الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 125-164

وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شِعَارًا يَتَدَاعَوْنَ بِهِ عِنْدَ الْحَرْبِ، وَيَتَخَيَّرُ لَهُمُ الْمَنَازِلَ، وَيَتَتَبَّعُ مَكَامِنَهَا فَيَحْفَظُهَا، وَيَبْعَثُ الْعُيُونَ عَلَى الْعَدُوِّ؛ حَتَّى لَا يَخْفى علَيْهِ أَمْرُهُمْ، وَيَمْنَعُ جَيْشَهُ مِنَ الْفَسَادِ وَالْمَعَاِصِى،  لِواءً؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ أبا سُفيانَ حينَ أسْلَمَ، قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للعباسِ: «احْبسْهُ عَلَى الوَادِى حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ، فَيرَاهَا».
قال: فحبَسْتُه حيثُ أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومَرَّتْ به القبائلُ على راياتِها 1. وهو مُخَيَّرٌ في ألوانِها، لكنَّه يُغايرُ ألوانَها؛ ليَعْرِفَ كلُّ قَوْم رايَتَهم (ويَجْعَلُ لكُلِّ طائِفَةٍ شِعارًا يَتداعَوْن به عندَ الحربِ) لئلَّا يَقَعَ بعْضُهم على بعضٍ، وهى علامةٌ بينَهم يَعْرِفُونها (ويَتَخَيَّرُ لهم المنازِلَ) أصْلَحَها لهم (ويتَتَبَّعُ مكامِنَها 2 فيَحْفَظُها) لئلَّا يُؤْتَوْا منها، ولا يَغْفُلُ الحَرَسَ والطلائِعَ؛ ليَحْفَظَهم مِن البَياتِ (ويَبْعَثُ العُيونَ على العَدُوِّ؛ حتى لا يَخْفَى عليه أمْرُهم) فيَحْتَرِزَ منهم، ويتَمَكَّنَ مِن الفُرْصَةِ فيهم (ويَمْنَعُ

وَيَعِدُ ذَا الصَّبْرِ بالأَجْرِ وَالنَّفَلِ، وَيُشَاوِرُ ذَا الرَّأْى، وَيَصُفُّ جَيْشَهُ،  جَيْشَه مِن الفَسادِ والمعاصِى) ومِن التِّجارَةِ المانِعَةِ مِن القِتالِ، ولأنَّ المعاصِىَ مِن أسْبابِ الخُذْلانِ (ويَعِدُ ذا الصَّبْرِ بالأجْرِ والنَّفَلِ) تَرْغِيبًا في الجِهادِ.
ويُخْفِى مِن أمْرِه ما أمْكَنَ إخْفاؤُه؛ لئلَّا يعْلَمَ به عدُوُّه، فقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أرادَ غَزْوَةً ورَّى بغَيْرِها 1 (ويُشاوِرُ ذا الرَّأْى) منهم؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ 2. وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكْثَرَ الناسِ مُشاوَرَةً لأصْحابِه.
فصل: وإذا وَجَدَ رَجُلٌ رجلًا قد أُصِيبَتْ فَرَسُه، ومعه فَرَسٌ فَضْلٌ، اسْتُحِبَّ حَمْلُه، ولم يَجِبْ.
نَصَّ عليه.
فإن خافَ تَلَفَه، فقال القاضى: يَجِبُ عليه بَذْلُ فَضْلِ مَرْكُوبِه؛ ليُحْيِىَ به صاحِبَه، كما يَلْزَمُه بَذْلُ فَضْل طَعامِه للمُضْطَر إليه، وتخْلِيصُه مِن عَدُوه (ويَصُفُّ جَيْشَه) لقولِ اللَّهِ

وَيَجْعَلُ فِى كُلِّ جَنْبَةٍ كُفُؤًا، وَلَا يَمِيلُ مَعَ قَرِيبِهِ وَذِى مَذْهَبِهِ على غَيْرِهِ.
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ 1. (ويَجْعَلُ في كلِّ جَنْبَةٍ كُفُؤًا) لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كنتُ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجَعَلَ خالِدًا على إحْدَى الجَنْبَتَيْن، وجَعَل الزُّبَيْرَ على الأُخْرَى، وجَعَل أبا عُبَيْدَةَ على السّاقَةِ 2. ولأنَّ ذلك أحْوَطُ للحَرْبِ، وأبْلَغُ في إرْهابِ العَدُوِّ (ولا يَمِيلُ مع قَرِيبهِ وذِى مَذْهَبِه على غيرِه) لئلَّا تَنْكَسِرَ قُلُوبُهم، فيَخْذُلُوه عندَ الحاجَةِ، ويُراعِي أصْحابَه، ويَرْزُقُ كلَّ واحدٍ بقَدْرِ حاجَتهِ.
فصل: ويُقاتَلُ أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ، حتى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجِزْيَةَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 3. والمَجُوسُ حُكْمُهم في قَبُولِ الجِزْيَةِ منهم حُكْمُ أهْلِ الكِتابِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتَابِ» 4. ولا نعلمُ بينَ أهْل العِلْمِ خلافًا في هذَيْن القِسْمَيْن.
فأمَّا مَن سِواهم مِن الكُفَّارِ، كعَبَدَةِ الأوْثانِ، ونحوِهم،

..................................  فلا يُقْبَلُ منهم إلَّا الإِسْلامُ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وفيه اخْتِلافٌ يُذْكَرُ في بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: ومَن بَلَغَتْه الدَّعوَةُ مِن الكُفَّارِ يجوزُ قِتالُه مِن غيرِ دُعاءٍ، ومَن لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ، يُدْعَى قبلَ القِتالِ، ولا يجوزُ قِتالُهم قبلَ الدُّعاءِ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بَعَث أميرًا على سَرِيَّةٍ أو جَيْشٍ، أمَرَه بتَقْوَى اللَّه فِى خاصَّتِه، وبِمَن معه مِن المسلمين، وقال: «إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أجَابُوكَ إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ؛ ادْعُهُمْ إلَى الإِسْلَامِ، فإنْ أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فإنْ هُمْ أَبَوْا، فَادْعُهُمْ إِلَى إعْطَاءِ الجِزْيَةِ، فَإنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ أبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ».
رَواه مسلمٌ 1. وهذا، واللَّهُ أعْلمُ، كان في بَدءِ الأَمْرِ، قبلَ انْتِشارِ الدَّعْوَةِ، وظُهُورِ الإِسْلامِ، فأمَّا اليومَ، فقد انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ واسْتُغْنِىَ بذلك عن الدُّعاءِ عندَ القِتالِ.
قال أحمدُ: إنَّ الدَّعْوَةَ قد بَلَغَتْ وانْتَشَرتْ، ولكنْ إن جازَ أن يَكُونَ قَوْمٌ خلفَ الرُّومِ وخلفَ التُّرْكِ بهذه الصِّفَةِ، لم يَجُزْ قِتالُهم قبلَ الدَّعْوَةِ، ومَن بَلَغَتْه الدَّعْوَةُ يَجُوزُ قِتالُهم قبلَ ذلك.
وإن دَعاهُم فحَسَنٌ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ عليًّا -حينَ أعْطاهُ الرَّايَةَ يومَ خَيْبَرَ وأمَرَه بقِتالِهم- أن يَدْعُوَهُم، وهم ممَّن قد بَلَغَتْه الدَّعْوَةُ.
رَواه البُخَارِىُّ 2. ودَعا خالدُ بنُ الوليدِ طُلَيْحَةَ، حينَ ادَّعَى النبوَّةَ، فلم

وَيَجُوزُ أنْ يَبْذُلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، أوْ قَلْعَةٍ، أَوْ مَاءٍ.
وَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، إِلَّا أنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، فَيَجُوزُ مَجْهُولًا.
يَرْجِعْ، فأظْهَرَهُ اللَّهُ عليه (1). ودَعا سَلْمانُ أهْلَ فارسَ (2).

1419 -

مسألة: (ويَجُوزُ أن يَبْذُلَ جُعْلًا لِمَن يَدُلُّه على طَريقٍ، أو قَلْعَةٍ، أو ماءٍ. ويَجِبُ أن يَكُونَ مَعْلُومًا، إلَّا أن يَكُونَ مِن مالِ الكُفَّارِ، فيَجُوزُ)

أن يَكُونَ (مَجْهُولًا) لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّه يَجُوزُ للإمامِ ونائِبِه أن يبْذُلَ جُعْلًا لِمَن يدُلُّه على ما فيه مَصْلَحَةٌ للمسلمين، مثلَ طريقٍ سَهْلٍ، أو ماءٍ في مَفازَةٍ، أو قَلْعَةٍ يَفْتَحُها، أو مالٍ يَأْخُذُه، أوَ عَدُوٍّ يُغِيرُ عليه، أو ثَغْرَةٍ يَدْخُلُ منها.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه جُعْلٌ في مَصْلَحَةٍ، فجازَ، كأُجْرَةِ الدَّليلِ، وقد اسْتَأْجَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في الهِجْرَةِ مَن دَلَّهم على الطَّرِيقِ 3. ويَسْتَحِقُّ الجُعْلَ بفِعْلِ ما جُعِلَ له فيه، سَواءٌ كان مُسْلِمًا أو كافرًا، مِن الجَيْشِ أو مِن غيرِه.
فإن جُعِلَ له الجُعْلُ ممّا في يَدِه، وَجَب أن يَكُونَ مَعْلُومًا؛ لأنَّها جَعالَةٌ12

فَإِنْ جَعَلَ لَهُ جَارِيَةً مِنْهُمْ، فَمَاتَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَلَا شَىْءَ لَهُ، وَإِنْ أسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَلَهُ قِيمَتُهَا، وَإنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَكُون كَافِرًا، فَلَهُ قِيمَتُهَا.
بعِوَضٍ مِن مالٍ مَعْلومٍ، فوَجَبَ أن يَكُونَ مَعْلُومًا، كالجَعالَةِ في رَدِّ الآبِقِ.
فإن كان الجُعْلُ مِن مالِ الكُفَّارِ، جازَ أن يكونَ [مَجْهُولًا لا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، ولا يُفْضِى إلى التَّنازُعِ] (1)؛ لأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل للسَّرِيَّةِ الثُّلُثَ، والرُّبْعَ ممّا غَنِمُوه، وهو مجْهُولٌ؛ لأنَّ الغَنِيمةَ كلَّها مجْهُولَةٌ، ولأنَّه ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، والجَعالَةُ إنَّما تجوزُ بحسَبِ الحاجَةِ.

