..................................
ومالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّها زِيادَةٌ غيرُ مَسْنُونَةٍ للإِمامِ، فلا يُتابِعُه المَأْمُومُ فيها، كالقُنُوتِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى.
والرِّوايَةُ الأُولى هي الصَّحِيحَةُ.
قال الخلَّالُ: كلُّ مَن روَى عن أبى عبدِ اللهِ يُخالِفُ حَرْبًا.
ولَنا، ما رُوِىَ عن زيدِ بنِ أرْقَمَ، أنَّه كَبَّرَ على جِنازَةٍ خَمْسًا، وقال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُكَبِّرُها.
أخْرَجَه مسلمٌ، ورَواه سعيدٌ 1. وفيه: فسُئِلَ عن ذلك، فقال: سُنَّةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه، عن مَوْلًى لحُذَيْفَةَ، أنَّه كَبَّرَ على جِنازَةٍ خَمْسًا، فقِيلَ له؛ فقال: مَوْلاىَ ووَلِىُّ نِعْمَتِى صَلَّى على جِنازَةٍ وكَبَّرَ عليها خَمْسًا.
وذَكَر حُذَيْفَةُ، أنَّ النبيَّ فَعَل ذلك 2. وبإسْنادِه، أنَّ عليًّا صلَّى على سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، فكَبَّرَ عليه خَمْسًا.
وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه [عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ] 3، قال:
..................................
كلُّ ذلك قد كان، أرْبَعًا، وخَمْسًا، وأمَرَ النَّاسَ بأرْبَعٍ 1. قال أحمدُ، في إسْنادِ حديثِ زيدِ بنِ أرْقَمَ: إسْنادُه جَيِّدٌ.
ومَعْلُومٌ أنَّ المُصَلِّين معه كانُوا يُتابِعُونه.
وهذا أوْلَى مِمّا ذَكَرُوه.
فأمّا إن زاد على خَمْسٍ، ففيه أيضًا رِوايَتان، إحْدَاهما، لا يُتابِعُه المَأْمُومُ، لأنَّ المَشْهُورَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه خِلافُها.
والثانيةُ، يُتابِعُه إلى سَبْعٍ.
قال الخَلَّالُ: ثَبَت القَوْلُ عن أبى عبدِ اللهِ أنَّه يُكَبِّرُ مع الإِمامِ إلى سَبْعٍ ثم لا يُزادُ عليه.
وهذا قولُ بَكْرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنِىِّ، لأنَّه رُوِىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كَبَّرَ على حَمْزَةَ سَبْعًا.
رَواه ابنُ شاهِينَ 2. وَكَبَّرَ عليٌّ على أبى قَتادَةَ 3 سَبْعًا 4، وعلى سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وقال: إنَّه بَدْرِيٌّ 5. ورُوِىَ أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ
..................................
اللهُ عنه، جَمَع النَّاسَ فاسْتَشارَهم، فقال بَعْضُهم: كَبَّرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَبْعًا.
[وقال بَعْضُهم: خَمْسًا] 1. وقال بَعْضُهم: أرْبَعًا.
فجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ على أرْبَعِ تَكْبِيراتٍ، وقال: هو أطْوَلُ الصلاةِ 2. وإذا قُلْنا: لا يُتابِعُه.
لم يُسَلِّمْ حتَّى يُسَلِّمَ إمامُه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَخْتَلِفُ قولُ أحمدَ إذا كَبَّرَ الإِمامُ زِيادَةً على أرْبَعٍ، أنَّه لا يُسَلِّمُ قبلَ إمامِه، على الرِّواياتِ الثَّلاثِ، بل يَقِفُ ويُسَلِّمُ معه.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال الثَّوْرِىّ، وأبو حنيفةَ: يَنْصَرِفُ، كما لو قام الإِمامُ إلى خامِسَةٍ.
قال أبو عبدِ اللهِ: ما أعْجَبَ حالَ الكُوفِيِّين، سُفْيَانُ يَنْصَرِفُ إذا كَبَّرَ الخامِسَةَ، والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - كَبَّرَ خَمْسًا، وفَعَلَه زيدُ بنُ أرْقَمَ، وحُذَيْفَةُ.
وقال ابنُ مسعودٍ: كَبِّرْ ما كَبَّرَ إمامُكَ.
ولأنَّ هذه زِيادَةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، فلم يُسَلِّمْ قبلَ إمامِه إذا اشْتَغَلَ به، كما لو صَلَّى خلفَ مَن يَقْنُتُ في صلاةٍ يُخالِفُه المَأْمُومُ في القُنُوتِ فيها.
وهذا يُخالِفُ ما قاسُوا عليه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ زِيادَةَ الرَّكْعَةِ الخامِسَةِ لا خِلافَ فيه.
الثَّانِى، أنَّ الرَّكْعَةَ زِيادَةُ فِعْلٍ، وهذه زِيادَةُ قولٍ.
وكلُّ تَكْبِيرَةٍ قُلْنا يُتابَعُ الإمامُ فيها فله فِعْلُها، وما لا فلا.
..................................
فصل: فإن زاد على سَبْعٍ لم يُتابعْه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال، في رِوايَةِ أبي داودَ: إن زاد على سَبْعٍ فيَنْبَغِى أَن يُسَبَّحَ به، ولا أعْلَمُ أحَدًا قال بالزِّيَادَةِ على سَبْعٍ إلَّا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ.
قال عَلْقَمَةُ: رُوِىَ أنَّ أصحابَ عبدِ اللهِ، قالُوا له: إنَّ أصحابَ مُعاذٍ يُكَبِّرُون على الجَنائِزِ خَمْسًا، فلو وَقَّتَ لنا وَقْتًا 1. فقال: إذا تَقَدَّمَكم إِمامٌ، فَكَبِّرُوا ما يُكَبِّرُ، فإنَّه لا وَقْتٌ، ولا عَدَدٌ.
رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ 2. والصَّحِيحُ أنَّه لا يُزادُ عليها؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابِه، ولكنْ لا يُسَلِّمُ حتَّى يُسَلِّمَ إمامُه؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: والأفْضَلُ أن لا يَزِيدَ على أرْبَعٍ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْن التَّكْبِيرَ أرْبَعًا؛ منهم عُمَرُ وابْنُه، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وجابِرٌ، وابنُ أبي أوْفَى، والحسنُ بنُ عليٍّ، والبَراءُ بنُ عازِبٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، وعُقْبَةُ بنُ عامِر، وابنُ الحَنَفِيَّةِ، وعَطاءٌ، والأوْزَاعِيُّ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَبَّرَ
..................................
