الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 126-165

ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُرَدُّ طَرَفُهَا الْآخَرُ فَوْقَهُ، ثُمَّ يُفْعَلُ [40 و] بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا،  في فيه، ومَنْخَرِه، وعَيْنَيْه، لئَلَّا يَحْدُثَ منهنَّ حادِثٌ، وكذلك في الجِراحِ النَّافِذَةِ، ويُتْركُ منه على مَواضِعِ السُّجُودِ تَشْرِيفًا لهذه الأعْضاءِ المُخْتَصَّةِ بالسُّجُودِ، ويُطَيَّبُ رَأْسُه ولِحْيَتُه؛ لأنَّ الحَىَّ يَتَطَيَّبُ هكذا، وإن طَيَبّهَ كلَّه كان حَسَنًا.

767 -

مسألة: (ثم يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ العُلْيا على شِقه الأيْمَنِ، ثم يُرَدُّ طَرَفُها الآخَرُ على شِقِّه الأيسَرِ)

وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك، لئَلَّا يَسْقُطَ عنه الطَّرَفُ الأيمَنُ إذا وُضِع على يَمِينِه في القَبْرِ (ثم يُفْعَلُ بالثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ كذلك، ويُجْعَلُ ما عندَ رَأْسِهِ أكْثَرَ مِمّا عندَ رِجْلَيْه) لأنَّه أحَقُّ بالسَّتْرِ مِن رِجْلَيْه، فالاحْتِيَاطُ لسَتْرِه بتَكْثِيرِ ما عندَه أوْلَى، ثم يَجْمَعُ ما فَضَل [عندَ رَأْسِه ورِجْلَيْه] 1، فيَرُدُّه عندَ رَاسِه ورِجْلَيْه، وإن خاف انْتِشَارَها عَقَدَها، فإذا وَضَعَه في قَبْرِه حَلَّها؛ لأنَّ عَقْدَ هذا إنَّما كان للخَوْفِ مِن

وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِى الْقَبْرِ، وَلَا يُخْرَقُ الْكَفَنُ.
انْتِشارِها.
وقد أُمِن بِدَفْنِه.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لمَّا أدْخَلَ نُعَيْمَ ابنَ مسعودٍ الأشْجَعِىَّ القَبْرَ، نَزَع الأخِلَّةَ بفِيه 1. وعن ابنِ مسعودٍ، وسَمُرَةَ نَحْوُه (ولا يُخْرَقُ الكَفَنُ) لأنَّه إفْسَادٌ له.
فصل: وتُكْرَهُ الزِّيادَةُ في الكَفَنِ على ثَلاثَةِ أثْوابٍ، لِما فيه مِن إضاعَةِ المالِ، وقد نَهَى عنه عليه السَّلامُ.
ويَحْرُمُ تَرْكُ شئ مع المَيِّتِ مِن مالِه لغيرِ حاجَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا مثلَ ما رُوِى عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه تُرِكَ تَحْتَه

وَإنْ كُفِّنَ فِى قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ، جَازَ.
قَطِيفَةٌ في قَبْرِه (1). فإن تُرِكَ نَحوُه فلا بَأْسَ.

768 -

مسألة: (وإن كُفّنَ في قَمِيصٍ ومِئْزَرٍ ولِفافَةٍ، جاز)

التَّكْفِينُ في القَمِيصِ واللِّفافَةِ والمِئْزَرِ جائِرٌ، إلَّا أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ، وهذا جائِزٌ لا كَرَاهَةَ فيه، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ألْبَسَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَى قَمِيصَه لمَّا مات.
رَواه البخاريُّ 2. فيُؤْزَرُ بالمِئْزَرِ، ويُلْبَسُ القَمِيصَ، ثم يُلَفُّ باللِّفافَةِ بعدَ ذلك.
وقال أحمدُ: إن جَعَلُوه قَمِيصًا، فأحبُّ إلىَّ أن يَكُونَ مثلَ قَمِيصٍ له كُمَّان وتَخارِيصان 3 وأزْرارٌ، ولا يُزَرُّ عليه القَمِيصُ.
فصل: قال أبو داودَ: قُلْتُ لأحمدَ: يَتَّخِذُ الرجلُ كَفَنه يُصَلِّى فيه أيَّامًا.
أو قُلْتُ: يُحْرِمُ فيه، ثم يَغْسِلُه ويَضَعُه لكَفَنِه؟ فَرَآه حَسَنًا.
قال: يُعْجِبُنِى أن يَكُونَ جَدِيدًا أو غَسِيلًا.
وكَرِه أن يَلْبَسَه حتى يُدَنِّسَه.
فصل: ويَجُوزُ التَّكْفِينُ في ثَوْبَيْنِ، لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - في المُحْرِمِ الذى1

وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِى خَمْسَةِ اثوَابٍ، إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ.
وَقَصَتْه دَابَّتُه: «وَكَفِّنُوهُ فِى ثَوْبَيْنِ».
رَواه البخارىُّ (1).

769 -

مسألة: (وتُكَفَّنُ المرأةُ في خَمْسَةِ أثوابٍ، إزارٍ، وخِمارٍ، وقَمِيصٍ، ولِفافَتَيْن)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ يَرَى أن تُكَفَّنَ المرأةُ في خَمْسَةِ أثْوابٍ.
منهم الشَّعْبِىُّ، ومحمدُ بنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزَاعيُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وكان عَطاءٌ يَقُولُ: تُكَفَّنُ في ثَلاَثةِ أثْوابٍ، دِرْعٍ، وثَوْبٍ تحتَ الدِّرْعِ تُلَفُّ به، وثَوْبٍ فوقَه تُلَفُّ فيه 2. وقال سُلَيْمانُ بنُ موسى 3:1

