الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 326-366

..................................  وذَكَر أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الفَىْءَ، فقال: فيه حقٌّ لكلِّ المسلمين، وهو بينَ الغَنِىِّ والفقيرِ.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنه: ما مِن أحَدٍ مِن المسلمين إلَّا له في هذا المالِ نَصِيبٌ، إلَّا العبيدَ ليس لهم فيه شئٌ، وقرَأ عمرُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتَّى بَلغَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ 1. فقال: هذه 2 اسْتَوْعَبَتِ المسلمين عامَّةً، ولَئِنْ عِشْتُ ليَأْتِيَنَّ الرَّاعِىَ [بسَرْوِ حِمْيَرَ] 3 نَصِيبُه منها، لم يَعْرَق فيه جَبِينُه 4. وذَكَر القاضى أنَّ الفَىْءَ مُخْتَصٌّ بأهلِ الجهادِ، مِن المُرابِطِين في الثُّغورِ، وجُنْدِ المسلمين، ومَن يقومُ بمصالِحِهم؛ لأنَّ ذلك كان للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه، لحُصُولِ النُّصْرَةِ والمصْلَحَةِ به، فلمَّا ماتَ، صارت مخْتَصَّةً بالجُنْدِ،

وَيَبْدَأُ بِالأَهَمِّ فَالأهَمِّ؛ مِنْ سَدِّ الثُّغُورِ، وَكِفَايَةِ أَهْلِهَا،  ومَن يَحْتاجُ إليه المسلمون، فصارَ لهم ذلك دُونَ غيرِهم.
فأمّا الأعْرابُ ونحوُهم ممَّن لا يُعِدُّ نفْسَه للجهادِ، فلا حَقَّ لهم فيه.
والذين يَغْزُون 1 إذا نَشِطُوا، يُعْطَوْن مِن سَهْمِ سبيلِ اللَّه مِن الصَّدَقَةِ.
قال القاضى: ومعْنى كلامِ أحمدَ، أنَّه بينَ الغَنِىِّ والفقيرِ.
يعْنى الغَنِىَّ 2 الَّذى فيه مصلحةُ المُسْلِمين مِن المُجاهِدين والقُضاةِ والفُقَهاءِ.
قال: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ معْنى كلامِه، أنَّ لجميعِ المسلمين الانْتِفاعَ بذلك المالِ؛ لكَوْنِه يُصْرَفُ إلى مَن يَعُودُ نَفْعُه إلى جميعِ المسلمين، وكذلك ينْتَفِعون بالعُبورِ على القناطِرِ والجُسورِ المعْقودَةِ بذلك المالِ، وبالأنْهارِ والطُّرُقاتِ التى أُصْلِحَتْ به.
وسياقُ كلامِ أحمدَ يَدُلُّ على أنَّه غيرُ مُخْتَصٍّ بالجُنْدِ، وإنَّما هو مَصْرُوفٌ 3 في مصالِحِ المسلمين، لكنْ يبدأُ بجُنْدِ المسلمين؛ لأنَّهم أهَمُّ المصالِحِ، لكَوْنِهم يَحْفَظُون المسلمين، فيُعْطَوْن كِفَاياتِهم، فما فَضَل قُدِّمَ الأهَمُّ فالأهَمُّ؛ مِن عِمارَةِ الثُّغُورِ وكِفَايَتِها بالكُراعِ 4

وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ الأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ؛ مِنْ سَدِّ الْبُثُوقِ، وَكَرْىِ الأَنْهَارِ، وَعَمَلِ الْقَنَاطِرِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
والسِّلاحِ، وما يُحْتاجُ إليه، ثم الأهَمُّ فالأهَمُّ؛ مِن عِمارَةِ المساجدِ والقَناطِرِ، وإصْلاحِ الطُّرُقِ، وكِراءِ الأَنْهارِ، وسَدِّ بُثُوقِها، وأرْزاقِ القُضاةِ والأئمةِ والمُؤَذنين والفُقَهاءِ، وما يَحْتاجُ إليه المسلمون، وكلِّ ما يعودُ نَفْعُه على المسلمين، ثم يُقْسَمُ ما فَضَل على المسلمين، لِما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ، وقَولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وللشافعىِّ قَوْلان، كنحوِ ما ذَكَرْناه.
واسْتَدَلُّوا على أنَّ أربعةَ أخْماسِ الفَىْءِ كان لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه، بما روَى مالكُ ابنُ أوْسِ بنِ الحَدَثانِ، قال: سَمِعْتُ عمرَ بنَ الخَطَّاب، والعباسُ وعلىٌّ يخْتَصِمان إليه في أمْوالِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال عمرُ: كانت أَمْوالُ بنى النَّضِيرِ ممَّا أفاءَ اللَّهُ على رَسُولِه، ممَّا لم يُوجِفِ المسلمون 1 عليه بِخَيْلٍ ولا رِكَابٍ، وكانتْ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خالِصًا دونَ المسلمين، وكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُنْفِقُ منها على أهْلِه نَفَقَةَ سَنَةٍ، فما فَضَل جَعَلَه في الكُراعِ والسِّلاحِ، ثم تُوُفِّىَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَلِيَها أبو بكر بمِثْلِ ما وَلِيَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم وَلِيتُها بمثلِ ما وَلِيَها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكرٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. إلَّا أنّ

وَلَا يُخَمَّسُ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يُخَمَّسُ؛ فَيُصْرَفُ خُمسُهُ إِلَى أَهلِ الْخُمْسِ، وَبَاقِيَهُ لِلْمَصَالِحِ:  فيه: فيَجْعَلُ ما بَقِىَ أُسْوةَ المالِ.
قال شيْخُنا (1): وظاهرُ أخْبارِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، تدُلُّ على أنَّ لجميعِ المسلمين في الفَىْءِ حَقًّا.
وهو ظاهِرُ الآيَةِ، فإنَّه لمَّا قَرَأ الآيَةَ التى في سُورَةِ الحَشْرِ، قال: هذه اسْتَوْعَبَت جميعَ المسلمين.
وقال: ما أحدٌ إلَّا له في هذا المالِ نَصِيبٌ.
فأمَّا أمْوالُ بنى النَّضِيرِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنْفِقُ منها على أهْلِه؛ لأنَّ ذلك مِن أهَمِّ المصالِحِ، فبَدَأ بهم، ثم جَعَل باقِيَه أُسْوةَ المالِ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ أمْوالُ بنى النَّضِيرِ اختصَّ بها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الفَىْءِ، وتَرَك سائِرَه لمَن سُمِّىَ في الآيةِ.
وهذا مُبَيَّن في قَوْلِ عمرَ: كانت لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خالِصًا دُونَ المُسْلِمِينَ.

1478 -

مسألة: (وَلَا يُخَمَّسُ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يُخَمَّسُ؛ فَيُصْرَفُ خُمسُهُ إِلَى أَهلِ الْخُمْسِ، وَبَاقِيَهُ لِلْمَصَالِحِ)

ظاهِرُ المَذْهَبِ1 = من كتاب الفرائض، وفى: باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع، من كتاب الاعتصام.
صحيح البخارى 4/ 46، 7/ 81، 82، 8/ 185، 186، 9/ 121، 122، 123. ومسلم، في: باب حكم الفئ، من كتاب الجهاد.
صحيح مسلم 3/ 1379. كما أخرجه أبو داود، في: باب في صفايا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الأموال، من على الإمارة.
سنن أبى داود 2/ 125 - 127. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 25، 48، 60، 208، 209.

