الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 246-285

..................................  حَقُّهم بمالِه في مَرَضِه.
وإن كان المالُ لغيرِه، وابْتَلَعَه بإذْنِه، فهو كمالِه؛ لأنَّ صاحِبَه أذِنَ في إتْلافِه.
وإنِ ابْتَلَعَه غَصْبًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُشَقُّ بَطْنُهُ، ويُغْرَمُ مِن تَرِكَتِه؛ لِما في ذلك مِن المُثْلَةِ، ولأنَّه إذا لم يُشَقَّ بَطْنُ الحامِلِ مِن أجْلِ الوَلَدِ المَرْجُوِّ حياتُه، فمِن أجْلِ المالِ أوْلَى.
والثّانِى، يُشَق إن كَثُرَتْ قِيمَتُه؛ لأنَّ فيه دَفْعَ الضَّرَرِ عن المالِكِ برَدِّ مالِه إليه، وعن المَيِّتِ بإبْراءِ ذمَّتِه، وعن الوَرَثَةِ بحِفْظِ التَّرِكَةِ لهم.
ويُفارِقُ الجَنِينَ مِن وَجْهيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَتَحَققُ حَياتَه.
والثّانِى، أنَّه ما حَصَلَ

..................................  بجِنايَتِه.
فإن لم يَكُنْ له تَرِكَةٌ، ولم يَتَبَرَّعْ إنْسان بتَخْلِيصِ ذِمَّتِه، شُقَّ بَطْنُه على كلا الوَجْهيْن.
وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، إذا بَلِىَ جَسَدُه، وغَلَب على الظَّنِّ ظُهُورُ المالِ وتَخْلِيصُه مِن أعْضاءِ المَيِّتِ جاز نَبْشُه وإخْراجُه،

..................................  لِما روَى أبو داودَ 1، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هذَا قَبْرُ أبِى رِغَالٍ 2، وَآيَةُ ذَلِكَ أنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهبٍ، إنْ أنْتُمْ نَبَشْتُم عَنْهُ أصَبْتُمُوهُ مَعَهُ».
فابْتَدَرَه النّاسُ، فاسْتَخْرَجُوا الغُصْنَ.
ولو كان في أُذُنِ المَيِّتِ حَلَقٌ، أو في أُصْبُعِه خاتَمٌ أُخِذَ.
فإن صَعُبَ أخْذُه بُرِد، وأُخِذَ؛ لأنَّ تَرْكَه تَضْيِيعٌ للمالِ.
وإن كُفِّنَ بثَوْبٍ مَغْصُوبٍ غَرِم قِيمَتَه مِن تَرِكَتِه، ولا يُنْبَشُ.
ذَكَرَه القاضى؛ لِما فيه مِن هَتْكِ حُرْمَتِه مع إمْكانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بدُونِها.
ويَحْتَمِلُ أن يُنْبَشَ إن كان الكَفَنُ باقِيًا بحالِه، ليُرَدَّ إلى مالِكِه عَيْنُ مالِه، وإن كان بالِيًا فقِيمَتُه في تَرِكَتِه وإن دُفِن في أرْضٍ غَضبٍ، أو أرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بينَه وبينَ غيرِه بغيرِ إذْنِ الشَّرِيك، نُبِش وأُخْرِج؛ لأنَّ القَبْرَ في الأرْضِ يَدُومُ ضَرَرُه، ويَكْثرُ، بخِلافِ الكَفَنِ، وإن أَذِنَ المالِكُ في الدَّفْنِ في أرْضِه، ثم أراد إخْراجَه لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا.
وإن بَلِىَ المَيِّتُ وعاد تُرابًا، فلصاحِب الأرْضِ أخْذُها.
وكلُّ مَوْضِع أجَزْنا نَبْشَه لحُرْمَةِ مِلْكِ الآدَمِىِّ، فالأفْضَلُ تَرْكُه.

..................................  فصل: وإن دُفِن مِن غيرِ غَسْل، أو إلى غيرِ القِبْلَةِ نُبِش، وغُسِّلَ، ووُجِّة، إلأ أن يُخافَ عليه أن يَتَفسَّخَ، فيُتْرَكُ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُنْبَشُ؛ لأنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ، وقد نُهِىَ عنها.
ولَنا، أنَّ هذا واجِبٌ فلا يَسْقُطُ بذلك، كإخْراجِ له قِيمَةٌ.
وقَوْلُهم: إنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ.
قُلْنا: إنَّمَا هو مُثْلَةٌ في حَقِّ مَن تغَيَّرَ، وهو لا يُنْبَشُ.
فصل: وإن دُفِن قبلَ الصلاةِ عليه، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُنْبَش ويُصَلَّى عليه.
وعنه، إن صُلِّىَ على القَبْرِ جاز.
واخْتارَ القاضى أنَّه يُصلَّى على القَبْر، ولا يُنْبَشُ.
وهو مَذْهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على قَبْرِ المِسْكِينَةِ ولم يَنْبُشْها 1. ولَنا، أنَّه دُفِن قبلَ واجِبٍ، أشْبَهَ

