الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 85-129

..................................  فأقامَ بها كَفِيلَين، كلُّ واحِدٍ منهما كَفِيلٌ ضامِنٌ، فأيُّهما شاء أخَذَه بحَقِّه، فأحال رَبُّ المالِ عليه رجلًا بحَقِّه؟ فقال: يَبْرَأُ الكَفِيلانِ.
قُلْتُ 1: فإن مات الذي أحاله عليه بالحَقِّ ولم يَتْرُكْ شَيئًا؟ قال: لا شيءَ له، ويَذْهَبُ الألْفُ.

بَابُ الْحَوَالةِ  بابُ الحَوالةِ الحَوالةُ ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ.
أمّا السُّنَّةُ، فما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذَا اُتْبعَ أحَدُكُم عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). وفي لَفْظٍ: «ومَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَحْتَلْ» 1. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على جَوازِ الحَوالةِ في الجُمْلَةِ.
واشْتِقاقُها مِن تَحْويل الحَقِّ مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ.
وقد قِيلَ: إنَّها بَيعٌ.
فإنَّ المُحِيلَ يَشتَرِي ما في ذِمَّتِه بما له في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، وجاز تَأْخِيرُ القَبْضِ رُخْصةً؛ لأنَّه مَوْضُوعٌ على الرِّفْقِ، فيَدْخُلُها خيارُ المَجْلِسِ؛ لذلك 2. والصَّحِيحُ3

باب الحوالة

، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 278، 279. وابن ماجه، في: باب الحوالة، من كتاب الصدقات.
سنن ابن ماجه 2/ 803. والدارمي، في: باب في مطل الغني ظلم، من كتاب البيوع.
سنن الدارمي 2/ 261. والإمام مالك، في: باب جامع الدين والحول، من كتاب البيوع.
الموطأ 2/ 674. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 71، 245، 254، 260، 315، 377، 380، 464، 465.

وَالْحَوَالةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيهِ بِحَالٍ.
أنَّها عَقْدُ إرْفاقٍ مُنْفَردٌ بنَفْسِه، ليس بمَحْمُولٍ على غيرِه؛ لأنَّها لو كانت بَيعًا لَما جازَتْ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ولَما جاز التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيعُ مالِ الرِّبا بجِنْسِه، ولَجازَتْ بلَفْظِ البَيعِ، ولَجازَت بينَ جِنْسَين، كالبَيعِ، ولأنَّ لَفْظَها يُشْعِرُ بالتَّحَوُّلِ لا بالبَيعِ.
فعلى هذا، لا يَدْخُلُها خِيارٌ، وتَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
وهذا أشْبَهُ بكَلامِ أحمدَ وأُصُولِه، ولابُدَّ فيها مِن مُحِيلٍ ومُحْتالٍ ومُحالٍ عليه.

1855 -

مسألة: (والحَوالةُ تَنْقُلُ الحَقَّ مِن ذِمَّةِ المُحِيلِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، فلا يَمْلِكُ المُحتالُ الرُّجُوعَ عليه بحالٍ)

إذا صَحَّتِ الحَوالةُ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ المُحِيلِ، وانْتَقَلَ الحَقُّ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوي عن الحَسَنِ، أنَّه كان لا يَرَى الحَوالةَ بَراءَةً

..................................  إلَّا أن يُبْرِئَه.
وعن زُفَرَ، أنَّه قال: لا تَنْقُلُ الحَقَّ.
وأَجْراها مُجْرَى الضَّمَانِ.
ولَنا، أنَّ الحَوالةَ مُشْتَقَّةٌ مِن تَحْويلِ الحَقِّ، بخِلافِ الضَّمانِ، فإنَّه مُشْتَقٌّ مِن ضَمِّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، فعُلِّقَ على كلِّ] 1 واحدٍ مُقْتَضاه وما دَلَّ عليه لَفْظُه.
إذا ثَبَت ذلك، فمتى رَضِيَ بها المُحْتالُ ولم يَشْتَرِطِ اليَسارَ، لم يَعُدِ الحَقُّ إلى المُحِيلِ أبدًا، سَواءٌ أمْكَنَ اسْتِيفاءُ الحَقِّ، أو تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ أو فَلَسٍ أو مَوْتٍ أو غيرِه.
وبه قال اللَّيثُ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ: متى أفْلَسَ أو ماتَ، رَجَع على صاحِبِه.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ عليه في حالين؛ إذا مات المُحالُ عليه مُفْلِسًا، وإذا جَحَدَه وحَلَف عليه عندَ الحاكِمِ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَرْجِعُ عليه في هاتَين الحالتَين، وإذا حُجِرَ عليه لفَلَسٍ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُثْمانَ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ أُحِيلَ بحَقِّه،

..................................  فماتَ المُحالُ عليه مُفْلِسًا.
فقال: يَرْجِعُ بحَقِّه 1، لا تَوًى 2 على مالِ امْرِئ مُسْلِمٍ 3. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لم يُسَلَّمِ العِوَضُ فيه لأحَدِ المُتعاوضَين، فكان له الفَسْخ، كما لو اعْتاضَ بثَوْبٍ فلم يُسَلَّمْ إليه.
ولَنا، أنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بنِ المسَيَّبِ، كان له على عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، دَينٌ، فأحالة به، فمات المُحالُ عليه، فأخْبَرَه، فقال: اخْتَرْتَ علينا، أبْعَدَكَ اللهُ.
فأبْعَدَه بمُجَرَّدِ احْتِيالِه، ولم يُخْبِرْه أنَّ له الرُّجُوعَ.
ولأنَّها بَراءَةٌ مِن دَينٍ ليس فيها قَبْضٌ مِمَّن هي عليه، ولا مِمَّن يَدْفَعُ عنه، فلم يَكُنْ فيها رُجُوعٌ، كما لو أَبرأَه مِن الدَّينِ، وحَدِيثُ عُثمانَ لم يَصِحَّ، يَرْويه خُلَيدُ 4 بن جَعْفرٍ، عن مُعاويَةَ بنِ قُرَّةَ، عن عُثمانَ، ولم يَصِحَّ سَماعُه منه 5. وقد رُوِيَ أنَّه قال: في حَوالةٍ أو كَفالةٍ.
وهذا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، ولو صَحَّ، كان قولُ عليٍّ مُخالِفًا له.
وقَوْلُهم: هو مُعاوَضَةٌ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلي بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، وهو مَنْهِيٌّ عنه.
ويُفارِقُ المعاوَضَةَ بالثَّوْبِ؛ لأنَّ في ذلك قَبْضًا يَقِفُ اسْتِقْرارٌ العَقْدِ عليه، وههنا الحَوالة بمَنْزِلَةِ القَبْضِ، وإلَّا كان بَيعَ دَين بدَينٍ.

وَلَا تَصِحُّ إلا بِثَلَاثةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَينٍ مُسْتَقِرٍّ، فَإن أَحَال عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَو السَّلَمِ، أَو الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ أَحَال الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ، أَو الزَّوْجُ أمْرَأَتَهُ، صَحَّ.