1420 -

مسألة: (فإن شَرَطَ له جَارِيَةً)

مُعَيَّنَةً على قَلْعَةٍ يَفْتَحُهَا، نحوَ أن يَشْرُطَ له بِنْتَ فُلانٍ مِن أهْلِ القَلْعَةِ، لَم يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حتى يَفتَحَ القَلْعَةَ؛ لأنَّ جَعالَةَ شئٍ منها اقْتَضَى 2 اشْتِراطَ فَتْحِها، فمتى فتِحَتِ القَلْعَةُ عَنْوَةً، سُلِّمَتْ إليه (فإن ماتَتْ قبلَ الفَتْحِ) أو بعدَه (فلا شئَ له) لأنَّه تَعَلَّقَ حَقُّه بمُعَيَّنٍ، وقد تَلِفَ بغيرِ تفْرِيطٍ، فسَقَطَ حَقُّه، كالوَدِيعَةِ (وإن أسْلَمَتْ قبلَ الفَتْحِ، فله قِيمَتُها) لأنَّها عَصَمَتْ نَفْسَها1

وَإنْ فُتِحَتْ صُلْحًا، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْجَارِيَةَ، فَلَهُ قِيمَتُهَا، فَإنْ أَبَى إِلَّا الْجَارِيَةَ، وَامْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا، فُسِخَ الصُّلْحُ.
بإسْلامِها، فتَعَذَّرَ دَفْعُها إليه، فاسْتَحَقَّ القِيمَةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا صالَحَ أهْلَ مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ على أنَّ مَن جاءَه مُسْلِمًا رَدَّه إليهم، فجاءَه نِساءٌ مُسْلِمات، فمَنَعَه اللَّهُ مِن رَدِّهِنَّ (1). وكذلك لو كان الجُعْلُ رَجُلًا، فأسْلَمَ قبلَ الفَتْحِ؛ لأنَّه عَصَم نفسَه، فلم يَجُزْ دَفْعُه إليه، وله قِيمَتُه؛ كالجارِيَةِ.
وإن كان إسْلامُهُما بعدَ الفَتْحِ، سُلِّما إليه، إن كان مُسْلِمًا؛ لأنَّهُما أسْلَما بعدَ أسْرِهما، فصارا رَقِيقَيْن.
وإن كان كافرًا، فله قِيمَتُهما؛ لأنَّه لا يجوزُ للكافِرِ أن يَبْتَدِئَ المِلْكَ على المُسْلِمِ، وإنَّما لم تَجِبْ له القِيمَةُ إذا ماتا، وتَجِبُ إذا أسْلَمَا؛ لأنَّ، تَسْلِيمَهُما مُمْكِنٌ إذا أسْلَما، لكنْ مَنَع الشَّرْعُ منه.

1421 -

مسألة: (وإن فُتِحَتْ صُلْحًا، ولم يَشْتَرِطُوا الجارِيَةَ، فله قِيمَتُها)

إن رَضِىَ بها (وإن أبَى إلَّا الجارِيَةَ) وأبَى صاحِبُ القَلْعَةِ تَسْلِيمَها، فقالَ القاضِى: يُفْسَخُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه قد تَعَذَّرَ إمْضاءُ الصُّلْحِ؛1

وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا قِيمَتُهَا.
لأنَّ حَقَّ صاحِبِ الجُعْلِ سابِقٌ، ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَه وبينَ الصُّلْحِ.
ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
ولصاحِبِ القَلْعَةِ أن يُحَصِّنَها مثلَما كانتْ مِن غيرِ زيادَةٍ (ويَحْتَمِلُ أن لا يَكُونَ له إلَّا قِيمَتُها) ويَمْضِىَ الصُّلْحُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ دَفْعُها إليه مع بَقائِها، فدُفِعَتْ إليه القِيمَةُ، كما لو أسْلَمَتْ قبلَ الفَتْحِ.
قولُهم: إنَّ حَقَّ صاحِبِ الجُعْلِ سابِقٌ.
قُلْنا: إلَّا أنَّ المَفْسَدَةَ في فَسْخِ الصُّلْحِ أعْظَمُ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَعُودُ على الجَيْشِ كلِّه، ورُبَّما تَعَدَّى إلى غيرِه مِن المسلمين في كوْنِ هذه القَلْعَةِ يَتَعَذَّرُ فَتْحُها بعدَ ذلك، ويَبْقَى ضَرَرُها على المسلمين، ولا يجوزُ تَحَمُّلُ هذه المَضَرَّةِ لدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عن واحدٍ، فإنَّ ضَرَرَ صاحِبِ الجُعْلِ إنَّما هو في فَواتِ عَيْنِ الجُعْلِ، = من كتاب المغازى.
صحيح البخارى 3/ 246، 247، 5/ 161، 162. وأبو داود، في: باب في صلح العدو، من كتاب الجهاد.
سنن أبى داود 2/ 77، 78. والبيهقى، في: باب نقض الصلح فيما لا يجوز...، من كتاب الجزية.
السنن الكبرى 9/ 228. وانظر: الدر المنثور 6/ 205، 206.

وَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ فِى الْبَدْأَةِ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسٍ، وَفِى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْجَيْشُ بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ، وَإذَا رَجَعَ بَعَثَ أُخْرَى، فَمَا أتَتْ بِهِ أَخْرَجَ خُمْسَهُ، وَأَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لهَا، وَقَسَمَ الْبَاقِىَ فِى السَّرِيَّةِ وَالْجَيْشِ مَعًا.
وتَفاوُتُ ما بينَ عَيْنِ الشئِ وقِيمَتِه يَسِيرٌ، لا سِيَّما وهو في حَقِّ شَخْصٍ واحدٍ، ومُراعاةُ حَقِّ المسلمين بدَفْع، الضَّرَرِ الكثيرِ عنهم أوْلَى مِن دَفعِ الضَّرَرِ اليَسِير عن واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، ولهذا قُلْنا لمَن وَجَد مالَه قبلَ قَسْمِه: إنَّه أحَقُّ به.
فإن وَجَده بعدَ قَسْمِه، لم يَأْخُذْه إلَّا بثَمَنِه (1)؛ لئلَّا يُؤَدِّىَ إلى الضَّرَرِ بنَقْضِ القِسْمَةِ، أو حِرْمانِ مَن وَقَع ذلك في سَهْمِه.

1422 -

مسألة: (وله أن يُنَقِّلَ في البَدْأةِ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَه، وذلك 2 إذا دَخَل الجَيْشُ بَعَث سَرِيَّةً تُغِيرُ، وإذَا رَجَعَ بَعَث أُخْرَى، فَمَا أتَتْ به أخْرَجَ خُمْسَه، وأعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَها، وقَسَم الباقِىَ لِلجَيْشِ والسَّرِيَّةِ مَعًا) النَّفَلُ: الزِّيادَةُ على السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، ومنه نَفْلُ الصَّلاةِ، وهو ما زِيدَ على الفَرْضِ، وقولُ اللَّهِ تعالى:1

..................................  ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ 1. كأنَّه سألَ اللَّهَ ولدًا، فأعْطاه ما سألَ وزادَه ولدَ الوَلَدِ، والمُرادُ بالبَدْأةِ هُنا، ابْتداءُ دُخُولِ دارِ الحَرْبِ، والرَّجْعَةِ، رُجُوعُه عنها.
والنَّفَلُ في الغَزْوِ ينْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ؛ أحدُها، هذا؛ وهو أنَّ الإمامَ أو نائِبَه إذا دَخَل دارَ الحَرْبِ غازيًا، بَعَث بينَ يدَيْه سَرِيَّةً تُغِيرُ على العَدُوِّ، ويَجْعَلُ لهم الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، فما قَدِمَتْ به السَّرِيَّةُ أخْرَجَ خُمْسَه، ثم أعْطَى السَّرِيَّةَ ما جَعَلَ لهم، وهو رُبْعُ الباقى، ثم قَسَم ما بَقِىَ في الجَيْشِ والسَّرِيَّةِ معًا.
فإذا قَفَل، بَعَث سَرِيَّة تُغِيرُ، وجَعَل لهم الثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ، فما قَدِمَتْ به السَّرِيَّةُ أخْرَجَ خُمْسَه، ثم أعْطَى السَّرِيَّةَ ثُلُثَ ما بَقِىَ، ثم قَسَم سائِرَه في الجَيْشِ والسَّريَّةِ معه.
وبهذا قال حبيبُ بنُ مَسْلَمَةَ 2، والحسنُ، والأوْزَاعِىُّ، وجماعةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّه لا نَفَلَ بعدَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولَعَلَّه احْتَجَّ بقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ 3. فخَصَّه بها، وكان ابنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ يقولان: لا نَفَلَ إلَّا مِن الخُمْسِ.
وقال الشافعىُّ: يُخْرَجُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ؛ لِما