..................................  مالو دُفِن مِن غيرِ غَسْلٍ، وإنَّما يُصَلَّى على القَبْرِ عندَ الضَّرُورَةِ.
وأمَّا المِسْكِينَةُ فقد كان صُلِّىَ عليها، فلم تَبْقَ الصلاةُ عليها واجِبَةً، فلذلك لم تُنْبَشْ.
فإن تَغَيَّرَ المَيِّتُ، لم يُنْبشْ بحالٍ.
فصل: وإن دُفِن بغيرِ كَفَنٍ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُتْرَكُ؛ لأنَّ القَصْدَ بالكَفَنِ سَتْرُه، وقد حَصَل بالتُّرابِ.
والثّانِى، يُنْبَشُ ويُكَفَّنُ؛ لأنَّ التَّكْفِينَ واجِبٌ، فأشْبَة الغَسْلَ.
والله أعلمُ.
فصل: ولا يَجُوزُ الدَّفْنُ في السّاعاتِ التى نَهى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الدَّفْنِ فيها في حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عامِرِ، وهو قَوْلَه: ثَلاثُ ساعاتٍ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا عن الصلاةِ فيهِنَّ، وأن نَقْبُرَ فيهِنَّ مَوْتانا، حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتى تَرْتَفِعَ، وحينَ يَقُومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ، وحِينَ تَتَضَيَّف الشَّمْسُ للغُرُوبِ حتى تَغْرُبَ.
رَواه مسلمٌ 1. ومَعْنَى تَتَضَيَّفُ: أى تَجْنَحُ وتَمِيلُ للغُرُوبِ، مِن قَوْلِك: تَضَيَّفْتُ فُلانًا، إذا مِلْتَ إليه.
فأمّا في غيرِ هذه الأوْقاتِ فيَجُوزُ الدَّفْنُ لَيْلًا ونَهارًا.
قال أحمدُ في الدَّفْنِ باللَّيْلِ: وما بأْسٌ بذلك، أبو بكر دُفِن لَيْلًا، وعلىٌّ دَفَن فاطمةَ لَيْلًا.
وحَدِيثُ عائِشةَ: كُنّا سَمِعْنا صَوْتَ المَساحِى مِن آخِرِ اللَّيْلِ في دَفْنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - 2. ودُفِن

..................................  عثمانُ، وعائشةُ لَيْلًا.
وهذا قولُ عُقْبَةَ بنٍ عامِر، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والثَّوْرىِّ، والشافعىِّ، وإسحاق.
وعنه، أنَّه يُكْرَهُ.
وهو قولُ الحسنِ؛ لِما روَى مسلمٌ 1، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر رجلًا مِن أصحابِه قُبِض، فكُفِّنَ في كَفَنٍ غيرِ طائِلٍ، ودُفِن لَيْلًا، فزَجَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُقْبَرَ الرجلُ باللَّيْلِ، إلَّا أن يُضْطَرَ إنْسانٌ إلى ذلك.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ الصحابةِ.
وروَى ابنُ مسعودٍ، قال: واللهِ لَكَأنِّى أسْمَعُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهو في قَبْرِ ذى البِجَادَيْن 2، وأبو بكرٍ وعُمَرُ، وهو يقولُ: «أدْنِيَا مِنِّى أخَاكُمَا حَتَّى أَسْنُدَهُ فِى لَحْدِهِ».
ثم قال لَمّا فَرَغ مِن دَفْنِه، وقام على قَبْرِه مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ: «اللَّهُمَّ إنِّى أمْسَيْتُ عَنْهُ رَاضِيًا فَارْضَ عَنْهُ».
وكان ذلك لَيْلًا، قال: فواللهِ لقد رَأيْتُنِى ولوَدَدْتُ أنِّى مَكَانَه، ولقد أسْلَمْتُ قبلَه بخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وأخَذَه مِن قِبَلِ القِبْلَةِ.
رَواه الخَلَّالُ في «جامِعِه» 3. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل قَبْرًا لَيْلًا، فأُسْرِجَ له سِراجٌ، فأخَذَ مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وقال: «رَحِمَكَ اللهُ، إنْ كُنْتَ لَأوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ» 4. قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ حسنٌ.

وَإنْ مَاتَتْ حَامِلٌ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا، وَتَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ فَيُخْرِجْنَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُشَقَّ بَطنُهَا، إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَا.
ولأنَّه أحَدُ الزَّمانَيْن، فجاز الدَّفْنُ فيه كالنَّهارِ.
وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على التَّأدِيبِ، والدَّفْنُ بالنَّهارِ أوْلَى؛ لأنَّه أسْهَلُ على مُتَّبِعِها، وأكثَرُ للمُصَلِّين عليها، وأمْكَنُ لاتِّباعِ السُّنَّةِ في دَفْنِه وإلحادِه.

810 -

مسألة: (وإن ماتَتْ حامِلٌ لم يُشَقَّ بَطْنُها، وتَسْطُو عليه القَوابِلُ، فيُخْرِجْنَه)