1856 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا بشُرُوطٍ ثَلاثةٍ؛ أحدُها، أن يُحِيلَ على دَينٍ مُسْتَقِرٍّ، فإن أحال على مالِ الكِتابَةِ، أو السَّلَمِ)

قبلَ قَبْضِه (أو الصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ، لم يَصِحَّ.
وإن أحال المُكاتَبُ سَيِّدَه، أو الزَّوْجُ امْرَأَتَه، صَحَّ) لا تَصِحُّ الحَوالةُ على دَينٍ غيرِ مُسْتَقِرٍّ؛ لأنَّ مُقْتَضاها إلْزامُ المُحالِ عليه الدَّينَ مُطْلَقًا، ولا يَثْبُتُ ذلك فيما هو بعَرْضِ السُّقُوطِ.
ولا يُعْتَبَرُ أن يُحِيلَ بدَينٍ مُسْتَقِرٍّ، إلَّا أنَّ السَّلَمَ لا تَصِحُّ الحَوالةُ به ولا عليه؛ لأنَّ دَينَ السَّلَمِ ليس بمُسْتَقِرِّ، لكَوْنِه مُتَعَرِّضًا للفَسْخِ بانْقِطاع المُسْلَمِ فيه، ولا تَصِحُّ الحَوالةُ به؛ لأنَّها لا تَصِحُّ إلَّا فيما يَجُوزُ أخْذ العِوَضِ

..................................  عنه، ولا يَجُوزُ ذلك في السَّلِمِ؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ أسْلَمَ في شِيء، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غيرِهِ» 1. فلا تَصِحُّ الحَوالةُ على المُكاتَبِ بمالِ الكِتابَةِ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لأنَّ له أن يَمْتَنِعَ مِن أدائه، ويَسْقُطُ بعَجْزِه.
وتَصِحُّ الحَوالةُ عليه بدَينٍ غيرِ دَينِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ الأحْرارِ في المُدايَناتِ.
وإن أحال المُكاتَبُ سَيِّدَه بنَجْم قد حَلَّ عليه، صَحَّ، وبَرِئَت ذِمَّةُ المُكاتَبِ بالحَوالةِ، ويَكُونُ ذلك بمَنْزِلَةِ القَبْضِ.
وإن أحالتِ المَرْأةُ على زَوْجِها بصَداقِها قبلَ الدُّخُولِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، يَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ بانْفِساخِ النِّكاحِ بسَبَبٍ مِن جِهَتِها.
وإن أحالها الزَّوْجُ به، صَحَّ؛ لأنَّ له تَسْلِيمَه إليها، وحَوالتُه به تَقُومُ مَقامَ تَسْلِيمِه.
فإن أحالتْ به بعدَ الدُّخُولِ، صَحَّ؛ لأنَّه مُسْتَقِرٌّ.
وإن أحال البائِعُ بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَصِحَّ، في قِياسِ ما ذَكَرْنا.
وإن أحالهُ المُشْتَرِي به، صَحَّ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الوَفاءِ،

..................................  [وله الوَفاءُ] 1 قبلَ الاسْتِقْرارِ.
وإن أحال البائِعُ بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ثم ظَهَر على عَيبٍ، لم يَتَبَيَّنْ أنَّ الحَوالةَ كانت باطِلَةً؛ لأنَّ الثَّمَنَ كان ثابِتًا مُسْتَقِرًّا،، البَيعَ كان لازِمًا، وإنَّما ثَبَت الجَوازُ 2 بعدَ العِلْمِ بالعَيبَ بالنِّسْبَةِ إلى المُشْتَرِي.
ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الحَوالةُ، لأنَّ سَبَبَ الجَوازِ عَيبُ المَبِيعِ، وقد كان مَوْجُودًا وَقْتَ الحَوالةِ.
وكلُّ مَوْضِعٍ أحال مَن عليه دَينٌ غيرُ مُسْتَقِرٍّ به، ثم سَقَط الدَّينُ، كالزَّوْجَةِ يَنْفسِخُ نِكاحُها بسَبَبٍ مِن جِهَتِها، أو المُشْتَرِي يَفْسَخُ البَيعَ ويَرُدُّ المَبِيعَ، فإن كان ذلك قبلَ القَبْضِ مِن المُحالِ عليه، فَفِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ الحَوالةُ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ في بَقائِها، ويَرْجِعُ المُحِيلُ بدَينِه على المُحالِ عليه.
والثّانِي، لا تَبْطُلُ؛

..................................  لأنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ عن المُحِيلِ، فلم يَعُدْ إليه، وثَبَت للمُحْتالِ، فلم يَزُلْ عنه، ولأنَّ الحَوالةَ بمَنْزِلَةِ القَبْضِ، فكأنَّ المُحِيلَ أَقْبَضَ المُحْتال

..................................  دَيْنَه 1، فرَجَع عليه به، ويَأْخُذُ المُحْتالُ مِن المُحالِ عليه.
وسَواءٌ تَعَذَّرَ القَبْضُ مِن المُحالِ عليه أو لم يَتَعَذَّرْ.
وإن كان بعدَ القَبْضِ، لم تَبْطُلْ، وَجْهًا واحِدًا، ويَرْجِعُ المُحِيلُ على المُحْتالِ به.
فصل: وإن أحال مَن لا دَينَ عليه على مَن له عليه دَينٌ، فهي وَكَالةٌ يَثْبُتُ فيها أحْكامُها، وليست بحَوالةٍ؛ لأنَّ الحَوالةَ مَأْخُوذَة مِن تَحْويلِ الحَقِّ وانْتِقالِه، ولا حَقَّ ههُنا يَنْتَقِلُ [ولا] 2 يَتَحَوَّلُ، وإنَّما جازَتِ

وَالثَّانِي، اتِّفَاقُ الدَّينَينِ فِي الْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ، وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلَ.
الوَكالةُ بلَفْظِ الحَوالةِ؛ لِاشْتِراكِهما في اسْتِحْقاقِ الوَكِيلِ مُطالبَةَ مَن عليه الدَّينُ، كاسْتِحْقاقِ المُحْتالِ مُطالبَةَ المُحالِ عليه، وتَحَوُّلُ ذلك إلى الوَكِيلِ كتَحَوُّلِه إلى المُحْتالِ.
وإن أحال مَن عليه دَينٌ على مَن لا دَينَ عليه، فليست حَوالةً.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فلا يَلْزَمُ المُحال عليه الأداءُ، ولا المُحْتال القَبُولُ؛ لأنَّ الحَوالةَ مُعاوَضَةٌ، ولا مُعاوَضَةَ ههُنا، وإنَّما هو اقْتِراضٌ.
فإن قَبَض المُحْتالُ منه الدَّينَ، رَجَع على المُحِيلِ؛ لأنَّه قَرْضٌ.
وإن أبْرأه، لم تَصِحَّ البَراءَةُ؛ لأَنَّها بَراءَةٌ لمَن لا دَينَ عليه.
وإن وَهَبَه إيّاه بعدَ أن قَبَضَه منه، رَجَعَ المُحالُ عليه على المُحِيلِ به؛ لأنَّه قد غَرِم عنه، وإنَّما عاد إليه المالُ بعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ إليه؛ لكَوْنِه ما غَرِم عنه شيئًا.
وإن أحال مَن لا دَينَ عليه على مَن لا دَينَ عليه، فهي وَكالةٌ في اقْتِراضٍ، وليست حَوالةً؛ لأنَّ الحَوالةَ إنَّما تَكون بدَينٍ على دَينٍ.
الشَّرْطُ (الثّانِي، اتِّفاقُ الدَّينَين في الجِنْسِ، والصِّفَةِ، والحُلُولِ

..................................  والتَّأْجِيلِ) لأَنَّها تَحْويلٌ للحَقِّ ونَقْلٌ له، فيَنْتَقِلُ على صِفَتِه، ويُعْتَبَرُ تماثُلُهما في الأُمورِ المَذْكُورةِ؛ أحدُها، الجِنْسُ، فَيُحِيلُ مَن عليه ذَهَبٌ بذَهَبٍ، ومَن عليه فِضَّةٌ بفِضَّةٍ.
ولو أحال مَن عليه ذَهَبٌ بفِضَّةٍ أو بالعَكْسِ، لم يَصِحَّ.
الثّانِي، الصِّفَةُ، فلو أحال مَن عليه صِحاحٌ بمُكَسَّرةِ، أو مَن عليه مِصْرِيَّةٌ بأَمِيرِيَّةٍ، لم يَصِحَّ.
الثّالِثُ، الحُلولُ والتَّأْجِيلُ، ويُعْتَبَرُ اتِّفاقُ أجَلِ المُؤَجَّلَين؛ فإن كان أحَدُهما حالًّا والآخَرُ مُؤَجَّلًا، أو كان أحَدُهما إلى شَهْرٍ والآخَرُ إلى شَهْرَين، لم تَصِحَّ الحَوالةُ.

