَةَ بالدَّينِ، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن السَّفَرِ ولا المُطالبَةَ بكَفيلٍ، كالسَّفَرِ الآمِنِ القَصِيرِ.
ولَنا، أنَّه سَفَرٌ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ الدَّينِ في مَحِلِّه، فمَلَكَ مَنْعَه منه إذا لم يُوَثِّقْه برَهْنٍ أو كَفِيلٍ، كالسَّفَرِ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ تَأْخِيرَ الدَّينِ عن مَحِله، وفي السَّفَرِ المُخْتَلَفِ فيه تَأْخِيرُه عن مَحِلِّه، فلم يَمْلِكْ، كجَحْدِه 1.
وَإنْ كَانَ حَالًّا، وَلَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ، لَمْ يُحْجَرْ عَلَيهِ، وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ.
1907 - مسألة: (وإن كان حالًّا، وله مالٌ يَفِي به، لم يُحْجَرْ عليه)
لعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذلك (ويَأْمُرُه الحَاكِمُ بوَفائِه، فإن أبَى حَبَسَه) لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيُّ الْوَاجِدِ، يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَه».
رَواهُ [الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ»] 1 فعُقُوبَتُه حَبْسُه، وعِرْضُه أن يُغْلِظَ له، فيَقُولُ له: يا ظالِمُ، يا مُتَعَدِّي.
ونحوَ ذلك.
فَإِنْ أَصَرَّ، بَاعَ مَالهُ، وَقَضَى دَينَهُ.
1908 - مسألة: (فإن أصَرَّ باعَه الحاكِمُ وقَضَى دَينَه)
وجُمْلته، أنَّ الغَرِيمَ إذا حُبِس فصَبَرَ على الحَبْسِ، ولم يَقْضِ الدَّينَ، قَضَى الحاكِمُ دَينَه مِن مالِه.
وإنِ احْتاجَ إلى بَيعِ مالِه قى قَضاءِ دَينِه، باعَه وقَضَى دَينَه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس
..................................
للحاكِمِ بَيعُ مالِه، لكنَّه يُجْبِرُه على البَيعِ إذا لم يُمْكِنِ الإِيفاءُ بدُونِه، فإنِ امْتَنَعَ لم يَبِعْه الحاكِمُ، وإنَّما يَحْبِسُه ليَبِيعَ بنَفْسِه، إلَّا أن يكُونَ عليه أحِدُ النَّقْدَينِ، ومالُه مِن النَّقْدِ الآخَرِ، فيَدْفَعُ أحَدَ النَّقْدَين عن الآخَرِ؛ لأنَّه رَشِيدٌ لا ولايةَ عليه، فلم يَجُزْ بَيعُ مالِه بغيرِ إذْنِه، كالذي لا دَينَ عليه.
ولَنا، [ما روَى كَعْبُ بنُ مالِكٍ] 1، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَر على مُعاذٍ، وباع ماله في دَينِه.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 2. ورُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه خَطَبَ النّاسَ، وقال: ألا إنّ أُسَيفِعَ جُهَينَةَ قد رَضِيَ مِن دِينِه
..................................
وأمانَتِه بأن يُقال: سَبَقَ الحاجَّ.
فادّانَ مُعْرِضًا، فأصْبَحَ وقد رِينَ به 1، فمَن كان له عليه مالٌ فليَحْضُرْ غَدًا، فإنّا بائِعو مالِه وقاسِمُوه بينَ غُرَمائِه 2. ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه، مُحْتاجٌ إلى قَضاءِ دَينِه، فجازَ بَيعُ مالِه بغيرِ رِضاه، كالصَّغِيرِ والسَّفِيهِ، ولأنَّه نَوْعُ مالٍ، فجاز بَيعُه في قَضاءِ دَينِه، كالأثْمانِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ ببَيعِ الدَّراهِمِ بالدَّنانِيرِ.
وَإنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، وَكَانَ دَينهُ عَنْ عِوَضٍ، كَالْبَيعِ وَالْقَرْضِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ، حُبِسَ، إلا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى نَفَادِ مَالِهِ وَإِعْسارِهِ.
وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، حَلَفَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ.
1909 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الإِعْسارَ، وكان دَينُه عن عِوَضٍ، كالبَيعِ والقَرْضِ، أو عُرِفَ له مالٌ سابقٌ، حُبِس، إلَّا أن يُقِيمَ البَيِّنَةَ على نَفادِ مالِه وإعْسارِه.
وهل يَحْلِفُ معها؟ على وَجْهَين.
وإن لم يكنْ كذلك، حَلَف وخُلِّيَ سَبيلُه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن وَجب عليه دَينٌ حالٌّ، فطُولِبَ به، فلم يُؤَدِّه، فإن كان في يَدِه مالٌ ظاهِرٌ، أمَرَه الحاكِمُ بالقَضاءِ.
وإن لم يَظْهَرْ له مالٌ، فادَّعَى الإِعْسارَ، فصَدَّقَه غَرِيمُه، لم
..................................
يُحْبَسْ، ووَجَب إنْظارُه، ولم يَجُزْ مُلازَمَتُه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ 1. ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لغُرَماءِ الذي كَثُر دَينُه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، لَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» 2. ولأنَّ الحَبْسَ إمّا أن يَكُونَ لإثْباتِ عُسْرَتِه أو لقضاءِ دَينِه، وعُسْرَتُه ثابِتَةٌ والقَضاءُ مُتَعَذِّرٌ، فلا فائِدَةَ في الحَبْسِ.
