. المجتبى 4/ 4، 5. وابن ماجه، في: باب ذكر الموت والاستعداد له، من كتاب الزهد.
سنن ابن ماجه 2/ 1422. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 293. كلهم بدون زيادة فما ذكر... إلى آخره.
وبهذه الزيادة عزاه النبهانى في الفتح الكبير للبيهقى في شعب الإيمان وابن حبان والبزار.
الفتح الكبير 1/ 225. وانظر إرواء الغليل 3/ 145.
..................................
ويُسْتَحَبُّ الاسْتِعْدَادُ للمَوْتِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ 1. وِإذا مَرِض الإِنْسَانُ اسْتُحِبَّ أن يَصْبِرَ؛ لِما وَعَد اللَّهُ الصَّابِرِينَ مِن الأجْرِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ 2. ويُكْرَهُ الأنِينُ؛ لأنَّه رُوِى عن طاوُسٍ كَراهَتُه.
ولا يَتَمَنَّى المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَل به؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أحْيِنِى مَا كانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِى».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وقال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ويُحْسِنُ ظَنَّه بِرَبِّه تعالى؛ لِما روَى جَابرٌ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبلَ مَوْتِهِ بِثَلاثةِ أيَّامٍ يقولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إلَّا وهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
رواه مسلمٌ بمَعْناه، وأبو داودَ 4. وقال مُعْتَمِرٌ، عن أبيه، أنَّه قال عندَ مَوتِه: حَدِّثْنِى
تُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَتَذْكِيرُهُ التَّوْبَةَ وَالْوَصِيَّةَ، بالرُّخَصَ.
721 -
مسألة: و (تُسْتَحَبُّ عِيادَةُ المَرِيضِ، وتَذْكِيرُه التَّوْبَةَ والوَصِيَّةَ)
عِيادَةُ المَرِيضِ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِما روَى البَرَاءُ، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِسَبْعٍ، ونَهانا عن سَبْعٍ؛ أمَرَنا بعِيادَةِ المَرِيضِ، واتِّبَاعِ الجِنازَةِ.
وذَكَر الحديثَ.
رَواه البُخارىُّ، ورَواه مسلمٌ بمَعْناهُ 1. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا، إلَّا ابْتَعَثَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، أىَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهارِ كَانَتْ حَتَّى يُمْسِىَ، وَأَىَّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ كَانَتْ حَتَّى = الجنائز.
سنن أبى داود 2/ 168. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب التوكل واليقين، من كتاب الزهد.
سنن ابن ماجه 2/ 1395. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 293، 315، 325، 330، 334، 390.
..................................
يُصْبِحَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ، والتِّرْمِذِىُّ 1، وزاد: «وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ 2 في الْجَنَّةِ».
وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ
..................................
مَنْزِلًا».
رَواه التِّرْمِذِىّ، وابنُ ماجه 1، وهذا لَفْظُه.
وعنه قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ 2 مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِى.
قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِى فُلَانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِى عِنْدَهُ».
وذَكَر الحديثَ.
رَواه مسلمٌ 3. وِإذا دَخَل على المَرِيضِ سَأله 4 عن حالِه ودَعا له، وَرَقاه.
قال ثابِتٌ لأنَسٍ: يا أبا حَمْزَةَ، اشْتَكَيْتُ.
قال أنَسٌ: أفَلَا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: بلى، قال: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أنْتَ
..................................
الشَّافِى، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» 1. وروَى أبو سعيدٍ، قال: أتَى جِبْرِيلُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا محمدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قال: «نَعَمْ».
قال: بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يُوذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنِ
..................................
حَاسِدٍ 1 اللهُ يَشْفِيكَ» 2. قال أبو زُرْعَةَ: كلا الحَدِيثَيْن صحيحٌ 3.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ، فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللهِ شَيْئًا، وَإنَّهُ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ».
رواه ابنُ ماجه 4.
..................................
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُرَغِّبَه في التَّوْبَةِ مِن المَعاصِى، والخُرُوجِ مِن المَظالِمِ، وفي الوَصِيَّةِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَا حَقُّ امْرِئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، ولَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1.
فَإِذَا نَزَلَ بِهِ، تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى [38 و] شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَلَقَّنَهُ قَوْلَ: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ.
مَرَّةً،
722 - مسألة: (وإِذَا نَزَلَ به، تَعاهَدَ بَلَّ حَلْقِه بماءٍ أو شَرابٍ، ونَدَّى شَفَتَيْه بقُطْنَةٍ)
يُسْتَحَبُّ أن يَلِىَ المَرِيضَ أرْفَقُ أهْلِه به، وأعْلَمُهم بسِياسَتِه، وأتْقاهم للهِ تعالى.