..................................  ولو كان الحَقّان حالَّين، فشَرَط على المُحْتالِ أن يُؤَخِّر حَقَّه أو بعْضَه إلى أجَلٍ، لم تَصِحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ، ولأنَّه شَرَط ما لو كان ثابِتًا في نَفْسِ الأمْرِ لم تَصِحَّ الحَوالةُ، فكذلك إذا اشْتَرَطَه.
فإذا اجْتَمَعَتْ هذه الأُمُورُ، وصَحَّتِ الحَوالةُ، فتَراضَيا بأن يَدْفَعَ المُحالُ عليه إلى المُحْتالِ خَيرًا مِن حَقِّه، أو رَضِيَ المُحْتالُ بدُونِ الصِّفَةِ، أو رَضِيَ مَن

وَالثَّالِثُ، أنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ.
عليه المُؤَجَّل بتَعْجِيلِه، أو مَن له الحالُّ بإنْظارِه، جاز؛ لأنَّ ذلك يَجُوزُ في القَرْضِ، ففي الحَوالةِ أَوْلَى.
فإن مات المُحِيلُ أو المُحْتالُ، فالأَجَلُ بِحالِه.
وإن ماتَ المُحالُ عليه، انْبَنَى على حُلُولِ الدَّينِ بالمَوْتِ، وفيه رِوَايَتان.
الشَّرْطُ (الثّالِث، أن يُحِيلَ برِضاه) لأنَّ الحَقَّ عليه، فلا يَلْزَمُه أَداؤُه مِن جِهَةِ الدَّينِ الذي على المُحالِ عليه.
ولا خِلافَ في هذا.
فصل: ويُعْتَبَر لصِحَّةِ الحَوالةِ أن تكونَ بمالٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّها إن كانت بَيعًا، فلا تَصِحُّ في مَجْهُولٍ، وإن كانت تَحَوُّلَ الحَقِّ، فيُعْتَبَر فيها التَّسْلِيمُ، والجَهالة تَمْنَعُ منه، فتَصِحُّ بكلِّ ما يَثْبُتُ مِثْلُه 1 في الذِّمّةِ بالإِتْلافِ مِن الأَثْمانِ والحُبُوبِ والأدْهانِ، ولا تَصِحُّ فيما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ومِن شَرْطِ الحَوالةِ تَساوي الدَّينَين.
فأمّا ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا غيرَ المِثْلِيّاتِ، كالمَعْدُودِ والمَذْرُوعِ، ففي صِحَّةِ الحَوالةِ به وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِثْلَ فيه لا يَتَحَرَّرُ، ولهذا لا يُضْمَنُ بمِثْلِه في الإتْلافِ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
والثّانِي، يَصِحُّ.
ذكَرَه القاضِي؛ لأنَّه حَقٌّ ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما له مِثْلٌ.
ويَحْتَمِل أن يُخَرَّجَ هذان الوَجْهان على الخِلافِ فيما يَقْضِي به قَرْضَ هذه الأمْوالِ، فإن كان

المقنع وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيهِ، وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ  عليه إبِلٌ مِن الدِّيَةِ، وله على آخَرَ مِثْلُها في السِّنِّ، فقال القاضِي: تَصِحُّ؛ لأَنَّها تخْتَصُّ بأقَلِّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ في السِّنِّ والقِيمَةِ وسائرِ الصِّفاتِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّها مَجْهُولَةٌ، ولأنَّ الإِبلَ ليست مِن المِثْلِيّاتِ التي تُضْمَنُ بمِثْلِها في الإِتْلافِ، فلا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا في روايَةٍ.
وإن كان عليه إبِلٌ مِن (1) ديَةٍ، وله على آخَرَ مِثْلُها قَرْضًا، فأحَاله عليه، فإن قُلْنا: يَرُدُّ في (2) القَرْضَ قِيمَتَها.
لم تَصِحَّ الحَوالةُ؛ لِاخْتِلافِ الجِنْسِ.
وإن قُلْنا: يَرُدُّ مِثْلَها.
اقْتَضَى قولُ القاضِي صِحَّةَ الحَوالةِ؛ لأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاءُ الحَقِّ على صِفَتِه مِن المُحالِ.
عليه، ولأنَّ الخِيَرَةَ في التَّسْلِيمِ إلى مَن عليه الدِّيَةُ، وقد رَضِيَ بتَسْلِيمِ ما له في ذِمَّةِ المُقْتَرِضِ.
وإن كانت بالعَكْسِ، فَأحال (3) المُقْرِضَ بإِبِلِ الدِّيَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّنا إن قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ في القَرْضِ.
فقد اخْتَلَفَ الجِنْسُ.
وإن قُلْنا: يَجِبُ المِثْلُ.
فلِلْمُقْرِضِ مِثْلُ ما أقْرَضَ في صِفاتِه وقِيمَتِه، والذي عليه الدِّيَةُ لا يَلْزَمُه ذلك.

1857 -

مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ رِضا المُحالِ عليه، ولا رِضا

123

عَلَيهِ مَلِيئًا.
المُحْتالِ إن كان المُحالُ عليه مَلِيئًا) أمّا المُحالُ عليه فلا يُعْتَبَرُ رِضاه؛ لأنَّ للمُحِيلِ 1 أن يَسْتَوْفِيَ الحَقَّ بِنَفْسِه وبِوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحْتال مُقامَ نَفْسِه في القَبْضِ، فلَزِمَ المُحال عليه الدَّفْعُ إليه، كالوَكِيلِ، وإنما تُعْتَبَرُ المَلاءَةُ في رِضا المُحْتالِ.
[والمَلِئُ: القادِرُ على الوَفاءِ، غيرُ المُماطِلِ.
جاءَ في الحَدِيثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: «مَنْ] 2 يُقْرِضُ الْمَلِئَ غَيرَ الْمُعْدِمِ» 3. وقال الشّاعِرُ 4: تُطِيِلينَ لَيّانِي وأنْتِ مَليئَةٌ … وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضِيَا يَعْنِي قادِرَةٌ على وَفائِي.
قال أحمدُ في تَفْسِيرِ المَلِئِ: أن يَكُونَ مَلِيئًا بمالِه وقَوْلِه وبَدَنِه.
فمتى أُحِيلَ على مَن هذه صِفَتُه، لَزِم المُحْتال والمُحال

..................................  عليه القَبُولُ، ولم يُعْتَبَرْ رِضاهُما.
وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ رِضاهُما؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ، فيُعْتَبَرُ الرِّضا مِن المُتَعاقِدَين.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: يُعْتَبَرُ رِضا المُحْتالِ؛ لأنّ حَقَّه في ذِمَّةِ المُحِيلِ، فلا يَجُوزُ نَقْلُه إلى غيرِها بغيرِ رِضاه، كما لا يَجُوزُ أن يُجْبِرَه على أن يَأْخُذَ بالدَّينِ عَرْضًا 1. فأمّا المُحالُ عليه، فقال مالِكٌ: لا يُعْتَبَرُ رِضاه، إلَّا أن يَكُونَ المُحْتالُ عَدُوَّه.
وللشافعيِّ في اعْتِبارِ رِضاه قَوْلان؛ أحدُهما، يُعْتَبَرُ.
وهو يُحْكَى عن الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّه أحَدُ مَن تَتِمُّ به الحَوالةُ، فأشْبَهَ المُحِيلَ.
والثّانِي، لا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه أقَامَه في القَبْضِ مُقامَ نَفْسِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضا مَن عليه الحَقُّ، كالتَّوْكِيلِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ».
[مُتَّفقٌ عليه] 2. ولأنَّ للمُحِيلِ أن يُوَفِّيَ الحَقَّ الذي عليه بنَفْسِه وبوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحال عليه مُقامَ نَفْسِه في التَّقْبِيضِ، فلَزِمَ المُحْتال 3 القَبُولُ، كما لو وَكَّلَ رجلًا في إيفائِه.
وفارَقَ ما إذا أرادَ أن يُعْطِيَه عمَّا في ذِمَّتِه عَرْضًا؛ لأنَّه يُعْطِيه غيرَ ما وَجَب له، فلم يَلْزَمْه قَبُولُه.