..................................  دِرْعٌ وخِمارٌ ولِفافَةٌ 1. والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك، لأنَّ المرأةَ تَزِيدُ في حالِ حَيَاتِها على الرجلِ في السَّتْرِ لزيادَةِ عَوْرَتِها على عَوْرَتِه، فكذلك بعدَ المَوْتِ، ولمَّا كانت تَلْبَسُ المَخِيطَ في إحْرامِها.
وهو أكْمَلُ أحْوالِ الحِىِّ، اسْتُحِبَّ إلْباسُها إيَّاهُ بعدَ مَوْتِها، بخِلافِ الرجلِ، وقد روَى أبو داودَ 2، بإسْنادِه عن لَيْلَى بنتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ، قالت: كُنْتُ في مَن غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عندَ وفاتِها، فكان أوَّلُ ما أعْطانا الحِقاءَ 3، ثم الدِّرْعَ، ثم الخِمارَ، ثم المِلْحَفَةَ 4،

..................................  ثم أُدْرِجَتْ بعدَ ذلك في الثَّوْبِ الآخَرِ.
قالت: ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَ البابِ معه كَفَنُها، يُناوِلُناها ثَوْبًا ثَوْبًا.
وَرَوَتْ امُّ عَطِيَّةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ناوَلَها إزارًا، ودِرْعًا، وخِمارًا، وثَوْبَيْنِ 1. فصل: قال أحمدُ: يكَفَّنُ الصبِىُّ في خِرْقَةٍ، وإن كُفِّنَ في ثَلاثَةٍ فلا بَأسَ.
وكذلك قال إسحاقُ، ونَحْوَه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ، وغيرُهم.
لا اخْتِلافَ بينَهم في أنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُه، وإن كُفِّنَ في- ثَلاَثةٍ فلا بَأسَ.
فصل: قال المَرُّوذِىُّ: سَألتُ أبا عبدِ اللهِ: في كم تُكَفَّنُ الجارِيَةُ إذا لم تَبْلُغْ؟ قال: في لِفَافَتَيْن، وقَمِيصٍ، لا خِمارَ فيه.
وكَفَّنَ ابنُ سِيرِينَ

..................................  بِنْتًا له قد أعْصَرَتْ، أى قارَبَتِ المَحِيضَ في قمِيصٍ ولِفافَتَيْن.
ورُوِىَ في بَقِيرٍ ولِفَافَتَيْن 1. قال أحمدُ: البَقيرُ القَمِيصُ الذى ليس له كُمَّان.
والحَدُّ الذى تَصِيرُ به الجارِيَةُ في حُكْمِ المرأةِ في الكَفَنِ هو البُلُوغُ.
هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمارٍ» 2. مَفْهُومُه أنَّ غيرَها لا تَحْتاجُ إلى خِمارٍ في صلاتِها، كذلك في كَفَنِها.
وروَى عن أحمدَ أكثَرُ أصحابِه: إذا كانت بِنْتَ تِسْعٍ يُصْنَعُ بها ما يُصْنَعُ بالمرأةِ.
واحْتَجَّ بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل بعائشةَ وهى بِنْتُ تِسْعٍ 3. وقالت عائشةُ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعًا فهى امرأةٌ 4. فصل: قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنى أن تُكَفَّنَ في شئٍ مِن الحَرِيرِ.
وكَرِه ذلك الحسنُ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أحْفَظُ

وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَستُرُ جَمِيعَهُ.
عن غَيْرِهم خِلافَهم.
وفى جَوازِ تَكْفِينِ المرأةِ بالحَرِيرِ احْتِمالانِ، أحَدُهما، الجَوازُ.
وهو أقْيَسُ، لأنَّه مِن لُبْسِها في حَياتِها.
والثَّانِى، المَنْعُ.
لأنَّها إنَّما تَلْبَسُه في حَياتِها، لأنَّها مَحَلٌّ للزِّينَةِ والشَّهوةِ، وقد زال ذلك.
وعلى كلِّ حالٍ فهو مَكْروهٌ.
وكذلك يُكْرَهُ تَكْفِينُها بالمُعَصْفَرِ، ونَحْوِه، لِما ذَكَرْنا.
قال الأوْزاعِىُّ: لا يُكَفَّنُ في الثِّيابِ المُصْبَغَةِ، إلَّا ما كان مِن العَصْبِ؛ يَعْنِى ما صُنِع بالعَصْبِ، وهو نَبْتٌ باليَمَنِ (1). فصل: وإن أحَبَّ أهلُ المَيِّتِ أن يَرَوْه لَمْ يُمْنَعُوا؛ لِما روَى جابرٌ، قال: لمّا قُتِل أبى جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عن وَجْهِه وأبكِى، والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَنْهاني (2). وقالت عائشةُ: رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ وهو مَيِّتٌ، حتى رَأيتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ (3). والحَدِيثان صَحِيحان.

770 -

مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك ثَوْبٌ يَستُرُ جَمِيعَه)

لِما رَوَتْ123

..................................  أُمُّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: لمّا فَرَغْنا، يَعْنِى مِن غَسْلِ ابْنَةِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ألْقَى إلينا حَقْوَه، فقال: «أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ».
ولم يَزِدْ على ذلك.
رَواه البخارىُّ 1. وقال: مَعْنى أشْعِرْنَها.
الْفُفْنَها فيه.
ولأنَّ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ يُجْزِئُ في سَتْرِها ثَوْبٌ واحِدٌ، فكَفَنُ المَيِّتِ أوْلَى.
وهذا وَجْهٌ لأصحابِ الشافعىِّ.
وظاهِرُ مَذْهَبِهم أنَّ الواجِبَ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ، كالحَىِّ.
وقال القاضى: لا يُجْزِئُ للقادِرِ أقَلُّ مِن ثَلاَثةِ أثْوابٍ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن عائشةَ.
قال: لأنَّه لو أجْزَأ أقَلُّ منها، لم يَجُزِ التَّكْفِينُ بها في حَقِّ مَن له أيْتَامٌ، احْتِياطًا لهم.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وما احْتَجَّ به القاضى لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجُوزُ التَّكْفِينُ بالحَسَنِ مع حُصُولِ الِإجْزاءِ بما دُونَه.
فصل: فإن لم يَجِدْ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَه، سَتَر رَأْسَه، وجُعِلَ على رِجْلَيْه حَشِيشٌ أو وَرَقٌ، كَما رُوِىَ عن مُصْعَبٍ، أنَّه قُتِل يَوْمَ أُحُدٍ، فلم يُوجَدْ له شئٌ يُكَفَّنُ فيه، إلَّا نمِرَةً 2، فكانت إذا وُضِعَتْ على رَأْسِه بَدَتْ رِجْلاه، وإذا وُضِعَتْ على رِجْلَيْه خَرَج رَأْسُه، فأمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُغَطَّى = في: باب ما جاء في تقبيل الميت، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 468. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 43، 55، 56، 206.