على النَّجاشِىِّ أرْبعًا.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وكَبَّرَ على قَبْرِ بعدَ ما دُفِن أرْبَعًا 2.
وجَمَع عُمَرُ النّاسَ على أرْبَعٍ.
ولأنَ أكْثَرَ الفَرائِضِ لا يَزِيدُ على أرْبَعٍ.
فصل: ولا يَجُوزُ النَّقْصُ مِن أرْبَعٍ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كَبَّرَ على الجِنازَةِ ثَلاثًا 3. ولم يُعْجِبْ ذلك أبا عبدِ اللهِ.
وقال: قد كَبَّرَ أنَسٌ ثَلاثًا.
ناسِيًا، فأعاد.
ولأنَّه خِلافُ ما نُقِل عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ الصلاةَ الرُّبَاعِيَّةَ إذا نَقَص 4 منها رَكْعَةً، بَطَلَتْ، كذا هُنا.
فعلى هذا إن نَقَص منها تَكْبيرَةً عَامِدًا بَطَلَتْ؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا فيها عَمْدًا.
وإن تَرَكَها سَهْوًا احْتَمَلَ أَن يُعِيدَها، كما فَعَلَ أنَسٌ، واحْتَمَلَ أن يُكَبِّرَها، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، كما لو نسِىَ رَكْعَةً، ولا يُشْرَعُ لها سُجُودُ سَهْوِ في المَوْضِعَيْنِ.
فصل: قال أحمدُ: يُكَبِّرُ [على الجِنازَةِ فيَجِيئُون بأُخْرَى، يُكَبِّرُ] 5 إلى سَبْعٍ، ثم يَقْطَعُ لا يَزِيدُ على ذلك حتَّى تُرْفَعَ الأرْبَعُ.
قال أصحابُنا:
..................................
إذا كَبَّرَ على جِنازَةٍ، ثم جِئَ بأُخْرَى، كَبَّرَ الثانيةَ عليهما، و 1 يَنْوِيهما، فإن جِئَ بثالِثَةٍ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ عليهِنَّ، ونَواهُنَّ، فإن جِئَ برابِعَةٍ، كَبَّرَ الرّابعَةَ عليهنَّ، ونَواهُنَّ، ثم يُكْمِلُ التَّكبِيرَ عليهِنَّ إلى سَبْعٍ، ليَحْصلَ للرّابعَةِ أَرْبَعٌ، إذ لا يَجُوزُ النُّقْصانُ منهُنَّ، ويَحْصُلُ للأُولَى سَبْعٌ، وهو أكْثَرُ ما يَنْتَهِى إليه التَّكْبيرُ، فإن جِئَ بخامِسَةٍ لم يَنْوِها بالتَكْبِيرِ، لأنَه دائِرٌ بينَ أن يَزِيدَ على سَبْعٍ أَو يَنْقُصَ في تَكْبِيرِها عن أرْبَعٍ، وكلاهما لا يَجُوزُ.
وهكذا إن جِئَ بثانِيَةٍ بعدَ أن كَبَّرَ الرّابِعَةَ، لم يَجُزْ أن يُكَبِّرَ عليها الخامِسَةَ، لِمَا بَيَّنَّا.
فإن أراد أهلُ الجِنازَةِ الأولَى رَفْعَها قبلَ سَلام الإِمامِ لم يَجُزْ، لأنَّ السَّلامَ رُكنٌ لا تَتِمُّ الصلاةُ إلَّا به.
إذْا تَقَرَّرَ هذا، فإنَّه يَقْرَأُ في التَّكْبِيرَةِ الخامِسَةِ الفاتِحَةَ، ويُصَلِّى على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في السّادِسَةِ، ويَدْعُو للمَيِّتِ
..................................
في السَّابِعَةِ، ليُكْمِلَ لجَمِيعِ الجَنائِزِ القِراءَةَ والأذْكارَ، كما كَمَّلَ لهُنَّ التَّكْبِيراتِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، قال: يَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ ما زاد على الأرْبَعِ مُتَتابِعًا، كما قُلْنا في القَضاءِ للمَسْبُوقِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لأنَّ ما بعدَ الأُولَى 1 جَنائِزُ، فاعْتُبِرَ في الصلاةِ عليهِنَّ شُرُوطُ الصلاةِ، كالأُولَى.
وَمَنْ فَاتَهُ شَىْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ [41 و]، قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يَقضِيهِ مُتَتَابعًا.
780 - مسألة: (ومَن فاتَه شيءٌ مِن التَّكْبِيرِ، قَضاه على صِفَتِه. وقال الخِرَقِىُّ: يَقْضِيه مُتَتابِعًا)
يُسْتَحَبُّ للمَسْبُوقِ في صلاةِ الجِنازَةِ قَضاءُ ما فاتَه منها.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ،
..................................
والزُّهْرِىِّ، وابنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «فَمَا أدْرَكْتُمْا فَصلُّوا» 1. وفى لَفْظٍ: «فَأَتِمُّوا» 2. وقِياسًا على سائِرِ الصَّلَواتِ.
ويَكُونُ القَضاءُ على صِفَةِ الأَداءِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فعلى هذا إذا أدْرَكَ الإِمام في الدُّعاءِ تابَعَه فيه، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ كَبَّرَ، وقَرَأ الفاتِحَةَ، ثم كَبَّرَ وصَلَّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم كَبَّرَ وسَلَّمَ.
وقال الشافعىُّ: متى دَخَل المَسْبُوقُ في الصلاةِ ابْتَدَأ الفاتِحَةَ، ثم أَتَى بالصلاةِ في الثانِيَةِ.
وَوجْهُ الأُولَى أنَّ المَسْبُوقَ في سائِرِ الصلواتِ يَقْرَأُ فيما يَقْضيه الفاتِحَةَ، وسُورَةً على صفَةِ ما فاتَه، فيَنْبَغِى أن يَأْتِىَ ههُنا بالقِراءَةِ على صفَةِ ما فاتَه قِياسًا عليه.
وقال الخِرَقِىُّ: يَقْضِيه مُتَتابِعًا.