..................................  وإن لم يَكُنِ المُحالُ عليه مَلِيئًا، لم يَلْزَمْه أن يَحْتال؛ لمَفْهُومِ الحَدِيثِ، ولأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك، فلم يَلْزَمْه، كما لو بَذَلَ له دُونَ حَقِّه في الصِّفَةِ.
فصل: فإن شَرَط المُحْتالُ مَلاءَةَ المُحالِ عليه، فبانَ مُعْسِرًا، رَجَع على المُحِيلِ.
وبه قال بعضُ الشّافِعِيَّةِ.
وقال بعضُهم: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ الحَوالةَ لا تُرَدُّ بالإِعْسارِ، وإذا لم يَشْتَرِطِ المَلاءَةَ، فلا تُرَدُّ به، وإن شَرَط، كما لو شَرَط كَوْنَهُ مُسْلِمًا.
ويُفارِقُ البَيعَ، فإنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بالإِعْسارِ فيه مِن غيرِ شَرْطٍ، بخِلافِ الحَوالةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 1. ولأنَّه شَرَط ما فيه مَصْلَحَةُ العَقْدِ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَثْبُتُ الفَسْخُ بفَواتِه، كما لو شَرَط صِفَةً في المَبِيِعِ، وقد يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما لا يَثْبُتُ بإطْلاقِ العَقْدِ، بدَلِيلِ اشْتِراطِ صِفةٍ في المَبِيعِ.

وَإِنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالةِ، رَجَعَ عَلَيهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ.

1858 - مسألة: (وإن ظَنَّه مَلِيئًا، فبان مُفْلِسًا، ولم يَكُنْ رَضِيَ بالحَوالةِ، رَجَع عليه، وإلَّا فلا. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ)

أمّا إذا لم يَرْضَ المُحْتالُ بالحَوالةِ، ثم بان المُحالُ عليه مُفْلِسًا أو مَيِّتًا، رَجَع على المُحِيلِ، بغيرِ خِلافٍ؛ فإنَّه 1 لا يَلْزَمُه الاحْتِيالُ على غيرِ المَلِئِ؛ لِما عليه فيه مِن الضَّرَرِ، وإنَّما أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقَبُولِ الحَوالةِ على المَلِئِ.
وإن كان رَضِيَ بالحَوَالةِ، لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه رَضِيَ بدُونِ حَقِّه.
ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ؛ لأنَّ الفَلَسَ عَيبٌ في الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى شيئًا يَظُنُّه سَلِيمًا فبان مَعِيبًا.

وَإذَا أَحال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ،، أَو أَحال الْبَائِعُ عَلَيهِ بِهِ، فَبَانَ الْبَيعُ بَاطِلًا، فَالْحَوَالةُ بَاطِلَةٌ.

1859 - مسألة: (وإذا أحال المُشْتَرِي البائِعَ بالثَّمَنِ، أو أحال البائِعُ عليه به، فبان البَيعُ باطِلًا، فالحَوالةُ باطِلَةٌ)

مثلَ أن يَشْتَريَ عَبْدًا، فَيُحِيلُ المُشْتَرِي البائِعَ بثَمَنِه 1، ثم يَظْهَرُ العَبْدُ حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا، فالبَيعُ باطِلٌ، والحَوالةُ باطِلةٌ؛ لأنَّا تَبَيَّنّا أن لا ثَمَنَ على المُشْتَرِي.
وكذلك إن أحال البائِعُ على المُشْتَرِي أجْنَبيًّا بالثَّمَنِ متى بَطَل البَيعُ بَطَلتِ الحَوالةُ؛ لذلك.
والحُرِّيَّةُ إنَّما تَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أو اتِّفاقِهم، فإنِ اتَّفَقَ المُحِيلَ والمُحالُ عليه على حُرِّيَّتِه، وكَذَّبَهما المُحْتالُ، ولا بَيِّنَةَ بذلك، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما

وَإِنْ فُسِخَ الْبَيعُ بِعَيبٍ أَوْ إِقَالةٍ، لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالةُ.
عليه؛ لأنَّهما يُبْطِلانِ حَقَّه، فأشْبَهَ ما لو باع المُشْتَرِي العَبْدَ ثم اعْتَرَفَ هو وبائِعُه أنَّه كان حُرًّا، لم يُقْبَلْ قَوْلهما على المُشْتَرِي الثّانِي.
وإن أقاما بَيِّنَةً، لم تُسْمَعْ؛ لأنَّهما كَذَّباها بدُخولِهما في التَّبايُعِ.
وإن أقامَ العَبْدُ بَيِّنَةً بحُرِّيَّتِه، قُبِلَتْ، وبَطَلَتِ الحَوالةُ.
وإن صَدَّقَهما المُحْتالُ، وادَّعَى أنَّ الحَوالةَ بغيرِ ثَمَنِ العَبْدِ، فالقول قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ صِحَّةُ الحَوالةِ، وهما يَدَّعِيان بُطْلانَها، فكانت جَنْبَتُه أقْوَى.
فإن أقام البَيِّنَةَ أنَّ الحَوالةَ كانت بالثَّمَنِ، قُبِلَتْ؛ لأنَّهما لم يُكَذِّباها وإنِ اتَّفَقَ المُحِيلُ والمُحْتالُ على حُرِّيَّةِ العَبْدِ، وكَذَّبَهما المُحالُ عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما عليه في حُرِّيَّةِ العَبْدِ؛ لأنَّه إقْرارٌ على غيرِهما، وتَبْطلُ الحَوالةُ؛ لِاتِّفاقِ المَرْجُوعِ عليه بالدَّينِ والرّاجِعِ به على اسْتِحْقاقِ الرُّجُوعِ، والمُحالُ عليه يَعْتَرِفُ للمُحْتالِ بِدَينٍ لا يُصَدِّقُه فيه، فلا يَأْخُذُ منه شيئًا.
وإنِ اعْتَرفَ المُحْتالُ والمُحَالُ عليه بحُرِّيَّةِ العَبْدِ عَتَق؛ لإِقْرارِ مَن هو في يَدِه بحُرِّيَّتِه، وبَطَلتِ الحَوالةُ بالنِّسْبةِ إليهما، ولم يَكنْ للمُحْتالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لأنَّ دُخُولَه معه في الحَوالةِ اعْتِرافٌ بِبَراءَتِه، فلم يَكنْ له الرُّجُوعُ عليه.

1860 -

مسألة: (فإن فُسِخَ العَقْدُ بعَيبٍ أو إقالةٍ، لم تَبْطُلِ الحَوالةُ)

يَعْني إذا فُسِخَ العَقْدُ بعَيبٍ أو إقالةٍ بعدَ القَبْضِ، فيما إذا أحال

..................................  المشْتَرِي البائِعَ بالثَّمَنِ، فقد بَرِئَ المُحالُ عليه؛ لأنَّه قَبَض منه بإذْنِه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ.
فإن كان ذلك قبلَ القَبْضِ، فقال القاضِي: تَبْطُلُ الحَوالةُ، ويَعُودُ المُشْتَرِي إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه، ويَبْرَأُ البائِعُ، فلا يَبْقَى له دَينٌ ولا عليه؛ لأنَّ الحَوالةَ بالثَّمَنِ، وقد سَقَط بالفَسْخِ، فيَجِبُ أن تَبْطلَ الحَوالة لذَهابِ حَقِّه مِن المالِ المحالِ به.
وقال أبو الخَطّابِ: لا تَبْطُلُ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ عَوَّضَ البائِعَ عمّا في ذِمَّتِه ما له في ذِمَّةِ المحالِ عليه، ونَقَل حَقَّه إليه نَقْلًا صَحِيحًا، وبَرِئَ مِن الثَّمَنِ، وبَرِئَ المُحالُ عليه مِن دَينِ المُشْتَرى، فلم يَبْطُلْ ذلك بفَسْخِ العَقْدِ الأوَّلِ، كما لو أعْطاه بالثَّمَنِ ثَوْبًا وسَلَّمَه إليه، ثم فَسَخ العَقْدَ، لم يَرْجِعْ بالثَّوْبِ، كذا ههُنا.
فإن قُلْنا ببُطْلانِ الحَوالةِ، رَجَع المُحِيلُ على المُحالِ عليه بدَينِه، ولم يَبْقَ 1 بينَهما وبينَ البائِعِ مُعامَلَةٌ.
وإن قُلْنا: لا تَبْطُلُ.

وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالهُ الْمُشْتَرِي عَلَيهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ المُحْتَال عَلَيهِ عَلَى الْبَائِع  رَجَعَ المُشْتَري على البائِعِ بالثمنِ، ويَأْخُذُه البائِعُ مِن المُحالِ عليه.
وإن كانتِ المَسْأَلَةُ بحالِها، لكن أحال البائِعُ أجْنَبِيًّا بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ثم رَدَّ العَبْدَ المَبِيعَ، ففي الحَوالةِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ ذِمَّةَ المُشْتَرِي بَرِئَتْ بالحَوالةِ مِن حَقِّ البائِعِ، وصار الحَقُّ عليه للمُحْتالِ، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَه المُشْتَرِي إلى المُحِيلِ.
فعلى هذا، يَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ بالثَّمَنِ، ويُسَلِّمُ للمُحْتالِ ما أحاله به.
والثّانِي، تَبْطُلُ الحَوالةُ إن كان الرَّدُّ قبلَ القَبْضِ؛ لسُقُوطِ الثَّمَنِ الذي كانتِ الحَوالةُ به، [ولأنَّه] (1) لا فائِدَةَ في بَقاءِ الحَوالةِ، فيَعُودُ البائِعُ بدَيْنِه، ويَبْرَأُ المُشْتَرِي منهما، كالمسألةِ قبلَها.

1861 -

مسألة: (وللبائِعِ أن يُحِيلَ المُشْتَرِيَ على مَن أحاله المُشْتَرِي عليه في الصُّورَةِ الأُولَى، وللمُشْتَرِي أن يُحِيلَ المُحْتال عليه على البائِعِ في الثّانِيَةِ)

إذا قُلْنا: إنَّ الحَوالةَ لا تَبْطُلُ.
(ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ1

فِي الثَّانِيَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا.
إذا لم يَكُنْ قَبَضَها) وقد ذَكَرناه.
فصل: إذا أحال رجلًا على زَيدٍ بألْفٍ، فأحاله زَيدٌ بها على عَمْرٍو، فالحَوالةُ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ حَقَّ الثّانِي ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فصَحَّ أن يُحِيلَ به، كالأوَّلِ.
وهكذا لو أحال الرجلُ عَمْرًا على زَيدٍ بما ثَبَتَ له في ذِمَّتِه،

وَإِذَا قَال: أَحَلْتُكَ.
قَال: بَلْ وَكَّلْتَنِي.
أَوْ قَال: وَكَّلْتُكَ.
قَال: بَلْ أَحَلْتَنِي.
فَالْقَولُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالةِ.
صَحَّ أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا، وتَكَرُّرُ المُحْتالِ والمُحِيلِ لا يَضُرُّ.

1862 -

مسألة: (وإذا قال: أحَلْتُك. قال: بل وَكَّلْتَنِي. أو قال: وَكَّلْتُكَ. قال: بل أحَلْتَنِي. فالقولُ قولُ مُدَّعِي الوَكالةِ)

إذا كان لرجلٍ دَين على آخَرَ، فأذِنَ لرَجُلٍ في قَبْضِه، ثم اخْتَلَفا، فقال: أحَلْتُكَ بدَينِك.
قال: بل وَكَّلْتَنِي، ودَيِنْي باقٍ في ذِمَّتِك.
أو قال: وَكَّلْتُكَ في قَبْضِ دَينِي بلَفْظِ التَّوْكِيلِ.
قال: بل أَحَلْتَنِي بلَفْظِ الحَوالةِ.
فالقولُ قولُ مُدَّعِي الوَكالةِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه يَدَّعِي بَقاءَ الحَقِّ على 1 ما كان، ويُنْكِرُ انْتِقاله، والأصْلُ معه.
فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها؛ لأنَّ اخْتِلَافَهُما

وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَال: أَحَلْتُكَ.
وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ.
في اللَّفْظِ، وهو مِمّا يُمْكِنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه.

1863 -

مسألة: (وإنِ اتَّفَقا على أنَّه قال: أحَلْتُكَ)

بالمالِ الذي لي 1 قِبَلَ زَيدٍ.
ثم اخْتَلَفا، فقال المُحِيلُ: إنَّما وَكَّلْتُك في القَبْضِ لِي.
وقال الآخَرُ: بل أحَلْتَنِي بدَينِي عليك.
فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ الظاهِرَ معه، فإنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ في الحَوالةِ دُونَ الوَكالةِ، فيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ على ظاهِرِه، كما لو اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحَدِهما.
والثّانِي، القولُ قولُ المُحِيلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ حَقِّ المُحِيلِ

..................................  على المُحالِ عليه، والمُحْتالُ يَدَّعِي نَقْلَه، والمُحِيلُ يُنْكِرُه، والقول قولُ المُنْكِرِ.
فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَحْلِفُ المُحْتالُ، ويَثْبُتُ حَقُّه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، ويَسْتَحِقُّ مُطالبَتَه، ويَسْقُطُ عن المُحِيلِ.
وعلى الوَجْهِ الثّانِي، يَحْلِفُ المُحِيلُ، ويَبْقَى حَقُّه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه.
وعلى كلا الوَجْهَين، إن كان المُحْتالُ قد قَبَض مِن المُحالِ عليه، وتَلِف في يَدِه، فقد بَرِئَ كلُّ واحدٍ منهما مِن صاحِبِه، فلا ضَمانَ عليه، سواءٌ تَلِف بتَفْرِيطٍ أو غيرِه؛ لأنَّه إن تَلِف بتَفْريطٍ، وكان المُحْتالُ مُحِقًّا، فقد أتْلَفَ ماله، وإن كان مُبْطلاً، ثَبَت لكلِّ واحدٍ منهما في ذِمَّةِ الآخَرِ مثلُ 1 ما في ذِمَّتِه له، فيتَقَاصّان، ويَسْقُطان.
وإن تَلِف بغيرِ تَفْرِيطٍ، فالمُحْتالُ يَقُولُ: قد قَبَضْتُ حَقِّي وتَلِف في يَدِي، وبَرِئَ منه المُحِيلُ بالحَوالةِ، والمُحالُ عليه بتَسْلِيمِه.
والمُحِيلُ يَقُولُ: قد تَلِف المالُ في يَدِ وَكِيلِي بغيرِ تَفرِيطٍ.
فلا ضَمانَ عليه.
وإن لم يَتْلَفْ، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ المُحِيلُ طَلَبَه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ له عليه مِن الدَّينِ مثلَ ما له في يَدِه وهو مُسْتَحِقٌّ لقَبْضِه، فلا فائِدَةَ في أن يَقْبِضَه منه ثم يُسَلِّمَه إليه.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَه منه، ويَمْلِكَ المُحْتالُ مُطالبَتَه بدَينِه.
وقيل: يَمْلِكُ المُحِيلُ أَخْذَه منه، ولا يَمْلِكُ المُحْتالُ المُطالبَةَ بدَينِه؛ لاعْتِرافِه ببَراءَةِ المُحِيلِ منه بالحَوالة.