..................................  روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ، -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث سَرِيَّةً فيها عبدُ اللَّهِ ابنُ عُمَرَ، فغَنِمُوا إبِلًا كثيرًا، فكَانت سُهْمانُهم اثْنَىْ عَشَرَ بعيرًا، ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولو أعْطاهم مِن أربعةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ التى هى لهم، لم يَكُنْ نَفَلًا، وكان من سُهْمانِهم.
ولَنا، ما روَى حبيبُ بنُ مَسْلَمَةَ الفِهْرِىُّ، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَفَّلَ الرُّبْعَ في البَدْأةِ، والثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ.
وفى لفْظٍ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، والثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ إذا قَفَل.
رَواهُما أبو داودَ 2. وعن عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ في البَدْأةِ الرُّبْعَ، وفى القُفُولِ الثُّلُثَ.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 3، وقال: حديث حسَنٌ غَريبٌ.
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللَّهِ البَجَلِىِّ، أنَّه لمّا قَدِمَ على عُمَرَ في قَوْمِه، قال له عُمَرُ: هل لكَ أن تَأْتِىَ الكُوفَةَ، ولك الثُّلُثُ بعدَ الخُمْسِ

..................................  مِن كلِّ أرضٍ وشئٍ؟.
فأمَّا قولُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، فإنَّ مَكْحُولًا قال له حينَ قال: لا نَفَلَ بعدَ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وذكرَ له حديثَ حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ: شَغلَك أكْلُ الزَّبِيبِ بالطَّائِفِ.
وما ثَبَت للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثَبَت للأئِمَّةِ بعدَه، ما لم يَقُمْ على تخْصِيصِه به دَلِيلٌ.
وأمَّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فهو حُجَّةٌ عليهم، فإنَّ بعيرًا علِى اثْنَىْ عَشَرَ، يَكُونُ جُزْءًا مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ، وخُمْسُ الخُمْسِ جزءٌ مِن خَمْسَةٍ وعِشْرِين جزءًا، وجزءٌ مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ أكثرُ، فلا يُتَصَوَّرُ أخْذُ الشئِ مِن أقلَّ منه، فيَتَعَيَّنُ أن يَكُونَ مِن غيرِه، أَوْ أنَّ النَّفَلَ كان للسَّرِيَّةِ دُونَ سائِرِ الجَيْشِ.
على أنَّ ما رَوَيْناه صَرِيحٌ في الحُكْمِ، ولا يُعارَضُ بشئٍ مُسْتَنبطٍ، يَحْتَمِلُ غيرَ ما حَمَلَه عليه مَن اسْتَنْبَطَه.
إذا ثَبَت هذا، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّهم إنَّما يَسْتَحِقُّونَ هذا بالشَّرْطِ السّابِقِ، فإن لم يَكُنْ شَرَطَه لهم فلا.
قِيلَ له: أليس قد نَفَّلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في البَدْأةَ الرُّبْعَ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ؟ قال: نعم، ذاك إذا نَفَّلَ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ فيه.
فعلى هذا، إن رَأَى الإِمامُ أن لا يُنَفِّلَهم، فله ذلك، وإن رَأى أن يُنَفِّلَهم دُونَ الثُّلُثِ والرُّبْعِ، فله ذلك؛ لأنَّه إذا جازَ تَرْكُ النَّفَلِ كلِّه، جازَ تَرْكُ البعضِ.
ولا يجوزُ أن يُنَفِّلَ أكثرَ مِن الثُّلُثِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا قولُ مَكْحُولٍ، والأوْزَاعِىِّ، وجُمْهورِ العُلَماءِ.
وقال الشافعىُّ: لا حَدَّ للنَّفَلِ، بل هو مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نفَّلَ مَرَّةً الثُّلُثَ، ومَرَّةً الرُّبْعَ.
وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ نَفَّلَ نِصْف

..................................  السُّدْسِ.
فهذا يدُلُّ على أنَّه ليس للنَّفَلِ حَدٌّ لا يتجاوزُه الإِمامُ، فيَنْبَغِى أن يَكُونَ مَوْكُولًا إلى اجْتِهادِه.
ولَنا، أنَ نَفَلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْتَهى إلى الثُّلُثِ، فيَنْبَغِى أن لا يتَجاوزَه، وما ذَكَرَه الشافعىُّ يَدُلُّ على أنَّه ليس لأقَلِّ النَّفَلِ حَدٌّ، وأنَّه يجوزُ أنْ يُنَفِّلَ أقَلَّ مِن الثُّلُثِ والرُّبْعِ، ونحن نقولُ به، على أن هذا القولَ مع قوْلِه: إنَّ النَّفَلَ مِن خُمْسِ الخُمْسِ.
تناقُضٌ.
فإن شَرَطَ لهم الإِمامُ زِيادَةً على الثُّلُثِ، رُدُّوا إليه.
وقال الأوْزَاعِىُّ: لا يَنْبَغِى أن يَشْتَرِطَ النِّصْفَ، فإن زادَهم على ذلك، فلْيَفِ لهم به، ويَجْعَلْ ذلك مِن الخُمْسِ.
وإنَّما زِيدَ في الرَّجْعَةِ على البَدْأةِ في النَّفَلِ؛ لمَشَقَّتِها، فإنَّ الجَيْشَ في البَدْأةِ رِدْءٌ للسَّرِيَّةِ، تابعٌ لها، والعَدُوُّ خائِفٌ، ورُبَّما كان غارًّا، وفى الرَّجْعَةِ لا رِدْءَ للسَّرِيَّةِ؛ لأنَّ الجَيْشَ مُنْصَرِفٌ عنهم، والعَدُوَّ مُسْتَيْقِظٌ كَلِبٌ.
قال أحمدُ: في البَدْأةِ إذا كان ذاهِبًا الرُّبْعُ، وفى القَفْلَةِ إذا كان في الرُّجُوعِ الثُّلُثُ؛ لأنَّهم يشْتاقُون إلى أهليهم، فهذا أكثرُ.
القسمُ الثَّانِى، أن يُنَفِّلَ الإِمامُ بعضَ الجَيْشِ؛ لغَنائِه وبَأْسِه وبَلائِه، أو لمَكْروهٍ تحمَّلَه دُونَ سائِرِ الجَيْشِ.
قال أحمدُ، في الرجلِ يأمرُه الأمِيرُ يَكُونُ طَليعةً، أو عندَه، يدفعُ إليه رأسًا مِن السَّبْى أو دابَّةً، قال: إذا كان رجلٌ له غَناءٌ، أو يُقاتِلُ، فلا بَأْسَ، ذلك أنْفَعُ لهم، يُحَرَّضُ هو وغيرُه، ويُقاتِلُونَ ويَغْنَمُون.
وقال: إذا نَفَّذَ الإِمامُ صَبِيحَةَ المَغارِ الخيلَ،

..................................  فيُصِيبُ بعضُهم، وبعضُهم لا يَأْتِى بشئٍ، فللْوالِى أن يَخُصَّ بعضَ هؤلاء الذين جاءُوا بشئٍ دُونَ هؤلاء.
وظاهِرُ هذا، أنَّ له إعْطاءَ مَن هذا حالُه مِن غيرِ شَرْطٍ.
وحُجَّةُ هذا حديثُ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنَّه قال: أغارَ عبدُ الرحمنِ بنُ عُيَيْنَةَ على إبِلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاتَّبَعْتُهم، فذَكَرَ الحديثَ، فأعْطَانِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَهْمَ الفارِسِ والرّاجلِ.
رَواه مسلمٌ 1. وعنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّرَ أبا بكرٍ، قال: فبَيَّتْنا عَدُوَّنا، فقَتَلْت ليْلَتَئِذٍ تِسْعَةَ أهْلِ أبْياتٍ، وأخذْتُ منهم امرأةً، فنَفَّلَنِيها أبو بكرٍ، فلمّا قَدِمْتُ المدينةَ، اسْتَوْهَبَنِيها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَهَبْتُها له.
رَواه مسلمٌ 2. القسمُ الثالثُ، أن يَقُولَ الأميرُ: مَن طَلَع هذا الحِصْنَ -أو- هَدَم هذا السُّورَ -أو- نَقَب هذا النَّقْبَ -أو- فَعَل كذا، فله كذا.
أو:

..................................  مَن جاء بأسِيرٍ فله كذا.
فهذا جائِزٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهم الثَّوْرِىُّ.
قال أحمدُ: إذا قال: من جاءَ بعَشْرِ دَوابَّ -أو- بَقَرٍ -أو- غَنَمٍ، فلَه واحِدٌ.
فمَن جاءَ بخَمْسةٍ أعْطاه نِصْفَ ما قالَ لهم، ومَن جاءَ بشئٍ أعْطاه بقَدْرِه.
قيل له: إذا [قال: مَن جاءَ] 1 بعِلْجٍ، فله كذا وكذا.
فجاءَ بعِلْجٍ، يَطِيبُ له ما يُعْطَى؟ قال: نعم.
وكَرِهَ مالكٌ هذا القَسْمَ، ولم يَرَه، وقال: قِتالُهم على هذا الوَجْهِ إنَّما هو للدُّنْيا.
وقال هو وأصْحابُه: لا نَفَلَ إلَّا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ.
وقال مالكٌ: ولم يَقُلْ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» 2. إلَّا بعدَ أن بَرَد القِتالُ.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن حديثِ حَبيبٍ، وعُبادَةَ، وما شَرَطَه عُمَرُ لجَرِيرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
ولأنَّ فيه تَحْرِيضًا على القِتالِ، فجازَ، كاسْتِحْقاقِ الغَنِيمَةِ، وزِيادَةِ السَّهْمِ للفارسِ، واسْتِحْقاقِ السَّلَبِ، وما ذَكَرَه يَبْطُلُ بهذه المسائِلِ.
وقولُه: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما جَعَلَ السَّلَبَ للقاتِلِ بعدَ أن بَرَد القِتالُ.
قُلْنا: قولُه ذلك ثابِتُ الحُكْمِ فيما يأْتِى مِن الغَزَواتِ بعدَ قولِه، فهو بالنِّسْبَةِ إليها كالمَشْرُوطِ في أوَّلِ الغَزاةِ.
قال القاضى: لا يَجُوزُ هذا إلَّا إذا كان فيه مَصْلَحَةٌ للمسلمين، فإن لم تَكُنْ فيه فائِدَةٌ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إنَّما يَخْرُجُ على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، فاعْتُبِرَتِ الحاجَةُ فيه، كأُجْرَةِ الحَمّالِ والحافظِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ النَّفَلَ لا يخْتَصُّ بنَوْعٍ مِن المالِ.
وذَكَر الخَلَّالُ أنَّه

