بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الضَّمَانِ
وَهُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَام الْحَقِّ.
بابُ الضّمانِ
(وهو ضَمُّ ذِمَّةِ الضّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزامِ
..................................
الحَقِّ) فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِما جَمِيعًا، ولصاحِبِ الحَقِّ مُطالبَةُ مَن شاء منهما.
واشْتِقاقُه مِن الضَّمِّ.
وقِيلَ: مِن التَّضَمُّنِ 1؛ لأن ذِمَّةَ الضّامنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ.
والأصْلُ في جَوازِه الكِتابُ والسُّنّةُ والإِجْماعُ.
أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 2. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
قاله ابنُ عَبّاس.
وأمّا السُّنَّةُ، فما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الزَّعِيمُ غَارِمُ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 3، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وأجْمَعَ المُسْلِمُون على الضَّمانِ في الجُمْلَةِ، واخْتَلَفُوا في فُرُوعٍ تُذْكَرُ، إن شاء الله تعالى.
يُقال: ضَمِينٌ، وكَفِيلٌ، وقَبِيلٌ، وحَمِيلٌ، وزَعِيمٌ، وصَبِيرٌ.
بمعنًى واحدٍ.
ولا بدَّ في الضَّمانِ من ضامِن، ومَضْمُونٍ عنه، ومَضْمُونٍ له.
وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ.
1823 - مسألة: (ولِصاحبِ الحَقِّ مُطالبةُ من شاءَ منهما في الحَياةِ والمَوْتِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَضْمُونَ عنه لا يَبْرأْ بنَفْسِ الضَّمانِ، كما
..................................
يَبْرَأُ المُحِيلُ بنَفْسِ الحَوالةِ قبل القَبْضِ، بل يَثْبُتُ الحَقُّ في ذِمَّةِ الضّامِنِ، مع بَقائِه في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه.
فعلى هذا، لصاحِبِ الحَقِّ مُطالبَةُ مَن شاء منهما في الحياةِ وبعدَ المَوْتِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ 1، وأصْحابُ الرأي، وأبو عُبَيدٍ 2. وحُكِيَ عن مالكٍ في إحْدى الرِّوايَتَينِ عنه، أنَّه لا يُطالِبُ الضّامِنَ إلَّا إذا تَعَذّرَ مُطالبَةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه وَثِيقَة، فلا يُسْتَوْفَى الحَقُّ منها إلَّا مع تَعَذُّر اسْتِيفائِه مِن الأصْلِ، كالرَّهْنِ.
ولَنا، قَوْلُه - عليه السلام -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ».
ولأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ في ذِمَّةِ الضّامِنِ، فمَلَكَ مُطالبَتَه، كالأصْلِ.
ولأنّ الحَقَّ ثابِتٌ في ذِمَّتِهِما، فمَلَكَ مُطَالبةَ مَن شاء منهما، كالضّامِنَين إذا تَعَذَّرَتْ مُطالبةُ المَضْمُونِ عته.
ولا يُشْبِهُ الرَّهْنَ؛ لأنَّه مالُ مَن عليه الحَقُّ، وليس بِذِي 3 ذِمّةٍ يُطالبُ، إنَّما يُطالبُ مَن عليه الدَّينُ؛ لِيَقْضِيَ منه أو مِن غيرِه.
وقال أبو ثَوْرٍ: الكَفَالةُ والحَوالةُ سواءٌ وكِلاهما يَنْقُلُ الحَقَّ عن ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه والمُحِيلِ.
وحُكِيَ ذلك عن ابنِ (1) أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وداودَ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ، أنَّ المَيِّتَ يَبْرَأُ بمُجَرَّدِ الضَّمانِ.
نَصَّ عليه أحمدُ 4 في رِوايَةِ يُوسف بنِ مُوسَى.
واحْتَجُّوا بما روَى أبو سعيدٍ
..................................
الخُدْرِيُّ قال: كُنّا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جِنازَةٍ، فلمّا وُضِعَتْ، قال: «هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَينٍ؟».
قالوا: نعم، دِرْهَمان.
فقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
فقال عليٌّ: هما عَلَيَّ يا رسولَ اللهِ، وأنا لهما ضامِنٌ.
فقام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّى عليه، ثم أقْبَلَ على عليٍّ فقال: «جَزَاكَ الله عَنِ الإِسْلَامِ خَيرًا، وَفَكَّ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أخِيكَ».