إذا ماتَتْ حامِلٌ، وفى بَطْنِها وَلَدٌ يَتَحَرَّكُ وتُرْجَى حَياتُه، لم يُشَقَّ بَطْنُها، مُسْلِمَةً كانت أو ذِمِّيَّةً، ويُدْخِلُ القَوابِلُ أيْدِيَهُنَّ في فَرْجِها، فيُخْرِجْن الوَلَدَ مِن مَخْرَجِه.
فإن لم يُوجَدْ نِساءٌ لم يَسْطُ الرجالُ عليه؛ لِما فيه مِن هَتْكِ المَيِّتةِ وتُتْرَكُ حتى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه.
ومَذْهَبُ مالكٍ، وإسحاقَ نَحْوُ هذا (وَيحْتَمِلُ أن يُشَقَّ بَطْنُها، إذا غَلَب على الظَّنِّ أنّه يَحْيا) وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، لأنَّه إتْلافُ جُزْءٍ مِن المَيِّتِ لِإبْقاءِ حَىٍّ، فجاز، كما لو خَرَج بعْضُه حَيًّا، ولم يُمْكِنْ خُرُوجُ باقِيه إلَّا بالشَّقِّ، ولأنَّه يُشَقُّ لِإخْراجِ المالِ، فإبْقاءُ الحَىِّ أوْلَى.
ولَنا، أنَّ هذا

..................................  الوَلَدَ لا يَعِيشُ عادَةً، ولا يَتَحَقَّقُ أنَّه يَحْيا، فلا يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لأمْرٍ مَوْهُومٍ، وقد قال عليه السَّلامُ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَىِّ».
رَواه أبو داودَ 1. وفيه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُثْلَةِ 2. وفارَقَ الأصْلَ؛ فإنَّ حَياتَه مُنْتَفِيَةٌ 3، وبَقاؤُه مَظْنُونٌ.
فعلى هذا إن خَرَج بعضُ الوَلَدِ حَيًّا، ولم يُمْكِنْ إخْراجُه إلَّا بالشَّقِّ، شُقَّ المَحَلُّ، وأُخْرِجَ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن مات على حالِه، فأَمْكَنَ إخْراجُه، أُخْرِجَ وغُسِّلَ، وإن تَعَذَّرَ خُرُوجُه غُسِّلَ ما ظَهَر مِن الوَلَدِ، وما بَقِىَ ففى حُكْمِ الباطِنِ لا يَحْتاجُ إلىْ تَيَمُّمٍ؛ لأنَّ الجَمِيعَ كان في حُكْمِ الباطِنِ، وظَهَر البَعْضُ، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ به، وما بَقِىَ فهو على ما كان عليه.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وقال: هى حادِثَةٌ سُئِلْتُ عنها.

وَإنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ، دُفِنَتْ وَحْدَهَا، وَيجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ.

811 - مسألة: (وإن ماتَتْ ذِمِّيَّةٌ حامِلٌ مِن مُسْلِمٍ دُفِنَتْ وَحْدَها، ويُجْعَلُ ظَهْرُها إلى القِبْلَةِ)

وإنَّما اخْتارَ أحمدُ ذلك؛ لأنَّها كافِرَةٌ، فلا تُدْفَنُ في مَقْبَرَةِ المسلمين، ووَلَدُها مَحْكُومٌ بإسْلامِه، فلا يُدْفَنُ بينَ الكُفَّارِ، مع أنَّ ذلك رُوِىَ عن واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ، وعن عُمَرَ، أنَّها تُدْفَنُ في مَقابِرِ المسلمين 1. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ ذلك.
قال أصحابُنا: ويُجْعَلُ

وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ، فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
ظَهْرُها إلى القِبْلَةِ علىِ جانِبِها الأيْسَرِ، ليَكُونَ وَجْهُ الجَنِينِ إلى القِبْلَةِ على جانِبِه الأيْمَنِ؛ لأنَّ وَجْهَ الجَنِينِ إلى ظَهْرِها.

812 -

مسألة: (ولا تُكْرَهُ القِراءَةُ على القَبْرِ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن)

هذا هو المَشْهُورُ عن أحمدَ، فإنَّه رُوِىَ عنه، أنَّه قال: إذا دَخَلْتُم المَقابِرَ اقْرَأُوا آيَةَ الكُرْسِىِّ، وثَلاثَ مِرارٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم قُلْ: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَه لأهْلِ المَقابِرِ.
ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: القِراءَةُ عندَ القَبْرِ بِدْعَةٌ،

..................................  ورُوِىَ ذلك عن هُشَيْمٍ.
قال أبو بكرٍ: نَقَل ذلك عن أحمدَ جَماعَةٌ، ثم رَجَع رُجُوعًا أبانَ به عن نَفْسِه.
فَرَوَى جَماعَةٌ، أنَّ أحمدَ نَهَى ضَرِيرًا يَقْرَأُ عندَ القَبْرِ، وقال له: القِراءَةُ عندَ القَبْرِ بِدْعَةٌ.
فقالَ له محمدُ بنُ قُدامَةَ الجَوْهَرِىُّ 1: يا أبا عبدِ اللهِ: ما تَقُولُ في مُبَشرٍ الحَلَبِىِّ 2؟ قال: ثِقَةٌ.
قال: فأخْبَرَنِى مُبَشِّرٌ، عن أبيه، أنَّه أوْصَى إذا دُفِن أن يُقْرَأَ عندَه بفاتِحَةِ البَقَرَةِ وخاتِمَتِها، وقال: سمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يُوصِى بذلك.
فقالَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ: فارْجِعْ فقُلْ للرجلِ يَقْرَأَ.
وقال الخَلَّالُ: حَدَّثَنِى أبو علىٍّ الحسنُ ابنُ الهَيْثَمِ البَزَّارُ 3، شيخُنا الثِّقَةُ المَأْمُونُ، قال: رَأيْتُ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ يُصلِّى خَلْفَ ضَرِيرٍ يَقْرَأُ على القُبُورِ.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:

وَأَىُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ.
«مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ أوْ أحَدِهِمَا، فَقَرَأ عِنْدَهُ أوْ عِنْدَهُمَا يسَ، غُفِرَ لَهُ» (1). ورُوِىَ عنه، عليه السَّلامُ، أنَّه قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأ سُورَةَ يسَ، خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» (2).

