كِتابُ الجِناياتِ
الجِناياتُ كلُّ فِعْل عُدْوانٍ على نَفْسٍ أو مالٍ.
لكنَّها في العُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بما يَحْصُلُ فيه التَّعَدِّى على الأبْدانِ، وسَمَّوُا الجِناياتِ على الأمْوالِ غَصْبًا، ونَهْبًا 1، وسَرِقَة، وخِيانَةً 2، وإِتْلافًا.
وأجْمَعَ المسلمون على تَحْرِيمِ القَتْلِ بغيرِ حَقٍّ، والأَصْلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ 3. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ 4. وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ 5. الآية.
وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، قال:
..................................
قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئً مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنِّى رسولُ اللَّهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِى، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينه المُفَارِقُ 1 لِلْجَماعَةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وروَى عُثْمانُ وعائشةُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثْلَه 3. في آىٍ وأخْبارٍ كثيرةٍ.
ولا خِلافَ بينَ الأُمَّةِ فِى تَحْرِيمِه.
فإن فَعَلَه إنسانٌ مُتَعَمِّدًا، فسَقَ، وأمْرُه
..................................
إلى اللَّهِ، إن شاء عَذَّبَه، وإن شاء غَفَر له، وتَوْبَتُه مَقْبُولَةٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال ابنُ عباسٍ: لا تُقْبَلُ تَوْبَتُه 1. للآيةِ التى ذَكَرْناها، وهى 2 مِن آخِرِ ما نَزَلَ [ولم يَنْسَخْها] 3 شئٌ.
ولأَنَّ لَفْظَ الآيةِ لَفْظُ 4 الخَبَرِ، والأخبارُ لا يَدْخُلُها نسْخٌ ولا تَغْييرٌ؛ لأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعالى لا يكونُ إلَّا صِدْقًا.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 5. فجعَلَه داخِلًا في المَشِيئَةِ.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ 6. وفى الحديثِ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ رَجُلًا قَتَلَ مائَةَ رَجُلٍ 7 ظُلْمًا، ثُمَّ سَألَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ، فَسَألَهُ، فقالَ: ومَن يَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ التَّوْبَةِ، ولَكِنِ اخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السُّوءِ إلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، فاعْبُدِ اللَّه فِيهَا.
فخَرَجَ تَائِبًا، فَأدْرَكَهُ
الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ؛ عَمْدٌ، وَشِبهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِىَ مُجْرَى الْخَطَأَ.
المَوْتُ في الطَّرِيقِ، فاخْتَصَمَتْ فِيه مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاِئكَةُ العَذَابِ، فبَعَثَ اللَّه مَلَكًا، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ القَرْيَتَيْنِ، فإلَى أيِّهِمَا كان (1) أقْرَبَ، فَاجْعَلُوه مِنْ أهْلِهَا.
فوَجَدُوه أقْرَبَ إلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بشِبْرٍ، فَجَعَلُوهُ مِنْ أهْلِهَا.
أخْرَجَه مسلمٌ (2). ولأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِن الكُفْرِ، فمِن القَتْلِ أولَى.
والآية مَحْمولَةٌ على مَن (3) قَتَلَه مُسْتَحِلًّا ولم يَتُبْ، أو على أنَّ هذا جَزاؤه إن جازَاه اللَّهُ، وله العَفْوُ إن شاء.
وقولُه: لا (4) يَدْخُلُها النَّسْخُ.
قُلْنا: يَدْخُلُها التَّخْصِيصُ والتَّأْوِيلُ.
4043 -
مسألة: و (القَتْلُ على أربعةِ أضْرُبٍ؛ عَمْدٌ، وشِبْهُ عمدٍ، وخَطَأٌ، وما أجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأ)
أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ القَتْلَ1234
..................................
مُنْقَسِمًا إلى عمدٍ، وشِبْهِ عمدٍ، وخَطَأً.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، وحَمَّادٌ، وأهلُ العراقِ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وأنْكَرَ مالِكٌ شِبْهَ العمدِ، وقال: ليس في كِتابِ اللَّه إِلَّا العمدُ والخَطَأُ، فأمَّا شِبْهُ العمدِ، فلا يُعْمَلُ به عندَنا 1. وجَعَلَه مِنْ قِسْمِ العمدِ.
وحُكِىَ عنه مِثْلُ قول الجماعةِ.
وهو الصَّوابُ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، [أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 2، قال: «أَلَا إنَّ دَيَةَ 3 الخَطَأَ شِبْهِ العَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا، مائَةٌ مِنَ الإبِلِ، مِنْهَا أرْبَعُونَ فِى بُطُونِهَا أوْلَادُهَا».
رَواه أبو داودَ 4. وفى لفْظٍ: «قَتِيلِ خَطَأَ الْعَمْدِ» 5. وهذا نَصٌّ يُقَدَّمُ على ما ذَكَره.
وقَسَّمَه شيخُنا في هذا الكتابِ أربعةَ أقْسام، فزاد ما أجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأَ على ما ذَكَرْناه، وكذلك قَسَّمَه [أبو الخَطَّابِ] 6، وهو أن يَنْقَلِبَ
فَالْعَمْدُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ، عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، وَهُوَ تسْعَةُ أَقْسَامٍ، أحَدُهَا، أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِى الْبَدَنِ، مِنْ حَدِيدٍ أو غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ
النائِمُ على شَخْصٍ فيَقتُلَه، ومَن يَقْتُلُ بالسَّبَب، كحَفرِ البِئرِ ونحوِه، وكذلك قَتْلُ غيرِ المُكَلَّفِ.
وهذه الصُّوَرُ عندَ الأكثَرِين مِن قِسْمِ الخَطَأ، أعْطَوْه حُكْمَه.
4044 -
مسألة: (فالعمدُ أن يَقْتُلَه بما يَغْلِبُ على الظَّنِّ موتُه به، عالِمًا بكونِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، وهو تِسْعَةُ أقْسَامٍ؛ أحدُها، أن يَجْرَحَهُ بما له مَوْرٌ
1 في البَدَنِ، مِن حَدِيدٍ أو غيرِه، مِثْلَ أن يَجْرَحَه بسِكِّينٍ، أو
بِمِسَلَّةٍ، فَيَمُوتَ، إِلَّا أَنْ يَغْرِزَه بِإبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا فِى غيْرِ مَقْتَلٍ، فيَمُوتَ فِى الْحَالِ، فَفِى كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ.
يَغْرِزَه بمِسَلَّةٍ، أو ما في مَعْناه) ممّا يُحَدِّدُ ويَجْرَحُ؛ مِن الحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، والذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والزُّجاجِ، والحَجَرِ، والخشبِ، والقَصَبِ، والعَظْمِ، فهذا كلُّه إذا جَرَح به جُرْحًا كَبيرًا، فمات، فهو قَتْلٌ عَمْدٌ، لا اخْتِلافَ فيه بينَ العُلَماءِ فيما عَلِمْناه.