فقِيل: يا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، هذا لعليٍّ خاصَّةً، أم للنّاسِ عامَّة؟ فقال: «بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً».
رَواه الدّارَقُطنِيُّ 1. فدَلَّ على أنّ المَضْمُونَ عنه بَرِئَ بالضَّمانِ 2، ولذلك صَلى عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 3 عن جابِر، قال: تُوُفِّيَ صاحِبٌ لَنا، فأتَينا به النبيَّ -صلى الله عليه وسلم - ليُصَلِّيَ عليه، فخَطا خُطْوَةً، ثم قال: «أَعَلَيهِ دَينٌ؟».
قلنا: دِيناران.
فانْصَرَفَ، فتَحَملَهما أبو قَتادَةَ، فقال: الدِّيناران عَلَيَّ.
فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -: «وَجَبَ حَقُّ الغَرِيمِ، وبَرِئَ المَيِّتُ مِنْهُمَا؟».
قال: نعم.
فصَلَّى عليه، ثم قال بعدَ ذلك: «مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟».
قال: إنَّمَا مات أمْسِ.
قال: فعادَ إليه مِن الغَدِ، فقال: قد قَضَيتُهما.
..................................
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيهِ 1 جِلْدَهُ».
وهذا صَرِيحٌ في بَراءةِ المَضْمُونِ عنه؛ لقَوْلِه: «وَبَرِئَ المَيِّتُ مِنْهُمَا».
ولأنَّه دَينٌ واحِدٌ، فإذا صار في ذمَّةٍ ثانِيَةٍ 2، بَرئَتِ الأولَى منه، كالمُحَالِ به؛ لأنَّ الدَّينَ 3 الواحِدَ لا يَحِلُّ في مَحَلَّينِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقةٌ بدَينهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» 4. وقَوْلُه في خَبَرِ أبي قَتادةَ: «الآنَ بَرَّدْتَ عَلَيهِ جِلْدَهُ».
حينَ أخْبَرَه أنَّه قَضَى دَينَه.
ولأنَّها وَثِيقَة، فلا تَنْقُلُ الحَقَّ، كالشَّهادَةِ.
فأمّا صَلاةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على المَضْمُونِ عنه؛ فلأنَّه بالضَّمانِ صار له وَفاءٌ، وإنَّما كان، عليه الصلاةُ والسلامُ، يَمْتَنِعُ مِن الصلاةِ على مَدِين لم يُخَلِّفْ وَفاءً.
وأمّا قَوْلُه لعليٍّ: «فَكَّ الله رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخيكَ».
فإنَّه كان بحالٍ لا يُصَلِّي عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا ضَمِنَه فَكَّه مِن ذلك، أو ما في مَعْناه.
وقَوْلُه: «بَرِيء الْمَيِّتُ مِنْهُمَا».
أي صِرْتَ أنت المُطالبَ بهما.
وهذا على وَجْهِ التَّأْكِيدِ؛ لثُبُوتِ الحَقِّ في ذِمَّتِه، ووُجُوبِ الأداءِ عنه؛ بدَليلِ قَوْلِه حينَ أخْبَره بالقَضاءِ: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيهِ جِلْدَهُ».
وفارَقَ الضَّمانُ الحَوالةَ، فإنَّ الضَّمانَ مُشْتَقٌّ مِن الضَّمِّ بينَ الذِّمَّتّين في تَعَلُّقِ الحَقِّ بهما وثُبُوتِه فيهما، والحَوالةُ من التَّحَوُّلِ،
فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، بَرِئ الضَّامِنُ، وَإِنْ بَرِئَ الضَّامِنُ، أوْ أُقِرَّ بِبَرَاءَتِهِ، لَمْ يَبْرَأَ المَضْمُونُ عَنْهُ.
فَتَقْتَضِي تَحَوُّلَ الحَقِّ عن مَحَلِّه إلى ذِمَّةِ المُحال عليه.
وقَوْلُهم: إنَّ الدَّينَ الواحِدَ لا يَحِلُّ مَحَلَّين.
قلنا: يَجُوزُ تَعَلُّقُه بمَحَلَّين على سَبِيلِ الاسْتِيثاقِ، كتَعَلُّقِ دَينِ الرَّهْنِ به وبذِمّةِ الرّاهِنِ.