..................................  لا نَفَلَ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ القاتِلَ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا منها، فكذلك غيرُه.
ولَنا، حديثُ حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ، وعُبادَةَ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل لهم الثُّلُثَ والرُّبْعَ، وهو عامٌّ في كلِّ ما غَنِمُوه، ولأنَّه نَوْعُ مالٍ، فجازَ النَّفَلُ فيه، كسائِرِ الأمْوالِ.
وأمّا القاتِلُ، فإنَّما نُفِّلَ السَّلَبَ، وليستِ الدَّراهمُ والدَّنانِيرُ مِن السَّلَبِ، فلم يَسْتَحِقَّ غيرَ ما جُعِلَ له.
فصل: نَقَل أبو داودَ، عن أحمدَ، أنَّه قال له: إذا قالَ: مَن رَجَع إلى السّاقَةِ فله دينارٌ.
والرجلُ يَعْمَلُ في سِياقَةِ الغَنَمِ؟ قال: لم يَزَلْ أهْلُ الشَّامِ يفعلُون هذا، وقد يكونُ في رُجُوعِهم إلى السّاقَةِ وسِياقَةِ الغَنَمِ مَنْفَعَةٌ.
قيلَ له: فإنْ أغارَ على قَرْيَةٍ فنَزَلَ فيها، والسَّبْىُ والدَّوابُّ والخُرْثِىُّ 1 معهم في القريةِ، ويمْنَعُ الناسَ مِن جَمْعِه الكَسَلُ، لا يخافُون عليه العَدُوَّ، فيَقُولُ الإِمامُ: مَن جاءَ بعَشَرَةِ أثْوابٍ فله ثَوْبٌ، ومَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوسٍ فله رأْسٌ؟ قال: أرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ.
قيلَ له: فإن قال 2: مَن جاءَ بعِدْلٍ مِن دَقِيقِ الرُّومِ فلَهُ دِينارٌ.
يُرِيدُه لطَعامِ السَّبْى، ما تَرَى في أخْذِ الدِّينارِ؟ فما رَأى به بأْسًا.
قيل: فالإِمامُ يُخْرِجُ السَّرِيَّةَ وقد نَفَّلَهم جميعًا، فلمّا كان يَوْمُ المَغارِ نادَى: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوسٍ فله رأْسٌ، ومَن جاءَ بكذا فله كذا.
فذَهَبَ النّاسُ فطَلَبُوا، فما تَرَى في هذا النَّفَلِ؟ قال: لا بَأْسَ به إذا كان يُحَرِّضُهم على ذلك، ما

..................................  لم يسْتَغْرِقِ الثُّلُثَ.
قلتُ: لا بأْسَ بنَفَلَيْن في شئٍ واحدٍ؟ قال: نعم، ما لم يَسْتَغْرِقِ الثُّلُثَ.
سَمِعْتُه غيرَ مَرَّةٍ يقولُ ذلك.
فصل: قال أحمدُ: والنَّفَلُ مِن أرْبعةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ.
هذا قولُ أنَسِ ابنِ مالكٍ، وفُقَهاءِ الشامِ؛ منهم رجاءُ بنُ حَيْوَةَ 1، وعُبادَةُ بنُ نُسَىٍّ، وعَدِىُّ بنُ عَدِىٍّ 2، ومَكْحُولٌ، والقاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، ويزيدُ بنُ أبى مالكٍ 3، ويحيى بنُ جابِرٍ 4، والأوْزَاعِىُّ.
وبه قال إسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
قال أبو عُبَيْدٍ: والناسُ اليومَ على هذا.
قال أحمدُ: وكان سعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، ومالكُ بنُ أنَسٍ، يقولان: لا نَفَلَ إلَّا مِن الخُمْسِ.
فكيفَ خَفِىَ عنهما هذا مع عِلْمِهِما؟، قالَ النَّخَعِىُّ، وطائِفَةٌ: إن شاءَ الإِمامُ نَفَّلَهم قبلَ الخُمْسِ، وإنْ شاءَ بعدَه.
وقال أبو ثَوْرٍ: إنَّما النَّفَلُ قبلَ الخُمْسِ.
واحْتَجَّ مَن ذهَب إلى هذا بحدِيثِ ابنِ عُمَرَ الذى أوْرَدْناه.
ولَنا، ما روَى مَعْنُ بنُ يَزِيدَ السُّلَمِىُّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الخُمْسِ».
رَواه أبو داودَ 5، وابنُ عبدِ البَرِّ.

..................................  وهذا صريحٌ.
وحديثُ حَبِيبِ بنِ 1 مَسْلَمَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، والثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ.
وحدِيثُ جَرِيرٍ حينَ قال له عُمَرُ: لك الثُّلُثُ بعدَ الخُمْسِ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَفَّلَ الثُّلُثَ، ولا يُتَصَوَّرُ إخْراجُه مِن الخُمْسِ.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 2. يَقْتَضِى أن يَكُونَ الخُمْسُ خارجًا مِن الغَنِيمَةِ كلِّها.
وأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقد رَواه شُعَيْبٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: بَعَثَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ، وابْتَعَثْتُ 3 السَّرِيَّةً مِن الجَيْشِ، فكان سُهْمانُ الجيشِ اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، ونَفَلُ أهلِ السَّرِيَّةِ بعيرًا بعيرًا، فكانتْ سُهْمانُهم ثَلاثَةَ عَشَرَ بعيرًا 4. فهذا يُمْكِنُ أن يَكُونَ نَفَّلَهم مِن أرْبَعَةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الجَيْشِ، كما يُنَفِّلُ 5 السَّرايَا.
ويتَعَيَّنُ حَمْلُ هذا الخَبَرِ على هذا؛ لأنَّه لو أعْطَى جميعَ الجَيْشِ، لم يَكُنْ ذلك نَفَلًا، وكان قد قَسَمَ لهم أكثرَ مِن أرْبَعةِ الأخْماسِ، وهو خلافُ الآيَةِ والأخْبارِ.
فصل: وكلامُ أحمدَ في أنَّ النَّفَلَ مِن أرْبَعةِ الأخْماسِ عامٌّ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ فيه، ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْن مِن النَّفَلِ.
فأمَّا

..................................  القِسْمُ الثالِثُ، وهو أن يَقُولَ: مَن جاءَ بشئٍ فلَه كذا.
أو: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوس فلَه رأْسٌ منها.
فَيَحْتَمِلُ أن يَسْتَحِقَّ ذلك مِن الغَنِيمَةِ كلِّها؛ لأنَّه يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الجُعْلِ، فأشْبَهَ السَّلَبَ، فإنَّه غيرُ مَخْمُوس.
ويَحْتَمِلُ في القسمِ الثانى، وهو زِيادَةُ بعضِ الغانِمين على سَهْمِه، أن يَكُونَ مِن خُمْسِ الخُمْسِ المُعَدِّ للمَصالِحِ؛ لأنَّ عَطيَّةَ هذا مِن المَصالِحِ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ عَطِيَّةَ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ سَهْمَ الفارسِ زِيادَةً على سَهْمِه، إنَّما كان مِن أرْبعةِ الأخْماسِ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: ويَرُدُّ مَن نُفِّلَ على مَن معه في السَّرِيَّةِ، إذْ بقُوَّتِهم صارَ إليه.
ومعْناه: إذا بَعَث سَرِيَّةً ونَفَّلَها الثُّلُثَ أو الرُّبْعَ، فخَصَّ به بعضَهم، أو جاءَ بعضُهم بشئٍ فنفَّلَه، ولم يأْتِ بعضُهم بشئٍ فلم يُنَفِّلْه، شارَكَ مَن نُفِّلَ مَن لم يُنَفَّلْ.
وقد نَصَّ أحمدُ على هذا؛ لأنَّ هؤلاء إنَّما أخَذُوا بقُوَّةِ هؤلاء، ولأنَّهم اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ على وَجْهِ الإشاعَةِ بينَهم بالشَّرْطِ السّابقِ، فلم يخْتَصَّ واحِدٌ منهم، كالغَنِيمَةِ.
فأمَّا النَّفَلُ في القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْن، مثلَ أن يَخُصَّ بعضَ الجيش بنَفَلٍ؛ لغَنائِه، أو لجَعْلِه له، كقَوْلِه: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوس فله رأسٌ.
فجاءَ واحِدٌ بعَشَرَةٍ دُونَ سائِرِ الجَيْشِ، فيَخْتَصُّ بنَفَلِه دُونَ غيره؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا خَصَّ مَن قَتَل بسَلَبِ قَتِيلِه اخْتَصَّ به 1، ولمّا خَصَّ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ بسَهْمِ الفارسِ والرّاجِلِ اخْتَصَّ به 2. ولذلك اخْتَصَّ بالمرأةِ التى نَفَّلَها إيّاه

فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ، وَالنُّصْحُ لَهُ، وَالصَّبْرُ مَعَهُ.
وَلَا يَجُوزُ لأَحَدٍ أنْ يَتَعَلَّفَ، وَلَا يَحْتَطِبَ، وَلَا يُبَارِزَ، وَلَا يَخْرُجَ مِنَ الْمُعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا، إِلَّا بِإِذْنِهِ.
أبو بكرٍ دُونَ النّاسِ (1)، ولأن هذا جُعِلَ تحْرِيضًا على القِتالِ، وَحَثًّا على فِعْلِ ما يَحْتاجُ المُسْلِمُون إليه؛ لتَحَمُّلِ فاعِلِه كُلْفَةَ فِعْلِه، رَغْبَةً فيما جُعِلَ له، فلو لم يَخْتَصَّ به فاعِلُه، ما خَاطَرَ أحدٌ بنَفْسِه فيه، ولا حصَلَتْ مَصْلَحَةُ النَّفَلِ، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ الفاعِلُ لذلك بنَفَلِه، كثَوابِ الآخِرَةِ.