فأَمّا إن جَرَحَه جُرْحًا صَغِيرًا، كشَرْطَةِ الحَجّامِ (أو غَرَزَه بإبْرَةٍ، أو شَوْكةٍ) أو جَرَحَه جُرْحًا صَغِيرًا (في غيرِ مَقْتَلٍ، فمات في الحالِ، ففى كونِه عَمْدًا
..................................
وجَهْان) أحَدُهما، لا قِصاصَ فيه.
قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لم يَمُتْ منه، ولأنَّه لا يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ العَصا والسَّوْطَ.
والثانى، فيه القِصاصُ؛ لأنَّ المُحَدَّدَ 1 لا يُعْتَبَرُ فيه غَلَبَةُ الظَّنِّ في حُصُولِ القَتْلِ به، بدليلِ ما لو قَطَع شَحْمَةَ 2 أُذُنِه، أو أنْمُلَتَه، ولأنَّه لمَّا لم يُمْكِنْ إدارَةُ الحُكْمِ وضَبْطُه بغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَجَب رَبْطُه بكوْنِه مُحَدَّدًا، ولا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الحُكْمِ 3 في آحادِ صُوَرِ المَظنةِ، بل يَكْفِى احْتِمالُ الحُكْمِ (3)، ولذلك ثَبَت الحُكْمُ به فيما إذا بَقِىَ ضَمِنًا 4، مع أنَّ العَمْدَ لا يَخْتَلِفُ مع اتِّحادِ الآلَةِ والفِعْلِ، بسُرْعَةِ الإِفْضاءِ وإبْطائِه، ولأَنَّ في البَدَنِ مَقاتِلَ خَفِيَّةً، وهذا له سِرايَة ومَوْرٌ، فأشْبَهَ الجُرْحَ الكَبِيرَ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ فإنَّه لم يُفَرِّقْ بينَ الصغيرِ والكبيرِ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
وَإِنْ بَقِىَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ، أَوْ كَانَ الْغَرْزُ بِهَا فِى مَقْتَلٍ؛ كَالْفُؤَادِ وَالْخُصْيَتَيْنِ، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ.
وللشافعىِّ مِن التَّفْصِيلِ نحوٌ ممّا ذَكَرْنا.
4045 -
مسألة: (فإن بَقِىَ مِن ذلك ضَمِنًا حتى مات، أَوْ كان الغَرْزُ بها في مَقْتَل، كالفُؤادِ وَالخُصْيَتَيْن فهو عمدٌ مَحْضٌ)
أمّا إذا كان الجُرْحُ في مَقْتَلٍ؛ كالعَيْنِ، والفُؤادِ، والخاصِرَةِ، والصُّدْغِ، أو أصْلِ الأُذُنِ، فمات، فهو عمدٌ محضٌ يَجِبُ به القِصاصُ.
وكذلك إن بالَغَ في إدْخالِ الإِبْرَةِ ونحوِها في البَدَنِ؛ لأنَّه يَشْتَدُّ ألمُه ويُفْضِى إلى القَتْلِ، كالكَبِيرِ.
وإن بَقِىَ مِن ذلك ضَمِنًا حتى مات، ففيه القَوَدُ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه مات به.
قاله أصحابُنا.
وقِيلَ: لا يَجِبُ به القِصاصُ؛ لأنَّه لمَّا احْتَمَلَ حُصُولُ الموتِ بغيرِه ظاهِرًا، كان شُبْهَةً في دَرْءِ القِصاصِ، ولو كانتِ العِلَّة أنَّ القَتْلَ لا يَحْصُلُ به غالِبًا، لمَا فُرِّقَ 1 بينَ موتِه في
وَإِنْ قَطَعَ سِلْعَةً مِنْ أَجْنَبِىٍّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَمَاتَ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ قَطَعَهَا حَاكِمٌ مِنْ صَغِيرِ أَوْ وَلِيُّهُ، فَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ.
الثَّانِى، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثَقَّلٍ كَبِيرٍ فَوْق عَمُودِ الْفُسْطَاطِ، أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ
الحالِ، وموتِه مُتَراخِيًا، [كسائرِ ما] (1) لا يَجِبُ به القِصاصُ.
4046 -
مسألة: (وإن قَطَع سِلْعَةً
2 مِن أجْنَبِىٍّ بغيرِ إذْنِه، فمات، فعليه القَوَدُ) لأنَّه جَرَحَه بغيرِ إذْنِهِ جُرْحًا لا يَجُوزُ له، فَكَانَ عليه القَودُ إذا تَعَمدَه، كغيرِه (وإن قَطَعَها حاكمٌ مِن صغيرٍ، أو وَلِيُّه، فمات، فلا قَوَدَ) لأَنَّ له فِعْلَ ذلك، وقد فَعَلَه لمَصْلَحَتِه 3، فأشْبَهَ ما لو خَتَنَه.
(الثانى، أن يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ فوقَ عَمُودِ الفُسْطاطِ، أو بما يَغْلِبُ على الظَّنِّ1
أنَّهُ يَمُوت بِهِ، كَاللُّتِّ، وَالْكُوذَيْنِ، وَالسَّنْدَانِ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ، أَوْ يُلْقِىَ عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ سَقْفًا، أَوْ يُلْقِيَه مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ يُعِيدَ الضَّرْبَ بِصَغِيرِ، أَوْ يَضْرِبَهُ بِهِ فِى مَقْتَلٍ، أَوْ فِى حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
مَوْتُه به، كاللُّتِّ 1، والكُوذَيْنِ 2، والسَّنْدانِ 3، أو حَجَرٍ كبيرٍ، أو يُلْقِىَ عليه حائِطًا أو سقفًا، أو يُلْقِيَهُ مِن شاهِقٍ، أو يُكَرِّرَ الضَّرْبَ بصغيرٍ، أو يَضْرِبَه به في مَقْتَلٍ، أو في حالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِن مَرَضٍ، أو صِغَرٍ، أو كِبَرٍ، أو حَرٍّ، أو بَرْدٍ، أو نحوِه) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا قَتَلَه بغيرِ مُحَدَّدٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ حُصُولُ الزُّهُوقِ به عندَ اسْتِعْمالِه، فهو عمدٌ مُوجِبٌ للقِصاصِ.
وبه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ سِيرِينَ، وحَمّاد، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ 4. وقال
..................................
الحسنُ: لا قَوَدَ في ذلك.
ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ.
وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ: العَمْدُ ما كان بالسِّلاحِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَوَدَ إلَّا أن يكونَ قَتَلَه بالنّارِ.
وعنه في مُثَقَّلِ الحَدِيدِ روايتان.