وكذلك رُوِىَ عن أحمدَ، وحَكاه عن إبراهيمَ، قال: يُبادِرُ بالتَّكْبِيرِ مُتَتابِعًا؛ لِما روَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال:
فَإِنْ سَلَّمَ وَلَمْ يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
لا يَقْضِى (1) -: فإن كَبَّرَ مُتَتابِعًا فلا بَأْسَ.
ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ في الصحابةِ، فكان إجْماعًا.
وكذا قال ابنُ المُنْذِرِ: يَقْضِيه مُتَوالِيًا.
وقال القاضى، وأبو الخَطّابِ: إن رُفِعَتِ الجِنازَةُ قبلَ إتْمَامِ التَكْبِيرِ قَضاه مُتَوالِيًا، وإن لم تُرْفَعْ قَضاه على صِفَتِه، كما سَبَق.
781 -
مسألة: (فإن سَلَّمَ ولم يَقْضِه.، فعلى رِوايَتَيْن)
إحْدَاهما، لا تَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ والمَعْنَى.
والثانيةُ، تَصِحُّ، اخْتارَهَا الخِرَقِىُّ، لما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ.
وقد رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: يارسولَ اللهِ، إنى أُصلِّى على الجِنازَةِ، ويَخْفَى علىَّ بعضُ التَّكْبِيرِ؟ قال: «مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِى، وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضاءَ عَلَيْكِ» 2. وهذا صَرِيحٌ، ولأنَّها1
..................................
تَكْبِيراتٌ مُتَوالِياتٌ حالَ القِيامِ، فلم يَجِبْ قَضاءُ ما فات منها، كتَكْبِيراتِ العِيدِ.
وحَدِيثُهم وَرَد في الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بدَلِيلِ قَوْلِه في صَدْرِ الحَدِيثِ: «فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ».
وفى رِوايَةٍ، سَعَى في جِنازَةِ سعدٍ حتَّى سَقَط رِداؤُه عن مَنْكِبَيْه، فعُلِمَ أنَّه لم يُرِدْ بالحَدِيثِ هذه الصلاةَ.
والقِياسُ على سائِرِ الصَّلَواتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَقْضِى في شيءٍ مِن الصَّلوَاتِ التَّكْبِيرَ المُنْفَرِدَ، ويَبْطُلُ بِتَكْبِيراتِ العِيدِ.
وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ، صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ،
فصل: إذا أدْرَكَ الإِمامَ بينَ تَكْبيرَتَيْنِ، فعن أحمدَ، أنَّه يَنْتَظِرُ الإِمامَ حتَّى يُكَبِّرَ معه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّ
التَّكْبِيراتِ كالرَّكَعاتِ، ثم لو فاتَتْه رَكْعَةٌ، لم يَتَشاغَلْ بِقَضائِهَا، كذلك التَّكْبِيرَةُ.
والثانيةُ، يُكَبِّرُ ولا يَنْتَظِرُ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه في سائِرِ الصَّلَواتِ إذا أدْرَكَ الإِمامَ، كَبَّرَ معه، ولم يَنْتَظِرْ، وليس هذا اشْتِغالًا بقَضاءِ ما فاتَه، وإنَّما يُصَلِّى معه ما أدْرَكَه، فيُجْزِئُه ذلك، كالذى يَتَأخَّرُ عن تَكْبِيرِ الإِمامِ قَلِيلًا.
وعن مالكٍ كالرِّوايَتَيْن.
قال ابنُ المُنْذِرِ: سَهَّلَ أحمدُ في القَوْلَيْن جَمِيعًا.
ومتى أدْرَكَ الإِمامَ في التَّكْبِيرَةِ الأُولَى فَكَبَّرَ، وشَرَع في القِراءَةِ، ثم كَبَّرَ الإِمامُ قبلَ أن يُتِمَّها، فإنَّه يُكَبِّرُ ويُتابِعُه، ويَقْطَعُ القِراءَةَ، كالمَسْبُوقِ في بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، إذا رَكَع الإِمامُ قبلَ إتْمَامِه القِراءَةَ.
782 -
مسألة: (ومَن فاتَتْه الصلاةُ على الجِنازَةِ، صَلَّى علَى القَبْرِ إلى شَهْرٍ)
مَن فاتَتْه الصلاةُ على الجِنازَةِ، فله أن يُصَلِّىَ عليها، ما لم تُدْفَنْ، فإن دُفِنَتْ، فله أن يُصَلِّىَ على القَبْرِ إلى شَهْرٍ.
هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
..................................
رُوِىَ ذلك عن أبى موسى، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وهو مَذْهَبُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا تُعادُ الصلاةُ على المَيِّتِ، إلَّا للوَلِىِّ إذا كان غائِبًا، ولا يُصلَّى على القَبْرِ إلَّا كذلك، ولو جاز ذلك، لصُلِّىَ على قَبْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جَمِيعِ الأعْصارِ.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر رجلًا مات، فقال: «فَدُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ».
فأتَى قَبْرَه، فصَلَّى عليهِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن ابنِ عباس، أنَّه مَرَّ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَبْر مَنْبُوذٍ، فأمَّهم وصَلَّوْا خلفَه 2.
قال أحمدُ: ومَن يَشُكُّ في الصلاةِ على القَبْرِ! يُرْوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من سِتَّةِ وُجُوهٍ، كلُّها حِسانٌ.
ولأنَّ غيرَ الوَلِىِّ مِن أهلِ الصلاةِ، فسُنَّتْ له الصلاةُ، كالوَلِىِّ، وإنَّما لم يُصَلَّ على قَبْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّه لا يُصَلَّى
على القَبْرِ بعدَ شَهْرٍ.
..................................
فصل: ولا يُصَلَّى على القَبْرِ بعدَ شَهْرٍ، ويُصَلَّى قبلَه.
وبهذا قال بعضُ 1 أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بَعْضُهم: يُصلَّى عليه أَبدًا.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، صَلَّى على شُهَداءِ أُحُدٍ بعدَ ثَمانِى سِنِين.
حديثٌ صحيحٌ 2. وقال بعضُهم: يُصَلَّى عليه ما لم يَبْلَ جَسَدُه.
وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى عليه الوَلِيُّ خاصَّةً إلى ثَلاثٍ.
وقال
..................................
إسحاقُ: يُصَلِّى عليه الغائِبُ إلى شَهْرٍ، والحَاضِرُ إلى ثَلاثٍ.
ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أُمَّ سعدٍ ماتَتْ والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - غائِبٌ، فلمَّا قَدِم صَلَّى عليها، وقد مَضَى لذلك شَهْرٌ 1. قال أحمدُ: أَكْثَرُ ما سَمِعْتُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على أُمِّ سعدِ بنِ عُبادَةَ بعدَ شَهْرٍ.
ولأنَّها مُدَّةٌ يَغْلِبُ على الظَنِّ بَقاءُ المَيِّتِ فيها، أشْبَهَتِ الثَّلاثَةَ، أو كالغائِبِ.
وتَجْوِيزُ الصلاةِ عليه مُطلَقًا باطِلٌ، بأنَّ قَبْرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لا يُصَلَّى عليه الآن إجْماعًا، وكذلك التَّحْدِيدُ ببِلَى المَيِّتِ؛ لكَوْنِه عليه السَّلامُ لا يَبْلَى.
فإن قِيلَ: فالخَبَرُ دَلَّ على الصلاةِ بعدَ شَهْرٍ، فكيف مَنَعْتُموه؛ قُلْنا: تَحْدِيدُه بالشَّهْرِ يَدُلُّ على أنَّ صَلاتَه، عليه الصلاةُ والسَّلامُ، كانت عندَ رَأْسِ الشَّهْرِ؛ لِيَكُونَ مُقَارِبًا للحَدِّ.
وتَجُوزُ الصلاةُ بعدَ الشَّهْرِ قَرِيبًا منه؛ لدَلالَةِ الخَبَرِ عليه، ولا يَجُوزُ بعدَ ذلك؛ لعَدَمِ وُرُودِه فيه.
..................................
فصل: ومَن صَلَّى عليها مَرَّةً، فلا تُسَنُّ له إعادَةُ الصلاةِ عليها.
وإذا صُلِّىَ على الجِنازَةِ، لم تُوضَعْ لأَحَدٍ يُصَلِّى عليها، ويُبادَرُ بِدَفْنِها.
قال القاضي: إلَّا أن يُرْجَى مَجِئُ الوَلِىِّ فَتُؤخَّرُ، إلَّا أن يُخافَ تَغَيُّرُه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُنْتظَرُ به أحَدٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في طَلْحَةَ بنِ البَرَاءِ: «عَجِّلُوا بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِى لجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أهْلِهِ» 1. وأمّا مَن أدْرَكَ الجِنازَةَ مِمَّن لم يُصَلِّ، فله أن يُصَلِّىَ عليها، فَعَلَه علىٌّ، وأنَسٌ، وسَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ 2، وأبو حَمْزَةَ 3، رَضِىَ اللهُ
عنهم.
وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَىِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
فصل: ويُصَلَّى على القَبْرِ، وتُعادُ عليه الصلاةُ جَماعَةً وفُرادَى.
نَصَّ عليهما أحمدُ.
وقال: وما بَأْسٌ بذلك، قد فَعَلَه عِدَّةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، قال: انْتَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى قَبْرِ رَطْبٍ، فصَفّوا خلفَه، فكَبَّرَ أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه (1).
783 -
مسألة: (وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ في أَحَدِ جَانِبَىِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ 2 عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ). تَجُوزُ الصلاةُ على الغائِبِ في بَلَدٍ آخَرَ بالنِّيَّةِ، بَعِيدًا كان البَلَدُ أو قَرِيبًا، فيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ،1
..................................
ويُصَلِّى عليه كصلاتِه على الحاضِرِ، وسَواءٌ كان المَيِّتُ في جِهَةِ القِبْلَةِ أو لم يَكُنْ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ.
وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ رِوايَةً كقَوْلِهما، لأنَّ 1 مِن شَرْطِ الصلاةِ على الجِنازَةِ حُضُورَهَا، بدَلِيلِ ما لو كان في البَلَدِ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَعَى النَّجاشِىَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ في اليومِ الَّذي مات فيه، وصَلَّى بهم بالمُصلَّى، فكَبَّرَ عليه أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه 2. فإن قِيلَ: فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زُوِيَتْ له الأرْضُ، فأُرِىَ الجِنازَةَ.
قُلْنا: «لم يُنْقَلْ ذلك، ولو كان لأخْبَرَ به، ولَنا، الاقْتِداءُ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما لم يَثْبُتْ ما يَقْتَضِى اخْتِصاصَه، ولأنَّ المَيِّتَ مع البُعْدِ لا تَجُوزُ الصلاةُ عليه وإن رُئِىَ، ثم لو اخْتَصَّتِ الرُّؤْيَةُ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لاخْتَصَّتِ الصلاةُ به، وقد صَفَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه فصَلَّى بهم.
فإن قِيلَ: لم يَكُنْ بالحَبَشَةِ مَن يُصَلِّى عليه.
قُلْنَا: ليس هذا مَذْهَبَكم، فإنَّكم لا تُجِيزُونَ الصلاةَ على الغَرِيقِ، والأسِيرِ، وإن كان لم يُصَلَّ عليه، ولأنَّ هذا بَعِيدٌ، لأنَّ النَّجاشِىَّ كان مَلِكَ الحَبَشَةِ، وقد
أظْهَرَ إسْلامَه، فيَبْعُدُ أنَّه لم يُوافِقْه أحَدٌ يُصَلِّى عليه.
..................................
فصل: فإن كان المَيِّتُ في أحَدِ جانِبَىِ البَلَدِ، لم يُصَلِّ عليه مَن في الجانِبِ الآخَرِ، في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
اخْتارَه أبو حَفْصٍ البَرْمَكِىُّ، لأنَّه يُمْكِنُه الحُضُورُ للصلاةِ عليه، أو على قَبْرِه، أشْبَهَ ما لو كانا في جانِبٍ واحِدٍ.
والثَّانِى، يَجُوزُ كما لو كان في بَلَدٍ آخَرَ.
وقد رُوِىَ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّه صَلَّى على مَيِّتٍ مات في أحَدِ جانِبَى بَغْدادَ، وهو في الآخَرِ.
فصل: وتَتَوَقَّتُ الصلاةُ على الغائِبِ بشَهْرٍ، كالصلاةِ على القَبْرِ، لأنَّه لا يُعْلَمُ بَقاؤُه مِن غيرِ تَلاشٍ أكْثَرَ مِن ذلك.