..................................  أنَّ الفَىْءَ لا يُخَمَّسُ.
نَقَلَها أبو طالبٍ، فقال: إنَّما تُخَمَّسُ الغَنِيمَةُ.
وعنه، يُخَمَّسُ كما تُخمَّسُ الغَنِيمَةُ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ 1. فظاهِرُ هذا أنَّ جَمِيعَه لهؤلاءِ، وهم أهلُ الخُمْسِ، وجاءَتِ الأخْبارُ دَالَّةً على اشْتِراكِ جميعِ المسلمين فيه عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، مُسْتَدِلًّا بالآياتِ التى بعدَها، فوَجَبَ الجَمْعُ بينهما؛ كيلا تَتَناقَضَ الآيةُ والأخبارُ وتَتَعارَضَ، وفى إيجابِ الخُمْسِ فيه جَمْعٌ بينَهما وتَوْفِيقٌ 2، فإنَّ خُمْسه لمَن سُمِّىَ في الآيةِ، وسائِرَه يُصْرَفُ إلى مَن 3 ذُكِر في الآيَتَين الأخيرتَين والأخْبارِ.
وقد روَى البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ، قال: لَقِيتُ خالِى ومعه الرّايَةُ، فقُلْتُ: إلى

..................................  أين؟ قال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجُل عَرَّسَ بامْرأةِ أبِيه، أن أضْرِبَ عُنُقَه، وأُخَمِّسَ مالَه 1. والرِّوايَةُ الأُولَى هى المشْهُورَةُ.
قال القاضى: لم أجِدْ بما قال الخِرَقِىُّ، مِن أنَّ الفَىْءَ مَخْمُوسٌ، نَصًّا فأحْكِيه، وإنَّما نُصَّ على أنَّه غيرُ مَخْموسٍ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يُحْفَظُ عن أحَدٍ قبلَ الشافعىِّ في أنَّ في الفَىْءِ خُمْسًا، كخُمْسِ الغَنِيمَةِ.
والدَّلِيلُ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآياتُ إلى قوْلِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ 2. فجَعَلَهَ كلَّه لهم، ولم يَذْكُرْ خُمْسًا.
ولمَّا قَرَأ عُمَرُ هذه الآيةَ، قال: هذه اسْتَوْعَبَتْ جميعَ المسلمين.
فصل: فإن قُلْنا: إنَّه يُخَمَّسُ.
صُرِفَ خُمْسُه إلى أهلِ الخُمْسِ في الغَنِيمَةِ عندَ مَن يَرَى تَخْمِيسَ الفَىْءِ مِن أصْحابِنا، وأصحابِ الشافعىِّ، وحُكْمُهُما واحِدٌ، لا اخْتِلافَ بينهم في هذا؛ لأنَّه في مَعْنى خُمْسِ الغَنِيمَةِ.
ثم يُصْرَفُ الباقى في مَصالِحِ المسلمين، على ما ذَكَرْنا، ويبْدَأَ بالأهَمِّ فالأهَمِّ مِن سَدِّ الثُّغُورِ، وأرْزاقِ الجُنْدِ، ونحوِ ذلك.

وَإنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَبْدَأُ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَيُقَدِّمُ الْأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، -صلى اللَّه عليه وسلم-،

1479 - مسألة: (وَإنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَيَبْدَأُ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَيُقَدِّمُ الْأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، -صلى اللَّه عليه وسلم-)،

يَنْبَغِى أن يَبْدَأُ في القِسْمَةِ بالمهاجِرِ بن، ويُقَدِّمَ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قَدِمَتْ على عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ثَمانُمِائَةِ ألفِ دِرْهمٍ، فلمَّا أصْبَحَ أرْسَلَ إلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لهم: قد جاءَ النَّاسَ مالٌ لم يَأْتِهم مِثْلُه منذُ كان الإِسلامُ، أَشِيروا علىَّ بمَن أَبدَا.
قالوا: بك يا أميرَ المؤمنين، إنَّك وَلِىُّ ذلك.
قال: لا، ولكنْ أبْدَأُ برسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، [ثمَّ] الأقْرَبِ فالأقْرَبِ.
فَوَضَعَ الدِّيوانَ على ذلك 1. ويَنبَغِى للإِمام أِن يَضَعَ دِيوانًا يكْتُبُ فيه أسْماءَ المُقاتِلَةِ.
وقَدْرَ أَرْزاقِهم، ويَجْعَلَ لكلِّ طائِفَةٍ عَرِيفًا يقومُ بأمْرِهم، ويَجْمَعُهم وقْتَ العَطاءِ ووَقْتَ الغَزْوِ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل عامَ خَيْبَرَ على كلِّ

ثُمَّ الْأَنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ المُسْلِمِين.
وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
عشرةٍ عَرِيفًا.
ويَجْعَلُ العَطاءَ في كلِّ عامٍ مرَّةً أو مَرَّتَيْن، ولا يَجْعَل في أقَلَّ مِن ذلك؛ لئلَّا يشْغَلَهم عن الغَزْوِ.
ويَبْدَأُ ببنى هاشمٍ؛ لأنَّهم أقارِبُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِما ذَكَرْنا مِن خَبَرِ عُمَرَ، ثم ببَنِى المُطَّلِبِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِم وَبَنُو المُطَّلِبِ شَئٌ واحِدٌ».
وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه (1). ثم ببَنِى عبدِ شَمْسٍ؛ لأنَّه أخو هاشِم لأبِيه وأُمِّه، ثم بَنى نَوْفَلٍ؛ لأنَّه أخو هاشِمٍ لأبِيه، ثم يُعْطِى بنى عبدِ الدَّارِ، وعبدِ العُزَّى، ويُقَدِّمُ عبدَ العُزَّى؛ لأنَّ فيهم أصْهارَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّ خَدِيجَةَ منهم، وعلى هذا يعْطِى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ، حتَّى تَنْقَضِىَ قُرَيْشٌ، وهم بنو النَّضْرِ ابنِ كِنانَةَ، وقيلَ: بنو فِهْرِ بينِ مالِكٍ.

1480 -

مسألة: (ثُمَّ الْأنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ المُسْلِمِين. وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ)

يُقَدِّمُ الأَنْصارَ بعدَ قُرَيْشٍ؛ لفَضْلِهم، وسابِقَتِهم،1

..................................  وآثارِهم الجميلةِ، ثم سائِرَ العربِ، ثم العَجَمَ والمَوالِىَ، فإنِ اسْتَوى اثْنانِ في الدَّرَجَةِ، قَدَّم أسَنَّهما، ثم أقْدَمَهما هِجْرَةً وسابِقَةً، ويَخُصُّ في كلُّ ذا الحاجَةِ.
فصل: واخْتَلَفَ الخُلَفاءُ الراشدونَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهم، في قَسْمِ الفَىْءِ بينَ أهْلِه، فذَهَبَ أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى التَّسْوِيَةِ بينَهم.
وهو المَشْهُورُ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
فرُوِىَ أنَّ أبا بكرٍ سَوَّى بينَ الناسِ في العَطاءِ، وأدْخَلَ فيه العَبِيدَ، فقال له عمرُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتَجْعَل الذين جاهَدُوا في سَبِيْلِ اللَّهِ بأمْوالِهم وأنْفسِهم، وهَجَروا دِيارَهم له، كمَن إنَّما دَخَلُوا في الإِسْلامِ كَرْهًا! فقال أبو بكرٍ: إنَّما عَمِلُوا للَّهِ، وإنَّما أُجُورُهم على اللَّهِ، وإنَّما الدُّنْيا بَلَاغٌ.
فلمَّا وَلِىَ عُمَر، رَضِىَ اللَّه عنه، فاضَلَ بينَهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ، فلمَّا وَلِىَ علىّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، سَوَّى بينَهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ.
وذُكِرَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَضَّلَ بينَهم في القِسْمَةِ.
فعلى هذا مذهبُ اثْنَيْن منهم، أبى بكرٍ وعلىٍّ، التَّسْويةُ،

..................................  ومذهَبُ اثْنَيْنِ، عمرَ وعُثمانَ، التَّفْضِيلُ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ [جَوازُ التَّفْضِيلِ] 1، فرَوَى عنه الحسَنُ بنُ علىِّ بنِ الحسَنِ 2، أنَّه قال: للإِمامِ أن يُفَضِّلَ قَوْمًا على قَوْمٍ؛ لأنَّ عمرَ قَسَمَ بينهم على السَّوابِقِ، وقال: لا أجْعَلُ مَن قاتَلَ على الإِسْلامِ، كمَن قُوتِلَ عليه.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم النَّفَلَ بينَ أهْلِه مُتَفاضِلًا على قَدْرِ غَنائِهم 3. وهذا في مَعْناه.
ورُوِىَ عنه، أنَّه لا يجوزُ التَّفْضِيلُ.
قال أبو بكرٍ: اخْتارَ أبو عبدِ اللَّهِ أن لا يُفَضلوا.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
قال الشافعىُّ: إنى رأيْتُ اللَّهَ 4 قَسَمَ المَوارِيثَ على العَدَدِ، يكونُ الأخْوَةُ مُتَفاضِلِين في الغَناءِ عن المَيِّتِ، والصِّلَةِ في الحياةِ، والحِفْظِ بعدَ الموتِ، فلا يُفَضَّلُون، وقَسَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ على العَدَدِ، ومنهم مَن يُغْنِى غايةَ الغَناءِ، ويكونُ الفَتْحُ على يَدَيْه، ومنهم مَن يكونُ مَحْضَرُه إمَّا غيرُ نافِعٍ، وإمَّا ضَررٌ بالجُبْنِ والهزِيمَةِ، وذلك أنَّهم