فَصْلٌ فِى الصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ:  رَأْسُه، ويُجْعَلَ على رِجْلَيْه الِإذْخِرُ 1. رَوَاه البخارىُّ 2. فإن لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ سَتَرَها، كحالِ الحَياةِ.
فإن كَثُر القَتْلَى، وقَلَّتِ الأكْفانُ، كُفِّنَ الرَّجُلانِ 3 والثَّلاثَةُ في الثَّوْبِ الواحِدِ.
قال أنَسٌ: كَثُر القتْلَى، وقَلَّتِ الثِّيابُ، يَعْنِى يَوْمَ أُحُدٍ، قال: فَكُفِّنَ الرَّجُلُ والرَّجُلان والثَّلاثَةُ في الثَّوْبِ الواحِدِ، ثم يُدْفَنُون في قَبْرٍ واحِدٍ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 4، وهذا لَفْظُه، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
فصلٌ في الصَّلاةِ على الميِّتِ: والصلاةُ على المَيِّتِ فَرْضُ

..................................  كِفَايَةٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهْ إلَّا الله» 1.

السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، ووَسَطِ الْمَرْأَةِ,

771 - مسألة: (السُّنَّةُ أن يَقُومَ الِإمامُ عندَ رَأْسِ الرجلِ، ووَسَطِ المرأةِ)

المُسْتَحَبُّ أن يَقُومَ الِإمامُ في صلاةِ الجِنازَةِ حِذاءَ رَأْسِ الرجلِ، ووَسَطِ المرأةِ.
وإن وقَفَ في غيرِ هذا المَوْضِعِ خالَفَ السُّنَّةَ، وصَحَّتْ صَلاتُه.
وبه قال إسحاقُ، والشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال الخِرَقِىُّ: يَقُومُ عندَ صَدْرِ الرجلِ.
وهو قَرِيبٌ مِن القَوْلِ الأوَّلِ؛ لقُرْبِ أحَدِهما مِن الآخَرِ، فالواقِفُ عندَ أحَدِهما واقِفٌ عندَ الآخَرِ.
وقال

..................................  أبو حنيفةَ: يَقُومُ عندَ صَدْرِ الرجلِ والمرأةِ، لأنَّهما سواءٌ، فإذا وَقَف عندَ صَدْرِ الرجلِ، فكذلك المرأةُ.
وقال مالِكٌ: يقِفُ عندَ وَسَطِ الرجلِ، لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ مسعودٍ، ويَقِفُ عندَ مَنْكِبِ المرأةِ، لأنَّ الوُقُوفَ عندَ أعالِيها أمْثَلُ وأسْلَمُ.
وروَى سعيدٌ، قال: حَدَّثَنى خالدُ ابنُ يَزِيدَ بنِ أبى مالِكٍ الدِّمَشْقِىُّ، قال: حَدَّثَنِى أبى، قال: رَأيْتُ واثِلَةَ ابنَ الأسْقَعِ يُصَلِّى على الجَنائِزِ، فإذا كانُوا رِجالًا صَفَّهم، ثم قام وَسَطَهُم، وإذا كانُوا رِجالًا ونِساءً جَعَل رَأْسَ أوَّلِ امرأةٍ عندَ رُكْبَةِ الرجلِ، ثم يَقُومُ وَسَطَ الرجال 1. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ أنَسًا صَلَّى على رجلٍ، فقام عندَ رَأسِه، ثم صَلَّى على امرأةٍ، فقام حِيالَ وَسَطِ السَّريرِ، فقال له العَلاءُ بنُ زِيادٍ: هكذا رَأيْتَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قام على الجِنازَةِ مَقَامَك منها، ومِن الرجلِ مَقامَك منه؟ قال نعم.
فلمَّا فَرَغ، قال: احْفَظُوا.
قال

وَيُقَدَّمُ إِلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ، وَيُجْعَلُ وَسَطُ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يُسَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمْ.
التِّرْمِذِىُّ (1): هذا حديثٌ حسنٌ.
وعن سَمُرَةَ، قال: صَلَّيْتُ وَراءَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - على امرأةٍ ماتت في نِفاسِها، فقام وَسَطَهَا.
مُتَّفَقٌ عليه (2). والمرأةُ تُخالِفُ الرجلَ في مَوْقِفِ الصلاةِ، فجاز أن تُخالِفَه ههُنا، وقِيامُ الِإمامِ عندَ وَسَطِها أسْتَرُ لها، فكان أوْلَى.

772 -

مسألة: (ويُقَدَّمُ إلى الِإمامِ أفْضلُهُم، ويُجْعَلُ وَسَطُ المرأةِ حِذاءَ رَأسِ الرجلِ. وقال القاضى: يُسَوَّى بينَ رُءُوسِهم)

إذا كانَتِ12

..................................  الجَنائِزُ نَوْعًا واحِدًا، قُدِّمَ أفْضَلُهم إلى الِإمامِ، لأنَّ الأفْضَلَ يَلى الِإمامَ في صَفِّ المَكْتُوبَةِ، فكذلك هاهُنا.
وقد دَلَّ على الأصْلِ قَوْلُه عليه السَّلامُ: «لِيَلنِى مِنْكُمْ أولُو الْأحْلَامِ وَالنُّهَى» 1. فإن تَسَاوَوْا في الفَضْلِ، قُدِّمَ الأكبَرُ فَالأكْبَرُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَيْمُونِى.
فإن تَساوَوا قُدِّمَ السَّابِقُ.
وقال القاضى: يُقَدَّمُ السابِقُ وإن كان صَبِيًّا، ولا تُقَدَّمُ المرأةُ وإن كانَتْ سابِقَةً، لمَوْضِعِ الذُّكُورِيَّةِ.
فإن تَساوَوْا قَدَّمَ الِإمامُ مَن شاء، فإن تَشاحُّوا أُقْرِعَ بينَهم.
فصل: فإن كانُوا أنْواعًا، كرِجالٍ وصِبْيانٍ وخَناثَى ونِساءٍ، قُدِّمَ الرِّجالُ، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ، إلَّا ما حَكَيْنا مِن قَوْلِ القاضى، إذا سَبَق الصَّبِىُّ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
ثم يُقَدَّمُ بعدَهم الصِّبْيانُ.
هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوايَةِ الجَماعَةِ.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ،