813 -

مسألة: (وأىُّ قُرْبَةٍ فَعَلَها وجَعَل ثَوابَها للمَيِّتِ المُسْلِمِ، نَفَعَه ذلك)

أمّا الدُّعاءُ، والاسْتِغْفارُ، والصَّدَقَةُ، وقَضاءُ الدَّيْنِ، وأداءُ12

..................................  الواجِباتِ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إذا كانتِ الواجِباتُ مِمّا يَدْخُلُه النِّيابَةُ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ 1 وقال سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ 2. ودُعاءُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبى سَلَمَةَ حينَ مات 3، وللمَيِّتِ الذى صَلَّى عليه 4، ولذى البِجادَيْن 5 حينَ

..................................  دَفَنَه 1. وشَرَع اللهُ تعالى ذلك لكلِّ مَن صَلَّى على مَيِّتٍ.
وسَأل رجلٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يارسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى ماتَتْ، أَيَنْفَعُها إن تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: «نَعَمْ».
رَواه أبو داودَ 2. وجاءَتِ امرأةٌ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَتْ: يارسولَ اللهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبى شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ على الرّاحِلَةِ، أفَأحُجُّ عنه؟ قال:

..................................  «أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قَاضِيَتَهُ».
قالَتْ: نعم.
قال: «فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقْضَى» 1. وقال في الذى سَألَه، إنَّ أُمِّى ماتَتْ وعليها صَوْمُ شَهْرٍ، أفَأصُومُ عنها؟ قال: «نَعَمْ» 2. وكلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ، وفيها دَلالَةٌ على انْتِفَاعِ المَيِّتِ بسائِرِ القُرَبِ، لأنَّ الصومَ،

..................................  والحَجَّ، والدُّعاءَ، والاسْتِغْفَارَ، كلُّها عِباداتٌ بَدَنِيَّةٌ، وقد أوْصَلَ اللهُ نَفْعَها إلى المَيِّتِ، فكذلك ما سِواها، مع ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ في ثَوابِ مَن قَرَأ يسَ، وتَخْفِيفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عن أهلِ المَقابِرِ بقِراءَتِه.
ولأنَّه عَمَلُ بِرٍّ وطاعَةٍ، فوَصَلَ نَفْعُه وثَوابُه، كالصَّدَقَةِ، والصيامِ، والحَجَّ الواجِبِ.
وقال الشافعىُّ: ما عَدَا الواجِباتِ، والصَّدَقَةَ، والدُّعاءَ، والاسْتِغْفَارَ، لا يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، ولا يَصِلُ ثَوابُه إليه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ 1. وقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أوْ ولَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» 2. ولأن نَفْعَه لا يَتَعَدَّى فاعِلَه، فلا يَتَعَدَّاه ثَوابُه.
وقال بعضُهم: إذا قُرِئ القُرْآنُ عندَ المَيِّتِ، أو أُهْدِىَ إليه ثَوابُه، كان الثَّوابُ لقارِئِه، ويَكُونُ المَيِّتُ كأنَّه حاضِرُها، فتُرْجَى له الرَّحْمَةُ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، وأنَّه إجْماعُ المُسْلِمِين؛ فإنَّهم في كلِّ عَصْرٍ

..................................  ومِصْرٍ يَجْتَمِعُون ويَقْرَءُون القُرْآنَ، ويُهْدُون ثَوابَه إلى مَوْتاهم مِن غيرِ نَكِيرٍ.
ولأنَّ الحَدِيثَ صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهلِهِ عَلَيْهِ» 1. واللهُ أكْرَمُ مِن أْن يُوصِلَ عُقُوبَةَ المَعْصِيَةِ إليه، ويَحْجُبَ عنه المَثُوبَةَ.
والآيةُ مَخْصُوصَةٌ بما سَلَّمُوه، فيُقاسُ عليه ما اخْتَلَفْنَا فيه؛ لكَوْنِه في مَعْناه.
ولا حُجَّةَ لهم في الخَبَرِ الذى احْتَجُّوا به؛ لأنَّه إنَّمَا دَلَّ على انْقِطاعِ عَمَلِه، وليس هذا مِن عَمَلِه فلا دَلالَةَ فيه عليه، ولو دَلَّ عليه كان مَخْصُوصًا بما سَلَّمُوه، فيَتَعَدَّى إلى ما مَنَعُوه، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ تَعَدِّىَ الثَّوابِ ليس بفَرْعٍ لتَعَدِّى النَّفْعِ، ثم هو باطِلٌ بالصومِ والدُّعاءِ والحَجِّ، وليس له أصْلٌ يُعْتَبَرُ به.
واللهُ أعلمُ.

ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ.