..................................  اسْتَوَوْا سبَبِ الاسْتِحْقاقِ، وهو انْتِصابُهم للجِهادِ، فصاروا كالغانِمِين.
قال شيْخُنا 1: والصَّحيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّ ذلك مُفَوَّضٌ إلى اجْتهادِ الإِمام، يَفْعَلُ ما يَراه مِن تَسْوِيَةٍ وتَفْضِيلٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الأَنْفَالِ، وهذا في مَعْناه.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه فَرَض للمُهاجِرِين مِن أهْلِ بَدْرٍ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، ولأهْلِ بَدْرٍ مِن الأنْصارِ أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، وفَرَض لأهْلِ الحُدَيْبيَةِ ثلاثةَ آلافٍ ثلاثةَ آلافٍ، ولأهْلِ الفَتْحِ ألْفَيْن ألْفَيْن 2. فصل: قال القاضى: ويَتَعَرَّفُ قَدْرَ حاجَةِ أهْلِ العَطاءِ وكِفايَتِهِم، ويَزِيدُ ذا الوَلَدِ مِن أجْلِ ولَدِه، وذا الفَرَسِ مِن أجْلِ فَرَسِه.
وإن كان له عَبِيدٌ في مصالِحِ الحَرْب، حُسِبَتْ مُؤْنَتُهم في كِفايهم، وإن كانُوا لِزينَةٍ أو تِجارَةٍ، لم تُحْسَبْ مُؤْنتَهم.
ويَنْظُرُ في أسْعارِهم في بُلْدانِهم؛ لأنَّ أسْعارَ البلادِ تَخْتَلِفُ، والغَرَضُ الكِفايَةُ، ولهذا تُعْتَبَرُ الذُّرِّيَّةُ والوَلَدُ، فيَخْتَلِفُ عَطاؤُهم لاخْتلافِ ذلك.
وإن كانوا سَواءً في الكِفايةِ، لا يُفَضِّلُ بعْضَهم

وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّهُ.
على بعضٍ، وإنَّما تَتَفاضَلُ كِفايَتُهم، ويُعْطَوْن قَدْرَ كِفايَتِهم، في كلِّ عامٍ مَرَّةً.
وهذا، واللَّه أعلمُ، على قَوْلِ مَن رَأْى التَّسْوِيَةَ.
فأمَّا مَن رأى التَّفْضِيلَ، فإنَّه يُفَضِّلُ أهلَ السَّوابِقِ والغَناءِ في الإِسْلامِ على غيرِهم، بحَسَبِ ما يَراه كما فَعَل عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم يُقَدِّرْ ذلك بالكِفايَةِ.
والعَطاءُ الواجِبُ لا يكونُ إلَّا لبالغ يُطِيقُ مِثْلُه القِتالَ، ويكونُ عاقِلًا حُرًّا بَصِيرًا صحيحًا، ليس به مَرَضٌ يَمْنَعُه القِتالَ، فإن مَرِض الصَّحِيحُ مَرَضًا غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، كالزَّمانَةِ ونحوِها، خرَج مِن المُقاتِلَةِ، وسَقَطَ يسهْمُه، فإن كان مَرَضًا مَرْجُوَّ الزَّوالِ، كالحُمَّى والصُّدَاعِ والبِرْسامِ (1)، لم يَسْقُطْ عَطاؤُه؛ لأنَّه في حُكْمِ الصَّحيحِ، ولذلك لا يَستَنِيبُ في الحَجِّ، كالصَّحِيحِ.

1481 -

مسألة: (وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّه)

لأنَّه مات بعدَ الاسْتِحْقاقِ، فانْتَقَلَ حَقه إلى وارِثِه، كسائِرِ1

وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، دُفِعَ إِلَى امْرأَتهِ وَأوْلَادِه الصِّغَارِ كِفَايَتُهُمْ، فَإِذَا بَلَغَ ذُكُورُهُمْ، فَاخْتَارُوا أنْ يَكُونُوا في المُقَاتِلَةِ،  المَوْرُوثاتِ.

1482 -

مسألة: (ومَن مات مِن أجْنادِ المُسْلِمين، دُفِع إلى امْرَأتِه وأوْلادِه الصِّغارِ ما يَكْفِيهم)

لأنَّ فيه تَطيِيبَ قُلوبِ المُجاهِدين، فمتى عَلِمُوا أنَّ عِيالَهم يُكْفَوْن المُؤْنَةَ بعدَ مَوْتِهم، توَفَّرُوا على الجِهادِ، وإذا عَلِمُوا خِلافَ ذلك، تَوَفَّرُوا على الكَسْبِ، وآثرُوُه على الجهادِ؛ مَخافَةَ الضَّيْعَةِ على عِيالِهم، ولهذا قال أبو خالدٍ القَنانِىُّ (1): لقد زادَ الحياةَ إلىَّ حُبًّا … بنَاتِى إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ مَخافَةَ أن يَرَيْنَ الفَقْرَ بَعْدِى … وأن يَشْرَبْنَ رَنْقًا (2) بعدَ صَافِ وأن يَعْرَيْن إن كُسِىَ الجَوَارِى … فتَنْبُو العَيْنُ عن كَرَمٍ عِجَافِ ولَوْلا ذاك قد سَوَّمْتُ مُهْرِى … وفى الرِّحْمنِ للضُّعَفاءِ كافِ ومتى تَزَوَّجَتِ المرأةُ سَقَطَ حَقُّها؛ لأنَّها خرَجَتْ عن عِيالِ المَيِّتِ.

1483 -

مسألة: (فإذا بَلَغ ذُكُورُهم، فاخْتارُوا أن يكُونُوا في

12

فُرِضَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَارُوا، تُرِكُوا.
المُقاتِلَةِ، فُرِضَ لهم، وإن لم يَخْتَارُوا، تُرِكوا) ويَسْقُطُ حَقُّهم مِن عَطاءِ المُقاتِلَةِ.

بَابُ الْأَمَانِ

يَصِحُّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أو أَسِيرًا.
وَفِى أَمَانِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ.
بَابُ الْأَمَانِ (يَصِحُّ أمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أو أَسِيرًا.
وَفِى أَمانِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الأمانَ إذا أُعْطِىَ أهلَ الحَرْبِ، حَرُم قَتْلُهم ومالُهم والتَّعرُّضُ لهم.
ويَصِحُّ مِن كلِّ مُسْلم بالغٍ عاقلٍ مُخْتارٍ، ذكرًا كان أَو أُنْثَى، حُرًّا أو عبدًا.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ القاسمِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهُ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ: لا يَصِحُّ أمانُ العبدِ، إلَّا أن يكونَ مَأْذُونًا له في القِتالِ؛ لأنَّه لا يَجِبُ عليه الجِهادُ، فلا يَصِحُّ أمانُه، كالصَّبِىِّ، ولأنَّه مَجْلُوبٌ مِن دارِ الحَرْبِ، فلا يُؤْمَنُ أن يَنْظُرَ لهم في تقْدِيمِ مصْلَحَتِهم.
ولَنا، ما

..................................  روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أخْفَر مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ صرْفٌ وَلَا عَدْلٌ».
رواه البُخارِىُّ 1. والعبدُ إمّا أن يكونَ أدْناهُم، فيَصِحُّ أمانُه بالحَديثِ، أو يكونَ غيرُه أدْنَى منه، فيَصِحُّ أمانُه بطرَيقِ التَّنْبِيهِ.
وروَى فُضَيْلُ بنُ يزيدَ الرَّقاشِىُّ، قال: جَهَّز عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ جَيْشًا، فكنت فيه، فحَصَرْنا مَوْضِعًا، فرَأَيْنَا أنَّا سنَفْتَحُها اليومَ، وجَعَلْنا نُقْبِلُ ونَروحُ، وبَقِىَ عَبْدٌ منّا، فراطَنَهم وراطَنُوه، فَكَتَب لهم الأمانَ في صَحِيفَةٍ، وشَدَّها على سَهْمٍ، ورَمَى بها إليهم، فأخَذُوها، وخَرَجُوا، فكَتَبَ بذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فقال: العَبْدُ المُسْلِمُ رجل مِن المسلمين، ذِمَّتُه ذِمَّتُهم.
رَواه