..................................  والشافعىُّ.
وقال الخِرَقِىُّ: يُقَدَّمُ النِّساءُ على الصِّبْيانِ، لأنَّ المرأةَ شَخْصٌ مُكَلَّفٌ، فهى أحْوَجُ إلى الشَّفاعَةِ.
وروَى عَمّارٌ مَوْلَى الحارِثِ بنِ نَوْفَلٍ، أنَه شَهِد جِنازَةَ امِّ كُلْثُوم وابْنِها، فجُعِلَ الغُلامُ مِمَّا يَلِى القِبْلَةَ، فأنْكَرْتُ ذلك، وفى القَوْمِ ابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وأبو قَتادَةَ، وأبو هُرَيْرَةَ، فقالُوا: هذه السُّنَّةُ 1. ولَنا، أنَّهم يُقَدَّمُون عليهِنَّ في الصَّفِّ في الصلاةِ المَكْتُوبَةِ إذا اجْتَمَعُوا، فكذلك عندَ اجْتِماعِ الجَنائِزِ، كالرِّجالِ.
فأمَّا حديثُ عَمّارٍ، فالصَّحِيحُ فيه أنَّه جَعَلَها مِمّا يَلى القِبْلَةَ، وجَعَل ابْنَها مِمّا يَليه.
كذلك رَواه سعيدٌ، وعَمَّارٌ مَوْلَى بَنِى سَلَمَةَ، عن عَمّارٍ مَوْلَى بَنِى هاشِمٍ.
وأخْرَجَه كذلك أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، وغيرُهما 2. ولَفْظُه قال: شَهِدْتُ جِنازَةَ صَبِىٍّ وامرأةٍ، فقُدِّمَ الصَّبِىُّ مِمَّا

..................................  يَلِى القَوْمَ، ووُضِعَتِ المرأةُ وراءَه.
وفى القومِ أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، وابنُ عباسٍ، وأبو قَتادَةَ، وأبو هُرَيْرَةَ، فقُلْنا لهم، فقالُوا: السُّنَّةُ.
أمّا الحديث الأوَّلُ فغيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ زَيْدَ بنَ عُمَرَ هو ابنُ أُمِّ كُلْثُومٍ، الذى صُلِّىَ عليه معها، وكان رجلًا له أوْلادٌ كذلك قال الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ.
ولأنَّ زَيْدًا ضُرِب في حَرْبٍ كانت بينَ بَنِى عَدِىٍّ، في خِلافَةِ بعضِ بَنِى امَيَّةَ، فصُرِعَ وحُمِل، فمات.
ومثلُ هذا لا يَكُونُ إلَّا رجلًا.
فصل: ولا نعْلَمُ خِلافًا في تَقْدِيمِ الخُنْثَى على المرأةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ رجلًا، وأدْنَى أحْوالِه مُساواتُه لها.
ويُقَدَّمُ الحُرُّ على العَبْدِ؛ لشَرَفِه وتَقْدِيمِه عليه في الِإمامَةِ.
وكذلك في تَقْدِيمِ الكَبيرِ على الصَّغِيرِ لذلك.
وقد روَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في جِنازَةِ حُرٍّ وعَبْدٍ، ورجلٍ وامْرَأةٍ، وصَغِيرٍ وكَبِيرٍ، يُجْعَلُ الرجُلُ مِمّا يلِى الإمامَ،

..................................  والمرأةُ أمامَ ذلك، والكَبِيرُ ممّا يَلى الِإمامَ، والصَّغِيرُ أمامَ ذلك، والحُرُّ مِمَّا يَلى الِإمامَ، والمَمْلُوكُ أمامَ ذلك.
فإنِ اجْتَمَعَ حُرٌّ صَغِيرٌ وعَبْدٌ كَبِيرٌ، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ الحسنِ بنِ محمدٍ 1: يُقَدَّمُ الحُرُّ وإن كان غُلامًا.
ونَقَل أبو الحارِثِ: يُقَدَّمُ الأكْبَرُ.
قال شيخُنا 2: وهو أصَحُّ إن شاء اللهُ تعالى، لأنَّه يُقَدَّمُ في الصَّفِّ في الصلاةِ.
وقَوْلُ علىٍّ مُتَعارِضٌ؛ فإنَّه قد قال: يُقَدَّمُ الكَبِيرُ على الصَّغِيرِ، كقَوْلِه: يُقَدَّمُ الحُرُّ على العَبْدِ.
فصل: وإذا اجْتَمَعَ رجلٌ وامرأةٌ فصُلِّىَ عليهما جَمِيعًا، جُعِل رَأْسُ الرجلِ حِذاءَ وَسَطِ المرأةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ؛ ليَكُونَ مَوْقِفُ الِإمامِ عندَ رَأسِ الرَّجُلِ، ووَسَطِ المرأةِ.

..................................  والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، يُسَوَّى بينَ رُءُوسِهم.
اخْتارَها القاضى.
وهو قولُ إبراهيمَ، وأهلِ مَكَّةَ، وأبى حنيفةَ، ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ 1. وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه، عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بنتَ علىٍّ، وابْنَها زيدَ بنَ عُمَرَ تُوُفيا جَمِيعًا.، فأُخْرِجَتْ جِنازَتاهما، فصَلَّى عليهما أميرُ المَدِينَةِ، فسَوَّى بينَ رُءُوسِهما وأرْجُلِهما حينَ صَلَّى عليهما 2.

وَيُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، يَقْرأُ في الأولَى الْفَاتِحَةَ، ويُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - في الثَّانِيَةِ,

773 - مسألة: (ثم يُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، يَقْرأُ في الأُولَى الفاتِحَةَ، ويُصَلِّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في الثانِيَةِ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّكْبِيرَ على الجنازَةِ أرْبَعٌ، لا يَجُوزُ النَّقْصُ منها، ولا تُسَنُّ الزِّيادَةُ عليها؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَبَّرَ على النَّجاشِىِّ أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه 1. فيُكَبِّرُ الأولَى، ثم يَسْتَعِيذُ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ.
وقال القاضى: يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن، كالاسْتِفْتاحِ.
ويَقْرَأُ الحَمْدَ، يَبْتَدِئُها بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
ولا يُسَنُّ الاسْتِفْتاحُ، في المَشْهُورِ عنه.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن الرجلِ يَسْتَفْتِحُ الصلاةَ على الجِنازَةِ بـ «سُبْحانَكَ

..................................  اللَّهُمَّ وبحَمْدِك»؟ قال: ما سَمِعْتُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كان الثَّوْرِىُّ يَسْتَحِبُّ أن يَسْتَفْتِحَ في صلاةِ الجِنازَةِ، ولم نَجِدْه في كُتُبِ سائِرِ أهلِ العِلْمِ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ مثلُ قَوْلِ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّ الاسْتِعاذَةَ فيها مَشْروعَةٌ، فسُنَّ فيها الاسْتِفْتاحُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
ولَنا، أنَّ صلاةَ الجِنازَةِ شُرِع فيها التَّخْفِيفُ، ولهذا لا يُقْرَأُ فيها بعدَ الفاتِحَةِ بشئٍ، وليس فيها ركُوعٌ ولا سُجودٌ.
فأمَّا التَّعَوّذُ فهو سُنَّةٌ للقراءَةِ مُطْلَقًا في الصلاةِ وغيرِها؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 1. ولأصحابِ الشافعىِّ في الاسْتِعاذَةِ والاسْتِفْتاحِ وَجْهان.
فصل: وقِراءَةُ الفاتِحَةِ واجِبَةٌ في صلاةِ الجِنازَةِ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباس.
وهو قولُ الشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، = باب ما جاء في الصلاة على النجاشى، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 490. والإمام مالك، في: باب التكبير على الجنائز، من كتاب الجنائز.
الموطأ 1/ 226، 227. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 281، 438، 439.

..................................  ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَقْرَأُ فيها بشئٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ قال: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُوَقِّتْ فيها قَوْلًا ولا قِراءَةً.
ولأنَّ ما لا رُكُوعَ فيه لا قِراءَةَ فيه، كسُجُودِ التِّلاوَةِ.
ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ شَرِيكٍ، قالت: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن نَقْرَأَ على الجنازَةِ بفاتِحَةِ الكِتابِ.
رَواه ابنُ ماجه 1. وعن جابِر، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَبَّرَ على الجِنازَةِ أرْبعًا، وقَرَأ بفاتِحَةِ الكِتاب بعدَ التَّكْبِيرَةِ الأولَى.
رُواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِهِ» 2. ثم هو داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ 3 يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» 4. ولأنَّها صلاةٌ يَجِبُ فيها القِيامُ، فوَجَبَتْ فيها القِراءَةُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
وحديثُ ابنِ مسعودٍ، إن صَحَّ، فإنَّمَا قال: لم يُوَقِّتْ.
أى لم يُقَدِّرْ.
ولا يَدُلّ هذا على نَفْىِ أصْلِ القِراءَةِ، وقد روَى عنه ابنُ المُنْذِرِ، أنَّه قَرِأَ على جِنازَةٍ بفاتِحَةِ الكِتابِ.
ثم لا يُعارِضُ ما رَويْنَاه؛ لأنَّه نَفْىٌ مُقَدَّمٌ عليه الِإثْباتُ، وفارَقَ سُجُودَ التِّلاوَةِ، فإنَّه لا قِيامَ فيه، والقِراءَةُ مَحَلُّها القِيامُ.
ويُسْتَحَبُّ إسْرارُ القِراءَةِ والدُّعاءِ والصلاةِ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -

..................................  فيها.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا يَقْرأُ بعدَ الفاتِحَةِ شيئًا.
وقد رُوِىَ عن ابن عباس، أنَّه جَهَر بفاتِحَةِ الكِتابِ في صلاةِ الجِنَازَةِ 1، قال أحمدُ: إنَّما جَهَر ليُعَلِّمَهم.
فصل: ويُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، ويُصَلِّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباس، أنَّه صَلَّى على جِنازَةٍ بمَكَّةَ فَكَبَّرَ، ثم قَرَأ وجَهَر، وصَلَّى على النبى - صلى الله عليه وسلم -، ثم دَعا لصاحِبِها 2 فأحْسَنَ، ثم انْصَرَفَ، وقال: هكذا يَنْبَغِى أن تَكُونَ الصلاةُ.
على الجِنازَةِ 3. وعن أبى أُمامَةَ بنِ سَهْلٍ، أنَّه أخْبَرَه رجلٌ مِن أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مِن السُّنَّةِ في الصلاةِ على الجِنازَةِ أن يُكَبِّرَ الإمامُ، ثم يَقْرَأَ بفاتِحَةِ الكِتابِ بعدَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى، يَقْرَأَ في نَفْسِه، ثم يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويُخْلِصَ الدُّعاءَ للجِنازَةِ في التَّكْبِيراتِ، لا يَقْرأُ في شئٍ مِنهُنَّ، ثم يُسَلِّمَ سِرًّا في نَفْسِه، رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 4. وصِفَةُ الصلاةِ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - كصِفَةِ الصلاةِ عليه في

ويَدْعُو فِى الثَّالِثَةِ,  التَّشَهُّدِ.
نَصَّ عليه أحمدُ: وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سَألُوه: كيف نُصَلِّى عليك؟ عَلَّمَهم ذلك (1). وإن أتَى بها على غيرِ صِفَةِ التَّشَهُّدِ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ القَصْدَ مُطْلَقُ الصلاةِ.
وقال القاضى، يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مَلائِكَتِك المُقَرَّبِين (2)، وأنْبِيائِك والمُرْسَلِين، وأهلِ طاعَتِك أجْمَعِين، مِن أهلِ السّماواتِ وأهْلِ الْأَرَضِين، إنَّك على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ.
لأنَّ أحمدَ قال، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: يُصَلِّى على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -, ويُصَلِّى على المَلائِكَةِ المُقَرَّبِين.