فصل

: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ويَلْزَمُ الجَيْشَ طاعَةُ الأميرِ، والنُّصْحُ له، والصَّبْرُ معه) لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (2). وقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أطَاعَنِى فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أطَاعِ أمِيرِى فَقَدْ أطَاعَنِى، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أمِيرى فقَدْ عَصَانِى».
رَواه النَّسائِىُّ (3). 1423 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يَتَعَلَّفَ، ولا يَحْتَطِبَ، ولا يُبارِزَ، ولا يَخْرُجَ مِن المُعَسْكَرِ، ولا يُحْدِثَ حَدَثًا، إلَّا بِإذنِ الأمِيرِ)

123

..................................  يَعْنِى لا يَخْرُجُ لتَعَلُّفٍ، وهو تَحْصِيلُ العَلَفِ، ولا احْتِطابٍ، ولا غيرِه، إلَّا بإذْنِ الأمِيرِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ 1. ولأنَّ الأمِيرَ أعْرَفُ بحالِ الناسِ، وحالِ العَدُوِّ، ومَكامِنِهم، وقُرْبِهم، وبُعْدِهم، فإذا خَرَج أحَدٌ بغيرِ إذْنِه، لم يَأْمَنْ أن يُصادِفَ كَمِينًا للعَدُوِّ، أو طَلِيعَةً لهم، فيَأْخُذُوه، أو يَرْحَلَ الأميرُ ويَدَعَه فيَهْلِكَ، فإذا كان بإذْنِ الأمِيرِ، لم يأْذَنْ لهم إلَّا إلى مَكانٍ آمِنٍ، ورُبَّما يَبْعَث معهم مِن الجيشِ مَن يَحْرُسُهم.
فصل: فأمَّا المُبارَزَةُ، فتجُوزُ بإذْنِ الأميرِ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا الحَسَنَ، فإنَّه كَرِهَها.
ولَنا، أنَّ حَمْزَةَ وعَلِيًّا وعُبَيْدَةَ بنَ الحارِثِ بارَزُوا يومَ بَدْرٍ بإِذْنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 2. وبارَزَ علىٌّ عَمْرَو بنَ عَبْدِ وُدٍّ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ 3. وبارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ.
وقيل: بارَزَه محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ 4. وبارَزَ البَراءُ بنُ مالكٍ مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ 5 فَقَتَلَه، وأخَذَ سَلَبَه، = 416، 467، 471، 511.

..................................  فبَلَغَ ثَلاثينَ ألفًا 1. ورُوِىَ عنه أنَّه قال: قَتَلْتُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَئِيسًا مِن المُشْرِكِين مُبارَزَةً، سِوَى مَن شارَكْتُ فيه 2. ولم يَزَلْ أصحابُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُبارِزُون في عَصْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومِن بعدِه، لم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، وكان أبوِ ذَرٍّ يُقْسِمُ أنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ 3. نَزَلَتْ في الذين تَبارَزُوا يومَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ وعَلِىٌّ وعُبَيْدَةُ، بارَزُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بنَ عُتْبَةَ.
رَواه البخارىُّ 4. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَنْبَغِى أن يُسْتَأْذَنَ الأمِيرُ في المُبارَزَةِ إذا أمْكَنَ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ.
ورَخَّصَ فيها مالِكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ أبا قَتادَةَ، قال: بارَزْتُ رَجُلًا يومَ حُنَيْنٍ وقَتَلْتُه 5. ولم يُعْلَمْ أنَّه اسْتَأْذَنَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكذلك أكثرُ مَن حَكَيْنا عنهم المُبارَزَةَ، لم نَعْلَمْ منهم اسْتِئْذانًا.
ولَنا، أنَّ الإِمامَ أعْلَمُ بفُرْسانِه وفُرْسانِ عَدُوِّه، ومَتى بَرَزَ الإِنْسانُ إلى مَن لا يُطِيقُه، كان مُعَرِّضًا نفْسَه للهَلاكِ، فيَكْسِرُ 6 قلوبَ المُسْلِمِين،

فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ إِلَى الْبِرَازِ، اسْتُحِبَّ، لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ اْلأَمِيرِ.
فيَنْبَغِى أن يُفَوَّضَ ذلك إلى الإِمامِ، ليَخْتَارَ للمُبارَزَةِ مَن يَرْضاهُ لها، فيَكُونَ أقْرَبَ إلى الظَّفَرِ، وجَبْرِ قُلوبِ المُسْلِمِين، وكَسْرِ قُلوبِ الكافِرِين.
فإن قيل: فقد أبَحْتُم له أن ينْغَمِسَ في الكُفّارِ، وهو سَبَبُ قَتْلِه.
قُلْنا: إذا كان مُبارِزًا تعَلَّقَتْ قُلوبُ الجَيْشِ به، وارْتَقَبُوا ظَفَرَهُ، فإنْ ظَفِرَ جَبَرَ قُلُوبَهم وسَرَّهم، وكَسَرَ قُلُوبَ الكافِرِين، وإن قُتِلَ كان بالعكسِ، والمُنْغَمِسُ يطْلُبُ الشَّهادَةَ، لا يُتَرَقَّبُ منه ظَفَرٌ، ولا مُقاوَمةٌ، فافْتَرَقا.
وأمَّا مُبارَزَةُ أبى قَتادَةَ، فغَيْرُ لازِمَةٍ، فإنَّها كانتْ بعدَ الْتِحامِ الحَرْبِ، رَأى رَجُلًا يُرِيدُ أن يَقْتُلَ مُسْلِمًا، فضَرَبَه أبو قتادَةَ، فالْتَفَتَ إلى أبى قَتادَةَ، فضَمَّه ضَمَّةً كاد يَقْتُلُه.
وليس هذا هو المُبارَزَةَ المُخْتَلَفَ فيها، بل المبارَزَةُ المُخْتَلَفُ فيها أنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بينَ الصَّفَّيْن قبلَ الْتِحامِ الحَرْبِ، يدْعُو إلى المُبارَزَةِ، فهذا هو الذى يَتَعَيَّنُ له إذْنُ الإِمامِ؛ لأنَّ أعْيُنَ الطَّائِفَتَيْن تَمْتَدُّ إليهما، وقُلُوبَ الفَرِيقَيْن تَتَعَلَّقُ بهما، بخِلافِ غيرِ ذلك.

1424 -

مسألة: (فإن دَعا كافرٌ إلى البِرازِ، اسْتُحِبَّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإِذْنِ الأمِيرِ)

المُبارَزَةُ تَنْقَسِمُ ثلَاثَةَ

..................................  أقْسامٍ؛ مُسْتَحَبَّةٌ، ومُباحَةٌ، ومَكْرُوهَةٌ، فالمُسْتَحَبَّةُ؛ إذا خَرَج كافِرٌ يَطْلُبُ البِرازَ، فيُسْتَحَبُّ لمَن يعْلَمُ مِن نفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأنَّ فيه رَدًّا عن المُسْلِمِين، وإظْهارًا لقُوَّتِهم.
والمُباحَةُ؛ أن يَبْتَدِئَ الرَّجلُ الشُّجاعُ فيَطْلُبَها، فتُباحُ، ولا تُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليها، ولا يُؤْمَنُ أن يُغْلَبَ، فيَكْسِرَ قُلُوبَ المُسْلِمِين، إلَّا أنَّه لمّا كان شُجاعًا واثِقًا مِن نفْسِه، أُبِيحَتْ له؛ لأنَّه بحُكْمِ الظّاهِرِ غالِبٌ.
والمَكْرُوهَةُ؛ أن يَبْرُزَ الضَّعِيفُ المُنَّةِ 1، الذى لا يَثِقُ مِن نفْسِه، فتُكْرَهُ له المُبارَزَةُ؛ لِما فيه مِن كَسْرِ قُلُوبِ المُسْلِمِين بقَتْلِه ظاهِرًا.