فإن كَذَّبَه غَرِيمُه، فلا يَخْلُو؛ إمّا أن يَكُونَ عُرِف له مالٌ أو لم يُعْرَفْ، فإن عُرِف له مالٌ؛ لكَوْنِ الدَّينِ ثَبَتَ عن مُعاوَضَةٍ، كالقَرْضِ والبَيعِ، أو عُرِف له أصْلُ مالٌ سِوَى هذا، فالقَوْلُ قولُ غَرِيمِه مع يَمِينِه.
فإذا حَلَفَ أنَّه ذو مالٍ، حُبِس حتى تَشْهَدَ البَيِّنَةُ بإعْسَارِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن عُلَماءِ الأمْصارِ وقُضاتِهِم يَرَوْن الحَبْسَ في الدَّينِ؛ منهم مالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، والنُّعْمانُ، وسَوّارٌ، وعُبَيدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ.
ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ.
وكان
..................................
عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَقُولُ: يُقْسَمُ مالُه بينَ الغُرَماءِ، ولا يُحْبَسُ.
وبه قال عبيدُ الله 1 بنُ أبي جَعْفَرٍ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ.
ولَنا، أنَّ الظّاهِرَ قولُ الغَرِيمِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه، كسائِرِ الدَّعاوَى.
فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ مالِه، قُبِلَتْ شَهادَتُهُم، سَواءٌ كانت مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، أو لم تَكُنْ؛ لأنَّ التَّلَفَ يَطَّلِعُ عليه أهْلُ الخِبْرَةِ وغيرُهم.
وإن طَلَب الغَرِيمُ إحْلافَه على ذلك، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّه تَكْذِيبٌ للبَيِّنَةِ، وإن شَهِدَتْ مع ذلك بالإِعْسارِ، اكْتُفِيَ بشَهادَتِها 2، وثَبَتَتْ عُسْرَتُه، وإن لم تَشْهَدْ إلَّا بالتَّلَفِ، وطَلَبَ الغَرِيمُ يَمِينَه على عُسْرَتِه، وأنَّه ليس له مالٌ آخَرُ، اسْتُحْلِفَ على ذلك؛ لأنَّه غيرُ ما شَهِدَتْ به البَيِّنَةُ.
وإن لم تَشْهَدْ بالتَّلَفِ، وإنَّما شَهدَتْ بالإِعْسارِ، لم تُقْبَلِ الشَّهادَةُ إلَّا مِن ذي خِبْرَةٍ باطِنَةٍ؛ لأنَّ هذا في الأمُورِ الباطِنَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه في الغَالِب إلَّا أهْلُ الخِبْرَةِ والمُخالطَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ أَنَّه قال: لا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ على
..................................
الإعْسارِ؛ لأنَّها شَهادَة على النَّفْي، فلم تُسْمَعْ، كما لو شَهِدَتْ على 1 أَنه لا دَينَ عليه.
ولَنا، ما روَى قَبِيصَةُ بنُ المُخارِقِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا قَبِيصَةُ، إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حتَّى يُصِيبَها 2 ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فاجْتَاحَتْ مَاله، فحَلَّتْ له المَسْأَلَةُ حتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ أو قال -سِدَادًا مِنْ عَيش، ورَجُلٌ أصَابَتْه فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوي 3 الْحِجَا مِنْ قَوْمِه: لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ.
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ -أو قال- سِدَادًا مِنْ عَيشٍ».
رَواه
..................................
مسلمٌ، وأبو دَاودَ 1. وقَوْلُهم: إنَّ الشَّهادَةَ على النَّفْي لا تُقْبَلُ.
قُلْنا: لا تُرَدُّ مُطْلَقًا، فإنَّه لو شَهِدَتِ بَيِّنَة أنَّ هذا وارِثُ هذا المَيِّتِ، لا وارِثَ له سِواه، قُبِلَتْ، ولأنَّ هذه وإن كانت تَتَضَمَّنُ النَّفْيَ، فهي تُثْبِتُ حالةً تَظْهَرُ، ويُوقَفُ عليها بالمُشاهَدَةِ، بخِلافِ ما إذا شَهِدَتْ أنَّه لا حَقَّ له، فإنَّ هذا ممّا لا يُوقَفُ علية 2، ولا يَشهَدُ به حالٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى مَعْرِفَتِه به 3، بخِلافِ مَسْألِتنا.
وتُسْمَعُ البَيِّنَةُ في الحالِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُسْمَعُ في الحالِ، ويُحْبَسُ شَهْرًا.
وقِيلَ: ثَلاثَةَ أشْهُرٍ.
ورُوِيَ أرْبَعَةً، حتى يَغْلِبَ على ظَنِّ الحاكِمِ أنّه لو كان له مالٌ لأظْهَرَه.
ولَنا، أنَّ كلَّ بَيِّنةٍ جازَ سَماعُها بعدَ مُدَّةٍ، جاز سَماعُها في الحالِ، كسائِرِ
..................................
البَيِّناتِ، وما ذَكَرُوه لو كان صَحِيحًا لأغْنَى عن البَيِّنَةِ.
فإن قال الغَريمُ: أحْلِفُوه لي مع بَيِّنَتِه أنَّه لا مال له.
لم يُسْتَحْلَفْ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال، في رِوايَةِ ابنَ 1 إبراهيمَ، في رجلٍ جاء بشُهُودٍ على حَقٍّ، فقال الغَرِيمُ: اسْتَحْلِفُوه.