774 -

مسألة: (ويَدْعُو في)

التَّكْبِيرَةِ (الثّالِثَةِ) لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ».
رَواه أبو12

فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا؛ إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ,اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ منَّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ والسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا, [40 ظ]  داودَ 1. والدُّعاءُ هاهُنا واجِبٌ، لهذا الحديثِ، ولأنَّه المَقْصُودُ، فلا يَجُوزُ الِإخْلالُ به، ويَكْفِى أَدْنَى دُعاءٍ لهذا الحديثِ: قال أحمدُ: ليس على المَيِّتِ دُعاءٌ مُؤَقَّتٌ.
والأَوْلَى أن يَدْعُوَ لنَفْسِه ولوالِدَيْه وللمَيِّتِ وللمُسْلِمِين بما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -, فرَوَى أبو إبراهيمَ الأشْهَلِىُّ، عن أبِيه، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا صَلَّى على الجِنازَةِ، قال: («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا»).
قال التِّرْمِذِىُّ 2: هذا حديثٌ حسن صحِيحٌ.
وروَى أبو داودَ 3، عن أبى هُرَيْرَةَ مثلَ حديثِ أبى إبراهيمَ، وزاد: («اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأحْيِهِ عَلَى) الْإِيمَانِ، (وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ) عَلَى الإسْلامِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلَا

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوْبِ وَالْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَزَوْجًا خيْرًا مِنْ زَوْجهِ، وَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ,وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ, وَافْسَحْ لَهُ فِى قَبْرِهِ, وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ.
تُضِلَّنَا 1 بَعْدَهُ».
وفى حديثٍ آخَرَ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وَأنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأنْتَ هَدَيْتَهَا لِلْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَهَا، وَأنْتَ أعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ، فَاغْفِرْ لَهُ».
رَواه أبو داودَ 2. وعن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعِىِّ، قال: صَلَّى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - على جِنازَةٍ فحَفِظْتُ مِن دُعائِهِ، وهو يَقُولُ: («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أهْلِهِ (وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ»).
حتى تَمَنَّيْتُ أن أكُونَ ذلك المَيِّتَ.
رَواه مسلمٌ 3. وذَكَر ابنُ أبى موسى، أنَّه يَقُولُ

..................................  مع ذلك: الحَمْدُ للهِ الذى أمات وأحْيا، الحَمْدُ للهِ الذى يُحْيى المَوْتَى، له العَظَمَةُ والكِبْرِياءُ، والمُلْكُ والقُدْرَةُ والسَّناءُ، وهو على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ إنَّه عَبْدُك، ابنُ عَبْدِكَ، ابنُ أمَتِك، أنت خَلَقْتَه وَرَزَقْتَه، وأنت أمَتَّه وأنت تُحْيِيهِ، وأنت تَعْلَمُ سِرَّه، جِئْنَاك شُفَعاءَ له، فشَفِّعْنَا فيه، اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَجِيرُ بحَبْلِ جِوارِكَ له، إنَّك ذو وَفاءٍ وذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ وَقِه مِن فِتْنَةِ القَبْرِ، ومِن عَذابِ جَهَنَّمَ، اللَّهُمَّ إن كان مُحْسِنًا فجازِه بإحْسانِه، وإن كان مُسِيئًا فتَجاوَزْ عنه، اللَّهُمَّ قد نزَل بك، وأنت خَيْرُ مَنْزُولٍ به، فَقِيرًا إلى رَحْمَتِك، وأنت غَنِىٌّ عن عَذابِهِ، اللَّهُمَّ ثبِّتْ عندَ المَسْألَةِ مَنْطِقَه، ولا تَبْتَلِه في قَبْرِه.
وقال الخِرَقِىُّ: يَقُولُ في الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنَّه عَبْدُك وابنُ أَمَتِك، نَزَل بِك وأنت خَيْرُ مَنْزُولٍ به، ولا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا.
وقَوْلُه: لا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا.
إنَّما يَقُولُه لمَن لم يَعْلَمْ منه شَرًّا، لِئَلَّا يَكُونَ كاذِبًا.
وقد روَى القاضى حديثًا، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَهم الصلاةَ على المَيِّتِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأحْيَائِنَا وَأمْوَاتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَكَ وَابْنَ عَبْدِكَ نَزَلَ بِفِنَائِكَ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا».
فقُلْتُ، وأنا أصْغَرُ الجَماعَةِ: يارسولَ اللهِ، وإن لم أعْلَمْ خَيْرًا؟ قال: «لَا تَقُلْ إلَّا مَا تَعْلَمُ» 1. وإنَّما شُرِع هذا للخَبَرِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أُثْنِىَ عندَه على

وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ, وَفَرَطاً وَأَجْراً,  جِنازَةٍ بخَيْرٍ، قال: «وَجَبَتْ».
وأُثْنِىَ على جِنازَةٍ أُخْرَى بشَرٍّ، قال: «وَجَبَتْ».
ثم قال: «إنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شُهَدَاءُ».
رَواه أبو داودَ (1). وفى حديثٍ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَشَهِدَ لَهُ اثْنَانِ مِنْ جِيرَانِهِ الْأدْنِينِ بِخَيْرٍ، إلَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَةَ عِبَادِى عَلَى مَا عَلِمُوا، وَغَفرْتُ لَهُ مَا أعْلَمُ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (2). وفى لَفْظٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ رَجُلَانِ مِنْ جِيرَانِه الْأدْنِينَ، فيَقُولَانِ: اللَّهُمَّ لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا.
إلَّا قَالَ الله تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُمَا لِعَبْدِى، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا يَعْلَمَانِ».
أخْرَجَه.
اللَّالَكائِىُّ (3).