فَإنْ شَرَطَ الْكَافِرُ أَنْ لا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ الْخَارِجِ إِلَيْهِ، فَلَهُ شَرْطُهُ، فَإنِ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ، أوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ، جَازَ الدَّفْعُ عَنْهُ،

1425 - مسألة: (فإن شَرَطَ الكافِرُ أن لا يُقاتِلَه غيرُ الخارِجِ إليه، فلَه شَرْطُه)

إذا خَرَج كافِرٌ يَطْلُبُ البِرازَ، فشَرَطَ أن لا يُعِينَ الذى يُبارِزُه غيرُه، فله شَرْطُه؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (1). ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (2). ويجُوزُ رَمْيُه وقَتْلُه قبلَ المُبارَزَةِ؛ لأنَّه كافِرٌ لا عَهْدَ له ولا أمانَ، فأُبِيحَ قَتْلُه كغَيْرِه، إلَّا أن تَكُونَ العادَةُ جارِيَةً بينَهم أن مَن خَرَج يطْلُبُ المُبارَزَة لا يُعْرَضُ له، فيَجْرِى ذلك مَجْرَى الشَّرْطِ.
1426 -

مسألة: (فَإنِ انْهَزَمَ المُسْلِمُ، أو أُثْخِنَ بالجِراحِ، جازَ الدَّفْعُ عنه)

إذا انهَزَمَ المُسْلِمُ تارِكًا للقِتالِ، أو مُثْخَنًا بالجِراحِ، جازَ لكُلِّ أحَدٍ قِتالُ الكافِرِ؛ لأن المُسْلِمَ إذا صارَ إلى هذه الحالِ، فقد انْقَضَى قِتالُه، والأمانُ إنَّما كان حالَ القِتالِ، وقد زالَ.
وإن كان المُسْلِمُ شَرَط12

..................................  عليه أن لا يُقاتِلَ حتى يَرْجِعَ إلى صَفِّه، وَفَّى له بالشَّرْطِ، إلَّا أن يَتْرُكَ قِتالَه، أو يُثْخِنَه بالجِراحِ، فيَتْبَعَه ليَقْتُلَه أو يُجْهِزَ عليه، فيَجُوزُ أن يَحُولُوا بينَه وبينَه، وإن قاتَلَهم قاتَلُوه، لأنَّه إذا مَنَعهم إنْقاذَه فقد نَقَض أمانَه، وإن أعانَ الكُفّارُ صاحِبَهم، فعلى المُسْلِمِين أن يُعِينُوا صاحِبَهم، ويُقاتِلُوا مَن أعانَ عليه، ولا يُقاتِلُون المُبارِزَ، لأنَّه ليس بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فإن كان قد اسْتَنْجَدَهم، أو عُلِمَ منه الرِّضا بفِعْلِهم، انْتَقَضَ أمانُه، وجازَ قَتْلُه.
وذَكَر الأوْزَاعِىُّ، أنَّه ليس للمُسْلِمِين مُعاوَنَةُ صاحِبِهم، وإن أُثْخِنَ بالجِراحِ.
قيل له: فخافَ المُسْلِمُون على صاحِبِهم؟ قال: وإن؛ لأنَّ المُبارَزَةَ إنَّما تَكُونُ هكذا، ولكنْ لو حَجَزُوا بينَهما، وخَلَّوْا سَبِيلَ العِلْجِ.
قال: فإن عان العَدُوُّ صاحِبَهم، فلا بَأْسَ أن يُعِينَ المسلمون صاحِبَهم.
ولَنا، أنَّ حَمْزَةَ وعَلِيًّا أعانا عُبَيْدَةَ بنَ الحارِثِ على قَتْلِ شَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، حين أُثْخِنَ عُبَيْدَةُ.
فصل: وتجُوزُ الخُدْعَةُ في الحَرْبِ، للمُبارِزِ وغيرِه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» 1. وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ورُوِىَ أنَّ عَمْرَو بنَ عَبْدِ وُدٍّ لمّا بارَزَ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال علىٌّ: ما بَرَزْتُ لأُقاتِلَ

وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ، فَلَهُ سَلَبُهُ،  اثْنَيْن.
فالْتَفَتَ عَمْرٌو، فوَثَبَ عليه فضَرَبَه، فقال عَمْرٌو: خَدَعْتَنِى.
فقال: الحَرْبُ خُدْعَةٌ.
فصل: قال أحمدُ: وإذا غَزَوْا في البَحْرِ، فأرادَ رجلٌ أن يُقِيمَ بالسّاحِلِ، يَسْتأْذِنُ الوالِىَ الذى هو على جميعِ المَراكِبِ، ولا يَكْفِيه أن يَسْتأْذِنَ الوالِىَ الذى في مَرْكَبِه.

1427 -

مسألة: (وإن قَتَلَه المُسْلِمُ، فله سَلَبُه)

أمَّا اسْتِحْقاقُ سَلَبِ القَتِيلِ في الجملةِ، فلا نعلمُ فيه خِلافًا، وقد دَلَّ عليه قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
رَواه جماعةٌ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، منهم أنَسٌ، وسَمُرَةُ بنُ جُنْدُبٍ، وغيرُهما 1. وروَى أبو قتادَةَ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ حُنَيْنٍ، فلمّا التَقَيْنا، رأيتُ رجُلًا مِن المُشْرِكِينَ قد عَلَا رجُلًا مِن المُسْلِمِين، فاسْتَدَرْتُ له حتى أتَيْتُه مِن وَرائِه، فضَرَبْتُه بالسُّيْفِ على حَبْلِ عاتِقهِ ضَرْبةً، فأدْرَكَه الموتُ، ثم إنَّ النّاسَ رجَعُوا، وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ».
قال: فقُمْتُ فقُلْتُ: مَن يشْهَدُ لى؟ فقال لى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:

..................................  «ما لَكَ يا أبا قَتادَةَ؟».
فاقْتَصَصْتُ عليه القِصَّةَ، فقال رجلٌ مِن القَوْمِ: صَدَق يا رسولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذلك القتيلِ عندِى، فأرْضِه منه، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: لا هَا اللَّهِ 1، إذًا يَعْمِدُ 2 إلى أسَدٍ مِن أُسْدِ اللَّهِ، يُقاتِلُ عن اللَّهِ وعن رسول اللَّهِ، يُعْطِيكَ سَلَبَه.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَ، فَأَسْلِمْهُ إلَيْهِ».
قال: فأعْطانِيه.
مُتَّفَقٌ عليه 3. وعن أنَسٍ، قال: قال

وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ غَيْرَ مَخْمُوسٍ، إِذَا قَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ مُنْهَمِكًا عَلَى الْقِتَالِ، غَيْرَ مُثْخَنٍ، وغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فِى قَتْلِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مِنْ شُرِط لَهُ.
رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ حُنَيْن: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
فقَتَلَ أبو طَلْحَةَ يومَئِذٍ عِشرين رجلًا، فأخَذَ أسْلابَهم.
رَواه أبو داودَ 1.

1428 -

مسألة: (وكلُّ مَن قَتَلَ قَتِيلًا، فله سَلَبُهُ غيرَ مَخْمُوسٍ، إذا قَتَلَه حالَ الحَرْبِ مُنْهَمِكًا على القِتالِ، غيرَ مُثْخَنٍ، وغَرَّرَ بنَفْسِه في قَتْلِه.
وعنه، لا يَسْتَحِقُّه إلَّا مَن شُرِط له)

الكلامُ في هذه المَسْألةِ في فُصولٍ؛ أحَدُها، في أنَّ القاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، وقد ذَكَرْناه.
= 65. والترمذى، في: باب ما جاء من قتل قتيلا فله سلبه، من أبواب السير.
عارضة الأحوذى 7/ 57. وابن ماجه، في: باب المبارزة والسلب، من كتاب الجهاد.
سنن ابن ماجه 2/ 947. والدارمى، في: باب من قتل قتيلا فله سلبه، من كتاب السير.
سنن الدارمى 2/ 229. والإمام مالك، في: باب ما جاء في السلب، من كتاب الجهاد.
الموطأ 2/ 454، 455. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 114، 123، 190، 279، 2/ 15، 295، 306.

..................................  الثانى، أنَّ السَّلَبَ لكلِّ قاتِلٍ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ أو الرَّضْخَ، كالعَبْدِ، والمرأةِ، والصبىِّ، والمُشْرِكِ.
وقال ابنُ أبى موسى: مَن بارَزَ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ.
ذَكَرَه في «الإِرْشَادِ».
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّ العبدَ إذا بارَزَ بإذْنِ مَوْلاه، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ، ويُرْضَخُ له منه.
وللشافعىِّ في مَن لا سهمَ له قَوْلان؛ أحدُهما، لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ؛ لأنَّ السَّهْمَ آكَدُ منه، للإِجْماعِ عليه، فإذا لم يسْتَحِقَّه، فالسَّلَبُ أوْلَى.
ولَنا، عُمُومُ الخبرِ، ولأنَّه قاتِلٌ مِن أهْلِ الغَنِيمَةِ، فاسْتَحَقَّ السَّلَبَ، كذِى السَّهْمِ، ولأنَّ الأمِيرَ لو جَعَل جُعْلًا لمَن صَنَع 1 شيْئًا فيه نفْعٌ للمُسْلِمِين، لاسْتَحَقَّه فاعِلُه مِن هؤلاء، فالذى جَعَلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
وفارَقَ السهمَ؛ لأنَّه عُلِّقَ على المَظِنَّةِ، ولهذا يُسْتَحَقُّ بالحُضُورِ، ويَسْتَوِى فيه الفاعِلُ وغيرُه، والسَّلَبُ يُسْتَحَقُّ بحَقِيقَةِ الفِعْلِ، وقد وُجِدَ منه ذلك، فاسْتَحَقَّه، كالمَجْعُولِ له جُعْلًا على فِعْلٍ إذا فَعَلَه.
فإن كان القاتِلُ ممَّن لا يَسْتَحِقُّ سَهْمًا ولا رَضْخًا، كالمُرْجِفِ والمُخَذِّلِ والمُعِينِ على المُسْلِمِين، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ وإن قَتَل 2. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه

..................................  ليس مِن أهْلِ الجِهادِ.
وكذلك إن بارَزَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ مَوْلاه، لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ؛ لأنَّه عاصٍ.
وكذلك كلُّ عاصٍ، مثلَ مَن دَخَل بغيرِ إذْنِ الأمِيرِ.
وعن أحمدَ في مَن دَخَل بغيرِ إذْنٍ، أنَّه يُؤْخَذُ منه الخُمْسُ، وباقِيه له، كالغَنِيمَةِ.
ويُخَرَّجُ مثلُ ذلك في العَبْدِ المُبارِزِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَلَبُ قَتِيلِ العبدِ له على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما كان له فهو لسَيِّدِه، ففى حِرْمانِه حِرْمانُ سَيِّدِه، ولم يَعْصِ.
الفصلُ الثالثُ، السَّلَبُ للقاتِلِ في كُلِّ حالٍ، إلَّا أن يَنْهَزِمَ العَدُوُّ.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مَسْرُوقٌ: إذا الْتَقَى الزَّحْفان، فلا سَلَب له، إنَّما النَّفَلُ قبلُ وبعدُ.
ونحوُه قَوْلُ نافعٍ.
وكذلك قال الأوْزَاعِىُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، وأبو بَكْرِ ابنُ أبى مريمَ: السَّلَبُ للقاتِلِ، ما لم تَمْتَدَّ الصُّفُوفُ بعضُها إلى بعضٍ، فإذا كان كذلك، فلا سَلَبَ لأحَدٍ.
ولَنا، عُمُومُ قوْلِه عليه السلامُ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ».
ولأنَّ أبا قَتادَةَ إنَّما قَتَل الذى أخَذَ سَلَبَه في حالِ الْتِقاءِ الزَّحْفَيْن، ألا تَراه يَقُولُ: فلمّا الْتَقَيْنا رأيتُ رجلًا مِن المُشْرِكِين قد عَلا رَجُلًا مِن المسلمين؟ وكذلك قولُ أنَسٍ: قَتَل أبو طَلْحَةَ يومَئِذٍ عشرين رجُلًا، وأخَذَ أسْلابَهم.
وكان ذلك بعدَ الْتِقاءِ الزَّحْفيْن؛ لأنَّ هَوازِنَ لَقُوا المسلمين فَجْأةً، فألْحَمُوا الحَرْبَ قبلَ تَقَدُّمِ مُبارَزَةٍ.