فإذا رَآه مَنْزُولًا به تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِه، بتَقْطِيرِ
ماءٍ أو شَرابٍ فيه، ويُنَدِّى شَفَتَيْه بقُطْنَةٍ؛ لأنَّه رُبَّما يَنْشَفُ حَلْقُه مِن شِدَّةِ ما نَزَل به، فيَعْجِزُ عن الكَلامِ.
723 -
مسألة: (و)
يُسْتًحَبُّ أن (يُلَقِّنَه قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
مَرَّةً)
وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدَ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ.
لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلهَ إلَّا الله».
رَواه مسلمٌ (1).
وقال الحسنُ: سُئِل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ فقال: «أنْ تَمُوتَ يَوْمَ تَمُوتُ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ».
رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ.
724 -
مسألة: (ولا يَزِيدُ على ثَلاثٍ)
لئَلَّا يُضْجِرَه (إلَّا أن يَتَكَلَّمَ بعدَه) بشئٍ (فيُعِيدَ تَلْقِينَه بلُطْفٍ ومُدارَاةٍ) ليَكُونَ آخِرُ كَلامِه: «لا إلهَ إلَّا الله».
نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِىَ عن عبدِ اللهِ بنِ
المُبَارَكِ، أنَّه لمّا حضَرَه المَوْتُ جَعَلَ رجلٌ يُلَقِّنُه «لا إلهَ إلَّا اللهُ» فأكْثَرَ عليه، فقال له عبدُ اللهِ: إذا قُلْتُ مَرَّةً فأنا على ذلك ما لم أتَكَلَّمْ.
قال التِّرْمِذِىُّ 2: إنَّما أراد ما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلهَ إلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
رَواه أبو داودَ 3. ورَوَى سعيدٌ 4،
بإسْنادِه، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه لمّا حَضَرَتْه الوَفاةُ، قال: أجْلِسُونى.1
وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس,
فلمَّا أجْلَسُوه قال: كَلِمَةٌ سَمِعْتُها مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كُنْتُ أَخْبَوُّها, ولولا ما حَضَرَنى مِن المَوْتِ ما أخْبَرْتُكم بها، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا هَدَمَتْ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنَ الْخَطَايَا والذُّنُوبِ، فَلَقِّنُوهَا مَوْتَاكُمْ».
فَقِيلَ: يا رسولَ اللهِ، فكيف هي للأحْياءِ؟ قال: «هِىَ أهْدَمُ وَأهْدَمُ» (1).
725 -
مسألة: ويَقْرَأُ عِنْدَه سُورَةَ يَس) لِما روَى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اقْرأُواْ يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ». رَواه أبو داودَ
2. وقال أحمدُ: ويَقْرَءُون عندَ المَيِّتِ إذا حُضِرَ؛ ليُخَفَّفَ عنه بالقُرْآنِ، يَقْرَأُ يَس.
وأمَرَ بقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ.
ورَوَى الِإمَامُ أحمدُ 3: «يَسَ قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ الله وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، إلَّا غُفِرَ لَهُ، وَاقْرَءُوهَا عَلَى مَرْضَاكُمْ».1
وَيُوجِّهُهُ إِلى الْقِبْلَةَ،
726 - مسألة: (ويُوَجِّهُه إلى القِبْلَةِ)
التَّوْجِيهُ إلى القِبْلَةِ عندَ المَوْتِ مُسْتَحَبٌّ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، وأهلِ المَدِينَةِ، والأوْزاعِىِّ، وأهلِ الشَّامِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وأنْكَرَه سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، فإنَّهم لمّا أرادُوا أنَّ يُحَوِّلُوه إلى القِبْلَةِ، قال: ألم أكُنْ على القِبْلَةِ إلى يَوْمِى هذا 1؟ والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ حُذَيْفَةَ، قال: وَجِّهُونى.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» 2. ولأنَّ فِعْلَهم ذلك بسعيدٍ دَلِيلٌ على أنَّه كان مَشْهُورًا بينَهم، يَفْعَلُه المُسْلِمُون بمَوْتاهم.
وصِفَةُ تَوْجِيهِه إلى القبْلَةِ أن يُوضَعَ على جَنْبِه الأيْمَنِ، كما يُوضَعُ في اللَّحْدِ، إن كان المَكانُ واسِعًا.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ هكذا اسْتَقْبَلَ المُصَلِّى على جَنْبِه.
وإن كان المَكانُ ضَيِّقًا جُعِل على ظَهْرِه، ويُجْعَلُ رَأْسُه على مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ؛ ليَتَوَجَّهَ نَحْوَ القِبْلَةِ.
هكذا ذَكَرَه القاضى.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْعَلَ على ظَهْرِه بكلِّ حالٍ، ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِه: وجُعِل على بَطْنِه مِرْآةٌ أو غَيْرُها.
وإنَّما يُمْكِنُ ذلك إذا كان على ظَهْرِه.
..................................
