الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 286-289

..................................  اللهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ».
ولكنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَاباً بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ».
وقالَتْ: حَسْبُكم القُرْآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 1. وذَكَر ذلك ابنُ عباسٍ لابنِ عُمَرَ، حينَ روَى حَدِيثَه، فما قال شيئاً.
رَواه مسلمٌ 2. وحَمَلَه قَوْمٌ علىْ مَن كان النَّوْحُ سُنَّتَه، ولم يَنْهَ عنه أهْلَه، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ 3. وقولِ النبىِّ -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه» 4. وحَمَلَه آخَرُون على مَن

..................................  أوْصَى بذلك في حَياتِه، كقَوْلِ طَرَفَةَ 1: إذا مُتُّ فانْعِينِى بما أنا أهْلُهُ … وشُقِّى عَلَىَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبدِ وقال آخَرُ: مَنْ كان مِن أُمَّهاتِى بَاكِياً أبَداً … فاليَوْمَ إنِّي أرَانِى اليَوْمَ مَقْبُوضَا ولابُدَّ مِنِ حَمْلِ البُكاءِ في هذا الحَدِيثِ على البُكاءِ الذى معه نَدْبٌ ونِياحَةٌ، ونحْوُ هذا؛ بدَلِيلِ ما قَدَّمْنا مِن الأحاديثِ.
فصل: ويُكْرَهُ النَّعْىُ، وهو أن يَبْعَثَ مُنادِياً يُنَادِى في النَّاسِ: إنَّ فُلاناً مات.
ليَشْهَدُوا 2 جِنازَتَه؛ لِما روَى حُذَيْفَةُ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَنْهَى عن النَّعْىِ.
قال التِّرْمِذِىُّ 3: هذا حديثٌ حسنٌ.
واسْتَحَبَّ جَماعَةٌ مِن أهلِ العلمِ أن لا يُعْلَمَ الناسُ بجَنائِزِهم؛ منهم ابنُ مسعودٍ،

..................................  وعَلْقَمَةُ، والرَّبِيعُ بنُ خُثَيْمٍ، وعَمْرُو بنُ شُرَحْبِيلَ 1، قال: إذا أنا مُتُّ فلا أُنْعَى.
وقال كَثِيرٌ مِن أهلِ العلمِ: لا بَأْسَ مِن أن يُعْلَمَ بالرجلِ إخْوانُه ومَعارِفُه وذوو الفَضْلِ، من غيرِ نِداءٍ.
قال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: لا بَأْسَ أن يُعْلِمَ الرجلُ إخْوانَه وأصْحابَه، إنَّما كانُوا يَكْرَهُون أن يُطافَ في المَجالِسِ: أنْعِى فُلاناً.
كفِعْلِ أهلِ الجاهِليَّةِ 2. ومِمَّن رَخَّصَ في هذا؛ أبو هُرَيْرَةَ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ سِيرِينَ.
فرُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه لَمّا نُعِىَ له رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: كيف تُرِيدُون أن تَصْنَعُوا به؟ قالُوا: نَحْبِسُه حتى نُرْسِلَ إلى قُباءَ، وإلى قُرَياتٍ 3 حَوْلَ المَدِينَةِ، ليَشْهَدُوا جِنازَتَه.
قال: نِعْمَ ما رَأيْتُم 4. وقال النبىُّ -صلى الله عليه وسلم- في الذى دُفِن لَيْلاً: «ألَا آذَنْتُمُونِى» 5. وقد صَحَّ أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- نَعَى النَّجاشِىَّ، في اليَوْمِ الذى مات فيه.
مُتَّفَقٌ عليه 6. ولأنَّ في كَثْرَةِ المُصَلِّين عليه أجْراً لهم،

..................................  ونَفْعاً للميِّتِ، فإنَّه يَحْصُلُ لكلِّ مُصَلٍّ منهم قِيراطٌ مِن الأجْرِ.
وروَى الإِمامُ أحمدُ 1، بإسْنادِه، عن أبى المَلِيحِ، أنَّه صَلَّى على جِنازَةٍ، فالْتَفَتَ فقالَ: اسْتَوُوا, ولْتَحْسُنْ شَفَاعَتُكُمْ، ألا وإنَّه حَدَّثَنِى عبدُ اللهِ بنُ سَلِيطٍ، عن إحْدَى أُمَّهاتِ المؤمنين، وهى مَيْمُونَةُ، وكان أخاها مِن الرَّضاعَةِ، أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ».
فسَألْتُ أبَا المَلِيحِ عن الأُمَّةِ؟ فقالَ: أرْبَعُونَ.
آخِرُ الصلاةِ.
والحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

جارٍ التحميل