فعلى هذا قال ابنُ عَقِيلٍ
وَلَا يُصَلِّى الإْمَامُ عَلَى الْغَالِّ، وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ.
، في أكِيلِ السَّبُعِ، والمُحْتَرِقِ بالنّارِ: يَحْتَمِلُ أن لا يُصَلَّى عليه؛ لذَهابِه، ويُصَلَّى على الغَرِيقِ، إذا غَرِق قبلَ الغُسْلِ، كالغائِبِ البَعِيدِ، لأنَّ الغُسْلَ تَعَذَّرَ لمانِعٍ، أشْبَهَ الحَىَّ إذا عَجَز عن الغُسْلِ والتَيّمَّمِ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه.
784 -
مسألة: (ولا يُصَلِّى الإِمامُ على الغالِّ، ولا مَن قَتَل نَفْسَه)
الغَالُّ، هو الَّذي يَكْتُمُ غَنِيمَتَه أو بعضَها، ليَأْخُذَها لنَفْسِه ويَختَصَّ بها.
..................................
فهذا لا يُصَلِّى عليه الإِمامُ، ولا على قاتِلِ نَفْسِه عَمْدًا.
ويُصَلِّى عليهما سائِرُ النّاسِ.
نَصَّ على هذا أحمدُ.
وقال عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، والأوْزاعِىُّ: لا يُصَلَّى على قاتِلِ نَفْسِه بحالٍ؛ لأنَّ مَن لا يُصلِّى عليه الإِمامُ لا يُصَلِّى عليه غيرُه، كشَهِيدِ المَعْرَكَةِ.
وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ: يُصَلِّى الإِمامُ وغيرُه على جَمِيعِ المُسْلِمِين؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ».
رَواه الخَلَّالُ بإسْنَادِه 1. ولَنا، ما روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جاءُوه برجلٍ قد قَتَل نَفْسَه بمَشاقِصَ 2، فلم يُصَلِّ عليه.
رَواه مسلمٌ (3). وروَى أبو داودَ نحوَه 3. وعن زيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِىِّ، قال: تُوُفِّىَ رجلٌ مِن جُهَيْنَةَ يومَ خَيْبَرَ، فذُكِرَ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «صَلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ».
فتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ القَوْمِ.
فلمّا
..................................
رَأى ما بهم قال: «إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ» 1. احْتَجَّ به أحمدُ.
واخْتَصَّ الامْتِناعُ بالإِمامِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا امْتَنَعَ مِن الصلاةِ على الغالِّ، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
ورُوِىَ أنَّه أمَرَ بالصلاةِ على قاتِلِ نَفْسِه، وكان - صلى الله عليه وسلم - هو الإمامَ، فأُلحِقَ به مَن ساواه في ذلك، ولا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ صلاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَرْكُ صلاةِ غيرِه؛ فإنَّه كان في بَدْءِ الإِسْلامِ لا يُصَلِّى على مَن عليه دَيْنٌ لاوَفاءَ له، ويَأْمُرُهم بالصلاةِ عليه.
فإن قِيلَ: هذا خاصٌّ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ صَلَاتَه سَكَنٌ.
قُلْنا: ما ثَبَت في حَقِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثَبَت في حَقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اْختِصاصِه به دَلِيلٌ.
فإن قِيلَ: فقد تَرَك النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ على مَن عليه دَيْنٌ.
قُلْنا: ثم صَلَّى عليه بعدُ، فرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤْتَى بالرجلِ المُتَوَفَّى عليه الدَّيْنُ، فيَقُولُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَينِهِ مِنْ وَفَاءٍ؟».
فإن حُدِّثَ أنَّه تَرَك وَفاءً صَلَّى عليه، وإلَّا قال للمُسْلِمِين: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
فلمَّا فَتَح الله الفُتوحَ قام، فقالَ: «أنَا أوْلَى بِالْمُومِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّىَ مِنَ الْمُومِنِينَ، وَتَرَكَ دَيْنًا
..................................
عَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» 1. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ صحِيحٌ.
ولولا النَّسْخُ كان كمَسْأَلَتِنا، وهذه الأحادِيثُ خاصَّةٌ، فيَجِبُ تَقْدِيمُها على قَوْلِه: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهِ».
فصل: قال أحمدُ: لا أشْهَدُ الجَهْمِيَّةَ 2 ولا الرَّافِضَةَ 3، ويَشْهَدُه مَن شاء، قد تَرَك النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ على أقَلَّ مِن ذا؛ الدَّيْنِ، والغُلُولِ، وقاتِلِ
..................................
نَفْسِه.
وقال: لا يُصَلَّى على الرَافِضِىِّ.
وقال أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ: لا أُصَلِّى على رافِضِىٍّ، ولا حَرُورِىٍّ 1. وقال الفِرْيابِىُّ 2: مَن شَتَم أبا بكرٍ فهو كافِرٌ، لا يُصَلَّى عليه.
قِيلَ له: فكيف تَصْنَعُ به، وهو يَقُولُ: لا إلهَ إلاَّ اللَهُ؟ قال: لا تَمَسُّوه بأيْدِيكم، ادْفَعُوه بالخُشُبِ حتَّى تُوارُوه.
وقال أحمدُ: أهلُ البِدَعِ لا يُعادُون إن مَرِضُوا، ولا تُشْهَدُ جَنائِزُهم إن ماتُوا.
وهو قَوْلُ مالكٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وسائِرُ العُلَماءِ يُصَلُّون على أهلِ البِدَعِ والخَوَارِجِ وغيرِهم، لعُمُومِ قولِه عليه السَّلامُ: «صَلُّوا عَلَى مَن قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ» 3. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الصلاةَ بأدْوَنَ مِن هذا، فأوْلَى أن تُتْرَكَ الصلاةُ به، وروَى ابنُ عُمَرَ أنَّ رسولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا، وإنَّ مَجُوسَ أُمَّتِى الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ، فَإنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإنْ مَاتُوا فلا تَشْهَدُوهُمْ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 4.
..................................
فصل: ولا يُصَلَّى على أطْفالِ المُشْرِكِين، لأنَّ لهم حُكْمَ آبَائِهم، إلَّا مَن حَكَمْنا؛ بإسْلامِه، بأن يُسْلِمَ أحدُ أبَوَيْه، أو يَمُوتَ، أو يُسْبَى مُنْفَرِدًا مِن أَبوَيْه، أو مِن أحَدِهما، فإنَّه يُصَلَّى عليه.