ويُسْتَحَبُّ تَطْهِيرُ ثِيابِ المَيِّتِ قبلَ مَوْتِه؛ لأنَّ أبا سعيدٍ لَمّا حَضَرَه المَوْتُ دَعا بثِيابٍ جُدُدٍ فلَبِسَها، ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِى يَمُوتُ فِيهَا».
رَواه أبو داودَ 1.
فَإِذَا مَاتَ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَشَدَّ لَحْيَيْهِ، وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَسَجَّاهُ بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُ، وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً أَوْ نَحْوَهَا، وَوَضَعَهُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ، مُتَوَجِّهًا، مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ.
727 - مسألة: (فإذا مات أغْمَضَ عَيْنَيْه، وشَدَّ لَحْيَيْه، ولَيَّنَ مَفاصِلَه، وخَلَع ثِيابَه، وسَجّاه بِثَوْبٍ يَسْتُرُه، وجَعَل على بَطْنِه مِرْآةً أو نَحْوَها، ووَضَعَه على سَرِيرِ غَسْلِه، مُتَوَجِّهًا، مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ)
يُسْتَحَبُّ تَغْمِيضُ المَيِّتِ عَقِيبَ المَوْتِ.
ويُسْتَحَبُّ لمَن حَضَر المَيِّتَ أن لا يَتَكَلَّمَ إلَّا بخَيْر؛ لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: دَخَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على أبِي سَلَمَةَ، وقد شَقَّ بَصَرُه 1، فأغْمَضَه، ثم قال: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ».
فَضَجَّ ناسٌ مِن أهْلِه، فقال: «لَا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إلًّا بِخَيْرٍ، فَإنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ».
ثم قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأبِى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمُقَرَّبِينَ, وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ».
رَواه مسلمٌ 2. ورَوَى شَدَّادُ بنُ أوْسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا
..................................
حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإنَّه يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أهْلُ الْمَيِّتِ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ في المُسْنَدِ 1.
ويُسْتَحَبُّ شَدُّ ذَقَنِه بعِصابَةٍ عَرِيضَةٍ، يَرْبِطُها مِن فَوْقِ رَأْسِه؛ لأنَّ المَيِّتَ إذا كان مَفْتُوحَ العَيْنَيْن والفَمِ قَبُح مَنْظَرُه، ولا يُؤْمَنُ دُخُولُ الهَوامِّ فيه، والماءِ فِي وَقْتِ غَسْلِه.
قال بَكْرُ بنُ عبدِ الله اِلمُزَنِيُّ: ويقولُ الذي يُغْمِضُه: بسْمِ اللهِ، وعلى وَفاةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ويُجْعَلُ على بَطْنِه شئٌ مِن الحَدِيدِ، كالمِرْآةِ ونَحْوِها, لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُه، ويُلَيِّنُ مَفاصِلَه، وهو أن يَرْدُدَ ذِراعَيْه إلى عَضُدَيْه، وعَضُدَيْه إلى جَنْبَيْه، ثم يَرْدُدَهما، ويَرُدَّ ساقَيْه إلى فَخِذَيْه، وفَخِذَيْه إلى بَطْنِه، ثم يَرْدُدَهما؛ ليكونَ ذلك أبْقَى للينِه، فيكونَ أمْكَنَ للغاسِلِ في تَمْكِينِه وتَمْدِيدِه.
قال أصْحابُنا: ويُسْتَحَبُّ ذلك
عَقِيبَ مَوْتِه، قبلَ قَسْوَتِها ببُرُودَتِه.
فإن شَقَّ عليه ذلك تَرَكَه.
ويَخْلَعُ ثِيابَه، لِئَلَّا يَحْمَى فيُسْرِعَ إليه الفَسادُ والتَّغَيُّرُ، ويُسَجِّيهِ بِثَوْبٍ يَسْتُرُه؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ تُوُفِّىَ سُجِّىَ ببُرْدٍ حِبَرَةٍ 2. مُتَّفَقٌ
وَيُسَارِعُ فِي قَضَاء دَيْنِهِ،
عليه (1). ويُسْتَحَبُّ أن يَلِىَ ذلك منه أرْفَقُ النَّاسِ به، بأرْفَقِ ما يَقْدِرُ عليه.
قال أحمدُ: تُغْمِضُ المَرْأةُ عَيْنَيْه إذا كانت ذاتَ مَحْرَمٍ.
قال: ويُكْرَهُ للحائِضِ والجُنُبِ تَغْمِيضُه، وأن يَقْرَباه.
وكَرِه ذلك عَلْقَمَةُ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن الشافعىِّ.
وكَرِه الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، أن تُغَسِّلَ الحائِضُ والجُنُبُ المَيِّتَ.
ونَحْوَ قال مالكٌ.