واحْتَجَّ بقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ألَا إنَّ فِى قَتِيلِ عَمْدِ الخَطَأَ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ، مائَةً مِنَ الإِبلِ» 1. فسَمّاه عمدَ الخَطَأَ، وأوْجَبَ فيه الدِّيَةَ دُونَ القِصاصِ، ولأَنَّ العَمْدَ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُه بنَفْسِهِ، فيَجِبُ ضَبْطُه بمَظِنَّتِه، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه بما يَقْتُلُ غالِبًا؛ لحُصُولِ العَمْدِ بدُونِه في الجُرْحِ الصغيرِ، فوَجَبَ ضَبْطُه بالجُرْحِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ 2. وهذا مَقْتُولٌ ظُلْمًا.
وقولُه سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ 3. وروَى أنَسٌ أنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جارِيَةً على أوْضَاحٍ 4 لها بحَجَرٍ، فقتلَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ حَجَرَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 5. وروَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قامَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-
..................................
فقال: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا 1 يُودَى، وإمَّا 2 يُقَادُ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. ولأنَّه يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ المحَدَّدَ.
وأمّا الحَدِيثُ، فمَحْمُولٌ على المُثَقَّلِ الصَّغِير؛ لأنَّه ذَكَر العَصَا والسَّوْطَ، وقَرَنَ به الحَجَرَ، فدَلَّ على أنَّه أراد ما يُشْبِهُهما.
وقولُهم: لا يُمْكِنُ ضَبْطُه.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّا نُوجبُ القِصاصَ بما نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الغَلَبَةِ به، وإذا شَكَكْنا لم نُوجِبْه مع الشَّكِّ، والجُرْحُ الصَّغِيرُ قد سَبَق القولُ فيه، ولأنَّه لا يَصِحُّ ضَبْطُه بالجُرْحِ 4، بدليلِ ما لو قَتَلَه بالنَّارِ.
والمُرادُ بعَمُودِ الفُسْطاطِ الذى ذَكَرَه ههُنا العُمُدُ التى تَتَّخِذُها العَرَبُ لبُيُوتِها، وفيها دِقَّةٌ.
وإنَّما حَدَّ المُوجِبَ للقِصاصِ بفوقِ عَمُودِ الفُسْطاطِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا سُئِل
..................................
عن المرأةِ التى ضَرَبَتْ ضَرَّتَها 1 بعَمُودِ فُسْطاطٍ فقَتَلَتْها وجَنِينَها، قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الجَنِينِ بغُرَّةٍ، وقَضَى بالدِّيَةِ على عاقِلَتِها 2. والعاقِلَةُ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، فدَل على أنَّ القَتْلَ بعَمُودِ الفُسْطاطِ ليس بعَمْدٍ.
وإن كان أعْظَمَ منه، كعُمُدِ الخِيامِ، فهو كبيرٌ يَقْتُلُ غالِبًا، فيَجبُ فيه القِصَاصُ.
ومِن هذا النَّوْعِ أن يُلْقِىَ عليه جِدَارًا، أو صَخْرَةً، أو خشبةً عظيمةً، أو يُلْقِيَه مِن شاهِقٍ فيُهْلِكَه، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه 3 يَقْتُلُ غالِبًا.
ومِن ذلك أن يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ صغيرٍ، أو حَجَرٍ صغيرٍ، أو يَلْكُزَه بيدِه في مَقْتَلٍ، أو في حالِ ضَعْفِ المَضْرُوبِ؛ لمرضٍ أو صِغَرٍ، أو في حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو بَرْدٍ شديدٍ، بحَيْثُ يَقْتُلُه بتلك الضَرْبَةِ، أو كَرَّرَ الضَّرْبَ حتى قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالبًا، فقَتَلَه، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ المُثَقَّلَ
الثَّالِثُ، أَلْقَاهُ فِى زُبْيَةِ أَسَدٍ، أَوْ أَنْهَشَهُ كَلْبًا أَوْ سَبُعًا أَوْ حَيَّةً، أَوْ أَلْسَعَهُ عَقْرَبًا مِنَ الْقَوَاتِلِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُ،
الكبيرَ.
وإن لم يكنْ كذلك ففِيه الدوريةُ؛ لأنَّه عَمْدُ الخَطَأ، إلَّا أن يَصْغُرَ جِدًّا، كالضَّرْبَةِ بالقَلَمِ والإِصْبَعِ في غَيْرِ مَقْتَلٍ، ونحوِ هذا ممَّا لا يُتَوَهَّمُ القَتْلُ به، فلا قَوَدَ فيه ولا دِيَةَ؛ لأنَّه لم يَمُتْ به.
وكذلك إن مَسَّه بالكبيرِ ولم يَضْرِبْه به؛ لأَنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ بالقَتْلِ، وليس هذا قَتْلًا 1.
النوعُ (الثالثُ، ألْقاه في زُبْيَةِ 2 أسَدٍ، أو أنْهَشَه كَلْبًا أو سَبُعًا أو حَيَّةً، أو ألْسَعَه عَقْرَبًا مِن القَواتِلِ، ونحوَ ذلك، فقتَلَه) فيَجِبُ به
القِصاصُ.
إذا جَمَعَ بينَه وبينَ أسَدٍ أو نمِرٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ، كزُبْيَةٍ أو نحوِها، فقتلَه، فهو عمدٌ فيه القِصاصُ، إذا فَعَل به السَّبُعُ فِعْلًا يقتُلُ مثلُه، وإن فَعَلَ به فِعْلًا لو فَعَلَه الآدَمِىُّ لم يكُنْ عمدًا، لم يَجِبِ القِصاصُ به؛ لأَنَّ السَّبُعَ صار آلةً للآدَمِىِّ، فكان فِعْلُه كفِعْلِه.
فإن أَلْقَاه مَكْتُوفًا بينَ يَدَىِ الأسَدِ، أو النَّمِرِ في فَضاءٍ فقَتَلَه، فعليه القَوَدُ.
وكذلك إن جَمَع بينَه وبينَ حَيَّةٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ فنَهَشَتْه فقَتَلَتْه، فعليه القَوَدُ.
وقال القاضى:
..................................
لا ضَمانَ عليه في الصُّورَتَيْن.
وهو قولُ أصْحابِ 1 الشافعىِّ؛ لأَنَّ الأسَدَ والحَيَّةَ يَهْرُبان مِن الآدَمِىِّ، ولأَنَّ هذا سَبَبٌ غيرُ مُلْجئ.
ولَنا، أنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا، فكان عمدًا مَحْضًا، كسائرِ الصُّوَرِ.
وقولُهم: إنَّهما يَهْرُبان.
لا يَصِحُّ، فإنَّ الأسَدَ يَأْخُذُ الآدَمِىَّ المُطْلَقَ، فكيف يَهْرُبُ مِن مَكْتُوفٍ أُلْقِىَ له ليَأْكُلَه! والحَيَّةُ إنَّما تَهْرُبُ في مكانٍ واسِعٍ، أمَّا إذا ضاق المكانُ، فالغالِبُ أنَّها تَدْفَعُ عن نَفْسِها بالنَّهْشِ، على ما هو العادةُ.