وقال أبو ثَوْرٍ، في مَن سُبِىَ مع أحَدِ أبَوَيْه: لا يُصَلَّى عليه، حتَّى يَخْتارَ الإِسْلَامَ.
ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ بِإسْلامِهِ، أشْبَهَ مَن سُبِىَ مُنْفَرِدًا منهما.
فصل: ويُصَلَّى على سائِرِ المُسلمين، أهْلِ الكَبائِرِ، والمَرْجُومِ في الزِّنَا، وغيرِهم.
قال أحمدُ: مَن اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وصَلَّى صَلاتَنا، نُصَلِّى عليه ونَدْفِنُه.
ويُصَلَّى على وَلَدِ الزِّنا، والزّانِيَةِ، والذي يُقادُ منه في القِصاصِ، أو يُقْتَلُ في حَدٍّ.
وسُئِل عمَّن لا يُعْطِى زَكاةَ مالِه، قال: يُصَلَّى عليه، ما نَعْلَمُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الصلاةَ على أحَدٍ، إلَّا على قاتِلِ نَفْسِه والغالِّ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: لا يُصَلَّى على البُغاةِ، ولا على المُحارِبِين،
لأنَّهم بايَنُوا أهلَ الإِسْلامِ، أشْبَهُوا أهلَ دارِ الحَرْبِ.
وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على مَن قُتِل في حَدٍّ، لأنَّ أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِىَّ قال: لم يُصَلِّ رسولُ اللهِ
..................................
- صلى الله عليه وسلم - على ماعِزِ بنَ مالكٍ، ولم يَنْهَ عن الصلاةِ عليه.
رَواه أبو داودَ 1.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا الله».
رَواه الخَلَّالُ.
وروَى عن أبى شُمَيْلَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَج إلى قُباءَ، فاسْتَقْبَلَه رَهْطٌ مِن الأنْصارِ، يَحْمِلُون جِنازَةً على بابِ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا هذَا؟» قالُوا: مَمْلُوكٌ لآلِ فُلانٍ.
قال: «أكَانَ يَشْهدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّااللهُ؟» قالُوا: نعم، ولكنَّه كان وكان.
فقالَ: «أكَانَ يُصَلِّى؟» قالُوا: قد كان يُصَلِّى ويَدَعُ.
فقالَ لهم: «ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ كَادَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِى وبَيْنَهُ» 2. وأمّا أهلُ الحَرْبِ فلا يُصَلَّى عليهم؛ لكُفْرِهم، لا تُقْبَلُ فيهم شَفاعَةٌ، ولا يُسْتَجابُ فيهم دُعاءٌ، وقد نُهِينا عن الاسْتِغْفارِ لهم.
وأمّا تَرْكُ الصلاةِ على ماعِزِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الصلاةَ عليه لعُذْرٍ؛ بدَلِيلِ أنَّه صَلَّى على الغامِدِيَّةِ، فقالَ له عُمَرُ: تَرْجُمُها، وتُصَلِّى عليها؟ فقالَ: «لَقَد تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» 3. كذلك
وَإنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ وَصُلِّىَ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ،
رَواه الأوْزاعِىُّ.
وروَى مَعْمَرٌ، وهِشامٌ، أنَّه أمَرَهم بالصلاةِ عليها.
واللهُ أعلمُ.
785 -
مسألة: (وإن وُجِد بَعْضُ المَيِّتِ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه.
وعَنْهُ، لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ) هذا المَشْهُورُ في المَذْهبِ.
هو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وعنه، لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ.
نَقَلَهَا عنه ابنُ مَنْصُورٍ.
قال الخَلَّالُ: ولَعَلَّه قولٌ قَدِيمٌ لأبي عبدِ اللهِ، والأوَّلُ الذى اسْتَقَرَّ عليه قَوْلُه.
..................................
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: إن وُجِد الأكْثَرُ صُلِّىَ عليه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه بَعْضٌ لا يَزِيدُ على النِّصْفِ، فلم يُصَلَّ عليه، كالذى بان في حَياةِ صاحِبِه، والشَّعَرِ والظُّفْرِ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ الله عنهم، قال أحمدُ: صَلَّى أبو أيُّوبَ على رِجْل، وصَلَّى عُمَرُ على عِظامٍ بالشّامِ، وصَلَّى أبو عُبَيْدَةَ على رُءوس بالشامِ.
رَواهما عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، بإسْنادِه 1. وقال الشافعىُّ: ألْقَى طائِرٌ يَدًا بمَكَّةَ مِن وَقْعَةِ الجَمَلِ، عُرِفَتْ بالخَاتمِ، وكانت يدَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَتّابِ بنِ أسِيدٍ، فصَلَّى عليها أهلُ مَكَّةَ 2.
وكان ذلك بمَحْضَرٍ مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِفْ مِن الصحابةِ مُخالِفًا في ذلك، ولأنَّه بعضٌ مِن جُمْلَةٍ تَجِبُ الصلاةُ عليها، فيُصَلَّى عليه، كالأكْثَرِ، وفارَقَ ما بان في الحَياةِ، لأنَّه مِن جُمْلَةٍ لا يُصَلَّى عليها، والشَّعَرُ.
والظُّفْرُ لا حَياةَ فيه.
.................................. فصل: وإن وُجد الجُزْءُ بعدَ دَفْنِ المَيِّتِ، غُسِّل وصُلِّىَ عليه، ودُفِن إلى جانِبِ القَبْرِ، أَو نُبِش بعضُ القَبْرِ ودُفِن فيه، ولا حاجَةَ إلى كَشْفِ المَيِّتِ؛ لأنَّ ضَرَرَ نَبْشِ المَيِّتِ وكَشْفِه أعْظَمُ مِن الضَّرَرِ بِتَفْرِقَةِ أجْزائِه.
وَإنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صُلِّىَ عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِى مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
786 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَطَ مَن يُصَلَّى عليه بمَن لا يُصَلَّى عليه، صُلِّىَ على الجَمِيعِ، يَنْوِى مَن يُصَلَّى عليه)
قال أحمدُ: ويَجْعَلُهم بينَه وبينَ القِبْلَةِ، ثم يُصَلِّى عليهم.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان المسلمون أكْثَرَ، صَلَّى عليهم، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالأكْثَرِ؛ بدَلِيلِ أنَّ دارَ المسلمين الظّاهِرُ فيها الِإسْلامُ؛ لكَثْرَةِ المسلمين بها، وعَكْسُها دارُ الحَرْبِ؛ لكَثْرَةِ الكُفّارِ بها.