وقال ابنُ المُنْذِر: يُغَسِّلُه الجُنُبُ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (2). ولا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في صِحَّةِ تَغْسِيلِهما وَتغْمِيضِهما له، ولكنَّ الأوْلَى أن يكونَ المُتَوَلِّى لذلك طاهِرًا؛ لأنَّه أكمَلُ وأحْسَنُ.
ويُوضَعُ على سَرِيرِ غَسْلِه، أو لَوْحٍ؛ لأنَّه أحْفَظُ له، ولا يَدَعُه على الأرْضِ، لِئَلَّا يُسْرِعَ إليه التَّغَيُّرُ بسَبَبِ نَداوَةِ الأرْضِ.
ويكونُ مُتَوَجِّهًا مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْه؛ ليَنْصَبَّ عنه ماءُ الغَسْلِ وما يَخْرُجُ منه، ولا يَسْتَنْقِعُ تحتَه فَيُفْسِدَه.
728 -
مسألة: (ويُسارِعُ في قَضَاءِ دَيْنِه)
لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ،12
وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَتَجْهِيزِهِ إِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ،
وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ (1)، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعن سَمُرَةَ قال: صَلَّى نَبِىُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الصُّبْحَ، فقال: «ههُنا أحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟» قالوا: نعم.
قال: «فَإِنَّ صَاحِبَكُم مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ في دَيْنٍ عَلَيْهِ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ (2). وإن تَعَذَّرَ إيفاءُ دَيْنِه في الحالِ، اسْتُحِبَّ لوارِثِه أو غيرِه أن يَتَكَفَّلَ به عنه، كما فَعَل أبو قَتادَةَ لمَّا اُّتِىَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بجِنازَةٍ، ولم يُصَلِّ عليها، قال أبو قَتادَةَ: صَلِّ عليها يا رسولَ اللهِ وعلىَّ دَيْنُه.
رَواه البخارىُّ (3).
729 -
مسألة: (و)
يُسارِعُ في (تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ) ليَتَعَجَّلَ له ثَوابَها بجَرَيانِها على المُوصَى له.
730 - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ المُسارَعَةُ في (تَجْهِيزِه إذا تُيُقِّنَ مَوْتُه) لأنَّه أصْوَنُ له، وأحْفَظُ له مِن التَّغْيِيرِ.
قال أحمدُ: كرامَةُ المَيِّتِ123
بِانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِه، وَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ.
تَعْجِيلُه.
لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنِّى لَأُرَى طَلْحَةَ 1 قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَاذِنُونِي بِهِ، وَعَجِّلُوا، فإنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أهْلِهِ».
رَواه أبو داودَ 2. ولا بَأْسَ أن يُنْتَظَرَ بها مِقْدارُ مَا = دين، من كتاب الجنائز، وفي: باب الكفالة بالدين، من كتاب البيوع.
المجتبى 4/ 52، 53، 7/ 279. والدارمى، في: باب في التشديد في الدين، من كتاب البيوع.
سنن الدارمى 2/ 221. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 330، 5/ 297، 302، 304، 311.
..................................
يَجْتَمِعُ لها جَماعَةٌ؛ لِما يُؤمَّلُ مِن الدُّعاءِ له، إذا صُلِّىَ عليه، ما لم يُخَفْ عليه، أو يَشُقَّ على النّاسِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وإن شُكَّ في أمْرِ المَيِّتِ، اعْتُبِرَ بِظُهُورِ أماراتِ المَوْتِ، مِن انْفِصالِ كَفَّيْه، واسْتِرْخاءِ رِجْلَيْهِ،
ومَيْلِ أنْفِه، وانْخِسافِ صُدْغَيْه وامْتِدادِ جِلْدَةِ وجْهِه.
فإن مات فَجْأةً، كالمَصْعُوقِ، أو خائِفًا مِن حَرْبٍ أو سَبُعٍ، أو تَرَدَّى مِن جَبَلٍ، إنْتُظِرَ
..................................
به هذه العَلامَاتُ، حتى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه.
قال الحسنُ في المَصعُوقِ: يُنْتَظَرُ به ثَلاثًا.
قال أحمدُ: ورُبَّما تَغَيَّرَ في الصَّيْفِ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ.
قِيلَ 1: فكيف تَقُولُ؟ قال: يُتْرَكُ بقَدْرِ ما يُعْلَمُ أنَّه مَيِّتٌ.
قِيلَ له: مِن غُدْوَةٍ إلى اللَّيْلِ؟ قال: نعم.
فَصْلٌ فِى غَسْلِ الْمَيِّتِ: غَسْلُ الْمَيِّتِ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
فصلٌ في غَسْلِ المَيِّت
ِ: 731 - مسألة: (غَسْلُ المَيِّتِ ودَفْنُه وتَكْفِينُه والصلاةُ عليه، فَرْضُ كِفايَةٍ)
لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي وقَصَتْه
.................................. راحِلَتُه: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ 1». مُتَّفَقٌ
.................................. عليه 1. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ» 2. ودَفْنُه
..................................