..................................  سعيدٌ 1. ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ، فصَحَّ أمانُه، كالحُرِّ والمَرْأةِ.
وما ذَكَرُوه من التُّهْمَةِ يَبْطُلُ بما إذا أُذِن له في القِتالِ، فإنَّه يَصِحُّ أمانُه، وبالمرأةِ.
فصل: ويَصِحُّ أمانُ المرأةِ، في قولِ الجميعِ.
قالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: إن كانتِ المرأةُ لتجِيرُ على المسلمين فيَجُوزُ.
وعن أُمِّ هانِىٌّ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللَّهِ، قد أجَرْتُ أحْمائِى، وأغْلَقْتُ عليهم، وإنَّ ابنَ أُمِّى أرادَ قَتْلَهم.
فقال لها رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَدْ أَجرْنَا مَنْ أَجرْتِ يَا أُمِّ هَانِئٍ، إِنَّمَا يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدنَاهُم».
رَواهما سعيدٌ 2. وأجارَت زينبُ بنتُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا العاصِ بنَ الرَّبِيعِ، فأمْضاهُ رسولُ اللَّهِ

..................................  - صلى اللَّه عليه وسلم- 1. فصل: ويَصِحُّ أمانُ الأسِيرِ إذا عَقَدَه غيرَ مُكْرَهٍ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّف مُخْتَارٌ، أشْبَهَ غيرَ الأسِيرِ.
وكذلك يَصِحُّ أمانُ الأجِيرِ والتّاجِرِ في دارِ الحَرْبِ.
وبهذا قال الشافعىّ.
وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَصِحُّ أمانُ أحَدٍ منهم.
ولَنا، عُمُومُ الحديثِ، والقِياسُ.
فأمَّا الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يَصِحُّ أمانُه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، ولا يَلْزمُه بقَولِه حكْمٌ، فلا يَلْزَمُ غيرَه، كالمَجْنونِ.
والثانيةُ، يَصِحُّ أمانُه.
وهو قولُ مالكٍ.
قال أبو بكرٍ: يَصِحُّ أمانُه، رِوايَةً واحدةً.
وحَمَل رِوايةَ المَنْعِ على غيرِ المُمَيِّزِ 2، واحْتَجَّ بعُمُومِ الحدِيثِ، ولأنَّه مسلمٌ عاقِلٌ، فصَحَّ أمانُه، كالبالِغِ، بخِلافِ المجنونِ، فإنَّه لا قَوْلَ له أصْلًا.
فصل: ولا يَصِحُّ أمانُ كافِرٍ، وإن كان ذِمِّيًّا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ذِمَّةُ المسلمين وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ».
فجَعَل الذِّمَّةَ للمسلمين، فلا تَحْصُلُ لغيرِهم، ولأنَّه مُتَّهمٌ على الإِسلامِ وأهْلِه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ.

وَيَصِحُّ أمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَانُ الْأمِيرِ لِمَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ،  ولا يَصِحُّ أمانُ مَجْنونٍ، ولا طِفْلٍ؛ لأنَّ كَلامَه غيرُ مُعْتَبَرٍ، فلا يَثْبُتُ به حُكْم.
ولا يَصِحُّ أمانُ زائِلِ العَقْلِ بنَوْمٍ أو سُكْرٍ أو إغْماءٍ؛ لذلك، ولأنَّه لا يَعْرِفُ المَصْلَحَةَ مِن غيرِها، أشْبَهَ المَجْنونَ.
ولا يَصِحُّ مِن مُكرَهٍ؛ لأنَّه قولٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، كالإِقْرارِ.

1484 -

مسألة: (وَيَصِحُّ أمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيعِ الكُفَّارِ)

وآحادِهم؛ لأنَّ وِلايَتَه عامَّةٌ على المسلمين.
(و) يصِحُّ (أمانُ الأميرِ لمَن

وَأَمَانُ أحَدِ الرَّعِيَّةِ لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِيَةِ.
جُعِل بإزائِه) مِن الكُفَّارِ، فأمَّا في حقِّ غيرِهم، فهو كآحادِ المسلمين، لأنَّ وِلايتَه على قتالِ أولئكَ دُونَ غيرِهم.
(و) يَصِحُّ (أمانُ أحَدِ الرَّعِيَّةِ للواحِدِ، والعَشَرَةِ، والقافِلَةِ) الصَّغيرةِ، والحِصْنِ الصغيرِ، لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أجازَ أمانَ العَبْدِ لأهْلِ الحِصْنِ الَّذى ذَكَرْنا حَدِيثَه.
ولا يَصِحُّ أمانُه لأهْلِ بَلْدَةٍ، ورُسْتاقٍ، وجَمْعٍ كثيرٍ، لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعْطيلِ الجهادِ، والافْتِياتِ على الإِمامِ.
ويَصِحُّ أمانُ الإِمامِ للأسيرِ بعدَ الاسْتِيلاءِ عليه؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أمَّنَ الهُرْمُزانَ وهو أسيرٌ.
رَواه سعيدٌ 1. ولأنَّ الأمانَ دُونَ المَنِّ عليه، وقد

..................................  جازَ المَنُّ عليه.
فأمَّا أحَدُ الرَّعِيَّةِ، فليس له ذلك.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّه يَصِحُّ أمانُه؛ لأنَّ زينبَ بنتَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أجارَتْ زَوْجَها أبا العاصِ بعدَ أسْرِه، فأمْضاهُ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ.
ولَنا، أنَّ أمْرَ الأسِيرِ مُفَوَّضٌ إلى الإِمامِ، فلم يَجُر الافْتِياتُ عليه بما يَمْنَعُه ذلك، كقَتْلِه.
وحَدِيثُ زينبَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، في أمانِها، إنَّمَا صَحَّ بإجازَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فصل: وإذا شَهِد للأسِيرِ اثْنان أوْ أكثرُ مِن المسلمين، أنَّهم أمَّنُوه، قُبِلَ، إذا كانُوا بصِفَةِ الشُّهودِ.
وقال الشافعىُّ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّهم يَشْهَدُون على فِعْلِ أنْفُسِهم.
ولَنا، أنَّهم عُدولٌ مِن المسلمين، غيرُ مُتَّهَمِين، شَهِدُوا بأمَانِه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ، كما لو شَهِدُوا على غيرِهم أنَّه أمَّنَه.
وما ذَكَره لا يَصِحُّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَبِلَ شَهادَةَ المُرْضِعَةِ على فِعْلِها، في حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ 1. فإنْ شَهِد واحدٌ: إنِّى أمَّنْتُه.
فقال

وَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَنْتَ آمِنٌ.
أوْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ.
أوْ: أَجَرْتُكَ.
أَوْ: قِفْ.
أوْ: أَلْقِ سِلَاحَكَ.
أوْ: مَتَرْس.
فَقَدْ أَمَّنَهُ.
القاضِى: قياسُ قَوْلِ أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ، كما لو قال الحاكِمُ بعدَ عَزْلِه: كُنْتُ حَكَمْتُ لفُلانٍ على فُلانٍ بحَقٍّ.
فإنَّه يُقْبَلُ قوْلُه.
وعلى قَوْلِ أبى الخَطّابِ: يَصِحُّ أمانُه، فقُبِلَ خبرُه به (1)، كالحاكِمِ في حَالِ وِلايَتِه.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّه ليس له أن يُؤَمِّنَه في الحالِ، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه به، كما لو أقَرَّ بحَقٍّ على غيرِه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.