814 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أنْ يُصْلَحَ لأهلِ المَيِّتِ طَعامٌ، يُبْعَثُ إليهم، ولا يُصْلِحُون هم طَعامًا للنّاسِ)

لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ، قال: لَمّا جاء نَعْىُ جَعْفَرٍ، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوا لآلِ جَعْفرٍ طَعَامًا، فَقَدْ جَاءَهُمْ أمْرٌ شَغَلَهُمْ».
رَواه أبو داودَ 1. ويُرْوَى عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، أنَّه قال: فما زالَتِ السُّنَّةُ فينا، حتى تَرَكَها مَن تَرَكَها.
ولأنَّ أهلَ المَيِّتِ رُبَّما اشْتَغَلُوا بمُصِيبَتِهم وبمَن يَأْتِى إليهم عن

فصل: وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقبُورِ.
وَهَلْ تُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
إصْلاحِ طَعامٍ لهم، ولأنَّ فيه جَبْرًا لقُلُوبِهم.
فأمّا إصْلاحُ أهلَ المَيِّتِ طَعامًا للنّاسِ فَمَكْرُوهٌ؛ لأنَّه زِيادَةٌ على مُصِيبَتِهم، وشُغْلٌ لهم إلى شُغْلِهِم، وتَشْبِيهٌ بصَنِيعِ أهلِ الجَاهِلِيَّةِ.
وقد رُوِىَ أنَّ جَرِيرًا وَفَد على عُمَرَ، فقالَ: هل يُناحُ على مَيِّتِكم؟ قال: لا.
قال: فهل يَجْتَمِعُون عندَ أهْلِ المَيِّتِ، ويَجْعَلُون الطَّعامَ؟ قال: نعم.
قال: ذلك النَّوْحُ 1. وإن دَعَتِ الحاجَةُ 2 إلى ذلك جاز؛ فإنَّه رُبَّما جاءَهم مَن يَحْضُرُ مَيِّتَهم مِن أهلِ القُرَى البَعِيدَةِ، ويَبِيتُ عندَهم، فلا يُمْكِنُهم إلَّا أن يُطْعِمُوه.
(فصل: ويُسْتَحَبُّ للرِّجالِ زِيارَةُ القُبُورِ.
وهل تُكْرَهُ للنِّساءِ؟ على رِوايَتَيْنِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ زِيارَةِ الرجالِ

..................................  القُبُورَ.
قال علىُّ بنُ سعيدٍ: قُلْتُ لأحمدَ: زِيارَةُ القُبورِ أفْضَلُ أم تَرْكها؟ قال: زِيارَتُها.
وقد صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإنَّها تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» 1. وللتِّرْمِذِىِّ:

..................................  «فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ».
فأمّا زِيارَةُ القُبُورِ للنِّساءِ ففيها رِوايَتانِ؛ إحْداهما، الكَراهَةُ؛ لِما رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: نُهِينَا عن زِيارَةِ القُبُورِ، ولم يُعْزَمْ علينا.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: - «لَعَنَ اللهُ زَوَّارَاتِ 2 القُبُورِ» 3. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا 4 حَدِيثٌ صحيحٌ.
وهذا خاصٌّ في النِّساءِ، والنَّهْىُ المَنْسُوخُ كان عامًّا للرجالِ والنِّساءِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه كان خاصًّا للرِّجالِ.
ويَحْتَمِلُ كَوْنَ الخَبَرِ في لَعْنِ زَوّاراتِ القُبُورِ بعدَ أمْرِ الرِّجالِ بزِيارَتِها، فقد دار بينَ الحَظْرِ والِإباحَةِ، فأقَلُّ أحْوالِه الكَراهَةُ.
ولأنَّ المرأةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، كَثِيرَةُ الجَزَعِ، وفى

..................................  زِيارَتِها للقَبْرِ تَهْيِيجٌ لحُزْنِها 1، وتَجْدِيدٌ لذِكْرِ مُصابِها، فلا يُؤْمَنُ أن يُفْضِىَ بها ذلك إلى فِعْل ما لا يَحِلُّ، بخِلافِ الرجلِ، ولهذا اخْتَصَصْنَ بالنَّوْحِ والتَّعْدِيدِ، وخُصِصْنَ بالنَّهْىِ عن الحَلْقِ والصَّلْقِ 2 ونحوِهما.
والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، لا يُكْرَهُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا».
وهو يَدُلُّ على سَبْقِ النَّهْىِ ونَسْخِه، فيَدْخُلُ فيها الرجالُ والنِّساءُ.
وروَى ابنُ أبى مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنَّها زارَتْ قَبْرَ أخِيهِا، فقالَ لها: قد نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن زِيارَةِ القُبُورِ.
قَالَتْ: نعم قد نهَى، ثم أمَرَ بزِيارَتِها 3. وروَى التِّرْمِذِىُّ، أنَّ عائشةَ زارَتْ قَبْرَ أخِيها.
وروَى عنها أنَّها قالَتْ: لو شَهِدْتُه ما زُرْتُه 4.

وَيَقُولُ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ،

815 - مسألة: (ويَقُولُ إذا زارَها، أو مَرَّ بها)

ما روَى مسلم 1، عن بُرَيْدَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُهم إذَا خَرَجُوا إلى المَقابِرِ، فكان قَائِلُهم يَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدِّيارِ مِن الْمُؤْمِنِينَ

وَإنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ الله الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ.
والْمُسْلِمِينَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ 1، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ».
وفى حَدِيثِ عائشةَ: «وَيَرْحَمُ الله المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ 2». وفى حَدِيثٍ آخَرَ: «اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُمْ، ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُم 3». وإن زاد: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ولهم.
كان حَسَنًا.

وَيسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ،

816 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أهْلِ المَيِّتِ)

لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وسَواءٌ في ذلك قبلَ 1 الدَّفْنِ وبعدَه، إلَّا أنَّ الثَّوْرِىَّ قال: لا يُسْتَحَبُّ بعدَ الدَّفْنِ؛ لأنَّه خَاتِمَةُ أمْرِه.
ولَنا، قَوْلُه عليه السَّلامُ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أجْرِهِ» 2. قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ غريبٌ.

..................................  وروَى ابنُ ماجه 1، بإسْنادِه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّى أخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إلَّا كَسَاهُ الله مِن حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
والمقْصُودُ بالتَّعْزِيَةِ تَسْلِيَةُ أهْلِ المُصِيبَةِ، وقَضاءُ حُقُوقِهم، وسَواءٌ في ذلك قبلَ الدَّفْنِ وبعدَه.
ويُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ كلِّ أهْلِ المُصِيبَةِ؛ كِبارِهم وصِغارِهم، ويَبْدَأُ بخِيارِهم والمَنْظُورِ إليه منهم؛ لِيَسْتَنَّ به غيرُه، وذى الضَّعْفِ منهم عن تَحَمُّلِ المُصِيبَةِ؛ لحاجَتِه إليها.
ولا يُعَزِّى الرجلُ الأجْنَبِىُّ شَوابَّ النِّساءِ؛ مَخافَةَ الفِتْنَةِ.

وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا.
فصل: (ويُكْرَهُ الجُلُوسُ لها) وذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه مُحْدَثٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الاجْتِماعُ بعدَ خُرُوجِ الرُّوحِ؛ لأنَّ فيهْ تَهْيِيجًا للحَزْنِ.
وقال أحمدُ: أكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عندَ القَبْرِ، إلَّا لمَن لم يُعَزِّ، فيُعَزِّى إذا دُفِن المَيِّتُ، أو قبلَه.
وقال: إن شِئْتَ أخَذْتَ بيَدِ الرجلِ في التَّعْزِيَةِ وإن شِئْتَ فلا.
وإذا رَأى الرجلَ قد شَقَّ ثَوْبَه على المُصِيبَةِ عَزّاه، ولم يَتْرُكْ حَقًّا لباطِلٍ، وإن نَهاه فحَسَنٌ.

وَيَقُولُ فِى تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أعْظَمَ اللهُ أجْرَكَ، وَأحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ،

817

  • مسألة: (و يَقُولُ في تَعْزِيَةِ المُسْلِمِ بالمُسْلِمِ: أعْظَمَ 1 الله أجْرَكَ، وأحسَنَ عَزاءَكَ، ورَحِم مَيِّتَك) هكذا ذَكَرَه بعضُ أصحابِنا.
    قال شيخُنا 2: ولا أعْلَمُ في التَّعْزِيَةِ شيئًا مَحْدُودًا، إلَّا أنَّه يُرْوَى أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَزَّى.
    رجلًا، فقال: «رَحِمَكَ الله وآجَرَكَ».
    رَواه الِإمامُ.
    أحمدُ 3. وعَزَّى أحمدُ أبا طالِبٍ، فوَقَفَ على بابِ المَسْجِدِ، فقالَ:

وَفِى تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأحْسَنَ عَزَاءَكَ.
وَفِى تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَكَ، وغَفَرَ لِميِّتِكَ.
وَفِى [42 ظ] تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللهُ عَلَيْكَ، وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ.
أعْظَمَ الله أجْرَكم، وأحْسَنَ عَزاءَكم.
واسْتَحَبَّ بعضُ أهلِ العلمِ أن يَقُولَ ما روَى جَعْفَرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: لَمّا تُوفِّىَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وجاءَتِ التَّعْزِيَةُ، سَمِعُوا قَاِئلًا يَقُولُ: إنَّ في الله عَزاءً مِن كلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كلِّ هالِكٍ، ودَرَكًا مِن كلِّ ما فات، فبالله فِثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا، فإنَّ المُصابَ مَن حُرِم الثَّوابَ.
رَواه الشافعىُّ (1) في «مُسْنَدِه».
وإن عَزَّى مُسْلِمًا بكافِرٍ، قال: (أعْظَمَ اللهُ أجْرَك، وأحْسَنَ عَزاءَك).

818 -

مسألة: (و)

يَقُولُ (في تَعْزِيَةِ الكافِرِ بالمُسْلِمِ: أحْسَنَ الله عَزاءَك، وغَفَر لِمَيِّتِك.
وفى تَعْزِيَتِه عن كافِرٍ: أخْلَفَ الله عليك ولا نَقَص عَدَدَك) تَوَقَّفَ أحمدُ عن تَعْزِيَةِ أهلِ الذِّمَّةِ، وهى1

..................................  تُخَرَّجُ على عِيادَتِهم، وفيها رِوايَتان، إحْداهما، لا نَعُودُهم، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَبْدَءُوهُمْ بالسَّلَامِ» 1. وهذا في مَعْناه.
والثانيةُ، نَعُودُهم؛ لأنَّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أتَى غُلامًا مِن اليَهُودِ كان مَرِض يَعُودُه، فقَعَدَ عندَ رَأْسِه، فقال له: «أسْلِمْ».
فنَظَرَ إلى أبيه وهو عندَ رَأْسِه، فقال له 2: أطِعْ أبا القاسِمِ.
فأسْلَمَ، فقام النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى أنْقَذَهُ بِى مِنَ النَّارِ».
رَواه البُخارِىُّ 3. فعلى هذا يُعَزِّيهم،