..................................  وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ المُحْتال إنِ اعْتَرفَ بذلك، فهو يَدَّعِي أنَّه قَبَض هذا المال منه بغيرِ حَقٍّ، وأَنه 1 يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ به.
فعلى كلا الحالين، هو مُسْتَحِقٌّ للمُطالبَةِ بمِثْلِ هذا المالِ المَقْبوضِ منه في قَوْلِهما جميعًا، فلا وَجْهَ لإِسْقاطِه، ولا مَوْضِعَ للبَيِّنَةِ في هذه المَسْأَلَةِ؛ لأنَّهما لا يَخْتَلِفان في لَفْظٍ يُسْمَعُ، ولا فِعْلٍ يُرَى، وإنَّما يَدَّعِي المُحِيلُ نِيَّتَه 2، وهذا لا تَشْهَدُ به البَيِّنَةُ نَفْيًا ولا إثْباتًا.
فصل: فإن قال: أحَلْتُك بدَينِك.
قال: وَكَّلْتَنِي.
ففيها 3 وَجْهان أيضًا؛ لِما قَدَّمْنا.
فإن قلنا: القولُ قولُ المُحِيلِ.
فحَلَفَ، بَرِئَ مِن حقِّ المُحْتالِ، وللمُحْتالِ قَبْضُ المالِ مِن المُحالِ عليه لنَفْسِه؛ لأنَّه يَجُوزُ ذلك بقَوْلِهما معًا، فإذا قَبَضَه، كان له بحَقِّه.
وإن قُلْنا: القَوْلُ قولُ المُحْتالِ.
فحَلَفَ، كان له مُطالبَةُ المُحِيلِ بحَقِّه ومُطالبَةُ المُحْتالِ عليه؛ لأنَّه إمّا وَكِيلٌ أو مُحْتالٌ.
فإن قَبَض منه قبلَ أخْذِه مِن المُحِيلِ، فله أخْذُ ما قَبَض لنَفْسِه 4؛ لأنَّ المُحِيلَ

..................................  يَقُولُ: هو لك.
والمُحْتالُ يَقُولُ: هو أمانَةٌ في يَدِي، ولى مِثْلُه على صاحِبه، وقد أَذِنَ له في أخْذِه ضِمْنًا.
فإذا أخَذَه لنَفْسِه، حَصَل غَرَضُه، ولم يَأْخُذْ مِن المُحِيلِ شيئًا.
وإنِ اسْتَوْفَى مِن المُحِيلِ دُونَ المُحالِ عليه، رَجَع المُحِيلُ على المُحالِ عليه، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ الوَكالةَ قد ثَبَتَتْ بيَمِينِ المُحْتالِ، وبَقِيَ الحَقُّ 1 في ذِمَّةِ المُحالِ عليه للمُحِيلِ.
والثَّانِي، لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه قد بَرِئَ مِن حَقِّه، وإنَّما المُحْتالُ 2 ظَلَمَه بأخْذِ ما كان عليه.
قال القاضِي: والأَوَّلُ أصَحُّ.
وإن كان قد أخَذَ الحَوالةَ فتَلِفَتْ في يَدِه بتَفْرِيطٍ، أو أتْلَفَها، سَقَط حَقُّه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه إن كان مُحِقًّا فقد أتْلَفَ حَقَّه، وإن كان مُبْطِلًا فقد أتْلَفَ 3 مِثْلَ دَينِه، فيَثْبُتُ في ذِمَّتِه، فيتَقَاصّانِ.
وإن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَسْقُطُ حَقُّه أيضًا؛ لأنَّ ماله تَلِف تحتَ يَدِه.
وعلى الثّانِي، له أن يَرْجِعَ على المُحِيلِ بِحَقِّه، وليس للمُحِيلِ الرُّجُوعُ على المُحالِ عليه؛ لأنَّه يُقِرُّ ببرَاءتِه.

وَإِنْ قَال: أَحَلْتُكَ بِدَينِكَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالةِ، وَجْهًا وَاحِدًا.

1864 - مسألة: (وإن قال: أحَلْتُك بدَينِك. فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، وَجْهًا واحِدًا)

إذا اتَّفَقا على أنَّه قال: أحَلْتُك بدَينِك.
ثم اخْتَلَفا، فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ الحَوالةَ بِدَينِه لا تَحْتَمِلُ الوَكالةَ، فلم يُقْبَلْ قولُ مُدَّعِيها.
وسَواءٌ اعْتَرَفَ المُحِيلُ بدَينِ المُحْتالِ، أو قال: لا دَينَ لك عَلَيَّ.
لأنَّ قَوْلَه: أحَلْتُك بدَينِك.
اعْتِرافٌ بدَينِه، فلا يُقْبَلُ جَحْدُه بعدَ ذلك.
فأمّا إن لم يَقُلْ: بدَينِك.
بل قال: أحَلْتُك.
ثم قال: ليس لك عليَّ دَينٌ، وإنَّما أرَدْتُ التَّوْكِيلَ بلَفْظِ الحَوالةِ.
أو قال: أرَدْتُ أن أقولَ: وَكَّلْتُكَ.
فسَبَقَ لِسانِي، فقلتُ: أحَلْتُك.
وادَّعَى المُحْتالُ أنَّها حَوالةٌ بدَينِه، وأنَّ دَينَه كان ثابِتًا على المُحِيلِ، فهل هو اعْتِرافُ بالدَّينِ أوْ لا؟ فيه وَجْهانِ سَبَق تَوْجِيهُهما.
فصل: وإذا كان لرجلٍ دَينٌ على آخَرَ، فطَالبَه به، فقال: قد أحَلْتَ به عليَّ فُلانًا الغائِبَ.
وأنْكَرَ صاحِبُ الدَّينِ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينِه.
فإن كان لمَن عليه الدَّينُ بَيِّنَةٌ بدَعْواه، سُمِعَتْ بَيِّنَتُه؛ لإِسْقاطِ حَقِّ المُحِيلِ

..................................  عنه 1. وإنِ ادَّعَى رجلٌ أنَّ فُلانًا الغائِبَ أحالنِي عليك، فأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فالقولُ قَوْلُه.
فإن أقامَ المُدَّعِي بَيِّنَةً، ثَبَتَتْ في حَقِّه وحَقِّ الغائبِ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ يُقْضَى بها على الغائِبِ، ولَزِم الدَّفْعُ إلى المُحتالِ.
وإن لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فهل يَلْزَمُه اليَمِينُ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على ما لو اعْتَرَفَ له هل يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه 2؟ على وجهينِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه مُقرٌّ بدَنْيِه عليه، ووُجُوبِ دَفْعِه إليه، فَلَزِمَه الدَّفْعُ إليه، كما لو كانت به بَيِّنَةٌ.
والثّانِي، لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ إنْكارَ المُحِيلِ ورُجُوعَه عليه، فكان له الاحْتِياطُ لنَفْسِه، كما لو ادَّعَى أنِّي وَكِيلُ فُلانٍ في قَبْضِ دَينِه منك، فصَدَّقَه، وقال: لا أدْفَعُه إليك.
فإذا قُلْنا: يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع الإقْرارِ.
لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإنْكارِ.
فإذا حَلَفَ، بَرِئَ، ولم يَكُنْ للمُحْتالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لاعْتِرافِه ببَراءَتِه.
وكذلك إن قُلْنا: لا يَلْزَمُه اليمينُ.
فليس للمُحتال الرُّجُوعُ على المُحِيلِ.
ثم يُنْظَرُ في المُحِيلِ؛ فإن صَدَّقَ المُدَّعِي في أنَّه أحاله، ثَبَتتِ الحَوالةُ؛ لأنَّ رضا المُحتالِ عليه لا يُعْتَبَرُ.
وإن أنْكَرَ الحَوالةَ، حَلَف، وسَقَط حُكْمُ