فَرْضُ كِفايَةٍ؛ لأنَّ في تَرْكِه أذًى للنَّاسِ به وهَتْكَ حُرْمَتِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافِعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَصِيُّهُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّ الْأَمِيرَ أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيّهِ.
732 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِهِ وَصِيُّه، ثم أبوه، ثم جَدُّه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، ثم ذَوو أرْحامِهِ، إلَّا الصَّلاةَ عليه، فإنَّ الأمِيرَ أحَقُّ بها بعدَ وصِيِّه)
أحَقُّ النَّاسِ بغَسْلِ المَيِّتِ وَصِيُّه في ذلك.
وقال أصحابُ الشّافعىِّ: أوْلَى النّاسِ بغَسْلِ المَيِّتِ عَصَباتُه الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، فإن كان له زَوْجَةٌ، فهل تُقَدَّمُ على العَصَباتِ؟ فيه وَجْهان.
ولَنا، على تَقْدِيمِ الوَصِىِّ، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ الله عنه، أوْصَى أن تُغَسِّلَه امْرَأتُه أسْماءُ بنتُ عُمَيْسٍ.
وأوْصَى أنَسٌ أن يُغَسِّلَه محمدُ بنُ سِيرِينَ، فَقُدِّما بذلك.
ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، ولأنَّه حَقٌّ للمَيِّتِ فَقُدِّمَ فيه وَصِيُّه على غيرِه، كتَفْرِيقِ ثُلُثِه.
.................................. فصل: فإن لم يكنْ له وَصِىٌّ فالعَصَباتُ أوْلَى النّاسِ به، وأوْلاهم أبوه، ثم جَدُّه وإن عَلا، ثم ابْنُه، ثم ابنُ ابْنِه وإن نزَل، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، على تَرْتِيبِ المِيراثِ؛ لأنَّهم أحَقُّ بالصلاةِ عليه.
..................................
فصل: وأحَقُّ النّاسِ بالصلاةِ عليه, وَصِيُّه.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ زَيدٍ، وأنَسٍ، وأبى بَرْزَةَ 1، وزيدِ بنِ أرْقَمَ 2، وأُمِّ سَلَمَةَ.
وقال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ: تُقَدَّمُ العَصَبَاتُ؛ لأنَّها وِلايَةٌ تَتَرَتَّبُ بتَرْتِيبِ العَصَبَاتِ، فالوَلِىُّ فيها أوْلَى، كوِلايةِ النِّكاحِ.
ولَنا، إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّ أبا بكرٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه عُمَرُ.
قاله أحمدُ.
قال: وعُمَرُ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه صُهَيْبٌ، وأُمُّ سَلَمَةَ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها سعيدُ بنُ زَيْدٍ، وأبو بَكْرَةَ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه أبو بَرْزَةَ.
وقال غيرُه: عائشةُ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها أبو هُرَيْرَةَ، وابنُ مسعودٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه الزُّبَيْرُ، وأبو سَرِيحَةَ 3 أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ، فجاءَ عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ، وهو أميرُ الكُوفَةِ، لِيَتَقَدَّمَ فيُصَلِّىَ عليه 4، فقال ابنُه: أيُّها الأمِيرُ، إنَّ أبى أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ.
فقَدَّمَ زيدًا.
وهذه قَضَايا اشْتَهَرَتْ، ولم يَظْهَرْ لها مُخالِفٌ، فكانت إجْماعًا.
ولأنَّه حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فإنَّها شَفاعَةٌ له، فَقُدِّمَ وَصِيُّه فيها، كتَفْرِيقِ
..................................
ثُلُثِه.
ووِلايَةُ النِّكاحِ يُقَدَّمُ عندَنا فيها الوَصِىُّ أيضًا على الصَّحِيحِ، وإن سُلِّمَتْ فليست حَقًّا له، إنَّما هي حَقٌّ للمُولَّى عليه، ولأنَّ الغَرَضَ في الصلاةِ الدُّعاءُ والشَّفاعَةُ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فالمَيِّتُ يَحْتَاجُ 1 لذلك مَن هو أظْهَرُ صَلاحًا، وأقْرَبُ إجابَةً، بخِلافِ وِلايةِ النِّكاحِ.
فإن كان الوَصِىُّ فاسِقًا أو مُبْتَدِعًا، لم تُقْبَلِ الوَصِيَّةُ، كما لو كان الوَصِىُّ ذِمِّيًّا.
وإن كان الأقْرَبُ إليه كذلك لم يُقَدَّمْ، وصلَّى غيرُه، كما يُمْنَعُ مِن التَّقْدِيمِ في الصَّلَواتِ الخَمْسَ 2.
والأَمِيرُ أحَقُّ بالصلاةِ عليه بعدَ الوَصِىِّ.
وقال به أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ.