لا يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 2. قال القاضي: سَواءٌ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ المالِ أو بالإِعْسارِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّها بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، فلم يُسْتَحْلَفْ معها، كما لو شَهِدَتْ بأنَّ هذا عَبْدُه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُسْتَحْلَفُ.
وهو القَوْلُ الثانِي للشافعيِّ؛ لأَنه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ
..................................
له مالٌ خَفِيَ عن البَيِّنَةِ.
قال شيخُنا 1: ويَصِحُّ عندِي إلْزامُه اليَمِينَ على الإِعْسارِ إذا شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ المالِ، وسُقُوطُها عنه فيما إذا شَهِدَتْ بالإِعْسارِ، لأنَّها إذا شَهِدَتْ بالتَّلَفِ، صار كمَن لم يَثْبُتْ له أصْلُ مالٍ، أو بمَنْزِلَةِ مَن أقَرَّ له غَرِيمُه بتَلَفِ ذلك المالِ، وادَّعَى أنَّ 2 له مالًا سِواه أو أنَّه اسْتَحْدَثَ مالًا بعدَ تَلَفِه، ولو لم تَقُمِ البَيِّنَةُ، وأقَرَّ له غَرِيمُه بتَلَفِ مالِه، وادَّعَى أنَّ له مالًا سِواه، لَزِمَتْه اليَمِينُ، فكذلك إذا قامَتْ به البَيِّنَةُ، فإنَّها لا تَزيدُ على الإِقْرارِ.
فإنْ كان الحَقُّ ثَبَت عليه في غيرِ مُقابَلَةِ مالٍ أخَذَه، كأَرشِ جِنايَةٍ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ، ومَهْرٍ، أو ضَمانٍ، أو كَفالةٍ، أو عِوَضِ خُلْعٍ إن كانْتِ امْرَأَةً، [ولم] 3 يُعْرَفْ له مالٌ، حَلَف أنَّه لا مال له، وخُلِّيَ سَبِيلُه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وإنَّما اكْتَفَينا بيمينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ المالِ، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال
..................................
لِحَبَّةَ وسَوَاءٍ ابْنَيْ خالِدِ بنِ سَوَاء: «لَا تَيأسَا مِن الرِّزْقِ مَا اهْتَزَّتْ رُءُوسُكُمَا، فَإنَّ ابْنَ آدَمَ يُخْلَقُ [وَلَيسَ لَهُ إلَّا قِشْرَتَاه] 1، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللهُ تَعَالى» 2. قال ابنُ المُنْذِرِ: [الحَبْسُ عقوبةٌ] 3، ولا نَعْلَمُ له ذَنْبًا يُعَاقَبُ به.
والأصْلُ عَدَمُ مالِه، بخِلافِ مَن عُلِم له مالٌ، فإنَّ الأصْلَ بقاءُ مالِه، فيُحْبَسُ حتى يُعْلَمَ ذَهابُه.
ومُطلَقُ كلامِ الخِرَقِيِّ يَدُلُّ على أنَّه يُحْبَسُ في الحالتَين، لكنَّه يَنْبَغِي أن يُحْمَلَ كَلامُه على هذا؛ لقِيامِ الدَّلِيلِ على الفَرْقِ.
..................................
فصل: ومتى ثَبَت إعْسارُه عندَ الحاكِمِ، لم يَجُزْ مُطالبَتُه ولا مُلازَمَتُه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لغُرَمائِه مُلازَمَتُه مِن غيرِ أن يَمْنَعُوه مِن الكَسْبِ، فإذا رَجَع إلى بَيتِه فأذِنَ لهم في الدُّخُولِ معه، وإلَّا مَنَعُوه مِن الدُّخُولِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لِصَاحِبِ الْحَقِّ اليَدُ وَاللِّسَانُ» 1. ولَنا، أنَّ مَن ليسَ لصاحِب الحَقِّ مُطالبَتُه لم يَكُنْ له مُلازَمَتُه، كصاحِبِ الدَّينِ المُؤَجَّلِ، وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾.
ومَن وَجَب إنظارُه حَرُمَتْ مُلازَمَتُه، كمَن دَينُه مُؤَجَّلٌ، والحديثُ فيه مقالٌ.
قاله ابنُ المُنْذِرِ.
ثم نَحْمِلُه على المُوسِرِ؛ بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا.
وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لغُرَماءِ الذي أُصِيبَ في ثمارٍ ابْتاعَهَا، فكَثُرَ دَينُه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُم، وَلَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ».
رَواه مسلمٌ، والتِّرْمِذِيُّ 2.
وَإنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَينِهِ، فَسَألَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيهِ، لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ.
1910 - مسألة: (وإن كان)
حالًا و (له مالٌ لا يَفِي بدَينِه، فَسَألَ غُرَماؤُه الحاكِمَ الحَجْرَ عليه، لَزِمَتْه إجابَتُهم) إذا اتَّفَقَ الغُرَماءُ على طَلَبِ الحَجْرِ عليه في هذه الحالِ، لَزِم الحاكِمَ إجابَتُهْم.
ولا يَجُوزُ الحَجْرُ عليه بغيرِ سُؤالِ غُرَمائِه؛ لأنَّه لا ولايَةَ له في ذلك، إنَّما يَفْعَلُه لحَقِّ الغُرَماءِ، فاعْتُبِرَ رِضاهم.
وكذلك إن سَألَه بعضهم.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس للحاكِمِ الحَجْرُ عَلَيه، فإذا أدَّى اجْتِهادُه إلى الحَجْرِ عليه ثَبَت؛ لأنَّه فِعْلٌ 1 مُجْتَهَدٌ فيه.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَر على مُعاذٍ، وباع ماله في دَينِه.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 2.
وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ وَالإِشْهَادُ عَلَيهِ.
فصل: وتَصَرُّفُه قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ في مالِه نافِذٌ، مِن البَيعِ، والهِبَةِ، والإِقْرارِ، وقَضاءِ بعضِ الغُرَماءِ، وغيرِ ذلك.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّه رَشِيدٌ غيرُ مَحْجُورٍ عليه، فنَفَذَ تَصَرُّفُه، كغَيرِه، ولأنَّ سَبَبَ المَنْعِ الحَجْرُ، فلا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ ولم يُحْجَرْ عليه، أشْبَهَ المَلِئَ.
وإن أَكْرَى جَمَلًا بعَينِه، أو دارًا لم تَنْفَسِخْ إجارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكْتَرِي أحَقَّ به حتى تَنْقَضِيَ مُدَّته.
1911 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ)
إظْهارُ الحَجْرِ عليه (والإشْهادُ عليه) لتُجْتَنَبَ مُعامَلَته، لِئَلَّا يَسْتَضِرَّ النّاسُ بضَياعِ أمْوالِهم.
ويُشْهَدُ عليه؛ ليَنْتَشِرَ ذلك، ورُبَّما عُزِل الحاكِمُ أو مات، فيَثْبُتُ الحَجْرُ عندَ الآخَرِ، فلا يَحْتَاجُ إلى ابْتِداءِ حَجْرٍ ثانٍ.
فَصْل: وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيهِ أرْبَعَةُ أَحْكَامٍ، أَحَدُهَا، تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، إلا الْعِتْقَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عنه: (ويَتَعَلَّقُ بالحَجْرِ عليه أرْبَعَةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه عليه، إلَّا العِتْقَ على إحْدَى الرِّوايَتَين) متى حُجر على المُفْلِسِ، لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُه في شيءٍ مِن مالِه، فإن تَصَرَّفَ فيه ببَيع، أَو هِبَةٍ، أو وَقْفٍ، أو أصْدَقَ امرأةً مالًا له، أو نحو ذلك، لم يَصِحَّ.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ في قولٍ، وقال في آخَرَ: يَقِفُ تَصَرُّفُه، فإن كان فيما بَقِيَ مِن مالِه وفاءُ الغُرَماءِ نَفَذ 1، وإلَّا بَطَل.
ولَنا، أنَّ حُقُوقَ الغُرَماء تَعَلَّقَتْ بأعْيانِ مالِه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيها، كالعَينِ المَرْهُونَةِ، ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه بحُكْمِ حاكِمٍ، فأشْبَهَ السَّفِيهَ.
فإن أقَرَّ بدَينٍ، لم يُقْبَلْ في الحالِ، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه.
نَصَّ عليه.
وهو قوْلُ مالِكٍ، ومحمدِ بن
..................................
الحَسَنِ، والثوْرِيِّ، والشافعيِّ في قولٍ، وقال في الآخَرِ: يُشارِكُهم.
اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابتٌ مُضافٌ إلى ما قبلَ الحَجْرِ، فشارَكَ صاحِبُه الغُرَماءَ، كما لو ثَبَت ببَيِّنَةٍ.
ولَنا، أنَّه مَحْجُورٌ عليه، فلم يَصِحَّ إقْرارُه فيما حُجِر عليه فيه، كالسَّفِيهِ، ولأنَّه إقْرارٌ يُبْطِلُ ثُبُوتُه 1 حَقَّ غيرِ المُقِرِّ، فلم يُقْبَلْ، أو إقْرار على الغُرَماءِ، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في إقْرارِه، وفارَقَ البَيِّنَةَ، فإنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّها.
فإن كان
..................................
المُفْلِسُ صانِعًا، كالقَصَّارِ 1، والحائِكِ، في يَدِه مَتاعٌ، فأقَرَّ به لأرْبابِه، لم يُقْبَلْ، والقَوْلُ فيها كالتي قبلَها.
وتُباعُ العَينُ التي في يَدِه، وتُقْسَمُ بينَ الغُرَماءِ، وتَكُونُ قِيمَتُها واجِبَةً على المُفْلِسِ إذا قَدَر عليها؛ لأنَّها انْصَرَفَتْ في وَفاءِ دَينِه بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فكانت قِيمَتُها عليه، كما لو أذِنَ في ذلك.
وإن تَوَجَّهَتْ على المُفْلِسِ يَمِين، فنَكَلَ عنها، فَقُضِيَ عليه، فحُكْمُه حُكْمُ إقْرارِه، يَلْزَمُ في حَقِّه دُونَ الغُرَماءِ.
فإن أعْتَقَ بعضَ
..................................
رَقِيقِه، صَحَّ، في إحْدَى الرِّوايَتَين، ونَفَذ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، وإسحاقَ، لأنَّه عِتْقٌ مِن مالِكٍ رَشِيدٍ، فنَفَذَ، كما قبلَ الحَجْرِ.
وفارَقَ سائِرَ التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّ للعِتْقِ تَغْلِيبًا وسِرايَةً، ولهذا يَسْرِي إلى مِلْكِ الغيرِ، بخِلافِ غَيرِه.
والأُخْرَى، لا يَنْفُذُ عِتْقُه.