وقد ذَكَر القاضى في مَن أُلْقِىَ مكتوفًا في أرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أو ذَاتِ حَيَّاتٍ، فقتَلَتْه؛ أنَّ في وُجُوبِ القِصاصِ رِوايَتَيْن، وهذا تَناقُضٌ شَدِيدٌ، فإنَّه نَفَى الضَّمانَ بالكُلِّيَّةِ في صُورَةٍ كان القتلُ فيها أغْلَبَ، وأوْجَبَ القِصاصَ في صُورَةٍ كان فيها أنْدَرَ.
والصَّحيحُ أنَّه لا قِصاصَ ههُنا، ويَجبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه فَعَل به فِعْلًا مُتَعَمَّدًا تَلِف به، لا 2 يَقْتُلُ مِثْلُه غالبًا.
وإن
..................................
أنْهَشَه حَيَّةً أو سَبُعًا فقَتَلَه، فعليه القَوَدُ، إذا كان ذلك ممَّا يَقْتُلُ غالِبًا.
فإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالبًا؛ كثُعبانِ الحِجازِ، أو سَبُعٍ صَغيرٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، فيه القَوَدُ؛ لأَنَّ الجُرْحَ لا يُعْتَبَرُ فيه غلبةُ 1 حُصُولِ القَتْلِ به، وهذا جُرْحٌ، ولأَنَّ الحَيَّةَ مِن جِنْسِ ما يَقْتُلُ غالِبًا 2. والثانى، هو شِبْهُ عمدٍ؛ لأنَّه لا يَقْتُلُ غالبًا، أشْبَهَ الضَّرْبَ بالسَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ الصَّغِيرِ.
وإن ألْسَعَه عَقْرَبًا مِن القَواتِل، فقَتَلَتْه، فهو كما لو أنْهَشَه حَيَّةً، يُوجِبُ القِصاصَ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالبًا.
فإن كَتَّفَه وألقاه في أرْضٍ غيرِ مَسْبَعَةٍ، فأكَلَه سَبُعٌ، أو نَهَشَتْه حَيَّةٌ، فمات، فهو شِبْهُ عمدٍ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: هو خَطَأٌ مَحْضٌ.
ولَنا، أنَّه فَعَل به فِعْلًا لا 3 يَقْتُلُ
الرَّابع، أَلْقَاهُ فِى مَاءٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَمَاتَ بِهِ.
مثلُه غالبًا، فأفْضَى إلى إهْلاكِه، أشْبَهَ ما لو ضَرَبَه بعَصًا فمات.
وكذلك إن ألقاه مَشْدُودًا في مَوْضِع لم يُعْهَدْ وُصُولُ زِيادَةِ الماءِ إليه.
فإن كان في مَوْضِعٍ يُعْلَمُ وُصُولُ زِيادَةِ الماءِ إليه في ذلك الوقتِ، فمات به، فهو عَمدٌ مَحْضٌ.
وإن كانْتِ الزِّيادَةُ غيرَ مَعْلُومَةٍ؛ إمّا لكَوْنِها تَحْتَمِلُ الوُجُودَ وعَدَمَه، أو لا تُعْهَدُ أصْلًا، فهو شِبْهُ عمدٍ.
النوعُ (الرابعُ، ألقاه في ماء يُغْرِقُه، أو نارٍ لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منْها) إمّا لكثرةِ الماءِ والنَّارِ، وإمَّا لعَجْزِه عن التَّخَلُّصِ؛ لمرضٍ، أو ضَعْفٍ، أو صِغَرٍ، [أو كونِه مَرْبُوطًا، أو مَنَعَه الخُرُوجَ] 1، أو كونِه في حُفْرَة لا يَقْدِرُ على الصُّعُودِ منها، ونحو هذا، أو ألْقاه في بئرٍ ذاتِ نَفَسٍ 2، فمات به 3، عالِمًا بذلك، فهو كلُّه عمدٌ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالِبًا.
وإن ألقاه في ماءٍ
..................................
يسيرٍ، فقَدَرَ على الخُرُوجِ منه، فلَبِثَ فيه اخْتِيارًا حتى مات، فلا شئَ فيه؛ لأَنَّ هذا الفِعْلَ لم يَقْتُلْه، وإنَّما حَصَلَ مَوْتُه بلُبْثِه فيه، وهو فِعْلُ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه غيرُه.
فإن تَرَكَه في نارٍ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منها لقِلَّتِها، أو كونِه في طَرَفٍ منها يُمْكِنُه الخُرُوجُ بأدْنَى حَرَكَةٍ، فلم يَخرُجْ حتى مات، فلا قَوَدَ؛ لأَنَّ هذا لا يَقْتُلُ غالِبًا.
وهل يَضْمَنُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه مُهْلِكٌ لنَفْسِه بإقامَتِه، فلم يَضْمَنْه، كما لو ألقَاه في ماءٍ يسيرٍ، لكنْ يَضْمَنُ ما أصابَتِ النّارُ منه.
والثانى، يَضْمَنُه؛ لأنَّه جانٍ بالإِلقاءِ المُفْضِى إلى الهَلاكِ، وتَرْكُ التَّخَلُّصِ لا يُسْقِطُ الضَّمانَ، كما لو فصَدَه فتَرَكَ شَدَّ فِصادِه مع إمْكانِه، أو جَرَحَه فتَرَكَ مُداوَاةَ جُرْحِه.
وفارَقَ الماءَ اليَسِيرَ، لأنَّه لا يُهْلِكُ بنَفْسِه، ولهذا يَدْخُلُه الناسُ للغُسْلِ والسِّباحَةِ.
وأمّا النارُ فيَسِيرُها يُهْلِكُ.
وإنَّما تُعْلَمُ قُدْرَتُه على التَّخَلُّصِ بقولِه: أنا قادِر على التَّخَلُّصِ.
ونحو 1 هذا؛
الْخَامِسُ، خَنَقَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ سَدَّ فَمَهُ وَأَنْفَهُ، أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
لأَنَّ النّارَ لها حَرارَة شديدةٌ، فرُبَّما أزْعَجَتْه حَرارَتُها عن مَعْرِفَةِ ما يتَخَلَّصُ به، أو 1 أذْهَبَتْ عَقْلَه بألَمِها ورَوْعَتِها.
(الخامسُ، خَنَقَه بحَبْلٍ أوِ غيرِه، أو سَدَّ فَمَه وأنْفَه، أو عَصَر خُصْيَتَيْه حتى مات) إذا مَنَع خُرُوجَ نفَسِه، بأن يَخْنُقَه بحبلٍ أو غيرِه، وهو نوعان؛ أحَدُهما، أن يَخْنُقَه بأن يَجْعَلَ في عُنُقِه خِرَاطَةً 2، ثم يُعَلِّقَه في خشبةٍ أو شئٍ، بحيث يَرْتَفِعُ عن الأرْضِ، فيَخْتَنِقُ ويموتُ، فهذا عمدٌ، سواءٌ مات في الحالِ أو بَقِىَ زَمَنًا؛ لأَنَّ هذا أوْحَى 3 أنْواعِ الخَنْقِ، وهو الذى جَرَتِ العادةُ بفِعْلِه في اللُّصُوصِ وأشْباهِهم مِن المُفْسِدِين.