كذلك هذا.
1824 -
مسألة: (فإن بَرِئَتْ ذِمّةُ المَضْمونِ عنه بَرِئ الضّامِنُ)
متى بَرِئَتْ ذِمَّةُ المَضْمونِ عنه (1) بقَضاءٍ أو إِبْراءٍ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضّامنِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه تَبَعٌ (2)، ولأنَّه وَثِيقةٌ، فإذا بَرِئَ الأصْلُ، زالتِ الوَثِيقَةُ، كالرَّهْنِ.
1825 -
مسألة: (وإن بَرِئَ الضّامِنُ، أو أُقِرَّ ببَراءَتِه، لم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه)
لأنَّه أصْلٌ، فلا يَبْرأُ بإبْراءِ التَّبَعِ، ولأنَّه وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِن غيرِ اسْتِيفاءِ الدَّينِ منها، فلم تَبْرَأْ ذِمَّةُ الأصْلِ، كالرَّهْنِ إذا انْفَسَخَ مِن غيرِ اسْتِيفاءٍ.
وأيُّهما قَضَى الحَقَّ بَرِئا جَمِيعًا مِن المَضْمُونِ له؛ لأنَّه حَقٌّ واحِدٌ، فإذا اسْتُوفِيَ مَرَّةً، زال تَعَلُّقُه بهما، كما لو اسْتُوفِيَ الحَقُّ الذي به رَهْنٌ، وإن أحال أحَدُهما الغَرِيمَ، بَرِئا جَمِيعًا؛ لأنَّ الحَوالةَ كالقَضاءِ.12
ولو ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا، فَأَسْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ أَو الْمَضْمُونُ عَنْهُ، بَرِئَ هُوَ وَالضَّامِنُ مَعًا.
فصل: ويَجُوزُ أنَّ يَضْمَنَ الحَقَّ عن الرجلِ الواحِدِ اثْنان أو أكْثَرُ، سَواءٌ ضَمِن كلُّ واحدٍ جَمِيعَه أو جُزْءًا منه، فإن ضَمِن كلُّ واحِدٍ منهم جَمِيعَه، بَرِئَ كلُّ واحِدٍ منهم بأداءِ أحَدِهم، وإن أْبْرَأ المَضْمُونَ عنه، بَرِئَ الجَمِيعُ؛ لأنَّهم فُرُوعٌ له، وإن بَرِئَ (1) أحَدُ الضّامِنَين بَرِئَ وَحْدَه؛ لأنَّهم غيرُ فُرُوعٍ له، فلم يَبْرَءُوا ببرَاءَتِه، كالمَضْمُونِ عنه.
وإن ضَمِن أحَدُهم صاحِبَه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَت في ذِمَّتِه بضَمانِه الأصْلِيِّ، فلا يَجُوزُ أنَّ يَثْبُتَ ثانِيًا، ولأنَّه أصْلٌ فيه بالضَّمانِ، فلا يَجُوزُ أنَّ يَصِيرَ فيه فَرْعًا.
ولو تَكَفَّلَ بالرجلِ الواحدِ اثْنانِ، جازَ.
ويَجُوزُ أنَّ يَكْفُلَ كلُّ واحِدٍ مِن الكَفِيلَينِ صاحِبَه، لأنَّ الكَفالةَ ببَدَنِه، لا بما في ذِمَّتِه.
وأيُّ الكَفِيلَين أحْضَرَ المَكْفُولَ به، بَرِئَ، وبَرِئ صاحِبُه مِن الكَفالةِ به (2)؛ لأنَّه فَرْعُه، ولم يَبْرَأْ مِن إحْضارِ المَكْفُولِ به؛ لأنَّه أصْلٌ في ذلك.
وإن كَفَلَ المَكْفُولُ به الكَفِيلَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه أصْلٌ له في الكَفالةِ، فلم يَجُزْ أنَّ يَصِيرَ فَرْعًا له (3) فيما كَفَلَ به، وإن كَفَل به في غيرِه، جاز.
1826 -
مسألة: (ولو ضَمِن ذِمِّيٌّ لذِمِّيٌّ عن ذمِّيٍّ خَمْرًا، فأسْلَمَ المَضْمُونُ له أو المَضْمُونُ عنه، بَرِئ هو والضّامِنُ معًا)
لأنَّه بَرِئ من123
وَلَا يَصِحُّ إلا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
الخَمْرِ الذي ضَمِن عنه؛ إذ لا يَجُوزُ وُجُوبُ خَمْر على مُسْلِم، وإذا بَرِئَ المَضْمُونُ عنه، بَرِئَ الضّامِنُ؛ لأنَّه فَرْعُه.