1485 -

مسألة: (ومَن قال لكافِرٍ: أنْتَ آمِنٌ. أو: لا بَأْسَ عَلَيك. أو: أجَرْتُكَ. أو: قِفْ. أو: ألْقِ سِلاحَكَ. أو: مترس 2. فَقَدْ أَمَّنَهُ) قد ذَكَرْنا مَن يصِحُّ أمانُه، وقد ذكَرْنا ههُنا صِفَةَ الأمانِ. والذى1

..................................  وَرَد به الشَّرْعُ لَفْظَتان؛ أجَرتُكَ، وأمَّنْتُكَ.
قال اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ 1. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ، وأمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ» 2. وقال: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أبِى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» 3. وفى معنى ذلك قولُه: لا تَخَفْ.
لا تَذْهَلْ.
لا تَخْشَ.
لا خوْفَ عَلَيك.
لا بَأْسَ عَلَيك.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، أنَّه قال: إذا قُلْتُم: لا بَأْسَ.
أو: لا تَذْهَلْ.
أو: مترس.
فقد أمَّنْتُموهم؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ 4. ورُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال للهُرْمُزانِ: تَكَلَّمْ، ولا بَأْسَ عليك.
فلمَّا تَكَلَّمَ، أمرَ عُمَرُ بقَتْلِه، فقال أنَسُ بنُ مالكٍ: ليس لك إلى ذلك سبيلٌ، قد أمَّنْتَه.
قال عُمَرُ: كلَّا.
فقال الزُّبَيْرُ: إنَّك قد قُلْتَ: تَكَلَّمْ، ولا بأْسَ عليك.
فدَرَأ عنه عُمَرُ القَتْلَ.
روَاه سعيدٌ وغيرُه 5. ولا نعْلَمُ في هذا كلِّه خِلافًا.
وأمَّا إن قال له: قِفْ.
أو: قُمْ.
أو: ألْقِ سِلاحَكَ.
فقال أصْحابُنا: هو أمانٌ أيضًا؛ لأنَّ

..................................  الكافِرَ يَعْتَقِدُ هذا أمانًا، فأشْبَهَ قَوْلَه: أمَّنْتُك.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إنِ ادَّعَى الكافِرُ أنَّه أمانٌ، وقال: إنَّما وقَفْتُ لذلك.
فهو آمِنٌ، وإن لم يَدَّعِ ذلك، فلا يُقْبَلُ.
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا ليس بأمانٍ؛ لأنَّ لَفْظَه لا يُشْعِرُ به، وهو يُسْتَعْمَلُ للإِرْهابِ والتَّخْوِيفِ، فأشْبَهَ قوْلَه: لأقْتُلَنَّك.
لكن يُرْجَعُ إلى القائِلِ، فإن قال: نَوَيْتُ به الأمانَ.
فهو أمانٌ.
وإن قال: لم أُرِدْ أمانه.
نَظَرْنا في الكافِرِ؛ فإن قال: اعْتَقَدْتُه أمانًا.
رُدَّ إلى مَأْمَنِه، ولمِ يَجُزْ قَتْلُه، وإن لم يَعْتَقِدْه أمانًا فليس بأمانٍ، كما لو أشارَ إليهم بما اعْتَقَدُوه أمانًا.
فصل: فإن أشارَ إليهم بما اعْتَقَدُوه أمانًا، وقال: أرَدْتُ به الأمانَ.
فهو أمانٌ، وإن قال: لم أُرِدْ به الأمانَ.
فالقَوْلُ قوْلُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه.
فإن خَرَج الكُفَّارُ مِن حِصْنِهم بِناءً على أنَّ هذه الإِشارَةَ أمان، لم يَجُزْ قَتْلُهم، ويُرَدُّون إلى مَأْمَنِهم.
فقد قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: واللَّهِ لو أنَّ أحَدَكُم أشارَ بإصْبَعِه إلى السَّمَاءِ إلى مُشْرِكٍ، فنَزَلَ بأمانِه، فقَتَلَه، لقَتَلْتُه به.
رَواه سعيدٌ 2. وإن ماتَ المُسلمُ أو غابَ، فإنَّهم يُرَدُّون إلى مَأْمَنِهم.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
فإن قيل: فكيف صَحَّحْتُم الأمانَ بالإِشارَةِ، مع القُدْرَةِ على النُّطْقِ، بخِلافِ البَيْعِ والطَّلاقِ والعِتْقِ؟ قُلْنا: تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، كما حُقِنَ دَمُ مَن له شُبْهَةُ كتابٍ؛ تَغْلِيبًا لحَقْنِ دَمِه،

..................................  ولأنَّ الكُفَّارَ في الغالِبِ لا يَفْهَمُون كلامَ المسلمين، ولا يَفْهَمُ المسلمون كَلامَهم، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى الإِشارَةِ، بخِلافِ غيرِه.
ومَن قال لكافِرٍ: أنْتَ آمِنٌ.
فرَدَّ الأمانَ، لم يَنْعَقِدْ، لأنَّه إيجابُ حَقٍّ بعَقْدٍ، فلم يَصِحَّ مع الرَّدِّ، كالبَيْعِ، وإن قَبِلَه ثم رَدَّه انْتَقَضَ، لأنَّه حَقٌّ له، فسَقَطَ بإسْقاطِه، كالرِّقِّ.
فصل: إذا سُبِيَتْ كافِرَةٌ، وجاءَ ابْنُها يَطْلُبُها، وقال: إنَّ عِنْدِى أسِيرًا مُسْلِمًا، فأطْلِقُوها حتَّى أُحْضِرَه.
فقال الإِمامُ: أحْضِرْه.
فأحْضَرَه، لَزِم إطْلاقُها؛ لأنَّ المفْهُومَ مِن هذا إجَابَتُه إلى ما سألَ.
فإن قال الإِمامُ: لم أُرِدْ إجابَتَه.
لم يُجْبَرْ على تَرْكِ أسِيرِه، ورُدَّ إلى مَأْمَنِه.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: يُطْلَقُ الأسِيرُ، ولا تُطْلَقُ المُشْرِكَةُ، لأنَّ المسلمَ حُرٌّ لا يجوزُ أن يكونَ ثَمَنَ مَمْلْوكَةٍ، ويُقالُ: إنِ اخْتَرْتَ شِراءَها، فَائْتِ بثَمَنِها.
ولَنا، أنَّ هذا يُفْهَمُ منه الشَّرْطُ، فوَجَبَ الوَفاءُ به، كما لو صَرَّح به، ولأنَّ الكافِرَ فَهِم منه ذلك، وبَنَى عليه، فأشْبَهَ ما لو فَهِم الأمانَ مِن الإِشارَةِ.
وقولُهم: لا يكونُ الحُرُّ ثَمَنَ مَمْلُوكَةٍ.
قُلْنا: لكنْ يصْلُحُ أن يُفادَى بها، فقد فادَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالأسِيرَةِ التى أخَذَها مِن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ رَجُلَيْن 1 مِن المسلمين 2، وفادَى رَجُلَيْن (1) مِن المسلمين بأسِيرٍ مِن الكُفَّارِ 3، ووَفَّى لهم برَدِّ مَن جاءَ مسلمًا، وقال: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ في

وَمَنْ جَاءَ بِمُشْرِكٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَعَنْهُ، قَوْلُ الأَسِيرِ.
وَعَنْهُ، قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ.
دِينِنَا الْغَدْرُ» (1). وإن كان رَدُّ المسلمِ إليهم ليس بحَقٍّ لهم، ولأنَّه الْتَزَمَ إطْلاقَها، فلَزِمَه ذلك؛ لقوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2). وقولِه: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ في دِينِنَا الْغَدْرُ».

1486 -

مسألة: (ومَن جاء بمُشْرِكٍ، فادَّعَى أنَّه أمَّنَه، فأنْكَرَه، فالْقَوْلُ قَوْلُه. وعنه)

القَوْلُ (قوْلُ الأسِيرِ.
وعنه، قَوْلُ مَن يَدُلُّ الحَالُ على صِدْقِه) إذا جاء المسلمُ بمُشرِكٍ، فادَّعَى المُشْرِكُ أنَّه أمَّنَهَ، وادَّعَى المسلمُ أسْرَه، فَفِيه ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُن، القولُ قولُ المسلمِ؛ لأنَّ الأصْلَ إباحَةُ دَمِ الكافِرِ، وعَدَمُ الأمانِ.
والثانيةُ، القَوْلُ قولُ الأسِيرِ؛ لأنَّ صِدْقَه مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً تَمْنَعُ قَتْلَه.
وهذا اخْتيارُ أبى بكرٍ.12

..................................  والثالثةُ، يُرْجَعُ إلى قَوْلِ مَن يَدُلُّ ظاهِرُ الحالِ على صِدْقِه؛ فإن كان الكافِرُ ذا قُوَّةٍ، معه سِلاحُه، فالظاهِرُ صِدْقُه، وإن كان ضَعِيفًا مَسْلُوبَ السِّلاحِ، فالظاهِرُ كَذِبُه، فلا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِه.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: لا يُقْبَلُ قوْلُه وإن صَدَّقَه المسْلمُ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على أمانِه، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه به.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ، لم يَثْبُتْ أسرُه، ولا نازَعَه فيه مُنازِعٌ، فقُبِلَ قَوْلُه في الأمانِ، كالرسولِ.
فصل: ومَن طَلَب الأَمَانَ ليَسْمَع كلامَ اللَّهِ تعالى، ويَعْرِفَ شَرائِعَ الإِسلامِ، لَزِمَه إجابتُه، ثم يُرَدُّ إلى مَأْمَنِه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وبه قال قَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ.
وكَتَب بذلك عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ إلى النّاسِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ 1. قال الأوْزَاعِىُّ: هى إلى يومِ القِيَامَةِ.