وبه قال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
واخْتارَه أبو الخَطّاب في «رُءُوسِ المَسائِلِ»؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن التبرعِ لحَقِّ الغُرَماءِ، فلم يَنْفُذْ عِتْقُه، كالمَرِيضِ الذي يَسْتَغْرِقُ دَينُه ماله.
وأمّا سِرايَتُه إلى مِلْكِ الغَيرِ، فمِن شَرْطِه أن يَكُونَ مُوسِرًا، يُوخَذُ منه قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِه، ولا يَتَضَرَّرُ، ولو كان مُعْسِرًا، لم يَنْفُذْ عِتْقُه إلَّا في مِلْكِه، صِيانَةً لحَقِّ الغيرِ وحِفْظًا له عن الضَّياعِ.
كذا ها هنا.
وهذا أصَحُّ، إن شاء الله تعالى.
وَإنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أو إِقْرَارٍ، صَحَّ.
وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ.
1912 - مسألة: (وإن تَصَرَّفَ في ذِمَّتِه بشِراءٍ، أو ضَمانٍ، أو إقْرارٍ، صَحَّ. ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه)
لأنَّه أهْلٌ للتَّصَرُّفِ، وإنَّما وُجِدَ في حَقِّه الحَجْرُ، والحَجْرُ مُتَعَلِّقٌ بمالِه لا بذِمَّتِه، ولكنْ لا يُشارِكُ أصْحابُ هذه الدُّيُونِ الغُرَماءَ؛ لأنَّهم رَضُوا بذلك إذا عَلِمُوا بفَلَسِه
وَإنْ جَنَى، شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيهِ الْغُرَمَاءَ، وَإنْ جَنَى عَبْدُهُ، قُدِّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيهِ بِثَمَنِهِ.
وعامَلُوهَ، ومَن لا يَعْلَمُ فقد فَرَّطَ في ذلك؛ فإنَّ هذا في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ.
فعلى هذا، يُتْبَع بها بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه.
وفي إقْرارِه خِلافٌ، ذَكَرْناه في المسألَةِ التي قَبْلَها.
فأمّا إن ثَبَت عليه حَقٌّ ببَيِّنَةٍ، شارَكَ صاحِبُه الغرَماءَ؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ قبلَ الحَجْرِ عليه، أشْبَهَ ما لو شَهِدَت به قبلَ الحَجْرِ.
1913 -
مسألة: (وإن جَنَى، شارَكَ المَجْنِيُّ عليه الغُرَماءَ، وإن جَنَى عَبْدُه، قُدِّمَ المَجْنِيُّ عليه بثَمَنِه)
إذا جَنَى المُفْلِسُ بعدَ الحَجْرِ جِنايَةً مُوجِبَةً للمالِ، شارَكَ المَجْنِيُّ عليه الغُرَماءَ؛ لأنَّ حَقَّ المَجْنِيِّ عليه ثَبَت
فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ مَنْ وَجَدَ عِنْدَهُ عَينًا بَاعَهَا إِيَّاهُ، فَهُوَ أحَقُّ
بغيرِ اخْتِيارِه.
ولو كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للقِصاصِ، فعَفا صاحِبُها عنها إلى مالٍ، أو صالحَه المُفْلِسُ على مالٍ، شارَكَ الغُرَماءَ؛ لأن سَبَبَه ثَبَتْ بغيرِ اخْتِيارِ صاحِبِه، فأشْبَهَ ما أوْجَبَ المال.
فإن قِيلَ: ألا قَدَّمْتُم حَقَّه على الغُرَماءِ، كما قَدَّمْتُم حَقَّ مَن جَنَى عليه بعضُ عَبِيدِ المُفْلِسِ؟ قُلْنا: لأنَّ الحَقَّ في العَبْدِ الجانِي تَعَلَّقَ بعَينِه، فقُدِّمَ لذلك، وحَقُّ هذا تَعَلَّقَ بالذِّمَّة، كغيرِه مِن الدُّيُونِ، فاسْتَوَيَا.
فإنْ جَنَى عَبْدُه، قُدِّمَ المَجْنِيُّ عليه بثَمَنِه؛ لأنَّ الحَقَّ تَعَلَّق بالعَين، فقُدِّمَ على مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بالذِّمَّةِ، كما يُقَدَّمُ حَقُّ المُرْتَهِنِ بثَمَنِ الرَّهْنِ على الغُرَماءِ، ولأنَّ حَقَّ المَجْنِيِّ عليه يُقَدَّمُ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فأوْلَى أن يُقَدَّمَ على حَقِّ الغُرَماءِ.
فصل: قال، رَحِمَه الله: (الثانِي، أنَّ مَن وَجَد عندَه عَينًا باعَها إياهُ،
بِهَا، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا، وَلَمْ يَنْقُدْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيئًا، وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا، وَلَمْ تتَغَيَّرْ صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَنَسْجِ الْغَزْلِ وَخَبْزِ الدَّقِيقِ.
فهو أحَقُّ بها، بشَرْطِ أن يَكُونَ المُفْلِسُ حَيًّا، ولم يَنْقُدْ مِن ثَمَنِها شيئًا، والسِّلْعَةُ بحالِها لم يَتْلَفْ بَعْضُها، ولم تَتَغَيَّرْ صِفَتُها بما يُزِيلُ اسْمَها، كنَسْجِ الغَزْلِ، وخَبْزِ الدَّقِيقِ) [وجُمْلَةُ ذلك] 1، أنَّ المُفْلِسَ إذا حُجِر عليه، فوَجَدَ بعضُ غُرَمائِه سِلْعَتَه التي باعَه إيّاها بعَينِها، فله فَسْخُ البَيعِ والرُّجُوعُ في عَينِ مالِه بالشُّروطِ التي نَذْكُرُها.