..................................  ويَقُولُ ما ذَكَرْنا، ويَقْصِدُ بقولِه: لا نَقَصَ عَدَدَكَ: زِيادَةَ عَدَدِهم؛ لتَكْثُرَ جزْيَتُهم.
وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ: يَقُولُ: أعْطَاكَ الله على مُصِيبَتِك أفْضَلَ ما أعْطَى أحَدًا مِن أهلِ دِينك.
فصل: فأمّا الرَّدُّ مِن المُعَزَّى، فرُوِىَ عن أحمدَ بنِ الحسينِ 1، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله، وهو يُعَزَّى في عَبْثَرٍ ابنِ عَمِّه، وهو يَقُولُ: اسْتَجابَ الله دُعاءَك، ورَحِمَنا وَإيّاك.

وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابُ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ.

819 - مسألة: (ويَجُوزُ البُكاءُ على المَيِّتِ، وأن يَجْعَلَ المُصابُ على رَأْسِه ثَوْبًا يُعْرَفُ به)

ليُعَزَّى.
البُكاءُ بمُجَرَّدِه.
لا يُكْرَهُ في حالٍ.
وقال الشافعىُّ: يُباحُ قبلَ المَوْتِ، ويُكْرَهُ بعدَه؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَتِيكٍ 1، قال: جاء 2 رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى عبدِ اللهِ بنِ ثابِتٍ يَعُودُه، فوَجَدَه قد غُلِب، فصاح به فلم يُجِبْه، فاسْتَرْجَعَ، وقال: «غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أبَا الرَّبِيعِ».
فصاح النِّسْوَةُ، وبَكَيْنَ، فجَعَلَ ابنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ.
فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُنَّ، فَإذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ» 3. يَعْنِى إذا

..................................  ماتَ.
ولَنا، ما روَى أنَسٌ، قال: شَهِدْنا بنتَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جالِسٌ على القَبْرِ، فرَأيْتُ عَيْنَيْه تَدْمَعَان 1. وقَبَّلَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ وهو مَيِّتٌ، وعَيْناه تُهَرَاقان 2. وقالَتْ عائشةُ: دَخَل أبو بكرٍ، فكَشَفَ عن وَجْهِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَبَّلَه، ثم بَكَى 3. وكلُّها أحاديثُ صِحاحٌ.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل على سعدِ بنِ عُبادَةَ، وهو في غاشِيَتِه، فبَكَى، وبَكَى أصحابُه، وقال: «ألَا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، ولَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذا، وأشار إلى لِسانِه، أوْ يَرْحَمُ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على رَفْعِ

..................................  الصَّوْتِ، والنَّدْبِ، وشِبْهِهما، بدَلِيلِ ما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أخَذَ ابْنَه، فوَضَعَه في حِجْرِه، فبَكَى، فقالَ له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: أتَبْكِى! أوَ لم تَكُنْ نَهَيْتَ عن البُكاءِ؟ قال: «لَا، وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ؛ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ» 1. حديثٌ حسنٌ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَنْهَ عن مُطْلَقِ البُكاءِ، إنَّما نَهَى عنه مَوْصُوفًا بهذه الصِّفاتِ.
وْقال عُمَرُ: ما على نِساءِ بَنِى المُغِيرَةِ أن يَبْكِينَ على أبى سُليمانَ، ما لم يَكُنْ نَقْعٌ أو لَقْلَقَةٌ 2. اللَّقْلَقَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، والنَّقْعُ: التُّرابُ.

وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ، وَلَا النِّيَاحَةُ، وَلَا شَقُّ الثِّيَابِ، وَلَا لَطْمُ الْخُدُودِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

820 - مسألة: (ولا يَجُوزُ النَّدْبُ، ولا النِّياحَةُ، ولا شَقُّ الثِّيابِ، ولَطْمُ الخُدُودِ، وما أشْبَهَ ذلك)

النَّدْبُ هو تَعْدادُ مَحاسِنِ المَيِّتِ، وما يَلْقَوْنَ بعدَه، بلَفْظِ النُّدْبَةِ، كقَوْلِهم: وارَجُلاهُ، واجَبَلاهُ، وانْقِطَاعُ ظَهْراهُ.
فهذا وأشْباهُه مِن النَّوْحِ، وشَقِّ الجُيُوبِ، ولَطْمِ الخُدُودِ، والدُّعاءِ بالوَيْلِ والثُّبُورِ ونَحْوِه لا يَجُوزُ.
وقال بعضُ أصحابِنا: هو مَكْرُوهٌ.
ونَقَل حَرْبٌ عن أحمدَ كَلامًا يَحْتَمِلُ إباحَةَ النَّوْحِ والنَّدْبِ.
واخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه؛ لأنَّ واثِلَةَ بنَ الأسْقَعِ، وأبا وائِلٍ، كانا يَسْتَمِعان النَّوْحَ ويَبْكِيان 1. وقال أحمدُ: إذا ذَكَرَتِ المرأةُ مثلَ ما حُكِىَ عن فاطمةَ، في مثلِ الدُّعاءِ لا يكونُ مثلَ النَّوْحِ.
يَعْنِى لا بَأْسَ به.
ورُوِىَ