775 -

مسألة: (وإن كان صَبِيًّا)

جَعَل مَكانَ الاسْتِغْفارِ لَهُ (اللَّهُمَّ123

وَشِفِيعاً مُجَاباً.
اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا, وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا, وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ, وَاجْعَلْهُ فِى كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ, وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَاْبَ الْجَحِيمِ.
اجْعَلْه ذُخْرًا لوالِدَيْه، وفَرَطًا 1 وأجْرًا، وشَفِيعًا مُجابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ به مَوازِينَهما، وَأعْظِمْ به أُجُورَهما، واجْعَلْه في كَفالَةِ أَبيه إبراهيمَ، وألْحِقْه بصالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِين، وقِهِ برَحْمَتِك عَذاْبَ الجَحِيمِ) اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأسْلافِنا، وأفْراطِنا، ومَن سَبَقَنَا بالِإيمانِ.
وبأىِّ شئٍ دَعا مِمّا ذَكَرْنا أو نَحْوَه، أجْزَأَ.
= وتوفى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
اللباب 3/ 300.

وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلاً, وَيُسَلِّمُ تَسْليمَةً واحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ,

776 - مسألة: (ثم يَقِفُ بعدَ الرّابِعَةِ قَلِيلًا، ويُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً عن يَمِينِه)

ظاهِرُ كَلامِ شيخِنا 1، رَحِمَه اللهُ، أنَّه لا يَدْعُو بعدَ الرّابِعَةِ.
نَقَل ذلك عن أحمدَ جَماعَةٌ مِن أصحابِه، أنَّه قال: لا أعْلَمُ فيه شيئًا، لأنَّه لو كان فيه دُعاءٌ مَشْرُوعٌ لنُقِلَ.
وعن أحمدَ أنَّه يَدْعُو، ثم يُسَلِّمُ، لأنَّه قِيامٌ في صلاةِ الجِنازَةِ، فكان فيه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، كالذى قبلَ الرَّابِعَةِ.
قال ابنُ أبى موسى، وأبو الخَطَّابِ: يَقُولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 2 وقِيلَ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَه، ولا تَفْتِنَّا بعدَه، واغْفِرْ لنا وله.
والخِلافُ هاهُنا في الاسْتِحْبابِ، ولا خِلافَ في المَذْهَبِ أنَّه غيرُ واجِبٍ.
وقد روَى الجُوزَجَانِىُّ،

..................................  بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُكَبِّرُ أرْبَعًا، ثم يَقُولُ ما شاء اللهُ، ثم يَنْصرِفُ 1. قال الجُوزَجَانِىّ: أحْسَبُ هذه الوَقْفَةَ ليُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإنَّ الِإمامَ إذا كبَّرَ ثم سَلَّمَ، خِفْتُ أن يَكُونَ تَسْلِيمُه قبلَ أن يُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإن كان هكذا فاللهُ عَزَّ وَجَلَّ المُوَفِّقُ له، وإن كان غيرَ ذلك فإنى أبرَأُ إلى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مِن أن أتَأوَّلَ على رسولِ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - أمرًا لم يُرِدْه، أو أراد خِلافَه.

..................................  فصل: والتَّسْلِيمُ واجِبٌ فيها؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» 1. والسُّنَّةُ أن يُسَلِّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
قال أحمدُ: التَّسْلِيمُ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةٌ واحِدَةٌ، عن سِتَّةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وليس فيها اخْتِلافٌ إلَّا عن إبراهيمَ.
رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، وابنِ أبى أوْفَى، وواثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ.
وبه قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ،

..................................  وأبو أُمَامَةَ بنُ سَهْلٍ 1، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وإبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ 2، وابنُ المُبارَكِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىِّ وإسحاقُ.
قال ابنُ المُبارَكِ: مَن سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَتَيْن فهو جاهِلٌ جاهِلٌ.
واخْتارَ القاضى أنَّ المُسْتَحَبَّ تَسْلِيمَتان، ووَاحِدَةٌ تُجْزِئُ.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، قِياسًا على سائِرِ الصَّلَواتِ.
ولَنا، ما روَى عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةً واحِدَةً 3. رَواه الجُوزَجَانِىُّ.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا.
واخْتِيارُ القاضى في هذه المَسْألةِ مُخالِفٌ لقَوْلِ إمامِه وأصحابِه، ولِإجْماعِ الصحابةِ والتَّابِعِين، رَحْمَةُ الله عليهم.
ويُسْتَحَبُّ أن يُسَلِّمَهَا عن يَمِينه، وإن سَلَّمَ تِلْقاءَ وَجْهِه فلا بَأْسَ.
وسُئِل أحمدُ: يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وجْهِه؟ قال: كلُّ هذا جائِزٌ، وأكثَرُ ما رُوِىَ فيه عن يَمِينه.
قِيلَ: خُفْيَةً؟ قال: نعم.
يَعْنِى أنَّ الكلَّ جائِزٌ، والتَّسْلِيمُ عن يَمِينه أوْلَى، لأنَّه أكثَرُ ما رُوِىَ، وهو أشْبَهُ بسائِرِ الصَّلَواتِ.
قال

وَيَرْفَعُ يَدَيهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
أحمدُ: يَقُولُ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ.
وروَى عنه علىُّ بنُ سعيدٍ، أنَّه قال: إذا قال: السَّلامُ عليكم.
أجْزَأه.
وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى على يَزِيدَ بنِ المُكَفِّفِ، فَسَلِّمَ واحِدَةً عن يَمِينِه: السَّلَامُ عليكم (1). فصل: ورُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: إذا صَلَّيْتَ فلا تَبْرَحْ مُصَلَّاكَ حتى تُرْفَعَ.
قال: ورَأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ لا يَبْرَحُ مُصَّلاه، إذا صلَّى على جِنازَةٍ حتى يَراها على أيْدِى الرِّجالِ.
قال الأوْزاعِىُّ: لا تُنْقَضُ الصُّفُوفُ حتى تُرْفَعَ الجِنازَةُ.