الثانى،
السَّادِسُ، حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ أَوِ الشَّرَابَ حَتَّى مَاتَ جُوْعًا أَوْ عَطَشًا فِى مُدَّةٍ يَمُوتُ فِى مِثْلِهَا غَالِبًا.
أن يَخْنُقَه وهو على الأرْضِ بيَدَيْه، أو حبلٍ، أو يَغُمَّه بوِسادَةٍ، أو شئٍ يَضَعُه على فِيهِ و 1 أنْفِه، أو يَضَعَ يَدَيْه عليهما فيموتَ، فهذا إن فَعَل به ذلك 2 في مُدَّةٍ يموتُ في مِثْلِها غالِبًا فمات، فهو عَمدٌ فبه القِصاصُ.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبد العزيزِ، والنَّخَعِىُّ، الشافعىُّ.
وإن كان في مُدَّةٍ لا يموتُ في مِثْلِها غالِبًا، فهو عمدُ الخَطَأَ.
ويَلْتَحِقُ بذلك ما لو عَصَر خُصْيَتَيه 3 عَصْرًا شديدًا، فقَتَلَه بعَصْرٍ يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا.
وإن لم يكنْ كذلك فهو شِبْهُ عمدٍ، إلَّا أن يكونَ ذلك يَسِيرًا في الغايةِ، بحيث لا يُتَوَهَّمُ الموتُ منه، فلا يُوجِبُ ضَمانًا؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ لَمْسِه.
ومتى خَنَقَه وتَرَكَه مُتَألِّمًا حتى مات، ففيه القَوَدُ، لأنَّه مات مِن سرايَةِ جِنايَتِه، فهو كسِرايَةِ الجُرْحِ، وإن تَنَفَّسَ وصَحَّ ثم مات، فلا قَوَدَ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه لم يَمُتْ منه، فأشْبَهَ ما لو انْدَمَلَ الجُرْحُ ثم مات.
(السادسُ، حَبَسَه ومَنَعَه الطَّعامَ أو الشَّرابَ حتى مات جُوعًا أو عَطَشًا في مُدَّةٍ يموتُ في مثلِها غالِبًا) فعليه القَوَدُ، لأَنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا.
وهذا
السَّابع، سَقَاهُ سُمًّا لَا يَعْلَمُ بِهِ، أَوْ خَلَطَ سُمًّا بِطَعَامٍ فَأَطْعَمَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ فَأَكَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ، فَمَاتَ،
يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ النّاسِ والزَّمانِ والأحْوالِ، فإذا عَطَّشَه في شِدَّةِ 1 الحَرِّ، مات في الزَّمَنِ القليلِ، وإن كان رَيَّانَ، والزمنُ بارِدٌ أو مُعْتَدِلٌ، لم يَمُتْ إلَّا في زَمَنٍ طويلٍ، فيُعْتَبَرُ هذا فيه.
وإن كان في مُدَّةٍ يموتُ [في مثلِها] 2 غالِبًا، ففيه القَوَدُ.
وإن كان في مدَّةٍ لا يموتُ في مثلِها غالِبًا 3، فهو عمدُ الخَطَأ.
وإن شَكَكْنا فيها، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لأنَّنا شَكَكْنا في السَّبَبِ، ولا يَثْبُتُ الحُكْمُ مع الشَّكِّ في سَبَبِه، سِيّما القِصاصُ الذى يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ.
(السابعُ، سَقاه سُمًّا لا يَعْلَمُ به، أو خَلَطَه بطَعامٍ، فأطْعَمَه، أو خَلَطَه بطعامِه، فأكَلَه وهو لا يَعْلَمُ به، فمات) فعليه القَوَدُ إذا كان مثلُه يَقْتُلُ غالِبًا.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه أكَلَه مُخْتارًا،
..................................
فأشْبَهَ ما لو قَدَّمَ إليه سِكِّينًا فطَعَنَ بها نَفْسَه، ولأَنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ روَى أنَّ يَهُودِيةً أتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بشاةٍ مَسْمُومَةٍ، فأكَلَ منها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبِشْرُ ابنُ البَراءِ، فلم يَقْتُلْها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 1. قال: وهل تَجِبُ الدِّيَةُ؟ فيه قَوْلان.
قُلْنا: حديثُ اليهُودِيةِ حُجَّة لَنا؛ فإنَّ أبا سَلَمَةَ قال فيه: فمات بِشْرٌ، فأمَرَ بها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقُتِلَتْ.
أخْرَجَه أبو داودَ 2. ولأَنَّ هذا يَقْتُلُ غالِبًا، ويُتَّخَذُ طَرِيقًا إلى القَتْلِ كثيرًا، فأوْجَبَ القِصاصَ، كما لو أكْرَهَه على شُرْبِه.
فأمَّا حديثُ أنَسٍ، فلم يَذْكُرْ فيه أنَّ أحدًا مات منه، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا أن يُقْتَلَ به، ويجوزُ أن يكونَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقْتُلْها قبلَ أن يموتَ بِشْرٌ، فلَمّا مات، أرْسَلَ إليها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاعْتَرَفَتْ، فقَتَلَها، فنقَل أَنَسٌ صَدْرَ القِصَّةِ دُونَ آخِرِها.
ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه، جمعًا بينَ الخَبَرَيْن، ويجوزُ أن يَتْرُكَ قَتْلَها؛ لكونِها ما قَصَدَتْ قَتْلَ بِشْرٍ، إنَّما قَصَدَتْ قَتْلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاخْتَلَّ العَمدُ بالنِّسْبَةِ إلى بِشْر.
وفارَقَ تَقْدِيمَ السِّكِّينِ؛ فإنَّها لا تُقَدَّمُ إلى الإنسانِ ليَقْتُلَ بها نَفْسَه، إنَّما تُقَدَّمُ إليه ليَنْتَفِعَ بها، وهو عالِمٌ بمَضَرَّتِها ونَفْعِها 3، فأشْبَهَ ما لو قُدِّمَ إليه السُّمُّ
فَإِنْ عَلِمَ آكِلُهُ بِهِ وَهُوَ عَاقِلٌ بَالِغٌ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ نَفْسِهِ، فَأَكَلَهُ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
فَإِنِ ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسُّمِّ: إِنَّنِى
وهو عالِمٌ به.
فأمّا إن أكَلَه عالِمًا (1) به، وهو بالِغٌ عاقِلٌ، فلا ضَمانَ عليه، كما لو قَدَّمَ إليه سِكِّينًا فوَجَأَ بها نَفْسَه.