..................................  عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: يا أبَتاهُ، مِن رَبِّه ما أدْناهُ، إلى جِبْرِيلَ أنْعاهُ، يا أبَتاهُ، أجاب رَبّاً دَعاهُ 1. ورُوِىَ عن علىٍّ، عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّها أخَذَت قَبْضَةً مِن تُرابِ قَبْرِ النبىِّ -صلى الله عليه وسلم-، فوَضَعَتْها على عَيْنِها، ثم قالت: ماذا على مُشْتَمِّ تُرْبَةِ أحْمَدٍ … أن لا يَشَمَّ مَدَى الزَّمانِ غَوالِيا صُبَّتْ عَلَىَّ مَصائِبٌ لو أنَّها … صُبَّتْ على الأيّامِ عُدْنَ لَيالِيا ووَجْهُ الأُولَى أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عنها في حديثِ جابِرٍ الذى ذَكَرْناه 2، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ 3. قال أحمدُ: هو النَّوْحُ.
ولَعَن رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- النَّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ 4. وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: أخَذَ علينا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عندَ البَيْعَةِ أن لا نَنُوحَ.
مُتَّفَقٌ

..................................  عليه 1. وعن أبي موسى، أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- بَرِئَ مِن الحالِقَةِ والصَّالِقَةِ والشّاقَّةِ.
الصّالِقَةُ؛ التي تَرْفَعُ صَوْتَها.
وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ 2 الْخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ».
مُتَّفَقٌ عليهما 3. ولأنَّ ذلك يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ والاسْتِغَاثَةَ والتَّسَخُّطَ بقَضاءِ اللهِ، ولأنَّ شَقَّ الجُيُوبِ إفْسادُ المالِ [لغيرِ حاجَةٍ] 4.

..................................  فصل: ويَنْبَغِى للمُصابِ أن يَسْتَعِينَ باللهِ، ويَتَعَزَّى بعَزائِه، ويَمْتَثِلَ أمْرَه في الاسْتِعانَةِ بالصَّبْرِ والصلاةِ، ويَسْتَنْجِزَ ما وَعَدَ اللهُ الصّابِرينَ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآيَتَيْن 1. ويَسْتَرْجِعَ ويَقُولَ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِى في مُصِيبتى، واخْلُفْ لى خَيْراً منها؛ لقَوْل أُمِّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ إِنَّا لِلهِ وَإَّنا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِى فِى مُصِيبَتِى، وَاخْلُفْ لِى خَيْراً مِنْهَا، إلَّا آجَرَهُ اللهُ فِى مُصِيبَتِهِ، وَأخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْهَا».
قُلْتُ: فلَمّا مات أبو سَلَمَةَ، قُلْتُ كما أمَرَنِى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فأخْلَفَ اللهُ لى خَيْراً منه، رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
رَواه مسلمٌ 2. ولْيَحْذَرْ أن يَتَكَلَّمَ بشئٍ يُحْبِطُ أجْرَه ويُسْخِطُ

..................................  رَبَّه، ممَّا يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ والاسْتِغاثَةَ، فإنَّ اللهَ عَدْلٌ لا يَجُورُ، له ما أخَذَ، وله ما أعْطَى، ولا.
يَدْعُو على نَفْسِه، فإنَّ النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قال، لَمّا مات أبو سَلَمَةَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُم؛ فَإنَّ الْمَلَاِئكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» 1. ويَحْتَسِبُ ثَوابَ اللهِ تعالى ويَحْمَدُه؛ لِما روَى أبو موسى، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلَاِئِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِى؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فيَقُولُونَ: نَعَمْ.
فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِى؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ، وَاسْتَرْجَعَ.
فَيَقُولُ: ابْنُوا لِعَبْدِى بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» 2. حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
فصل: وقد صَحَّ عن النبىَّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ بِمَا يُنَاحُ عَلَيْهِ».
وفى لَفْظٍ: «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ».
مُتَّفَقٌ عليهما 3. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في مَعْنَى الحَدِيثِ، فحَمَله قَوْمٌ على

..................................  ظاهِرِه، وقالُوا: يَتَصَرَّفُ اللهُ سبحانه في خَلْقِه بما يَشَاءُ.
وأيَّدُوا ذلك بما روَى أبوِ موسى، أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ، وَاسَيِّدَاهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، إلَّا وَكَّلَ اللهُ بهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ 1: أهَكَذَا كُنْتَ؟» 2. حديثٌ حسنٌ.
وروَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، قال: أُغْمِىَ على عبدِ اللهِ بنِ رَواحَةَ، فجَعَلَتْ أُخْتُه عَمْرَةُ تَبْكِى؛ واجَبَلاهُ، واكَذا، واكَذا.
تُعَدِّدُ عليه.
فقالَ حينَ أفاقَ: ما قُلْتِ شيئاً إلَّا قِيلَ لى 3: أنت كذاك؟ فلمّا مات لم تَبْكِ عليه.
أخْرَجَه البُخارِىُّ 4 وأنْكَرَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، حَمْلَه على ظاهِرِه، ووافَقَها ابنُ عباسٍ، فقالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، واللهِ ما حَدَّثَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ = والثانى تقدم تخريجه في صفحة 262.

جارٍ التحميل