ولَنا، أنَّه أمْكَنَ الصلاةُ على المسلمين مِن غيرِ ضَرَرٍ، فوَجَبَ، كما لو كانُوا أكْثَرَ، ولأنَّه إذا جاز أن يَقْصِدَ بصَلاِته ودُعائِه الأكْثَرَ، جاز أن يَقْصِدَ الأقَلَّ، ويِبْطُلُ ما قالُوه بما إذا اخْتَلَطَتْ أُخْتُه بأجْنَبِيّاتٍ، أو مَيْتَةٌ بمُذَكَّياتٍ، فإنَّه يَثْبُتُ الحُكْمُ للأقَلِّ، دُونَ الأكْثَرِ.
فصل: وإن وُجِد مَيِّتٌ، فلم يُعْلَمْ أمُسْلِمٌ هو أم كافِرٌ؟ نَظَر إلى العَلاماتِ؛ مِن الخِتانِ، والثِّيابِ، والخِضابِ، فإن لم يَكُنْ عليه عَلامَةٌ، وكان في دارِ الِإسْلامِ غُسِّلَ، وصُلِّىَ عليه.
وإن كان في دارِ الكُفْرِ، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ مَن كان في دارٍ، فهو مِن أهْلِها، يَثْبُتُ له حُكْمُهم مالم يَقُمْ على خِلافِه دَلِيلٌ.
وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِى الْمَسْجِدِ.
787 - مسألة: (ولا بَأْسَ بالصلاةِ على المَيِّتِ في المَسْجِدِ)
[تَجُوزُ الصلاةُ على المَيِّتِ في المَسْجِدِ] 1 إذا لم يُخَفْ تَلْوِيثُه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ.
وكَرِه ذلك مالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ صَلَّى عَلَىِ جنَازَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَلَا شَىْءَ لَهُ».
رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ» 2. ولَنا، ما روَى مسلمٌ 3 وغيرُه.، عن عائشةَ، رَضىَ اللهُ عنها، قالَتْ: ما صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على سُهيْلِ بنِ بَيْضَاءَ إلَّا في المَسْجِدِ.
وروَى سعيدٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزِيزِ بنُ محمدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، قال: صُلِّىَ على أبى بكر في المَسْجِدِ 4. وقال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ
..................................
عُمَرَ، قال: صُلِّىَ على عُمَرَ بالمَسْجِدِ 1. وهذا كان بمَحْضَرٍ مِن الصحابةِ، رَضِىَ الله عنهم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صلاةٌ فلم يُمْنَعْ منها في المَسْجِدِ، كسائِرِ الصَّلواتِ، وحديثُهم يَرْوِيه صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأمَةِ.
وقد قال فيه ابنُ عبدِ البَرِّ: مِن أهلِ العلمِ مَن لا يَحْتَجُّ بحَدِيثه أصْلًا؛ لضَعْفِه، ومنهمِ مَن يَقْبَلُ منه ما رَواه عن ابنِ أبى ذِئْبٍ خاصَّةً.
ثم يُحْمَلُ على مَن خِيفَ منه الانْفِجارُ، وتَلْوِيثُ المَسْجِدِ.
فصل: فأمَّا الصلاةُ على الجنازَةِ في المَقْبَرَةِ، ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، لا بَأْسَ بها؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -صَلَّى على قَبْرِ وهو في المَقْبَرَةِ 2. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ذَكَر نافِعٌ، أنَّه صُلِّىَ على عائشةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ قُبُورِ البَقِيعِ؛ صَلِّى على عائشةَ أبو هُرَيْرَةَ، وحَضَر ذلك ابنُ عُمَرَ 3، وفَعَلَه عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، يُكْرَهُ.
رُوِىَ ذلك عن عَلىٍّ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، وابنِ عباس، وبه قال عَطَاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْأرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ والْحَمَّامَ» 4. ولأنَّه ليس بمَوْضِعٍ لصلاةٍ غيرِ صلاةِ
وِإنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ.
الجِنازَةِ، فَكُرِهَتْ فيه صلاةُ الجِنازَةِ، كالحَمَّامِ.
788 -
مسألة: (وإن لم يَحْضُرْه إلَّا النِّسَاءُ صَلَّيْنَ عليه)
لأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أمَرَتْ أن يُؤْتَى بسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ؛ لتُصَلِّىَ عليه.
ولأنَّ الصلاةَ على المَيِّتِ صلاةٌ مَشْرُوعَةٌ، فتُشْرَعُ في حَقِّهِنَّ، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
فَصْلٌ فِى حَمْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ: يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ فِى حَمْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إِلَى الْمُؤَخِّرَةِ، ثُمَّ يَضَعِ قَائِمَتَهُ الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إِلَى الْمُؤَخرَةِ، فصلٌ في حَمْلِ المَيِّتِ وَدفْنِه
###: 789 - مسألة: (يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ في حَمْلِهِ)
ومَعْناه الأخْذُ بقَوائِمِ السَّرِيرِ الأرْبَعِ.
وهو سُنَّةٌ؛ لقَوْلِ ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللهُ عنه: إذَا اتَّبَعَ أحَدُكم جِنازَةً، فلْيَأْخُذ بجَوانِبِ السَّريرِ الأرْبعِ، ثم لْيَتَطَوَّعْ بعدُ أو لِيَذَرْ، فإنَّه مِن السُّنَّةِ.
رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» (1). وهذا يَقْتَضِى سنَّةَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -.
790 -
مسألة؛ قال: (وهو أن يَضَعَ قائِمَةَ السَّرِيرِ اليُسْرَى المُقَدَّمَةَ
1
وَإنْ حَمَلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ.
على كَتِفِه اليُمْنَى، ثم يَنْتَقِلَ إلى المُؤَخَّرَةِ، ثم يَضَعَ قَائِمَتَه اليُمْنَى المُقَدَّمَةَ على كَتِفِه اليُسْرَى، ثم يَنْتَقِلَ إلى المُؤخَّرَةِ) هذا صِفَةُ التَّرْبِيعِ في المَشْهُورِ في المَذْهبِ.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ، وإليه ذَهَب أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه يَدُورُ عليها، فيأخُذُ بعدَ يَاسِرَةِ المُؤخَّرَةِ يامِنَةَ المُؤخَّرَةِ ثم المُقَدَّمَةَ.