وقال الشافعىُّ، في أَحَدِ قَوْلَيْه: يُقَدَّمُ الوَلِىُّ قِياسًا على تَقْدِيمِه في النِّكاحِ.
ولَنا، قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِى سُلْطَانِهِ» 3. وقال أبو حازِمٍ: شَهِدْتُ حُسَيْنًا حينَ ماتَ الحسنُ يَدْفعُ في قَفا سعيدِ بنِ العاصِ، ويقولُ:
..................................
تَقَدَّمْ، لولا السُّنَّةُ ما قَدَّمْتُكَ 1. وسعيدٌ أمِيرُ المَدِينَةِ.
وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى أحمدُ، بإسْنادِه، عن عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هاشِمٍ، قال: شَهِدْتُ جِنازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ علىِّ، وزيدِ بنِ عُمَرَ، فَصَلَّى عليهما سعيدُ بنُ العاصِ، وكان أمِيرَ المَدِينَةِ، وخَلْفَه يَوْمَئِذٍ ثَمَانُون مِن أصْحابِ
محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فيهم ابنُ عُمَرَ، والحسنُ، والحسينُ 2. وقال علىٌّ رَضِىَ اللهُ عنه: الِإمامُ أحَقُّ مَن صَلَّى على الجِنازَةِ 3. وعن ابنِ مسعودٍ نَحْوُ ذلك.
وهذا أشْهَرُ، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا, ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ فيها الجَماعَةُ، فَقُدِّمَ فيها الأمِيرُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ، وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلَفاؤُه يُصَلُّونَ على الجَنائِزِ، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّهم اسْتَأْذَنُوا أوْلِياءَ المَيِّتِ في التَّقْدِيمِ.
والمُرادُ بالأمِيرِ ههُنا الِإمامُ، فإن لم يكنْ فالأمِيرُ مِن جِهَتِه، فإن لم يكنْ فالنَّائِبُ مِن قِبَلِه في الإِمامَةِ، فإن لم يكنْ فالحَاكِمُ.
..................................
فصل: وأحَقُّ النَّاسِ بالصلاةِ بعدَ ذلك العَصَباتُ، وأحَقُّهم الأبُ، ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإن عَلا، ثم الابنُ، ثم ابْنُه وإن نَزَل، ثم الأخُ العَصَبَةُ، ثم ابْنُه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم المَوْلَى المُعْتقُ، ثم عَصَباتُه.
هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
وقال أبو بكرٍ: في تَقْدِيمِ الأخِ على الجَدِّ قَوْلَان.
وحُكِىَ عن مالِكٍ تَقْدِيمُ الابْنِ على الأبِ؛ لأنَّه أقْوَى تَعْصِيبًا منه، والأخِ على الجَدِّ؛ لأنَّه يُدْلِى بالابْنِ، والجَدُّ يُدْلِى بالأبِ.
ولَنا، أنَّهما اسْتَوَيَا فِى الِإدْلاءِ، والأبُ أرَقُّ وأشْفَقُ، ودُعاؤُه لابْنِه أقْرَبُ إلى الِإجابَةِ، فكان أوْلَى، كالقَرِيبِ مع البَعِيدِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بالصلاةِ الدُّعاءُ للمَيِّتِ والشَّفاعَةُ له، بخِلافِ المِيراثِ.
فصل: وِإنِ اجْتَمَعَ زَوْجُ المَرْأةِ وعَصَبَاتُها، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ تَقْدِيمُ العَصَبَاتِ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ، ومذْهَبُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفَة
يُقَدِّمُ زَوْجَ المرأةِ على ابْنِها منه.
ورُوِى عن أحمدَ تَقْدِيمُ العَصَبَاتِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهي أصَحُّ؛ لأنَّ أبا بكرٍ صَلَّى على زَوْجَتِه، ولم يَسْتَأْذِنْ
..................................
إخْوَتَهَا.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وهو قَوْلُ الشَّعْبِىِّ، وعَطَاءٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وإسْحاقَ.
ولَنا، أنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه قال لأهْلِ امْرَأتِه: أنْتُمْ أحَقُّ بها 1. ولأنَّ الزَّوْجَ قد زَالَتْ زَوْجِيَّتُه بالمَوْتِ، فصار أجْنَبِيًّا، والقَرابَةُ لم تَزُلْ، فعلىِ هذه الرِّوايَةِ، إن لم يكنْ لها عَصَباتٌ، فالزَّوْجُ أوْلَى؛ لأنَّ له سَبَبًا وشَفَقَةَ، فكان أوْلَى مِن الأجْنَبِىِّ.
فصل: فإِنِ اجْتَمَعَ أخٌ مِن أبَوَيْنِ، وأخٌ مِن أبٍ، ففى تَقْدِيمِ الأخِ مِن الأبَوَيْن أو التَّسْوِيَةِ وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ في وِلايَةِ النِّكاحِ.