رُوِيَ ذلك عن عُثْمانَ، وعلي، وأبي هُرَيرَةَ.
وبه قال عُرْوَةُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، والأوْزاعِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفةَ: هو أُسْوَةُ الغُرَماءِ، لأنَّ البائِعَ كان
..................................
له حَقُّ الإِمْساكِ لقَبْضِ الثَّمَنِ، فلَمّا سَلَّمَه، أسْقَطَ [حَقَّه مِن] 1 الإِمْساكِ، فلم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ في ذلك بالإِفْلاسِ، كالمُرْتَهِنِ إذا سَلَّمَ الرَّهْنَ إلى الرّاهِنِ.
ولأنَّه ساوَى الْغُرماءَ في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فيُساويهم في الاسْتِحْقاقِ، كسائِرِهم.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بعَيِّنِه عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. قال أحمدُ: لو أنَّ حاكِمًا حَكَم أنَّه أسْوَةُ الغُرَماءِ، ثم رُفِع إلى رجلٍ يَرَى العَمَلَ بالحَدِيثِ، جاز له نَقْضُ حُكْمِه.
ولأنَّ هذا العَقْدَ يَلْحَقُه الفَسْخُ بالإِقالةِ، فجاز فيه الفَسْخُ لتَعَذُّرِ الغَرَضِ، كالمُسْلَمِ فيه إذا تَعَذَّرَ.
ولأنه لو شَرَط في البَيعِ رَهْنًا، فعَجَزَ عن تَسْلِيمِه، اسْتَحَقَّ الفَسْخَ، وهو وَثِيقَةٌ بالثَّمَنِ، فالعَجْزُ عن تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بنَفْسِه أوْلَى.
ويُفارِقُ البَيعُ
..................................
الرَّهْنَ، فإنَّ إمْساكَ الرَّهْنِ إمْساكٌ مُجَرَّدٌ على سَبِيلِ الوَثِيقَةِ، وليس ببَدَلٍ، والثمنُ ههُنا بَدَلٌ عن العَينِ، فإذا تَعَذرَ اسْتِيفاؤُه، رَجَع إلى المُبْدَلِ.
وقَوْلُهم: تَساوَوْا في سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ.
قُلْنا: لكنِ اخْتَلَفُوا في الشَّرْطِ، فإنَّ بقاءَ العَينِ شَرْط لمِلْكِ الفَسْخِ، وهي مَوْجُودَةٌ في حَقِّ مَن وَجَد مَتاعَه دُونَ مَن لم يَجِدْه.
إذا ثَبَت هذا، فإن البائِعَ بالخِيارِ، إن شاء رَجَع في السِّلْعَةِ، وإن شاء لم يَرْجعْ وكان أُسْوَةَ الغُرَماءِ، وسواءٌ كانَتِ السِّلْعَةُ مُساويَةً لثَمَنِها، أو أقَلَّ أو أَكثَرَ؛ لأنَّ الإِعْسارَ سَبَبٌ يُثْبِتُ جوازَ الفَسْخِ، فلا يُوجِبُه، كالعَيبِ والخِيارِ.
ولا يَفْتَقِرُ الفَسْخُ 1 إلى حُكْمِ حاكِمٍ؛ لأنَّه فَسْخٌ ثَبَت بالنَّصِّ، فلم يَحْتَجْ إلى حُكْمِ حاكِم، كفَسْخِ النِّكاحِ لعِتْقِ الأمَةِ.
..................................
فصل: وهل خِيارُ الفَسْخِ على الفَوْرِ أو التَّراخِي؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّه على التَّراخِي؛ لأنَّه حَقُّ رُجُوعٍ يَسْقُطُ إلى عِوَضٍ، فكان على التَّراخِي، كالرُّجُوعَ في الهِبَةَ.
والثانِي، هو 1 على الفَوْرِ؛ لأنَّ جَوازَ تَأْخِيرِه يُفْضي إلى الضَّرَرِ بالغُرَماءِ، لإِفْضائِه إلى تَأْخِيرِ حُقوقِهم، فأشْبَهَ خِيارَ الأخْذِ بالشّفْعَةِ.
وهذان الوَجْهان مَبْنِيَّان على الرِّوايَتَين في خِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ونَصَر القاضي الوَجْهَ الثانِيَ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ الوَجْهان.
فصل: فإنْ بَذَل الغُرَماءُ لصاحِبِ السِّلْعَةِ الثَّمَنَ ليَتْرُكَها، لم يَلْزَمْه قَبُولُه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: ليس له الرُّجُوعُ؛ [لأن الرجوع] 2 إنَّما جاز لدَفْعِ ما يَلْحَقُه مِن النَّقْصِ في الثَّمَنِ، فإذا بُذِل له بكَمالِه، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو زال العَيبُ مِن المَعِيبِ.
ولَنا، الخَبَرُ الذي رَوَيناه، ولأنَّه تَبَرُّع بدَفْعِ الحَقِّ مِن غيرِ مَن هو عليه، فلم يُجْبَرْ صاحِبُ الحَقِّ على قَبْضِه، كما لو أعْسَرَ الزَّوْجُ بالنَّفَقَةِ، فبَذَلَها غيرُه، أو أعْسَرَ المُكاتَبُ، فبَذَلَ غيرُه ما عليه لسَيِّدِه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه.