4047 -
مسألة: (فإن خَلَط السُّمَّ بطعامِ نفسِه، فدَخَلَ إنْسانٌ مَنْزِلَه فأكَلَه، فلا ضَمانَ عليه)
لأنَّه لم يَفْعَلْه (2)، وإنَّما الدّاخِلُ قَتَل نفسَه، فأشْبَهَ ما لو حَفَر في دارِه بئرًا، فدَخَلَ رجل فوَقَعَ فيها.
وسواء قَصَد بذلك قَتْلَ الدّاخِلِ، مثلَ أن يَعْلَمَ أنَّ ظالِمًا يُرِيدُ هُجُومَ دارِه، فتَرَكَ السُّمَّ في الطَّعامِ ليَقْتُلَه، فهو كما لو حَفَر بئرًا في دارِه ليَقَعَ فيها اللِّصُّ إذا دَخَل ليَسْرِقَ منها.
ولو دَخَل رجلٌ بإذْنِه، فأكَلَ الطَّعامَ المَسْمُومَ بغيرِ إذْنِه، لم يَضْمَنْه لذلك.
4048 -
مسألة: (فإنِ ادَّعَى القاتِلُ بِالسُّمِّ: إنَّنِى لم أعْلَمْ أنَّه سُمٌّ
12
لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُه، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُقْبَلُ فِى الآخَرِ، وَتَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ.
قاتِلٌ.
لم يُقْبَلْ قولُه في أحَدِ الوَجْهَيْن) لأَنَّ السُّمَّ مِن جِنْسِ ما يَقْتُلُ غالِبًا، فأشْبَهَ ما لو جَرَحَه وقال: لم أعْلَمْ أنَّه يموتُ منه.
والثانى، لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه يجوزُ 1 أن يَخْفى عليه أنَّه قاتِلٌ، وهذا شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بها 2 القَوَدُ، فيكونُ شِبْهَ عمدٍ.
فصل: فإن سَقَى إنْسانًا سُمًّا، أو خَلَطَه بطَعَامِه، فأكَلَ وهو لا يَعْلَمُ به، وكان 3 ممّا 4 لا يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا، فهو شِبْهُ عمدٍ.
فإنِ اخْتُلِفَ فيه، هل يَقْتُلُ غالِبًا أو لا؟ [وثَمَّ] 5 بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ، عُمِل بها.
وإن قالت 6: تَقْتُلُ
الثَّامِنُ، أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا.
النِّضْوَ الضَّعِيفَ دُونَ القَوِىِّ.
أو غيرَ ذلك، عُمِل على حَسَبِ ذلك.
فإن لم يكُنْ مع أحَدِهما بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ السَّاقِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ القِصاصِ، فلا يَثْبُتُ بالشَّكِّ، ولأنَّه أعْلَمُ بصِفَةِ ما يَسْقِى.
فإن ثَبَت أنَّه قاتِلٌ فقال: لم أعْلَمْ به.
ففيه الوَجْهان المَذْكُوران.
(الثامنُ، أن يَقْتُلَه بسِحْرٍ يَقْتُلُ غالِبًا) فيَلْزَمُه القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَلَه بما يَقْتُلُ غالِبًا، فأشْبَهَ قَتْلَه بالسِّكِّينِ.
وإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالِبًا، أو كان ممّا يَقْتُلُ ولا يَقْتُلُ، ففيه الدِّيَةُ دُونَ القِصاصِ؛ لأنَّه عمدُ الخَطَأ، فأشْبَهَ ضَرْبَ العَصَا.
التَّاسِعُ، أَنْ يَشْهَدَا عَلَى رَجُل بِقَتْل عَمْدٍ، أَوْ زِنًى، أَوْ رِدَّةٍ فَيُقْتَلَ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَا وَيَقُولَا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ.
أَوْ يَقُولَ الْحَاكِمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهُمَا، وَعَمَدْتُ قَتْلَهُ.
أَوْ يَقُولَ ذَلِكَ الْوَلِى.
فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ مُوجبٌ لِلْقِصَاصِ إِذَا كَمَلَتْ شُرُوطُهُ.
(التاسعُ، أن يَشْهَدا على رجلٍ بقَتْلٍ عَمْدٍ، أو زِنًى، أو رِدَّةٍ، فيُقْتَلَ بذلك، ثم يَرْجِعا ويقولا: عَمَدْنا قَتْلَه.
أو يقولَ الحاكمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهما، وعَمَدْتُ قَتْلَه.
أو يقولَ ذلك الوَلِىُّ، فهذا كلُّه عما مَحْضٌ مُوجِبٌ للقِصاصِ إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه) وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ عليهما؛ لأنَّه بسَبَبٍ غيرِ مُلْجِئٍ، فلا يُوجِبُ القِصاصَ، كحَفْرِ البئْرِ.
ولَنا، ما روَى القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، أنَّ رَجُلَيْن شَهِدا عندَ على، كَرَّمَ اللَّه وَجْهَه، على رجلٍ أنَّه سَرَق، فقَطَعَه، ثُمَّ رَجَعا عن شَهادَتِهِما، فقال علىٌّ: لو أعْلَمُ أنَّكما
..................................
تَعَمَّدْتُما، لقَطَعْتُ أيْدِيَكما.
وغَرَّمَهما دِيَةَ يَدِهْ 1. ولأنَّهما تَوَصَّلا إلى قَتْلِه بسَبَبٍ يَقْتُلُ غالِبًا، فوَجَبَ عليهما القِصاصُ، كالمُكْرَهِ 2. وكذلك الحاكمُ إذا حَكَم على رجل بالقَتْلِ عالِمًا بذلك مُتَعَمِّدًا، فقَتَلَه، و 3 اعْتَرَفَ بذلك، وجَبَ القِصاصُ، والكلامُ فيه كالكلامِ في الشّاهِدَيْن، ولو أنَّ الوَلِىَّ الذى باشَرَ قَتْلَه أقَرَّ بعِلْمِه بكَذِبِ الشُّهُودِ وتَعَمُّدِ قَتْلِه، فعليه القِصاصُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن أقَرِّ الشّاهِدان والحاكمُ والوَلِىُّ جميعًا بذلك، فعلى الوَلِىِّ القِصاصُ؛ لأنَّه باشَرَ القَتْلَ عمدًا عُدْوانًا 4. ويَنْبَغِى أن لا يَجِبَ على غيرِه شئٌ؛ لأنَّهم مُتَسَبِّبُون،
..................................
والمُباشَرَةُ تُبْطِلُ حكمَ المُتَسَبِّبِ، كالدّافِعِ مع الحافِرِ.
ويُفارِقُ هذا ما إذا 1 لم يُقِرَّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ حُكْمُ مُباشَرَةِ القَتْلِ في حَقِّه ظُلْمًا، فكان وُجُودُه كعَدَمِه.