والحُكْمُ في الأعْمامِ وأوْلادِهم وأوْلادِ الإِخْوَةِ كذلك.
فإنِ انْقَرَضَ العَصَبَةُ فالمَوْلَى المُنْعِمُ، ثم عَصَبَاتُه، ثم الرِّجالُ مِن ذَوِى أرْحامِه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم الأجانِبُ.
فإنِ اسْتَوى وَلِيَّانِ في الدَّرَجَةِ، فأحَقُّهما
..................................
أوْلاهما بالِإمامَةِ في المَكْتُوباتِ.
وقال القاضى: يَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الأسَنِّ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ؛ لأنَّه أقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاءِ، وأعْظَمُ عندَ اللهِ قَدْرًا.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُّمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» 1.
..................................
وفَضِيلَةُ السِّنِّ مُعارَضَةٌ بفَضِيلَةِ العِلْمِ، وقد رَجَّحَها الشَّارِعُ في سائِرِ الصَّلَواتِ، مع أنَّه يُقْصَدُ فيها إجابَةُ الدُّعاءِ، والحَظُّ للمَأْمُومِين، وقد رُوِىَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» 1. ولا يُسَلَّمُ أنَّ المُسِنَّ الجاهِلَ أعْظَمُ قَدْرًا عندَ اللهِ مِن العالِمِ والأقْرَبُ 2 إجابَةً.
فإنِ اسْتَوَوْا وتَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهم، كما في سائِرِ الصَّلَواتِ.
فصل: ومَن قَدَّمَه الوَلِىُّ فهو بمَنْزِلَتِه؛ لأنَّها وِلايةٌ ثَبَتَتْ له، فكانت له الاسْتِنابَةُ فيها، كوِلايةِ النِّكاحِ.
فصل: وإن كان القَرِيبُ عَبْدًا، فالحُرُّ البَعِيدُ أوْلَى منه؛ لأنَّ العَبْدَ
..................................
لا وِلايَةَ له في النِّكاحِ ولا المالِ، كذلك هذا.
فإنِ اجْتَمَعَ صَبِىٌّ ومَمْلُوكٌ ونِسَاءٌ، فالمَمْلُوكُ أوْلَى؛ لأَنَّه تَصِحُّ إمامَتُه بهما، فإن لم يكنْ إلَّا نِساءٌ وصِبْيانٌ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَصِحُّ أن يَؤُمَّ أحَدُ الجِنْسَيْنِ الآخَرَ.
ويُصَلِّى كلُّ نَوْعٍ لأنْفُسِهم, وإمامُهم منهم، ويُصَلِّى النِّساءُ جَماعَةً وإمامَتُهُنَّ في وَسَطِهِنَّ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يُصَلِّينَ مُنْفَرِداتٍ، لا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا، وإن صَلَّيْنَ جَماعَةً
جاز.
ولَنا، أنَّهُنَّ مِن أهلِ الجَماعَةِ، فَسُنَّ أن يُصَلِّينَ جَماعَةً، كالرِّجالِ، وما ذَكَرُوه مِن كَوْنِهِنَّ مُنْفَرِداتٍ، لا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا تَحَكُّمٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بِدَلِيلٍ، وقد صَلَّى أزْواجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - على سعدِ ابنَ أبى وَقَّاصٍ.
رَواه مسلمٌ 1.
..................................
فصل: فإنِ اجْتَمَعَ جَنائِزُ، فتَشاحَّ أولِياؤُهم في مَن يَتَقَدَّمُ للصلاةِ عليهم، قُدِّمَ أوْلاهم بالِإمامَةِ في الفَرائِضِ.
وقال القاضى: يُقَدَّمُ مَن سَبَقَ مَيَتُه.
ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا، فأشْبَهُوا الأوْلِياءَ إذا تَساوَوْا في الدَّرَجَةِ، مع قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ».
وإن أراد وَلِىُّ كلِّ مَيِّتٍ إفْرادَ مَيِّتِهِ بصلاةٍ جاز.
وَغَسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ الْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا.
733 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بغَسْلِ المَرْأةِ)
وَصِيُّها، ثم (الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن نِسائِها) أُمَّهاتُها 1، ثم بِنْتُها، ثم بَنَاتُها، ثم أخَوَاتُها، كما ذَكَرْنا في حَقِّ الرجلِ.
وكلُّ مَن لها رَحِمٌ ومَحْرَمٌ، بحيث لوَ كانت رَجُلًا لم يَحِلَّ له نِكاحُها، أوْلَى بها ممَّن لا رَحِمَ لها وبعدَها التى لها رَحِمٌ وليست بمَحْرَمٍ، كبَناتِ العَمِّ، والعَمَّاتِ، وبَنَاتِ الخَالِ،
وَلِكُلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صَاحِبِهِ [38 ظ], فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ, وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ سُرِّيَّتِهِ.