وسَواءٌ بَذَلُوه مِن أمْوالِهم، أو خَصُّوه بثَمَنِه مِنِ مالِ المُفْلِسِ، وفي هذا القَسْمِ ضَرَرٌ آخَرُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ أن يَظْهَرَ له غرِيمٌ لم يَحْضُرْ، فيَرْجِعَ عليه.
وإن دَفَعُوا إلى المُفْلِسِ الثمَنَ، فبَذَلَه للبائِعِ، لم يَكُنْ له
..................................
الفَسْخُ؛ لأنَّه زال العَجْزُ عن تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، فزال مِلْكُ الفَسْخِ، كما لو أسْقَطَ سائِرُ الغُرَماءِ حُقُوقَهم عنه فمَلَكَ أداءَ الثَّمَنِ.
ولو أسْقَطَ الغُرَماءُ حَقَّهم 1 عنه فتَمَكَّنَ مِن الأداءِ، أو وُهِب له مالٌ فأمْكَنَه الأداءُ منه، أو غَلَتْ أعْيانُ مالِه فصارت قِيمَتُها وافِيَةً بحُقُوقِ الغُرَماءِ، بحيث يُمْكِنُه أداءُ الثَّمَنِ كلِّه، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لزَوالِ سَبَبِه، ولأنَّه أمْكَنَه الوُصُولُ إلى ثَمَنِ سِلْعَتِه مِن المُشْتَرِي، فلم يَكُنْ له الفَسْخُ، كما لو لم يُفْلِسْ.
فصل: فإنِ اشْتَرَى المُفْلِسُ مِن إنْسانٍ سِلْعَةً بعدَ الحَجْرِ في ذِمَّتِه، وتَعَذَّرَ الاسْتِيفاءُ، لم يَكُنْ له الفَسْخُ، سَواءٌ عَلِم أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ بثَمَنِها، فلا يَسْتَحِقُّ الفَسْخَ؛ لتَعَذُّرِه، كما لو كان ثَمَنُها مُؤجَّلًا، ولأنَّ العالِمَ بالفَلَسِ دَخَل على بَصِيرَةٍ بخَرابِ الذِّمَّةِ، أشْبَهَ مَن اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه.
وقِيلَ 2: له الخِيارُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه عَقَد عليه وَقْتَ الفَسْخِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه مِن الفَسْخِ، كما لو تَزَوَّجَتِ امْرأةٌ فَقيرًا مُعْسِرًا بنَفَقَتِها.
وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، إنْ كان عالِمًا بفَلَسِه، فلا فَسْخَ له، وإن لم يَعْلَمْ، فله الفَسْخُ، كمُشْتَرِي المَعِيب.
ويُفارِقُ المُعْسِرَ بالنَّفَقَةِ؛ لكَوْنِ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُها كلَّ يَوْمٍ، فالرضا بالمُعْسِرِ بها رِضًا بعَيبِ ما لم يَجِبْ، بخِلافِ مسألتِنا، وإنما يُشْبِهُ هذا إذا تَزَوَّجَتْ مُعْسِرًا بالصَّداقِ، وسَلَّمَتْ نَفْسَها إليه ثم أرادَتِ الفَسْخَ.
..................................
فصل: ومَن 1 اسْتَأجَرَ أرْضًا للزَّرعِ، فأفْلَسَ قبلَ مُضِيِّ شيءٍ مِن المُدَّةِ، فللمُؤْجِرِ فَسخُ الإجارَةِ؛ لأنه وَجَد عَينَ مالِه.
وإن كان بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فهو غرِيمٌ بالأجْرِ.
وإن كان بعدَ مُضِيِّ بَعْضِها، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ في قِياسِ قَوْلِنا في المَبِيعِ إذا تَلِفَ بَعْضُه، فإنَّ المُدَّةَ ههُنا كالمَبِيعِ، ومُضِيُّ بَعْضِها كتَلَفِ بَعْضِه، لكنْ يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ لمِثْلِها أجْرٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عن مُضِيِّ جُزْءٍ منها بحالٍ.
وقال القاضي
..................................
في مَوْضِعٍ آخَرَ: مَن اكْتَرَى أرْضًا فزَرَعَها، ثم أفْلَسَ، ففَسَخَ صاحِبُ الأرْضِ، فعليه تَبْقِيَةُ زَرْعِ المُفْلِسِ إلى حينِ الحَصادِ بأجْرِ مِثْلِه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه المَنْفَعَةُ، فإذا فَسَخَ العَقْدَ، فَسَخَه فيما مَلَك عليه بالعَقْدِ، وقد تَعَذَّرَ رَدُّها عليه، فكان عليه عِوَضُها، كما لو فَسَخ البَيعَ بعدَ تَلَفِ المَبِيعِ، فله قِيمَتُه، ويَضْرِبُ بذلك مع الغُرَماءِ، كذا ههُنا، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بأجْرِ المِثْلِ دُونَ المُسَمَّى.
وهذا مَذْهَب الشافعيِّ.
وهذا لا يَقْتَضِيه مَذْهَبُنا، ولا يَشْهَدُ لصِحَّتِه الخَبَرُ، ولا يَصِحُّ في النَّظَرِ.
أمّا الخَبَرُ، فلان النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما قال: «مَنْ أدْرَكَ متَاعَه بِعَينِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ به» 1. وهذا ما أدْرَكَ مَتاعَه بعَينِه، ولا هو أحقُّ به بالإجْماعِ، فإنَّهم وافَقُوا على وُجوبِ تَبْقِيَيها وعَدَمِ الرُّجُوعِ في عَينِها، ولأنَّ مَعْنَى قولِه: «مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بعَينِه».