وإن أسْلَمَ المَضْمُونُ له، بَرِئَ أيضًا، لأنَّه ليس للمُسْلِمِ المُطالبَةُ بثَمَنِ الخَمْرِ؛ لكَوْنِه لا قِيمَةَ له في الإِسْلام، فإن أسْلَمَ الضّامِنُ (1) وحدَه، بَرِئَ، ولم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه؛ لأنَّه أصْلٌ، فلم يَبْرَأْ ببَراءَةِ فَرْعِه، كما لو أبرَأه المَضْمُونُ له.
1827 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ)
لا يَصِحُّ الضَّمانُ إلَّا مِمَّن يَصِحُّ تَصَرُّفُه في مالِه، رجُلًا كان أو امْرأةً؛ لأنَّه عَقدٌ1
.................................. يُقْصَدُ به المالُ، فصَحَّ مِن المَرْأةِ، كالبَيعِ.
وَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ، وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا سَفِيهٍ، وَلَا مِنْ عَبْدٍ بِغَيرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُتْبَعَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَإنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، صَحَّ، وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
1828 - مسألة: (ولا يَصِحُّ مِن صَبِيٍّ، ولا مَجْنُونٍ، ولا سَفِيهٍ، ولا مِن عَبْدٍ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وعنه، يَصِحُّ، ويُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ.
وإن ضَمِن بإذْنِ سَيِّدِه، صَحَّ.
وهل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه أو ذِمَّةِ سَيِّدِه؟ على رِوَايَتَينِ)
لا يَصِحُّ الضَّمانُ مِن مَجْنُونٍ ولا مُبَرْسَمٍ ولا صَبِيٍّ غيرِ مُمَيِّزٍ، بغير خِلافٍ؛ لأَنه إيجابُ مالٍ، فلم يَصِحَّ منهم، كالنَّذْرِ والإقْرارِ.
ولا
..................................
يَصِحُّ مِن السَّفِيهِ المَحْجُورِ عليه.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال القاضي: يَصِحُّ، ويُتْبَعُ به بعِدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه؛ لأنَّ مِن أصْلِنا أنَّ إقْرارَه صَحِيحٌ، يُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كذلك ضَمانُه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه إيجابُ مالٍ بعَقْدٍ، فلم يَصِحَّ منه، كالبَيعِ والشِّرَاءِ.
فأما الإِقْرارُ، فلنا فيه مَنْعٌ.
وإن سُلِّمَ، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ الإِقْرارَ إخبارٌ بحَقٍّ سابِقٍ.
وأمّا الصَّبِيُّ المُمَيِّزُ، فلا يَصِحُّ ضَمانُه.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وخَرَّجَ أصحابُنا صِحَّتَه على الرِّوايَتَينِ في صِحَّةِ إقْرارِه وتَصَرُّفِه بإذْنِ وَلِيِّه.
ولا يَصِحُّ هذا الجَمْعُ؛ لأن هذا الْتِزامُ [مالٍ لا] 1 فائِدَةَ له فيه، فلم يَصِحَّ، كالتَّبرُّعِ والنَّذرِ، بخِلافِ البَيْعِ.
وإنِ اخْتَلَفا في وَقْتِ الضَّمانِ بعدَ بُلُوغِه، فقال الصَّبِيُّ: قبل بُلُوغِي.
وقال المَضْمُونُ له: بعدَ البُلُوغِ.
فقال القاضِي: قِياسُ قولِ أحمدَ، أنَّ القولَ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّ معه سَلامَةَ العَقْدِ، فأشْبَهَ ما لو اخْتَلَفَا في شَرْطٍ فاسِدٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الضّامِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ البُلُوغِ وعَدَمُ وُجُوبِ الحَقِّ عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
ولا يُشْبهُ هذا ما إذا اخْتَلَفَا في شَرْطٍ فاسدٍ؛ لأنَّ المُخْتَلِفَينِ ثَمَّ مُتَّفِقان على أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، والظّاهِرُ أنَّهما لا يَتَصَرَّفان إلَّا تَصَرُّفًا صَحِيحًا، فكانَ
..................................