..................................  الفصلُ الرابعُ، أنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بشُرُوطٍ أربعةٍ؛ أحدُها، أن يَكُونَ المَقْتُولُ مِن المُقاتِلَةِ الذين يجُوزُ قَتْلُهم، فأمَّا إن قَتَل امرأةً، أو صَبِيًّا، أو شَيْخًا فانِيًا، أو ضَعِيفًا مَهِينًا، ونحوَهم ممَّن لا يُقاتِلُ، لم يسْتَحِقَّ سَلَبَه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وإن كان أحَدُ هؤلاء يُقاتِلُ، اسْتَحَقَّ قاتِلُه سَلَبَه؛ لجَوازِ قَتْلِه، ومَن قَتَل أسِيرًا له أو لغيرِه، لم يَسْتَحِقَّ سَلَبَه؛ لذلك.
الثانى، أن يَكُونَ المَقْتُولُ فيه مَنَعَةٌ، غيرَ مُثْخنٍ بالجراحِ، فإن كان مُثْخَنًا، فليس لقاتِلِه شئٌ مِن سَلَبِه.
وبهذا قال مَكْحُولْ، وَحرِيزُ 1 بنُ عُثْمَانَ، والشافعىُّ؛ لأن مُعاذَ بنَ عمرِو بنِ الجَمُوحِ أثْبَتَ أبا جَهْلٍ، وذَفَّفَ عليه ابنُ مسعودٍ، فقَضَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسَلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، ولم يُعْطِ ابنَ مسعودٍ شيئًا 2. الثالثُ، أن يَقْتُلَه أو يُثْخِنَه بالجِراحِ، فيَجْعَلَه في حُكْمِ المَقْتُولِ، فيَسْتَحِقَّ سَلَبَه؛ لحديثِ مُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ.
الرابعُ، أن يُغرِّرَ بنَفْسِه في قَتْلِه، فإن رَماه بسَهْمٍ مِن صَفِّ المسلمين فَقَتَلَه، فلا سَلَبَ له.
قال أحمدُ: السَّلَبُ للقاتِلِ إنَّما هو في المُبارَزَةِ، لا يَكُونُ في الهَزِيمَةِ.
وإن حَمَل جَماعةٌ مِن المسلمين

..................................  على واحِدٍ فقَتَلُوه، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ؛ لأنَّهم لم يُغَرِّرُوا بأنْفُسِهم في قَتْلِه.
فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إذا قَتَلَه حالَ الحَرْب، فإنِ انْهَزَمَ الكُفّارُ كلُّهم، فأدْرَكَ إنْسانًا مُنْهَزِمًا فقَتَلَه، فلا سَلَبَ له؛ لأنَّه لم يُغَرِّرْ في قَتْلِه، وإن كانتِ الحَرْبُ قائِمَةً، فانْهَزَمَ أحَدُهم، فقَتَلَه إنْسانٌ، فله سَلَبُه؛ لأنَّ الحَرْبَ كَرٌّ وفَرٌّ، وقد قَتَل سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ طَلِيعةً للكفّارِ وهو مُنْهَزِمٌ، وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَله؟» قالوا: ابن الأكْوَعِ.
قال: «لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ» 1. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ: السَّلَبُ لكلِّ قاتلٍ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، واحْتِجاجًا بحديث سَلَمَةَ هذا.
ولَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ ذَفَّفَ على أبى جَهْلٍ، فلم يُعْطِه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَلَبَه، وأمَرَ بقَتْلِ عُقْبَةَ بنِ أبى مُعَيْطٍ، والنَّضْرِ بنِ الحارِثِ صَبْرًا، ولم يُعْطِ سَلَبَهما مَن قَتَلَهما، وقَتَل بنى قُرَيْظَةَ صَبْرًا 2، فلم يُعْطِ مَن قَتَلَهم أسْلابَهم، وإنَّما أعْطَى السَّلَبَ مَن قَتَل مُبارِزًا، أو كفَى المسلمين شَرَّه، وغَرَّرَ في قَتْلِه، والمُنْهَزِمُ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، قد كفَى المسلمين شَرَّ نَفْسِه، ولم يُغَرِّرْ قاتِلُه بنَفْسِه في قَتْلِه، فهو كالأسيرِ.
وأمَّا الذى قَتَلَه سَلَمَةُ

..................................  فكان مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ.
وكذلك مَن قُتِلَ حالَ قِيامِ الحَرْبِ، فإنَّه وإن كان مُنْهَزِمًا فهو مُتَحَيِّزٌ إلى فِئَةٍ، وراجِعٌ إلى القِتالِ، فأشْبَهَ الكارَّ، فإنَّ القِتالَ كَرٌّ وفَرٌّ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ في اسْتِحْقاقِ السَّلَبِ أن تَكُونَ المُبارَزَةُ بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأن كلَّ مَن قُضِىَ له بالسَّلَب في عَصْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليس فيهم مَن نُقِلَ إلينا أنَّه أُذِنَ له في المُبارَزَةِ، مع أنَّ عُمُومَ الخَبَرِ يقْتَضِى اسْتِحْقاقَ السَّلَبِ لكلِّ قاتلٍ، إلَّا مَن خَصَّه الدَّليلُ.
الفصلُ الخامسُ، أنَّ السَّلَبَ لا يُخَمَّسُ.
رُوِى ذلك عن سَعْدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ عباسٍ: يُخمَّسُ.
وبه فال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحُولٌ؛ لعُمُوم قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 1. وقال إسحاقُ: إنِ اسْتَكْثَرَ الإِمامُ السَّلَبَ خَمَّسَهُ، وذلك إليه؛ لِما روَى ابنُ سِيرِينَ، أنَّ البَراءَ بنَ مالكٍ بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ 2 بالبَحْرَيْن، فطَعَنَه فدَقَّ صُلْبَه، وأخَذَ سِوارَيْه وسَلَبَه، فلمّا صَلَّى عُمَرُ الظُّهْرَ، أتَى أبا طَلْحَةَ في دارِه، فقال: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وإنُّ سَلَبَ الْبَراءِ قد بَلَغ مالًا، وأنا خَامِسُه.
فكان أوَّلُ سَلَب خُمِّسَ في الإِسْلامِ سَلَبَ البَراءِ.
رَواه سعيدٌ في «السُّنَنِ» 3. وفيها أنَّ سَلَبَ البَراءِ بَلَغ ثلاثين ألفًا.
ولَنا، ما روَى

..................................  عَوْفُ بنُ مالكٍ، وخالِدُ بنُ الوليدِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في السَّلَبِ للقاتِل، ولم يُخَمِّسِ السَّلَبَ.
رَواه أبو داودَ 1. وخبرُ عُمَرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه قال: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ.
وقولُ الرَّاوِى: كان أوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ في الإِسْلامِ.
يَعْنِى أن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبا بكرٍ، وعُمَرَ صَدْرًا مِن خِلافَتِه، لم يُخَمِّسُوا سَلَبًا، واتِّباعُهم أوْلَى.
قال الجُوزْجانِىُّ: لا أظُنُّه يجُوزُ لأحَدٍ في شئٍ سَبَق فيه مِن رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- شئٌ إلَّا اتِّباعُه، ولا حُجَّةَ في قولِ أحَدٍ مع قولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما ذَكَرْناه يَصْلُحُ أن يُخصَّصَ به عُمومُ الآيةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ السَّلَبَ مِن أصْلِ الغَنِيمَةِ.
وقال مالكٌ: يُحْسَبُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى به للقاتِل مُطْلَقًا، ولم يُنْقَلْ عنه أنَّه احْتَسَب به مِن خُمْسِ الخُمْسِ، ولأنَّه لو احْتَسَبَ به مِن خُمْسِ الخُمْسِ، احْتِيجَ إلى مَعْرِفَةِ قِيمَتِه وقَدْرِه، ولم يُنْقَلْ ذلك، ولأنَّ سَبَبَه لا يفْتَقِرُ إلى اجْتهادِ الإِمامِ، فلم يَكُنْ مِن خُمْسِ الخُمْسِ، كسَهْمِ الفارسِ والرّاجِلِ.
الفصلُ السادسُ، أنَّ القاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، قال الإِمامُ ذلك أو لم يَقُلْه.
وبه قال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يسْتَحِقُّه إلَّا أن يَشْرُطَه الإِمامُ.
وكذلك قال مالكٌ.
ولم يَرَ أن يَقُولَ الإِمامُ ذلك إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ،