..................................  الحَوالةِ.
وإن نَكَل المُحالُ عليه عن اليَمِينِ، فقُضِيَ عليه بالنُّكُولِ واسْتوفِيَ الحَقُّ منه، ثم إنَّ المُحِيلَ صَدَّقَ المُدَّعِيَ، فلا كَلامَ.
وإن أنْكَرَ الحَوَالةَ، فالقولُ قَوْلُه، وله أن يَسْتَوْفِيَ مِن المُحالِ عليه 1؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ له بالحَقِّ، ويَدَّعِى أنَّ المُحْتال ظَلَمَه، ويَبقَى دَينُ المُحْتالِ على المُحِيلِ.
فإن أنْكَرَ المُحِيلُ أنَّ له عليه دَينًا، فالقولُ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ المُحْتال يُقِرُّ ببراءَتِه منه؛ لاسْتِيفائِه مِن المُحالِ عليه.
وإن كان المُحِيلُ يَعْتَرِفُ به، لم يَكُنْ للمُحْتالِ المُطالبَةُ به؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه قد بَرِئَ منه بالحَوالةِ، والمُحِيلُ يُصَدِّقُ المُحال عليه في كونِ المُحْتالِ قد ظَلَمَه، واسْتَوْفَى مِنه بغيرِ حَقٍّ، والمحْتالُ يَزْعُم أنّ المحِيلَ قد أخَذَ منه أيضًا بغيرِ حَقٍّ، وأنَّه يَجِبُ عليه أن يَرُدَّ ما أخَذَ منه إليه، فيَنْبَغِي أن يَقْبِضَها المُحْتالُ ويُسَلِّمَها إلى المُحالِ عليه، أو يَأْذَنَ للمُحِيلِ في دَفْعِها إلى المُحالِ عليه.
وإن صَدَّقَ المُحالُ عليه المُحْتال في الحَوالةِ، ودَفَع إليه، فأنْكَرَ المُحِيلُ الحَوالةَ، حَلَف، ورَجَع على المُحالِ عليه.
والحُكْمُ في الرُّجُوعِ بما على المُحِيلَ مِن الدَّينَ على ما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
فصل: فإن كان عليه ألْفٌ ضَمِنَه رجلٌ، فأحال الضّامِن صاحِبَ الدَّينِ به، بَرِئَتْ ذِمَّتُه وذِمَّةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّ الحَوالةَ كالتَّسْلِيمِ،

..................................  ويَكُونُ الحُكْمُ ههُنا كالحُكْمِ فيما لو قَضَى عنه الدَّينَ، على ما ذَكَرْنا.
فإن كان الألْفُ على رَجُلَين، على كلِّ واحدٍ منهما خَمْسُمائَةٍ، وكلُّ واحدٍ كَفِيلٌ عن الآخرِ بذلك، فأحالهُ أحَدُهُما بالألْفِ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهما معًا، كما لو قَضاها.
وإن أحال صاحِبُ الألْفِ رجلًا على أَحدِهِما بعَينِه صَحَّتِ الحَوالةُ؛ لأنَّ الدَّينَ على كلِّ واحدٍ منهما مُسْتَقِرٌّ.
وإن أحال عليهما جميعًا، ليَسْتَوْفِيَ منهما أو مِن أيِّهما شاءَ، صَحَّتِ الحَوالةُ أيضًا عند القاضِي؛ لأنَّه لا فَضْلَ ههُنا في نَوْع ولا أجَلٍ ولا عَدَدٍ، وإنَّما هو زِيادَةُ اسْتِيثاقٍ، فلم يَمْنَعْ ذلك صِحَّةَ الحَوالةِ، كحَوالةِ المُعْسِرِ على المَلِئِ.
وقال بعضُ الشّافِعِيَّةِ: لا تَصِحُّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الفَضْلَ قد دَخَلَها.
فإنَّ المُحْتال ارْتَفَقَ بالتَّخْيِيرِ بالاسْتِيفاءِ مِن أَيِّهما شاء، فأشْبَهَ ما لو أحاله على رَجُلَين له على كلِّ واحدٍ منهما ألْفٌ؛ ليَسْتَوْفِيَ مِن أَيِّهما شاء.
والأوَّلُ أصَحُّ.
والفَرْقُ بينَ هذه المَسْألَةِ، وبينَ ما إذا أحاله بألْفَين، أنَّه لا فَضْلَ بينَهما في العَدَدِ ها هنا، وثَمَّ تَفاضَلَا، ولأنَّ الحَوالةَ ههُنا بأَلْفٍ مُعَيَّنٍ، وثَمَّ الحَوالةُ بأحَدِهما مِن غيرِ تَعْيِينٍ، وأنَّه إذا قَضاه أحَدُهما الألْفَ، فقد قَضاه جَمِيعَ الدَّينِ، وثَمَّ إذا قَضَى أحَدُهما بَقِيَ ما على الآخَر.
ولو لم يَكُنْ كلُّ واحدٍ مِن الرَّجُلَين ضامِنًا عن صاحِبِه، فأحال عليهما، صَحَّتِ الحَوالةُ بغيرِ إشْكالٍ؛ لأنَّه لَمّا كان له أن يَسْتَوْفِيَ الألْفَ مِن واحدٍ، كان له أن يَسْتَوْفِيَ مِن اثْنَين، كالوَكِيلَينِ.

بَابُ الصُّلْحِ  بابُ الصُّلْحِ الصُّلْحُ مُعاقَدةٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى إصْلاحٍ بينَ المُخْتَلِفَين، ويتَنَوّعُ أنْواعًا؛ صُلْحٌ بينَ المسلمين وأهْلِ الحَرْبِ، وصُلْحٌ بينَ أهْلِ العَدْلِ وأهْلِ البَغْي، وصُلْحٌ بينَ الزَّوْجَين إذا خِيفَ الشِّقاقُ بينَهما، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ 2. وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصُّلْحُ بَينَ الْمُسْلِمينَ جَائِزٌ، إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أوْ أحَلَّ حَرَامًا».
أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ 3، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
ورُوِيَ

باب الصلح

، من كتاب الأحكام.
سنن ابن ماجه 2/ 788. كلاهما عن عمرو بن عوف المزني.
وأخرجه أبو داود، في: باب في الصلح، من كتاب الأقضية.
سنن أبي داود 2/ 273. الإمام أحمد، في: المسند 2/ 366. كلاهما عن أبي هريرة.

الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا، صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ، مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَينٍ، فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَينٍ، فَيَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا، وَيَأْخُذَ  عن عُمَرَ، أنَّه كَتَب إلى أبي موسى بمِثلِ ذلك.
وأجْمَعَ العُلَماءُ على جَوازِ الصُّلْحِ في هذه الأنْواعِ التي ذَكَرْنا، ولكلِّ واحِدٍ منها 1 بابٌ يُفْرَدُ له، وتُذْكَرُ فيه أحْكامُه.
وهذا البابُ للصُّلْحِ بينَ المُخْتَلِفَين في الأمْوالِ.