ويكونُ القِصاصُ على الشَّاهِدَيْن والحاكِمِ؛ لأَنَّ الجميعَ مُتَسَبِّبُون.
وإن صار الأمْرُ إلى الدِّيَةِ، فهى عليهم أثْلاثًا.
ويَحْتَمِلُ أن يتَعَلَّقَ الحكمُ بالحاكم وحدَه؛ لأَنَّ سَبَبَه أخَصُّ مِن سَبَبِهم، فإنَّ حُكْمَه واسِطَةٌ بينَ شَهادَتِهم وقَتْلِه، فأشْبَه المُباشِرَ مع المُتَسَبِّبِ.
فإن كان الوَلِىُّ المُقِرُّ بالتَّعَمُّدِ لم يُباشِرِ القَتْلَ، وإنَّما وَكَّلَ فيه، فأقَرَّ الوَكِيلُ بالعِلْمِ وتَعَمُّدِ القَتْلِ
.................................. ظُلْمًا، فهو القاتِلُ وحدَه؛ لأنَّه مُباشِرٌ للقَتْلِ عَمدًا ظُلْمًا مِن غيرِ إكرْاهٍ، فتَعَلَّقَ الحكمُ به، كما لو قَتَل في غيرِ هذه الصُّورَةِ، وإن لم يَعْتَرِفْ بذلك، فالحكمُ مُتَعَلِّقٌ بالوَلِىِّ، كما لو باشَرَه.
فَصْلٌ: وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَقْصِدَ الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيَقْتُلَ؛ إِمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ، أَوْ لِقَصْدِ التَّأْديِبِ لَهُ، فَيُسْرِفَ فِيهِ، نَحْوَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصًا، أو حَجَر صَغَيرٍ، أَوْ يَلْكُزَهُ، أَوْ يُلْقِيَهُ فِى مَاءٍ قَلِيلٍ، أَوْ يَقْتُلَهُ بِسِحْر لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَسَائِرِ مَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، أَوْ يَصِيحَ بِصَبِىٍّ أو مَعْتُوهٍ وَهُمَا عَلَى سَطْحٍ فَيَسْقُطَا، أَوْ يَغْتَفِلَ عَاقِلًا فَيَصِيحَ بِهِ فَيَسْقُطَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
فصل
: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (وشِبْهُ العمدِ أن يَقْصِدَ الجِنايةَ بما لا يَقْتُلُ غالِبًا فيقْتُلَ؛ إمَّا لقَصْدِ العُدْوانِ عليه، أو لقَصْدِ التَّأْديبِ له، فيُسْرِفَ فيه، كالضَّرْبِ بالسَّوْطِ، والعَصا، والحَجَرِ الصَّغيرِ، أو يَلْكُزَه بيَدِه، أو يُلْقِيَه في ماءٍ يَسِير، أو يَقْتُلَه بسِحْرٍ لا يقْتُلُ غالِبًا، وسائرِ ما لا يَقْتُلُ غالِبًا، أو يَصِيحَ بصَبِىٍّ أو مَعْتُوهٍ وهما على سَطْحٍ فيَسْقُطا، أو يَغْتَفِلَ
..................................
عاقِلًا فيَصِيحَ به فيَسْقُطَ) فهو شِبْهُ عَمْدٍ إذا قَتَل؛ لأنَّه قَصَدَ الضَّرْبَ دُونَ القَتْلِ، ويُسَمَّى خَطَأَ العمدِ، وعمدَ الخَطَأَ؛ لاجْتِماعِ العَمْدِ والخَطَأَ فيه، فإنَّه عَمَد الفِعْلَ، وأخْطَأَ في القَتْلِ، فهذا لا قَوَدَ فيه.
والدِّيَةُ على العاقِلَةِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وجَعَلَه مالكٌ عمدًا في بعضِ ما حُكِىَ عنه مُوجِبًا للقِصاصِ؛ لأنَّه ليس في كتابِ اللَّه إلَّا العمدُ والخطأُ، فمَن زاد قِسْمًا ثالثًا، زاد على النَّصِّ، ولأنَّه قَتَلَه بفِعْلٍ عَمَدَه، فكان عمدًا، كما لو غَرَزَه بإبْرَةٍ.
وحُكِىَ عنه مثلُ قولِ الجماعةِ.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: تجبُ الدِّيَةُ في مالِ القاتلِ.
وهو قول ابنِ شبْرُمَة؛ لأنَّه مُوجَبُ فِعْلٍ عَمْدٍ، فكان في مالِ القاتِلِ، كسائِرِ جِناياتِ العَمدِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ دِيَةَ
..................................
جَنِينِها عَبْدٌ أو وَلِيدَةٌ، وقَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها.
مُتَّفَقٌ عليه 1. فأوْجَبَ دِيَتَها على العاقلةِ، والعاقلةُ لا تَحْمِلُ العمدَ.
وأيضًا قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ألَا إنَّ في قَتِيلِ خَطَأُ العَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا والحَجَرِ، مِائةً مِنَ الإبِلِ» 2. وفى لَفْظٍ أنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ العَمْدِ، ولَا يُقْتَلُ صَاحِبُه».
رَواه أبو داودَ 3. وهذا نَصٌّ.
وقولُه: هذا قِسْمٌ ثالث.
قلنا: نعم، هذا ثَبَتَ بالسُّنَّةِ، والقِسْمان الأوَّلان ثَبَتا بالكِتابِ، ولأنَّه قَتْلٌ لا يُوجِبُ القَوَدَ، فكانت دِيَتُه على العاقِلةِ، كقتلِ الخَطَأَ.
فَصْلٌ: وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُما، أَنْ يَرْمِىَ الصَّيْدَ، أَوْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، فَيَقْتُلَ إِنْسَانًا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
فصل
: (والخَطَأُ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ يَرْمِىَ الصَّيْدَ، أو يفعلَ ما له فِعْلُه) فيَئُولَ إلى إتْلافِ إنسانٍ مَعْصُوم (فعليه الكَفَّارَةُ، والدِّيَةُ على العاقِلةِ) بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ القتلَ الخَطَأَ، أنَّ يَرْمِىَ الرَّامِى شيئًا، فيُصِيبَ غيرَه، لا أعْلَمُهم يَخْتَلِفُون فيه، هذا قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقَتادَةَ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
والأَصْلُ في وُجُوب الدِّيَةِ والكفَّارةِ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ 2. وسواءٌ كان المَقْتُولُ مسلمًا أو كافِرًا له عهدٌ؛ لقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (2). ولا قِصاصَ في شئٍ مِن هذا؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى
الثَّانِى، أَنْ يَقْتُلَ فِى دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، وَيَكُونُ مُسْلِمًا، أَو يَرْمِىَ إلَى صَفِّ الْكُفَّارِ، فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أو يَتَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بمُسْلِمٍ، وَيَخَافُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَرْمِهِمْ، فَيَرْمِيَهُمْ، فَيَقْتُلَ الْمُسْلِمَ.
فَهذَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
وَفِى وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ
أوْجَبَ به الدِّيَةَ، ولم يَذْكُرْ قِصاصًا، وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رُفِعَ عَنْ أُمُّتِى الخَطَأُ، والنِّسْيانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه» 1. ولأنَّه لم يُوجِبِ القِصاصَ في عَمْدِ الخَطَأ، ففى الخَطَأُ أَوْلَى.
الضَّرْبُ (الثانى، أن يَقْتُلَ في دارِ الحربِ مَن يَظُنُّه حَرْبِيًّا، ويكونُ مسلمًا، أو يَرْمِىَ إلى صَفِّ الكُفَّارِ، فيُصِيبَ مسلمًا، أو يَتَتَرَّسَ الكفَّارُ بمسلمٍ، ويَخافُ على المسلمين إن لم يَرْمِهم، فيَرْمِيَهم فيَقْتُلَ المسلمَ، فهذا تجِبُ به الكفَّارَةُ) رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وبه قال عطاءٌ، ومجاهِدٌ، وعَكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ (وفى وُجُوبِ الدِّيَةِ على
رِوَايَتَانِ.
العاقِلةِ رِوايتان) إحْداهما، تجِبُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
وقال عليه السلامُ: «ألَا إنَّ في قَتِيلِ خَطَأَ العَمْدِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والعَصَا، مائَةً مِنَ الإِبِلِ».
ولأنَّه قَتَل مسلمًا خَطَأً، فوَجَبَتْ دِيَتُه، كما لو كان في دارِ الإِسلام.
والثانيةُ، لا تجِبُ الدِّيَةُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وَالَّذِى أُجْرِىَ مُجْرَى الْخَطَأَ، كَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ، فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْتُلُ بِالسَّبَبِ، مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا، أَوْ يَنْصِبَ سِكِّينًا أَوْ حَجَرًا فَيَئُولَ إِلَى إِتْلَافِ إِنْسَانٍ، وَعَمْدِ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ، فَهَذَا كُلُّه لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِى مَالِهِ.
ولم يَذْكُرْ دِيَةً، وتَرْكُه ذِكْرَها في هذا القِسْمِ مع ذِكْرِها في الذى قبلَه وبعدَه، ظاهِرٌ في أنَّها غيرُ واجِبَةٍ، وذِكْرُه لهذا قِسْمًا مُفْرَدًا يَدُلُّ على أنَّه لم يَدْخُلْ في عُمُومِ الآيةِ التى احْتَجُّوا بها، ويُخَصُّ بها عُمُومُ الخَبَرِ الذى رَوَوْه.
وهذه ظاهِرُ المذهبِ.
4049 -
مسألة: (والذى أُجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأَ، كالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ على إنْسَانٍ فيَقْتُلُه، أو يَقْتُلُ بالسَّبَبِ، مِثْلَ أنَّ يَحْفِرَ بِئْرًا، أو يَنْصِبَ سِكِّينًا أو حَجَرًا، فيَئُولَ إلى إتْلافِ إنْسانٍ، وعمدِ الصَّبِىِّ والمجْنُونِ، فهذا كلُّه لا قِصاصَ فيه، والدِّيَةُ على العاقِلةِ، وعليه الكَفَّارةُ في مالِه)
لأنَّه خَطَأٌ، فيكونُ هذا حُكْمَه؛ لِما ذكَرْنا.
فَصْلٌ: وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ.
وَعَنْهُ، لَا يُقْتَلُونَ.
وَالْمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
فصل
: قال، رَحِمَه اللَّهُ: (وتُقْتَلُ الجماعةُ بالواحدِ) إذا كان فِعْلُ كلِّ واحدٍ منهم لو انْفَرَدَ أوْجَبَ القِصاصَ عليه.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، والمُغِيرَةِ بنِ شعْبَةَ، وابنِ عَباسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبُ، والحسنُ، وأبو سَلَمَةَ، وعطاءٌ، وقَتادَةُ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، [وإسحاقَ] 1، أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وعن أحمدَ رواية أُخْرَى، لا يُقْتَلُونَ، وتجِبُ عليهم الدِّيَةُ.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ 2، والزُّهْرِىِّ، وابنِ سِيرِينَ، وحَبِيبِ بنِ أبى ثابِتٍ، وعبدِ الملكِ، ورَبِيعةَ، وداودَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وحكاه ابنُ أبى مُوسى عن ابنِ عباسٍ.
ورُوِىَ 3 عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِىِّ، أنَّه يَقْتُلُ منهم واحِدًا، ويَأْخُذُ مِن الباقِين
..................................
حِصَصَهم مِن الدِّيَةِ؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم مكافِئٌ له، فلا يَسْتَوفِى [أبْدالًا بمُبْدَلٍ] 1 واحدٍ، كما لا تجبُ دِياتٌ لمَقْتُولٍ واحدٍ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ 2. وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ 3. ومُقْتَضاه أنَّه لا يُؤْخَذُ بالنَّفْسِ أكثرُ مِن نفسٍ واحدةٍ، ولأَنَّ التَّفاوُتَ في الأوْصافِ يَمْنَعُ، بدليلِ أنَّ الحُرَّ لا يُؤْخَذُ بالعَبْدِ، فالتَّفاوُتُ في العَدَدِ أَوْلَى.
قال ابنُ المُنْذِرِ 4: لا حُجَّةَ مع مَن أوْجَبَ قَتْلَ الجماعةِ بواحدٍ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فرَوَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، قَتَلَ سَبْعَةً مِن أهلِ صَنْعاءَ قَتَلُوا رجلًا، وقال: لو تَمَالأَ عليه أهلُ صَنْعاءَ لقَتَلْتُهم جميعًا 5. وعن
وَإِنْ جَرَحَهُ أحَدُهُمَا جُرْحًا وَالْآخَرُ مِائَةً، فَهُمَا سَوَاءٌ فِى الْقِصَاصَ وَالدِّيَةِ.
علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَتَل ثلاثةً قَتَلُوا رجلًا (1). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قَتَل جماعةً بواحدٍ (2). ولم يُعْرَفْ لهم في عَصْرِهم مُخَالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها عُقُوبَةٌ تجِبُ للواحدِ على الواحدِ، فوَجَبَتْ للواحدِ على الجماعةِ، كحَدِّ القَذْفِ.
ويُفارِقُ الدِّيَةَ؛ فإنَّها تَتَبَعَّضُ، والقِصاصُ لا يَتَبَعَّضُ، ولأَنَّ القِصاصَ لو سَقَط بالاشْتِراكِ، أدَّى إلى التَّسارُعِ إلى القَتْلِ به، فيُؤَدِّى إلى إسْقاطِ حِكْمةِ الرَّدْعِ والزَّجْرِ.
4050 -
مسألة: (وإن جَرَحَه أحَدُهما جُرْحًا والآخَرُ مائَةً، فهما
12