..................................  على ما تَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِه في النَّفَلِ، وجَعَلُوا السَّلَبَ ههُنا مِن جُمْلَةِ الأنْفالِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ مثلُ قوْلِهم.
وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لِما روَى عَوْفُ ابنُ مالكٍ، أنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُم، فقَتَلَ عِلْجًا، فأخَذَ خالدٌ بعضَ سَلَبِه، وأعْطاهُ بعضَه، فذَكَرَ ذلك لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ».
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ 1 بمعْناه بأطْوَلَ مِن هذا.
ورُوِّينا بإسْنادِهما، عن شَبْرِ بنِ عَلْقَمَةَ، قال: بارَزْتُ رجلًا يومَ القادِسِيَّةِ، فقَتَلْتُه، وأخَذْتُ سَلَبَه، فأتَيْتُ به سعدًا، فخَطَبَ سعدٌ أصحابَه، وقال: إنَّ هذا سَلَبُ شَبْرٍ، خَيْرٌ مِن اثْنَىْ عَشَرَ ألفًا، وإنَّا قد نَفَّلْناه إيَّاه 2. ولو كان حقًّا، لم يَحْتَجْ أن يُنَفِّلَه.
ولأنَّ عُمَرَ أخَذَ الخُمْسَ مِن سَلَبِ البَراءِ، ولو كان حَقًّا له، لم يَجُزْ أن يأْخُذَ منه شيئًا، ولأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَفَع سَلَبَ أبى قَتادَةَ إليه مِن غيرِ بَيِّنةٍ ولا يَمِينٍ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلبُهُ».
وهذا من قَضايا رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- المَشْهُورَةِ، التى

..................................  عَمِلَ بها الخُلفاءُ بعدَه، وأخْبارُهم التى احْتَجُّوا بها تَدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ عَوْفَ بنَ مالكٍ احْتَجَّ على خالِدٍ حينَ أخَذَ بعضَ سَلَبِ المَدَدِىِّ، فقال له عَوْفٌ: أما تَعْلَمُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بالسَّلَبِ للقاتِلِ؟ قال: بلى.
وقولُ عُمَرَ: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ.
يَدُلُّ على أنَّ هذه قَضِيَّةٌ عامَّةٌ في كل غَزْوَةٍ، وحُكمٌ مُسْتَمِرٌّ لكلِّ قاتلٍ، وإنَّما أمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خالِدًا أن لا يَرُدَّ على المَدَدِىِّ عُقوبةً، حينَ أغْضَبَهُ عَوْفٌ بتَقْرِيعِه خالِدًا بينَ يَدَيْه، وقولُه: قد أنْجَزْتُ لك ما ذَكَرْتُ لك مِن أمْرِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وأمَّا خَبَرُ شَبْرٍ، فإنَّما أنْفَذَ له سعدٌ ما قَضَى له به رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسَمَّاهْ نَفَلًا؛ لأنَّه في الحَقِيقَةِ نَفَلٌ، لأنَّه زيادةٌ على سَهْمِه.
وأمَّا أبو قَتادَةَ، فإنَّ خَصْمَه اعْتَرَفَ له به، وصدَّقَه، فجَرَى مَجْرَى البَيِّنَةِ، ولأنَّ السَّلَبَ مأْخُوذٌ مِن الغَنِيمَةِ بغيرِ تَقْدِيرِ الإِمامِ واجْتهادِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى شَرْطِه، كالسَّهْمِ 1. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ أحمدَ قال: لا يُعْجِبُنِى أن يأْخُذَ السَّلَبَ إلَّا بإذْنِ الإِمامِ.
وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ، والشافعىُّ: له أخْذُه بغيرِ إذْنٍ؛ لأنَّه اسْتَحَقَّه بجَعْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- له ذلك، ولا يَأْمَنُ إن أظْهَرَه عليه أن لا يُعْطاهُ.
ووَجْهُ قولِ أحمدَ، أنَّه فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فيه، فلم ينْفُذْ أمرُه فيه إلَّا بإذْنِ الإِمامِ، كأخْذِ سَهْمِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ هذا مِن أحمدَ على سبيلِ الاسْتِحْبابِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، لا على سَبِيلِ الإِيجابِ.
فعلى هذا، إن أخَذَه بغيرِ إذْنٍ، ترَك الفَضِيلَةَ، وله ما أخَذَه.

وَإنْ قَطَعَ أَرْبَعَتَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ لِلْقَاطِعِ، وَإِنْ قَتَلَهُ اثْنَانِ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِى: هُوَ لَهُمَا.

1429 - مسألة: (وإن قَطَع أرْبَعَتَه، وقَتَلَه آخَرُ، فسَلَبُه للقاطِعِ)

دُونَ القاتِلِ؛ لأنَّ القاطِعَ هو الذى كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه، ولأنَّ مُعاذَ بنَ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ أثْبَتَ أبا جَهْلٍ، وذَفَّفَ عليه ابنُ مسعودٍ، فقَضَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسَلَبِه لمُعاذٍ (1). 1430 -

مسألة: (وإن قَتَلَه اثْنان، فَسَلَبُه غَنِيمَةٌ)

هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإِنَّه قال، في رِوايةِ حَرْبٍ: له السَّلَبُ إذا انْفَرَدَ بقَتْلِه.
وقال القاضى: إنَّهما يشتَرِكان في سَلَبِه؛ لقَوْلِه: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ».
وهو يَتَناوَلُ الاثْنَيْن، ولأنَّهما اشْتَركا في السَّبَبِ، فاشْتَركا في السَّلَبِ.
ولَنا، أنَّ السَّلَبَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالتَّغْرِيرِ في قَتْلِه، ولا يحْصُلُ ذلك بقَتْلِ1

وَإنْ أَسَرَهُ، فَقَتَلَهُ الإِمَامُ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِى: هُوَ لِمَنْ أَسَرَهُ.
الاثْنَيْن، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه جماعةٌ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَرَّكَ بينَ اثْنَيْن في سَلَبٍ.
فإنِ اشْتَرَكَ اثْنانِ في ضَرْبِه، وكان أحَدُهما أبْلَغَ في قَتْلِه مِن الآخَرِ، فالسَّلَبُ له؛ لأنَّ مُعاذَ بنَ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، ومُعاذَ بنَ عَفْراءَ، ضَرَبا أبا جَهْلٍ، وأتَيَا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخْبَراه، فقال: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ».
وقَضَى بسَلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ.

1431 -

مسألة: (وإن أسَرَه، وقتَلَه الإِمامُ، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ)

إذا أسَرَ رَجُلًا، لم يسْتَحِق سَلَبَه، سواءٌ قَتَلَه الإِمامُ أو لم يَقْتُلْه.
وقال مَكْحُولٌ: لا يَكُونُ السَّلَبُ إلَّا لمَن أسَرَ عِلْجًا أو قَتَلَه.
وقال القاضى: إذا أسَرَ رَجُلًا، فقَتَلَه الإِمامُ صَبْرًا، فسَلَبُه لمَن أسَرَه؛ لأنَّ الأسْرَ أصْعَبُ مِن القَتْلِ، فإذا اسْتَحَقَّ سَلَبَه بالقَتْلِ، كان تَنْبِيهًا على اسْتِحْقاقِه بالأسْرِ.
قال: وإنِ اسْتَبْقاه الإِمامُ، كان له فِداؤُه، أو رقبتُه وسَلَبُه؛ لأنَّه كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه.
ولَنا، أنَّ المُسْلِمِين أسَرُوا أسْرَى يومَ بَدْرٍ، فقَتَلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عُقْبَةَ والنَّضْرَ بن الحارِثِ، واسْتَبْقَى سائِرَهم، فلم يُعْطِ مَن أسَرَهم أسْلابَهم، ولا فِداءَهم، وكان فِداؤُهم غنيمةً.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما جَعَل السَّلَبَ للقاتلِ، وليس الأسْرُ بقَتْلٍ، ولأنَّ الإِمامَ مُخَيَّرٌ في الأسْرَى، ولو كان لمَن أسَرَه، كان أمْرُه إليه دُونَ الإمامَ.

وَإنْ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ لِلْقَاتِل.

1432 - مسألة: (وإن قَطَع يَدَه ورِجْلَه، وقَتَلَه آخَرُ، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ. وقيل: هو للقاتِلِ)

إذا قَطَع يَدَه ورِجْلَه، وقَتَلَه آخرُ، فالسَّلَبُ للقاطِعِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه عَطَّلَه، فأشْبَهَ الذى قَتَلَه.
والثانى، هو غنِيمَةٌ؛ لأنَّه لم يَنْفَرِدْ أحَدُهما بقَتْلِه، ولا يَسْتَحِقُّه القاتِلُ؛ لأنَّه مُثْخَنٌ بالجِراحِ.
وقيلَ: هو للقاتِلِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ.
وكذلك إن قَطَع يَدَيْه، أو رِجْلَيْه.
وإن قَطَع إحْدَى يَدَيْه، أو إحْدَى رِجْلَيْه، ثم قَتَلَه آخرُ، احْتَمَلَ أن يَكُونَ سَلَبُه غَنِيمَةً؛ لأنَّهما اشْتَرَكا في قَتْلِه، فلم ينْفَرِدْ به أحَدُهما.
واحْتَمَلَ أنَّه للقاتلِ؛ لأنَّه قَتَل مَن لم يَكْتَفِ المُسْلِمُون شَرَّه.
وإن عانَقَ رَجُلًا، فقَتَلَه آخرُ، فالسَّلَبُ للقاتِلِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: هو للمُعانِقِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ» 1. ولأنَّه كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه، أشْبَهَ ما لو لم يُعانِقْه الآخرُ.
وكذلك لو كان الكافِرُ مُقْبِلًا على رجلٍ يُقاتِلُه، فجاءَ آخرُ من ورائِه، فضَرَبَه فقَتَلَه، فسَلَبُه لقاتِلِه، بدَلِيلِ قَضِيَّةِ 2 قتيلِ أبى قتادَةَ 3.

جارٍ التحميل