وَمَنْ أُعْطِىَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا، فَفَتَحَهُ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا فِيهِمْ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ.

1487 - مسألة: (وَمَنْ أُعْطِىَ أَمَانًا لِيَفْتَحَ حِصْنًا، فَفَتَحَهُ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا فِيهِمْ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ)

إذا حَصَر السلمون حِصْنًا، فناداهُم رجلٌ: أمِّنُونِى أفْتَحْ لكم الحِصْنَ.
جازَ أنْ يُعْطُوه أمانًا؛ فإنَّ زيادَ بنَ لَبِيدٍ لمّا حَصَر النُّجَيْرَ 1، قال الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ: أعْطُونِى الأمانَ لعشرةٍ، أفْتَحْ لكم الحِصْنَ.
ففَعَلُوا.
فإن أشْكَلَ عليهم، وادَّعَى كلُّ واحدٍ مِن الحِصْنِ أنَّه الَّذى أمَّنُوه، لم يَجُزْ قَتْلُ واحِدٍ منهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم يَحْتَمِلُ صِدْقُه، وقد اشْتَبَهَ المُباحُ بالمُحَرَّمِ فيما لا ضَرُورَةَ إليه، فحَرُمَ الكُلُّ، كما لو اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بمُذَكَّاةٍ، وأختُه بأجْنَبِيَّاتٍ، أو زانٍ مُحْصَنٌ بمَعْصُومِين.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويَحْرُمُ اسْتِرقاقُهم أيضًا في أحَدِ الوجْهَين.
وذكر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا في تَحْرِيمِ القَتْلِ، فإنَّ اسْتِرقاقَ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُخْرَجُ وَاحِدٌ بِالْقُرْعَةِ، وَيُسْتَرَقُّ الْبَاقُونَ.
مَن لا يَحِلُّ اسْتِرْقاقُه مُحَرَّمٌ.
والوَجْهُ الثَّانِى، يُقْرَعُ، فيُخْرَجُ صاحِبُ الأمانِ بالقُرْعَةِ، ويُسْتَرَقُّ الباقون.
قاله أبو بكرٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لواحِدٍ منهم غيرِ مَعْلومٍ، فأُخْرِجَ بالقُرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ عَبْدًا مِن عَبيدِه وأشْكَلَ، ويُخالِفُ القَتْلَ؛ فإنَّه إراقَةُ دَمٍ يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، بخِلافِ الرِّقِّ، ولهذا يَمْتَنِعُ القَتْلُ في النِّساءِ والصِّبْيانِ دُونَ الاسْتِرْقاقِ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إذا أسْلَمَ واحِدٌ مِن أهْلِ الحِصْنِ قَبْلَ فَتْحِه، أشْرَفَ علينا، ثم أشْكَلَ، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهم أنَّه الَّذى أسْلَمَ، يَسْعَى كلُّ واحدٍ منهم في قِيمَةِ نفْسِه، ويُتْرَكُ له عُشْرُ قِيمَتِه.
وقياسُ المَذْهَبِ أنَّ فيها وجْهَيْن، كالتى قبلَها.
فصل: قال أحمدُ: إذا قال الرجلُ: كُفَّ عنِّى حتَّى أدُلَّكَ على كذا.
فبَعَثَ معه قَوْمًا ليدُلَّهم، فامْتَنَعَ مِن الدَّلالَةِ، فلهم ضَرْبُ عُنُقِه؛ لأنَّ أمانَه بشَرْطٍ، ولم يُوجَدْ.
قال أحمدُ: إذا لَقِىٍ عِلْجًا وطَلَب منه الأمانَ، فلا يُؤَمِّنُه؛ لأنَّه يُخافُ شَرُّه، وإن كانوا سَرِيَّةً، فلهم أمانُه.
يعنى، أنَّ السَّرِيَّةَ

وَيَجُوزُ عَقْدُ الأَمَانِ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمِنِ، وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ.
وَقَالَ أبو الْخَطَّابِ: لَا يُقِيمُونَ سَنَةً وَاحِدَةً إِلَّا بِجِزْيَةٍ.
لا يَخافُون مِن غَدْرِ العِلْجِ، بخِلافِ الواحِدِ.
وإن لَقِيَتِ السَّرِيَّةُ أعْلاجًا، فادَّعَوْا أنَّهم جاءُوا مُسْتَأْمِنين، فإن كان معهم سِلاحٌ، لم يُقْبَلْ منهم؛ لأنَّ حَمْلَهم السِّلاحَ يدُلُّ على مُحارَبَتِهم، وإن لم يكُنْ معهم سِلاحٌ، قُبِلَ قوْلُهم (1)؛ لأنَّه دليلٌ على صِدْقِهم.

1488 -

مسألة: (وَيَجُوزُ عَقْدُ الأمَانِ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمِنِ، وَيُقِيمُونَ مُدَّةَ الْهُدْنَةِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ. وَعندَ أبو الْخَطَّابِ: لَا يُقِيمُونَ سَنَةً إِلَّا بِجِزْيَةٍ)

يَجُوزُ عَقْدُ الأمانِ للرَّسُولِ والمُسْتَأْمِنِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُؤَمِّنُ رُسُلَ المُشْرِكِين.
ولمّا جاءَه رَسُولًا مُسَيْلِمَةَ، قال: «لَوْلَا أنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا» 2. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك؛ لأنَّنا لو قَتَلْنا رُسُلَهم، لَقَتَلُوا رُسُلَنا، فتَفُوتُ مَصْلَحَةُ المُراسَلَةِ.
ويجوزُ عَقْدُ الأمانِ1

..................................  لكلِّ واحدٍ منهما مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا بمُدَّةٍ، سَواءٌ كانت طَوِيلةً أو قَصِيرَةً، بخِلافِ الهُدْنَةِ، فإنَّها لا تَجُوزُ إلَّا مُقَيَّدَةً؛ لأنَّ في جَوازِها مُطْلَقَةً تَرْكًا للجِهادِ، وهذا بخلافِه.
ويَجُوزُ أنْ يُقِيمُوا مدَّةَ الهُدْنَةِ بغيرِ جزْيَةٍ.
ذَكَرَه القاضى.
قال أبو بكرٍ: هذا ظاهِر كلامِ أحمدَ.
وقال أبو الخَطّابِ: عندِى أنَّه لا يَجُوزُ أن يُقِيمَ سَنَةً بغيرِ جِزْيَةٍ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 1. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه كافِرٌ أُبِيحَ له الإِقامَةُ في دارِ الإِسلامِ مِن غيرِ التِزامِ جِزْيَةٍ، فلم يَلْزَمْه جِزْيَةٌ 2، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ولأنَّ الرَّسُولَ لو كان ممَّن لا يجوزُ أخْذُ الجِزْيَةِ منه، لاسْتَوَى في حَقِّه السَّنَةُ وما دُونَها، في أنَّ الجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ منه في المُدَّتَيْن، فإذا جازَتْ له الإِقامَة فِي إحْداهما، جازَتْ في الأُخْرَى، قياسًا لها عليها.
وقَوْلُه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
أي يَلْتَزِمُونها، ولم يُرد حَقِيقَةَ الإِعْطاءِ، وهذا مَخْصُوصٌ منها بالاتِّفاقِ، فإنَّه يَجُوزُ له الإِقامَةُ مِن غيرِ التِزامٍ لها، ولأنَّ الآيةَ تَخصَّصَتْ بما دُونَ الحَوْلِ، فنَقِيسُ على المَحَلِّ المَخْصُوصَ.

وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الإِسْلَام بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإنْ كَانَ جَاسُوسًا، خُيِّرَ الإِمَامُ فِيهِ كَالْأَسِيرِ،

1489 - مسألة: (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الإِسْلَام بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ، أَوْ تَاجِرٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِلَ مِنْهُ)

إذا دَخَل حَرْبِىٌّ دارَ الإِسلامِ بغيرِ أمانٍ، وادَّعَى أنَّه رسولٌ، قُبِلَ منه، ولم يَجُزِ التَّعَرُّضُ له، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لرسُولَىْ مُسَيْلِمَةَ: «لَوْلَا أنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا».
ولأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بذلك.
وإنِ ادَّعَى أنَّه تاجِرٌ، وقد جَرَتِ العادَةُ بدُخُولِ تُجَّارِهم إلينا، لم يُعْرَضْ له إذا كان معه ما يَبِيعُه؛ لأنَّهم دَخَلُوا يَعْتَقِدُون الأمانَ، أشْبَهَ ما لو دَخَلُوا بإشارَةِ مسلمٍ.
قال أحمدُ: إذا رَكِب القومُ في البَحْرِ، فاسْتَقْبَلَهم فيه تُجَّارٌ مُشْرِكُون مِن أرْضِ العَدُوِّ، ويُرِيدُون بِلادَ الإِسْلامِ، لم يَعْرِضُوا لهم، ولم يُقاتِلُوهم، وكلُّ مَن دَخَل بِلادَ المسلمين مِن أرْضِ الحَرْبِ بتِجارَةٍ، بُويعَ، ولم يُسْأَلْ عن شئٍ.
وإن لم تكنْ معه تِجارَةٌ، فقال: جِئْتُ مُسْتَأْمِنًا.
لم يُقْبَلْ منه، وكان الإِمامُ فيه مُخَيَّرًا.
ونحوُ هذا قولُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ.
(و) كذلك (إن كان جاسُوسًا)؛

وَإنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، أَوْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ في مَرْكَبٍ إِلَيْنَا، فَهُوَ لِمَنْ أَخذَهُ.
وَعَنْهُ، يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
لأنَّه حَرْبِىٌّ أُخِذَ بغيرِ أمانٍ، فأشْبَهَ المأْخُوذَ في حالِ الحَرْبِ.
(وإن كان ممَّن ضَلَّ الطَّرِيقَ، أو حَمَلَتْه الرِّيحُ في مَرْكَبٍ إلينا، فهو لمَن أَخَذَه)، في إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّه أُخِذَ بغيرِ قتالٍ في دارِ الإِسلام، فكان لآخِذِه، كالصَّيْدِ والحشيشِ.
والأُخْرَى، (يكونُ فَيْئًا للمسلمين) لأنَّه أُخِذَ بغيرِ قتالٍ، أشْبَهَ ما لو أُخِذَ في دارِ الحَرْبِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّه سُئِلَ في الدَّابَّةِ تَخْرُجُ مِن بَلَدِ الرُّومِ، أو تَنْفَلِتُ فتَدْخُلُ القَرْيَةَ، وعن القَوْمِ يَضِلُّون عن الطَّرِيقِ، فيَدْخُلُون القَرْيَةَ مِن قُرَى المسلمين، فَيَأْخُذُونَهم؟

..................................  فقال: يكونُ لأهْلِ القَرْيَةِ كُلِّهم، يتقاسَمونَهم 1. وسُئِلَ عنِ مَرْكَبٍ بَعَث به مَلِكُ الرُّومِ، وفيه رِجَالُه، فطَرَحَتْه الرِّيحُ إلى طَرَسُوسَ، فخَرَجَ إليه أهلُ طَرَسُوسَ، فقَتَلُوا الرَّجّالَةَ، وأخَذُوا الأمْوالَ؟ فقال: هذا فَئٌ للمسلمين، ممَّا أفاءَ اللَّهُ عليهم.
وقال الزُّهْرِىُّ: هو غَنِيمَةٌ، وفيه الخُمْسُ.
فصل: ومَن دَخَل دارَ الحَرْبِ رسُولًا أو تاجِرًا بأمانِهم، فخِيَانَتُهم مُحَرَّمَةٌ عليه؛ لأنَّهم إنَّما أعْطَوْه الأمانَ مَشْروطًا بتَرْكِ خِيانَتِهم، وأمنِه إيَّاهم مِن نَفْسِه، وإن لم يكُنْ ذلك مذْكُورًا في اللَّفْظِ، فهو معْلُومٌ في المعنى.
وكذلك مَن جاءَنا منهم بأمانٍ فخانَنا، [كان ناقِضًا] 2 لأمانِه، ولأنَّ خِيانَتَهم غَدْرٌ، ولا يَصْلُحُ في دِينِنا الغَدْرُ.
فإن خانَهم، أو سَرَق منهم، أو اقْتَرَض شيئًا، وَجَب عليه ردُّ ما أخَذَ إلى أرْبابِه، فإن جاء أرْبابُه إلى

وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أَوْ أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ، ثَمَّ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، بَقِىَ الْأَمَانُ فِي مَالِهِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ إِنْ طَلَبَهُ،  دارِ الإِسْلامِ بأمانٍ، أو إيمانٍ، رَدَّه إليهم، وإلَّا بَعَث به إليهم؛ لأنَّه أخَذَه على وَجْهٍ يَحْرُمُ عليه أخْذُه، فلَزِمَه رَدُّه، كما لو أخَذَه مِن مالِ مُسْلِمٍ.

1490 -

مسألة: (وإذا أوْدَعَ المُسْتَأْمَنُ مَالَهُ مُسْلِمًا، أو أقْرَضَهُ إيَّاه، ثمَّ عاد إلى دارِ الحَرْبِ، بَقِىَ الأمَانُ في مالِه، يُبْعَثُ إليه إن طَلَبَهُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ مَن دَخَل مِن أهْلِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسلامِ بأمانٍ، فأوْدَعَ مالَه مسلمًا أو ذِمِّيًّا، أو أقْرَضَهما إيَّاه، ثمَّ عادَ إلى دارِ الحَرْبِ لحاجَةٍ يَقْضِيَها، أو رَسُولًا، ثمَّ يعودُ إلى دارِ الإِسْلامِ، فهو على أمانِه في نَفْسِه ومالِه؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ بذلك عن نِيَّةِ الإِقامَةِ بدارِ الإِسْلامِ، فأشْبَهَ الذِّمِّىَّ إذا دَخَل لذلك، وإن دَخَل مُسْتَوْطِنًا، أو مُحارِبًا، بَطَل الأمانُ في نَفْسِه، وبَقِىَ في مالِه؛ لأنَّه بدُخُولِه دارَ الإِسلامِ بأمانٍ، ثَبَت الأمانُ لمالِه الذى معه تَبَعًا، فإذا بَطَلَ في نَفْسِه بدُخُولِه دارَ الحَرْبِ، بَقِىَ في مالِه؛

وَإِنْ مَاتَ، فَهُوَ لِوَارِثِهِ،  لاخْتِصاصِ المُبْطِلِ في نَفْسِه، فيَخْتَصُّ البُطْلانُ به.
فإن قيل: إنَّما يَثْبُتُ الأمانُ لمالِه تَبَعًا، فإذا بَطَل في المَتْبُوعِ، بَطَل في التَّبَعِ.
قُلْنا: بل يثْبُتُ له الأمانُ لمعنًى وُجِدَ فيه، وهو إدْخالُه معه، وهذا يَقْتَضِى ثُبُوتَ الأمانِ له، وإن لم يَثْبُتْ في نفْسِه، بدَلِيلِ ما لو بَعَثَه مع مُضارِبٍ له أو وكيلٍ، فإنَّه يَثْبُتُ له الأمانُ، وإن لم يَثْبُتْ في نفْسِه، ولم يُوجَدْ فيه ههُنا ما يَقْتَضِى نَقْضَ الأمانِ فيه، فبَقِىَ على ما كان عليه.
فإن أخَذَه معه إلى دارِ الحَرْبِ، انْتَقَضَ الأمانُ فيه، كما انْتَقَضَ في نَفْسِه؛ لوُجُودِ المُبْطِلِ فيهما.
إذا ثَبَت هذا، فإذا طَلَبَه صاحِبُه بُعِث إليه، وإنْ تَصَرَّفَ فيه ببَيْعٍ أو هِبَةٍ أو نحوِهما، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه مَلَكَه.
(وإن ماتَ) في دارِ الحربِ، انْتَقَلَ المالُ إلى وارِثِه، ولم يَبْطُلِ الأمانُ فيه.
وقال أبو حنيفةَ: يَبْطُلُ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد صارَ لوارِثِه، ولم يَعْقِدْ فيه أمانًا، فوَجَب أنْ يَبْطُلَ فيه، كسائِرِ أمْوالِه.
ولَنا، أنَّ الأمانَ حَقٌّ واجِبٌ لازِمٌ مُتَعَلِّقٌ بالمالِ، فإذا انْتَقَلَ إلى الوارِثِ، انْتَقَلَ بحَقِّه، كسائِرِ الحُقُوقِ؛ مِن الرَّهْنِ،