777 -

مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكْبِيرَةٍ)

أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ علِى أنَّ المُصَلِّىَ على الجِنازَةِ يَرْفعُ يَدَيْه في التَّكْبِيرَةِ الأولَى، ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْه في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
يُرْوَى ذلك.
عن سالِمٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٍ، وقَيْسِ بنِ أبِى حازِمٍ 2، والزُّهْرِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ1

وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ, الْقِيَامُ, والتَّكْبِيراتُ, وَالْفَاتِحَةُ, والصَّلاةُ عَلَى النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم -, وَأدْنَى دُعَاءٍ لِلميِّتِ, وَالسَّلامُ.
المُنْذِرِ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَرْفَعُ يَدَيْه إلَّا في الأُولَى؛ لأنَّ كلَّ تَكْبِيرَةٍ مَقامُ رَكْعَةٍ، ولا تُرْفَعُ الأَيْدِى في جَمِيعِ الرَّكَعاتِ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرْفَعُ يَدَيْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ (1). رَواه.
ابنُ أبى موسى.
وعن ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، أنَّهُما كانا يَفْعَلان ذلك.
ولأنَّها تَكْبِيرَةٌ حالَ الاسْتِقْرارِ، أشْبَهَتِ الأُولَى، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَحُطُّ يَدَيْه إذا رَفَعَهما عندَ انْقِضاءِ التَّكْبِيرَةِ، ويَضَعُ يَدَه اليُمْنَى على اليُسْرَى، كما في بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ.
وفيما روَى ابنُ أبى موسى، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على جِنازَةٍ، فوَضَعَ يَمِينَه على شِمالِه (2).

778 -

مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك، التَّكْبِيراتُ، والقِيامُ و)

قِراءَةُ (الفاتِحَةِ، والصلاةُ على النبى - صلى الله عليه وسلم -، وأدْنَى دُعاءٍ للمَيِّتِ،12

..................................  والسَّلَامُ) لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
ويُشْتَرَطُ لها النِّيَّةُ، وسائِرُ شُرُوطِ المَكْتُوبَةِ قِياسًا عليها، إلَّا الوَقْتَ.، يسْقُطُ بعضُ واجِباتِها عن المَسْبُوقِ، على ما

..................................  سَيَأْتِى.
ولا يُجْزِئُ أن يصلِّىَ على الجِنازَةِ راكِبًا؛ لأنَّه يُفَوِّتُ القِيامَ الواجِبَ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَفَّ في الصلاةِ على الجِنازَةِ ثَلَاثةُ صُفُوفٍ؛ لِما روَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِه، عن مالكِ بنِ هُبَيْرَةَ، وكانت له صُحْبَةٌ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أوْجَبَ».
قال: فكان مالكُ بنُ هُبَيْرَةَ إذا اسْتَقَلَّ أهلَ الجِنازَةِ جَزَأهم ثَلاثَةَ أجْزاءٍ.
قال التِّرْمِذِىُّ 1: هذا حديثٌ حسنٌ.
قال أحمدُ: أُحِبُّ إذا كان فيهم قِلَّةٌ

..................................  أن يَجْعَلَهم ثَلاثَةَ صُفُوفٍ.
قِيلَ له: فإن كان وراءَه أرْبَعَةٌ؟ قال: يَجْعَلُهم صفَّيْن، في كلِّ صَفٍّ رَجُلَيْن.
وكَرِه أن يَكُونَ في صَفٍّ رجلٌ واحِدٌ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ أنَّ عَطَاءَ بنَ أبى رَباحٍ روَى، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على جِنازَةٍ، فكانُوا سَبْعَةً، فجَعَلَ الصَّفَّ الأوَّلَ ثَلاثَةً، والثّانِىَ اثْنَيْنِ، والثّالِثَ واحِدًا.
قال ابنُ عَقِيل: ويُعايَى 1 بها، فيُقالُ: أين تَجِدُون فذًّا، انْفِرادُه أفْضَلُ؟ قال شيخُنا 2: ولا أحْسَبُ هذا الحَديثَ صَحِيحًا، فإنَّنى لم أرَه في غيرِ كتابِ ابنِ عَقِيلٍ، وقد صار أحمدُ إلى خِلافِه، ولو عَلِم فيه حديثًا لم يَعْدُه إلى غيرِه.
والصَّحِيحُ في هذا أن يَجْعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ صَفًّا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ في صلاةِ الجِنازَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقِيلَ لعَطَاءٍ: أُخِذَ على النَّاسِ أن يُصَفُّوا على الجِنازَةِ كما يُصَفُّون في الصلاةِ؟ قال: لا، قَوْمٌ يَدْعُون ويَسْتَغْفِرُونَ 3. وكَرِه أحمدُ قَوْلَ عَطاءٍ هذا.
وقال: يُسَوُّونَ صُفُوفَهم، فإنَّها صلاةٌ.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَعَى النَّجاشِىَّ في اليومِ الَّذي مات فيه، وخَرَج إلى المُصَلَّى، فصَفَّ بهم وكَبَّرَ أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه 4. وعن أبى المَلِيحِ 5، أنَّه صَلَّى على جِنازَةٍ، فالْتَفَتَ،

..................................  فقال: اسْتَوُوا، ولْتَحْسُنْ شَفاعَتُكم.

وَإنْ كَبَّرَ الإمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُتَابَعُ في زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ.
وَعَنْهُ، يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ.

779 - مسألة: (وَإنْ كَبَّرَ الإمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ. وَعَنْهُ، لَا يُتَابَعُ في زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ. وَعَنْهُ، يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ.)

لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ على سَبْعِ تَكْبِيراتٍ، ولا النَّقْصُ مِن أرْبَعٍ، والأوْلَى أن لا يُزادَ على أرْبَعٍ.
فإن كَبَّرَ الإِمَامُ خَمْسًا تابَعَه المَأمُومُ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا يُتابِعُه فيما زاد عليها.
كذلك رَواه الأثْرَمُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وعنه، لا يُتابِعُه في زِيادَةٍ على أرْبَعٍ، ولكنْ لا يُسَلِّمُ إلَّا مع الإِمامِ.
نَقَلَها عنه حَرْبٌ.
اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ،

جارٍ التحميل