أي على وَجْهٍ يُمْكِنُه أخْذُه ويَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بعَينِه، وليس هذا كذلك.
وأمَّا النَّظَرُ، فإنَّ البائِعَ إنَّما كان أحَقَّ بعَينِ مالِه؛ لتَعَلُّقِ حَقِّه بالعَينِ، وإمْكانِ رَدِّ مالِه إليه بعَينِه،
..................................
فيَرْجَحُ 1 على مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، وهذا لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بالعَينِ، ولا أمْكَنَ رَدُّها إليه، وإنَّما صار فائِدَةُ الرُّجُوعِ الضَّرْبَ بالقِيمَةِ دُونَ المُسَمَّى، وليس هذا هو المُقْتَضيَ في مَحَلِّ النَّصِّ، ولا هو في مَعْناه، فإثْباتُ الحُكْمِ به تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ.
ولو اكْتَرَى مَن يَحْمِلُ له مَتاعًا إلى بَلَدٍ، ثم أفْلَسَ المُكْتَرِي قبلِ حَمْلِ شيءٍ، فللمُكْرَى 2 الفَسْخُ.
وإن حملَ البَعْضَ، أو بَعْضَ المَسافةِ، لم يَكُنْ له الفَسْخُ، في قِياسِ المَذْهَبِ.
وقِياسُ قولِ القاضي، له ذلك.
وإذا فَسَخ، سَقَط عنه حَمْلُ ما بَقِيَ، وضَرَب مع الغُرَماءِ بقِسْطِ ما حَمَل مِن الأجْرِ المُسَمَّى.
وعلى قِياسِ قولِ القاضي، يَنْفَسِخُ العَقْدُ في الجَمِيعِ، ويَضْرِبُ بقِسْطِ ما حَمَل مِن أجْرِ المِثْلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قَوْلِه في المَسْألَةُ التي حَكَينا قَوْلَه فيها.
..................................
فصل: فإن أقْرَضَ رجلًا مالًا، ثم أفْلَسَ المُقْتَرِضُ، وعَينُ المالِ قائِمَةٌ، فله الرُّجُوعُ فيها؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَينِه عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ».
ولأنَّه غَرِيم وَجَد عَينَ مالِه، فكان له أخْذُها؛ كالبائِعِ.
فإن أصْدَقَ امْرَأةً عَينًا، ثم انْفَسَخَ نِكاحُها بسَبَبٍ مِن جِهَتِها يُسْقِطُ صَداقَها، أو طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ بها، فاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ في نِصْفِه، وقد أفْلَسَتْ ووَجَد عَينَ مالِه، فهو أحَقُّ بها؛ لِما ذَكَرْنا.
..................................
فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ في السِّلْعَةِ بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ، أحَدُها، أن يَكُونَ المُفْلِسُ حَيًّا، فإن مات فالبائِعُ أُسْوَةُ الغُرَماءِ، سَواءٌ عَلِم بفَلَسِه قبلَ المَوْتِ، فحُجِر عليه ثم مات، أو مات فتَبَيَّنَ فَلَسُه.
وبهذا قال مالِكٌ، وإسْحاقُ.
وقال الشافعيُّ: له الفَسْخُ واسْتِرْجاعُ العَينِ، لِما روَى ابنُ خَلْدَةَ الزُّرَقِيُّ، قاضي المَدِينَةِ، قال: أَتَينَا أبا هُرَيرَةَ في صاحِبٍ.
لَنا قد أفْلَسَ، فقال أبو هُرَيرَةَ: هذا الَّذي قَضَى فيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيَّما رَجُلٍ مَاتَ أو أفْلَسَ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أحَقُّ بِمَتَاعِهِ إذَا وَجَدَهُ بِعَينِيهِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجة 1. ولأنَّ هذا العَقْدَ يَلْحَقُه الفَسْخُ بالإِقالةِ، فجاز فَسْخُه لتَعَذُّرِ العِوَضِ، كما لو تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه، ولأنَّ الفَلَسَ سَبَبٌ لاسْتِحْقاقِ الفَسْخِ، فجاز الفَسْخُ به بعدَ المَوْتِ، كالعَيب.
ولَنا، ما رَوَى أبو بَكْرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديثِ المُفْلِسِ: «فَإِنْ مَاتَ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ
..................................
الْغُرَمَاءِ».
رَواه أبو داودَ 1. ورَوَى أبو اليَمانِ، عن الزَّبِيدِيِّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّمَا امْرِئٍ مَاتَ وَعِنْدَه مَالُ امْرِئٍ بِعَينِهِ، اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِهِ شَيئًا أوْ لَمْ يَقْتَضِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ 2». رَواه ابنُ ماجة 3. ولأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِ المُفْلِسِ والغُرَماءِ، وهم الوَرَثَةُ، فأشْبَهَ المَوْهُوبَ.
وحَدِيثُهم مَجْهُولُ الإِسْنادِ، قاله ابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ عبدِ البَر: يَرْويه أبو المُعْتَمِرِ، عن الزُّرَقِيِّ، وأبو المُعْتَمرِ غيرُ مَعْرُوفٍ بحَمْلِ العِلْمِ.
ثم هو غيرُ مَعْمُولٍ به إجْماعًا، فإنَّه جَعَل المتاعَ لصاحِبِه بمُجَرَّدِ مَوْتِ المُشْتَرِي مِن غيرِ شَرْطِ فَلَسِه