والخَالَةِ، فهُنَّ أوْلَى مِن الأجانِبِ.
وبهذا قال الشافعيُّ إن لم يكنْ لها زَوْجٌ.
فإن كان لها زَوْجٌ، فهل يُقَدَّمُ على النِّساءِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ؛ لأنَّه يَنْظُرُ منها إلى مالا يَنْظُرُ النِّساءُ.
والثَّانِي، يُقَدَّمُ النِّساءُ على الزَّوْجِ؛ لأنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَزُولُ بالمَوْتِ، والرَّحِمَ لا يَزُولُ، كما ذَكرْنا في حَقِّ الرجلِ.
734 -
مسألة: (ولِكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صاحِبهِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، كذلك السَّيِّدُ مع سُرِّيَّتِه)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالى، في غَسْلِ كلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ الآخَرَ، فرُوِىَ عنه
..................................
الجَوازُ فيهما، نَقَلَها عنه حَنْبَلٌ.
ورُوِىّ عنه المَنْعُ مُطْلَقًا، حَكاها ابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِى عنه التَّفْرِقَةُ، وهو جَوازُ غَسْلِ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ.
والقولُ بجَوازِ غَسْلِ المرأةِ زَوْجَها قولُ أهلِ العلمِ، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
قالت عائشةُ: لو اسْتَقْبَلْنَا مِن أمْرِنا ما اسْتَدْبَرْنا ما غَسَّلَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا نِساؤُه.
رَواه أبو داودَ 1. وأوْصَى أبو بكرِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أن تُغَسِّلَه امْرَأتُه أسْماءُ بنتُ عُمَيْسٍ، فَفَعَلَتْ.
وغَسَّلَ أَبا موسى امْرَأَتُه أُمُّ عبدِ اللهِ 2. قال أحمدُ: ليس فيه اخْتِلافٌ بينَ الْنَّاسِ.
وعنه، لا يَجُوزُ.
حَكَى عنه صالِحٌ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لأنَّها فُرْقَةٌ بينَ الزَّوْجَيْنِ، أشْبَهَتِ الطَّلاقَ، ولأنَّها أحَدُ الزَّوْجَيْن، أشْبَهَتِ الآخَرَ.
..................................
فصل: والمَشْهُورُ عن أحمدَ جوازُ غَسْلِ الرجلِ زَوْجَتَه.
وهو قولُ عَلْقَمَةَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ يَزيدَ 1، وجابِرِ بنِ زَيدٍ، وسُلَيْمانَ بنِ يَسارٍ، وأبى سَلَمَةَ، وأبى قَتَادَةَ، وحَمَّادٍ، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، ليس للزَّوْجِ غَسْلُها.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ المَوْتَ فُرْقَةٌ تُبِيحُ أُخْتَها، وأرْبَعًا سِواها، فحَرَّمَتِ اللَّمْسَ والنَّظَرَ، كالطَّلاقِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ عليًّا،
رَضِىَ اللهُ عنه، غَسَّلَ فَاطِمَةَ، عليها السَّلامُ 2. واشْتَهَرَ ذلك، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْمَاعًا, ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشةَ: «لَوْ مِتِّ قَبْلِى لَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ».
رَواه ابنُ ماجه 3. والأصْلُ في إضَافَةِ الفِعْلِ إلى الشَّخْصِ أن يكونَ للمُباشَرَةِ، فإنَّ حَمْلَه على، الأمْرِ يُبْطِلُ فائِدَةَ
..................................
التَّخْصِيصِ، ولأنَّه أحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فأُبِيحَ له غَسْلُ صاحِبِه، كالآخَرِ.
والمَعْنَى في ذلك أنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْن يَسْهُلُ عليه اطِّلاعُ الآخَرِ على عَوْرَتِه؛ لِما كان بَينَهما في الحياةِ، ويَأْتِي بالغَسْلِ على ما يُمْكِنُه، لِما كان بينَهما مِن المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ.
وما قَاسُوا عليه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَمْنَعُ الزَّوْجَةَ مِن النَّظَرِ، بخِلافِ هذا, ولأنَّه لا فَرْقَ بينَ الزَّوْجَيْن إلَّا بَقَاءُ العِدَّةِ.
ولو وضَعَتْ حَمْلَها عَقِيبَ مَوْتِهِ كان لها غَسْلُه وقد انْقَضَتْ عِدَّتُها.
فصل: فإن طَلَّقَ امْرَأتَه طَلاقًا بائِنًا، ثم مات أحَدُهما في العِدَّةِ، لم يَجُزْ لواحِدٍ منهما غَسْلُ الآخَرِ؛ لأنَّ اللَّمْسَ والنَّظَرَ مُحَرَّمٌ حالَ الحياةِ، فبعدَ المَوْتِ أوْلَى.
وإن كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، وقُلْنا: الرَّجْعِيَّةُ مُحَرَّمَةٌ.