وهو مَذْهبُ إِسحاقَ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وأيُّوبَ.
ولأنَّه أخَفُّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه أحَدُ الجانِبَيْن، فيَنْبَغِى أَن يَبْدأ فيه بمُقَدَّمِه، كالأوَّلِ.
791 -
مسألة: (وإن حَمَل بينَ العَمُودَيْن فحَسَنٌ)
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن عثمانَ، وسعدِ بنِ مالكٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابن
وَيُسْتَحَبُّ الإسْرَاعُ بِهَا،
الزُّبَيْرِ.
وقال به الشافعىُّ، وأحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وكَرِهَه النَّخَعِىُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ الله عنهم، فَعَلُوه، وفيهم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وقال مالكٌ: ليس في حَمْلِ المَيِّتِ تَوْقِيتٌ، يَحْمِلُ مِن حيث شاء.
ونَحْوَه قال الأوْزاعِىُّ.
واتِّباعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فيما فَعَلُوه وقالُوه أحْسَنُ.
792 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ الِإسْراعُ بها)
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا بينَ الأئِمَّةِ، رَحِمَهم الله؛ وذلك لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ،
..................................
فَإنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. واخْتَلَفُوا في الِإسْراعِ المُسْتَحَبِّ، فقال القاضى: هو إسْراعٌ لا يَخْرُجُ عن المَشْىِ المُعْتادِ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَخُبُّ ويَرْمُلُ؛ لِما روَى أبو داودَ 2، عن عُيَيْنَةَ ابنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه.
قال: كُنَّا في جنازَةِ عثمانَ بنِ أبى العاصِ، وكُنَّا نَمْشِى مَشْيًا خَفِيفًا؛ فلَحِقَنا أبو بَكْرَةَ 3، فرَفَعَ سَوْطَه، فقال: لقد رَأيْتُنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَرْمُلُ رَمَلًا.
ولَنا، ما روَى أبو سعيد، عن النبيِّ
..................................
- صلى الله عليه وسلم -، أنَّه مُرَّ عليه بجِنازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا 1، فقالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِى جَنَائِزِكُمْ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 2. ولأنَّ الِإسْرافَ في الِإسْراعِ يَمْخُضُها، ويُوْذِى حامِلِيها ومُتَّبِعِيها، ولا يُؤْمَنُ على المَيِّتِ.
وقال ابنُ عباس في جِنازَةِ مَيْمُونَةَ: لا تُزَلْزِلُوا، وارْفُقُوا، فإنَّها أمُّكُمْ 3.
فصل: واتِّباعُ الجَنائِزِ سُنَّةٌ؛ لقَوْلِ البَراءِ: أمَرَنا النبي - صلى الله عليه وسلم - باتِّباعِ الجَنائِزِ.
مُتَّفَقٌ عليه 4. واتِّبَاعُ الجَنائِزِ على ثَلاَثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، أن يُصَلِّىَ عليها ثم يَنْصَرِفَ.
قال زيدُ بنُ ثابِتٍ: إذا صَلَّيْتَ فقد قَضَيتَ الذى عليك 5. وقال أبو داودَ: - رَأيْتُ أحمدَ مالا أُحْصِى صَلَّى على جَنائِزَ، ولم يَتْبَعْها إلى القَبْرِ، ولم يَسْتأْذِنْ.
الثانِى، أن يَتْبَعَها إلى القَبْرِ، ثم يَقِفَ حتى تُدْفَنَ؛ لقَوْلِ رسوَلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصِلِّىَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ».
قِيلَ: وما القِيرَاطَان؟ قال:
..................................
«مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. الثالثُ، أن يَقِفَ بعدَ الدَّفْنِ، فيَسْتَغْفِرَ له، ويَسْألَ اللهَ له التَّثْبِيتَ، ويَدْعُوَ له بالرَّحْمَةِ، فإنَّه رُوِىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان إذا دَفَن مَيِّتًا وَقَف، فقالَ: «اسْتَغْفِرُوا لَهُ 2، وَاسْألُوا الله لَهُ التَّثبِيتَ، فإنَّهُ الْآنَ يُسْألُ».
رَواه أبو داودَ 3.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يقْرَأُ عندَه عندَ الدَّفْنِ أوَّلَ البَقَرَةِ وخاتِمَتَها.
ويُسْتَحَبُّ لمُتَّبعِ الجنازَةِ أن يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَفَكِّرًا في مَآلِه 4 مُتَّعِظًا بالمَوْتِ، وبما يَصِيرُ إليه المَيِّتُ، لا يَتَحَدَّثُ بأحَاديثِ الدُّنْيَا، ولا يَضْحَكُ.
قال سعدُ بنُ مُعاذٍ: ما تَبِعْتُ جِنازَةً فحَدَّثْتُ نَفْسِى بغيرِ ما هو مَفْعُولٌ بها.
ورَأى بعضُ السَّلَفِ رجلًا يَضْحَكُ في جِنازَةٍ، فقالَ: تَضْحَكُ وأنت تَتْبَعُ الجنازَة؟! لا كَلَّمْتُك أبَدًا.
وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا [41 ظ]،
793 - مسألة: (و)
يُسْتَحَبُّ أن (يَكُونَ المُشاةُ أمامَها، والرُّكْبانُ خلفَها) أكْثَرُ أهلِ العلمِ يَرَوْن الفَضِيلَةَ للماشِى أن يَكُونَ أمامَ
الجِنَازَةِ، رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وابن عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي قَتادَةَ، وأبي أَسِيدٍ،
وشرَيْحٍ، والقَاسِمِ بنِ محمدٍ، وسالمٍ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال الأوْزاعِىُّ، وأصحابُ الرّأْىِ: المَشْىُ خلفَها أفْضَلُ، لِما روَى ابنُ مسعودٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَا تَتْبَعُ، لَيْسَ مِنْها 1 مَنْ تَقَدَّمَهَا» 2. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: فَضْلُ الماشِى خلفَ الجِنازَةِ على الماشِى قُدّامَها، كفَضْل المَكْتُوبَةِ على التَّطَوُّعِ، سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 3. ولأنَّها مَتْبُوعَةٌ فيَجِبُ أن تُقَدَّمَ