1865 -

مسألة: و (الصُّلْحُ في الأمْوالِ قِسْمان؛ أحَدُهما، صُلْحٌ على الإِقْرارِ، وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، صُلْحٌ على جِنْسِ الحَقِّ، مثلَ أن يُقِرَّ له بدَينٍ، فيَضَعَ عنه بَعْضَه، أو بعَينٍ، فيَهَبَ له بَعْضَها، ويَأْخُذَ

الْبَاقِي، فَيَصِحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِي.
أَو يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ.
الباقيَ، فيَصِحُّ إن لم يَكُنْ بشَرْطٍ، مثلَ أن يَقُولَ: على أن تُعْطِيَني الباقِيَ.
أو يَمْنَعَه حَقَّه بدُونِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن اعْتَرفَ بدَينٍ أو عَينٍ في يَدِه، فأبْرأَه الغَرِيمُ مِن بعضِ الدَّينِ، أو وَهَبَه بعضَ العَينِ وطَلَب منه الباقيَ، صَحَّ إذا كانتِ البَراءَةُ مُطْلَقَةً من غيرِ شَرْطٍ.
قال أحمدُ: إذا كان للرجلِ على الرجلِ الدَّينُ ليس عندَه وَفاءٌ، فوَضَعَ عنه بعضَ حَقِّه، وأخَذَ منه الباقِيَ، كان ذلك جائِزًا لهما، ولو فَعَل ذلك قاضٍ شافعٌ 1، لم يَكُنْ

..................................  عليه في ذلك إثْمٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد كَلَّمَ غُرَماءَ جابِرٍ ليَضَعُوا عنه 1. وفي الذي أُصِيبَ في حَدِيقَتِه فمَرَّ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو مَلْزُومٌ، فأشار إلى غُرَمائِه بالنِّصْفِ، فأخَذُوه منه 2. فإن فَعَل ذلك قاضٍ اليَوْمَ، جاز إذا كان على وَجْهِ الصُّلْحِ والنَّظرَ لهما.
وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ كَعْبٍ، عن أبيه، أنَّه تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان له عليه في المَسْجِدِ، فارْتَفَعَت أصْواتُهما حتى سَمِعَها 3 رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فخَرَجَ إليهما، ثم نادَى: «يَا كَعْبُ» قال: لَبَّيكَ يا رسولَ اللهِ.
فأشار إليه أن ضَعِ الشَّطْرَ مِن

..................................  دَينِك.
قال: قد فَعَلْتُ يا رسولَ اللهِ.
قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قُمْ فَأعْطِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. فأمّا إن مَنَعَه المُقِرُّ مِن 2 حَقِّه حتى يَضَعَ عنه بَعْضَه، فالصُّلْحُ باطِلٌ؛ لأنَّه صالحَ عن بَعْضِ مالِه ببَعْضِه، وسواءٌ كان بلَفْظِ الصُّلْحِ أو بلفظِ الإِبْراءِ، أو بلَفْظِ (2) الهِبَةِ المَقْرُونِ بشَرْطٍ، مثلَ أن يَقُولَ: أبْرَأْتُك مِن خَمْسِمائَةٍ.
أو: وَهَبْتُك بشَرْطِ أن تُعْطِيَنِي ما بَقِيَ.
قال ابنُ أبي موسى: الصُّلْحُ على الإِقْرارِ هَضْمٌ للحَقِّ، فمتى ألْزَمَ المُقَرَّ له تَرْكَ بَعْضِ حَقِّه، فتَرَكَه مِن غيرِ طِيبِ نَفْسِه، لم يَطِبِ الأخْذُ 3، وإن تَطَوَّعَ المُقَرُّ له بإسْقاطِ بعضِ حَقِّه، جاز، غيرَ أنَّ ذلك ليس بصُلْحٍ، ولا مِن بابِ الصُّلْحِ بِسَبِيلٍ.
فلم يَجْعَلْه صُلْحًا، ولم يُسَمِّ الخِرَقِيُّ الصُّلْحَ إلَّا في حالِ الإِنْكارِ.
فأمّا مع الاعْتِرافِ، فإن قَضاه مِن جِنْسِ حَقِّه،

..................................  فهو وَفاءٌ، وإن قَضاه مِن غيرِ جِنْسِه، فهو مُعاوَضَةٌ، وإن أبْرَأَه مِن بَعْضِه، فهو إبْراءٌ، وإن وَهَبه بعضَ العَينِ، فهو هِبَةٌ، فلا يُسَمَّى صُلْحًا.
وسَمّاه القاضي وأصحابُه صُلْحًا.
وهو قولُ الشافعيِّ.
والخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، أمّا المَعْنَى فمُتَّفَقٌ عليه.
وهو يَنْقَسِمُ إلى إِبرَاءٍ، وهِبَةٍ، ومُعاوَضَةٍ، وقد ذَكَرْنا الإِبْرَاءَ.
فأمّا الهِبَةُ، فهو أن يَكُونَ له في يَدهِ عَينٌ، فيَقُولَ: قد وَهَبْتُك نِصْفَها وأعْطِنِي بَقِيَّتَها.
فيَصِحُّ، ويُعْتَبَرُ له شُرُوطُ الهبَةِ.
وإن أخْرَجَه مَخْرَجَ الشَّرْطِ، لم يَصِحَّ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأَنَّه إذا شَرَطَ في الهِبَةِ الوَفاءَ، جَعَل الهِبَةَ عِوَضًا عن الوَفاءِ، فكأنَّه عاوَضَ بعضَ حَقِّه ببَعْضٍ.
فإن أبْرَأه مِن بعضِ الدَّينِ، أو وَهَب له بعضَ العَينِ بلَفْظِ الصُّلْحِ، مثلَ أن يقولَ: صالِحْنِي بنِصْفِ دَينِك علَيَّ، أو بنِصْفِ دارِك هذه.
فيقولَ.: صالحْتُك بذلك.
لم يَصِحَّ.
ذَكَرَه القاضي وابنُ عَقِيلٍ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أكْثَرُهم: يَجُوزُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إذا لم يَجُزْ بلَفْظِه، خَرَج عن أن يَكُونَ صُلْحًا، ولا يَبْقَى له تَعَلُّقٌ به.
أمّا إذا كان [بلَفْظِ الصُّلْحِ] 1 سُمِّيَ صُلْحًا؛ لوُجُودِ اللَّفْظِ، وإن تَخَلَّفَ المَعْنَى، كالهِبَةِ بشَرْطِ الثَّوابِ.
وإنَّما يَقْتَضِي لَفْظُ الصُّلْحِ المُعاوَضَةَ إذا كان ثَمَّ عِوَضٌ، أمّا مع عَدَمِه فلا.
وإنَّما مَعْنَى الصُّلْحِ الاتِّفَاقُ والرِّضا، وقد يَحْصُلُ هذا مِن غيرِ عِوَض، كالتَّمْلِيكِ، إذا كان بعِوَضٍ سُمِّيَ بَيعًا، وإن خَلا عن العِوَضِ سُمِّيَ هِبَةً.
ولَنا، أنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ

وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ ممَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ كَالْمُكَاتَب، وَالْمَأْذُونِ لَهُ، وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، إلا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ.
يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ؛ لأنَّه إذا قال: صالِحْنِي بهِبَةِ كذا.
أو: على هِبَةِ كذا.
أو: على نِصْفِ هذه العَينِ.
ونَحْوَ هذا، فقد أضاف إليه بالمُقَابَلَةِ، فصار كقَوْلِه: بعْنِي بألْفٍ.
وإن أضاف إليه «عَلَى» جَرَى مَجْرَى الشَّرْطِ، كقَوْلِه: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (1). وقَوْلِه: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا﴾ (2). وكلاهما لا يَجُوزُ؛ بدَلِيلِ ما لو صَرَّحَ بلَفْظِ الشَّرْطِ أو بِلَفْظِ المُعاوَضَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّه يُسَمَّى صُلْحًا.
مَمْنُوعٌ، وإن سُمِّيَ صُلْحًا، فمجازٌ؛ لتَضَمُّنِه قَطْعَ (3) النِّزاعِ وإزالةَ الخُصُومَةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ الصُّلْحَ لا يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ.
مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْنا لكنَّ المُعاوَضَةَ حَصَلَتْ مِن اقْتِرانِ حَرْفِ الباءِ، أو عَلَى، أو نحوهما به، فإنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَحْتَاجُ إلى حَرْفٍ يَتَعَدَّى به، وذلك يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ، على ما بَيَّنَّا.

1866 -

مسألة: (ولا يَصِحُّ ذلك مِمَّن لا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ كالمُكاتَبِ، والمَأْذُونِ له، ووَليِّ اليَتِيمِ، إلَّا في حالِ الإِنْكارِ وعَدَمِ

123

جارٍ التحميل