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَهُوَ فَىْءٌ.
والضَّمِينِ، والشُّفْعَةِ.
وهذا اخْتيارُ المُزَنِىِّ.
ولأنَّه مالٌ له أمانٌ، فيَنْتَقِلُ إلى وارِثِه مع بقاءِ الأمانِ فيه، كالمالِ الذى مع مُضارِبِه.
(وإن لم يكُنْ له وارِثٌ) صارَ فَيْئًا لبيتِ المالِ، كمالِ الذِّمِّىِّ إذا مات وليس له وارِثٌ.
فإن كان له وارِثٌ في دارِ الإِسلامِ، لم يَرِثْه.
ذَكَرَه القاضى؛ لاخْتِلافِ الدَّارَيْن.
والأَوْلَى أنَّه يَرِثُه؛ لأنَّ مِلَّتَهما واحِدَةٌ، فوَرِثَه، كالمسلمين.
فإن ماتَ المُسْتَأْمَنُ في دارِ الإِسْلامِ، فهو كموتِه في دارِ الحَرْبِ، سواءٌ؛ لأنَّ المُسْتَأْمَنَ حَرْبِىٌّ تَجْرِى عليه أحكامُهم.
وإن رَجَع إلى دارِ الحَرْبِ، فسُبِىَ واستُرِقَّ، فقال القاضى: يكونُ مالُه 1 مَوْقُوفًا حتى يُعْلَمَ آخِرُ أمْرِه، فإنْ ماتَ، كان فَيْئًا؛ لأنَّ الرَّقيقَ لا يُورَثُ، وإن عَتَق كان له.
وإن لم يُسْتَرَقَّ، ولكنْ مَنَّ عليه الإِمامُ أو فادَاه، فمالُه له، وإن قتَلَه، فمالُه لوَرَثَتِه، كما لو مات إن لم يُسْبَ، لكنْ دَخَل دارَ الإِسلامِ بغيرِ أمانٍ ليَأْخُذَ مالَه، جازَ قتْلُه وسَبْيُه؛ لأنَّ ثُبوتَ الأمانِ لمالِه لا يُثْبِتُ الأمانَ لنَفْسِه، كما لو كان مالُه وَدِيعةً بدارِ الإِسلامِ وهو مقيمٌ بدارِ الحَرْبِ.
فصل: وإن أخَذ المسلمُ مِن الحَرْبِىِّ في دارِ الحَرْبِ مالًا مُضارَبَةً أو وَدِيعَةً، ودَخَل به دارَ الإِسلامِ، فهو في أمانٍ، حُكْمُه حكمُ ما ذَكَرْنا.
وإن أخَذَه ببَيْعٍ في الذِّمَّةِ أو قَرْضٍ، فالثَّمَنُ في ذِمَّتِه، عليه أداؤُه إليه.

..................................  وإنِ اقْتَرَض حَرْبِىٌّ مِن حَرْبِىٍّ مالًا، ثمَّ دَخَل إلينا فأسْلَمَ، فعليه رَدُّ البَدَلِ؛ لأنَّه أخَذَه على سَبِيلِ المُعاوَضَةِ، فأشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً، ثمَّ أسْلَمَ، لَزِمَه مَهْرُها.
فصل: وإذا سَرَق المُسْتَأْمَنُ في دارِ الإِسلامِ، أو قَتَل، أو غَصَب، ثمَّ عادَ إلى دارِ الحَرْبِ، ثمَّ خَرَج مُسْتَأْمِنًا مرَّةً ثانِيَةً، اسْتُوفِىَ منه ما لَزِمَه في أمانِه الأوَّلِ، كما لو لم يدْخُلْ دارَ الحَرْبِ.
وإنِ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا، فخَرَج به إلى دارِ الحَرْبِ، ثمَّ قُدِرَ عليه، لم يُغْنَمْ؛ لأنَّه لم يثْبُتْ مِلْكُه عليه؛ لكَوْنِ الشِّراءِ باطِلًا، [ويُرَدُّ إلى بائِعِه] 1، ويَرُدُّ بائِعُهُ الثَّمَنَ إلى الحَرْبِىِّ؛ لأنَّه حَصَل في أمانٍ.
فإن كان العَبْدُ تالِفًا، فعلى الحَرْبِىِّ قِيمَتُه، ويتَرَادَّان الفَضْلَ.
فصل: وإذا دَخَلَتِ الحَرْبِيَّةُ إلينا بأمَانٍ، فتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا في دارِنا، ثمَّ أرادَتِ الرُّجُوعَ، لم تُمْنَعْ، إذا رَضِىَ زَوْجُها أو فارَقَها.
وقال أبو حنيفةَ: تُمْنَعُ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَلْزَمُ الرجلَ به المُقامُ، فلا يَلْزَمُ المرأةَ، كعَقْدِ الإِجارَةِ.

وَإِنْ أَسَرَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا، فَأَطْلَقُوهُ بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ،

1491 - مسألة: (وإذا أسَر الكُفَّارُ مُسْلِمًا، فأطْلَقُوه بشَرْطِ أن يُقِيمَ عِنْدَهم مُدَّةً، لَزِمَه الوَفاءُ لهم)

ولم يكُنْ له أن يَهْرُبَ.
نَصَّ عليه؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» 1. وقال الشافعىُّ: لا يَلْزَمُه.
وإن أطْلَقُوه وأمَّنُوه، صارُوا في أمانٍ منه؛ لأنَّ أمانَهم له يقْتَضِى سَلامَتَهم منه.
فإن أمْكَنَه المُضِىُّ إلى دارِ الإِسلامِ، لَزِمَه، وإن تَعَذَّرَ عليه، أقامَ، وكان حُكْمُه حُكْمَ مَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ.
فإن خَرَج فأدْرَكُوه وتَبِعُوه، قاتَلَهم، وبَطَل الأمانُ؛ لأنَّهم طَلَبُوا منه المُقامَ 2، وهو مَعْصِيَةٌ.

وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا شَيْئًا، أَوْ شَرَطُوا كَوْنَهُ رَقِيقًا، فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ، وَيَسْرِقَ، وَيَهْرُبَ.

1492 - مسألة: (فإن لم يَشْتَرِطُوا شَيْئًا، أو شَرَطُوا كَوْنَه رَقِيقًا، فله أن يَقْتُلَ، ويَسْرِقَ، ويَهْرُبَ)

أمَّا إذا أطْلَقُوه ولم يُؤَمِّنُوه، فله أن يَأْخُذَ منهم ما قَدَر عليه، ويسْرِقَ، ويَهْرُبَ؛ لأنَّه 1 لم يُؤَمِّنْهم ولم يُؤَمِّنُوه.
وكذلك إن شَرَطُوا كوْنَه رَقِيقًا، فرَضِىَ بذلك، أو لم يَرْضَ؛ لأنَّ كَوْنَه رَقِيقًا حُكْمٌ شَرْعِىٌّ، لايثْبُتُ عليه بقولِه، ولو ثَبَت لم يَقْتَضِ أمانًا له منهم، ولا لهم منه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وإنْ أحْلَفُوه على ذلك، وكان مُكْرَهًا، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه، وإن كان مُخْتارًا انْعَقَدَتْ يمِينُه.
ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه الإِقامَةُ إذا قُلْنا.
يَلْزَمُه الرُّجُوعُ إليهم.
على ما نَذْكُرُه في المسألةِ التى بعدَها.
وهو قولُ اللَّيْثِ.

جارٍ التحميل