قولُ مُدَّعِي 1 الصِّحَّةِ هو الظّاهِرَ، وههُنا اخْتَلَفا في أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، وليس مع مَن يَدَّعِي الأهْلِيَّةَ ظاهِر يَسْتَنِدُ إليه، [ولا أصْلٌ وَرْجِعُ إليه] 2، فلم تَرْجَحْ دَعْواه.
والحُكْمُ في مَن عُرِفَ له حالُ جُنُونٍ، كالحُكْمِ في الصَّبِيِّ، وإن لم يُعْرَفْ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
وأمّا المَحْجُورُ عليه لفَلَسٍ، فيَصِحُّ ضَمانُه، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه؛ لأنَّه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، والحَجْرُ عليه في مالِه، لا في ذِمّتِه، فهو كتَصَرُّفِ الرّاهِنِ فيما عدا الرَّهْنَ.
فأمّا العَبْدُ، فلا يَصِحُّ ضَمانُه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، سَواءٌ كان مَأْذُونًا له في التِّجارَةِ أو لا.
وبهذا قال ابنُ أبي لَيلى، والثَّوْرِيُّ 3، وأبو حنيفةَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَصِحَّ، ويُتْبَعَ به بعدَ العِتْقِ.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، فصَحَّ تَصَرُّفُه بما لا ضَرَرَ فيه على السَّيِّدِ، كالإِقْرارِ بالإِتْلافِ.
ولنا، أنَّه عَقْدٌ تَضَمّنَ إيجابَ مالٍ، فلم يَصِحَّ بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، كالنِّكاحِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إن كان مِن جِهَةِ التِّجارةِ، جاز، وإلَّا لم يَجُزْ.
فإن ضَمِن
..................................
بإذْنِ سَيِّدِه، صَحَّ؛ لأن سَيِّدَه لو أَذِنَ له 1 في التَّصَرُّفِ، صَحَّ.
قال.
القاضي: وقِياسُ المَذْهَبِ تَعَلُّقُ المالِ برَقَبَتِه؛ لأنَّه دَينٌ لَزِمَه بفِعْلِه، فتَعَلّقَ برَقَبَتِه، كأَرشِ جِنايَتِه.
وقالْ ابنُ عَقِيلٍ: ظاهِرُ المَذْهَبِ وقِياسُه أنَّه يَتَعَلّقُ بذِمَّةِ السَّيِّدِ.
وقد ذَكَر شَيخُنا هنا رِوايَتَينِ، وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، كاسْتِدانَتِه بإذْنِ سَيِّدِه.
وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ تعالى.
فإن أذِنَ له سَيِّدُه في الضَّمانِ؛ ليَكُونَ القَضاءُ مِن المالِ الذي في يَدِه، صَحَّ، ويَكُونُ ما في ذِمَّتِه مُتَعَلِّقًا بالمالِ الذي في يَدِ العَبْدِ، كتَعَلُّقِ حَقِّ الجِنايَةِ بَرَقَبةِ الجانِي، كما لو قال الحُرُّ: ضَمِنْتُ لك هذا الدَّينَ على أنَّ تَأْخُذَ مِن مالِي هذا.
صَحَّ.
..................................
فصل: ولا يَصِحُّ ضَمانُ المُكاتبِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كالقِنِّ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بالْتِزامِ مالٍ، أشْبَهَ 1 نَذْرَ الصَّدَقَةِ بمالٍ مُعَيَّنٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَصِحَّ ويُتْبَعَ به بعدَ عِتْقِه، كقَوْلِنا في العَبْدِ.
وإن ضَمِن بإذْنِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ أيضًا؛ لأَنه رُبَّما أدَّى إلى تَفْويتِ الحُرِّيَّةِ.
..................................
والثّانِي، يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
فأمّا المَرِيضُ، فإن كان مَرَضُه غيرَ مَخُوفٍ، أو لم يَتَّصِلْ به المَوْتُ، فهو كالصَّحِيحِ، وإن كان مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفَ، فحُكْمُ ضَمانِه حُكْمُ تبَرُّعِه، يُحْسَبُ مِن ثُلُثِه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بالْتِزامِ مالٍ لا يَلْزَمُه، ولم يَأْخُذْ عنه عِوَضًا، أشْبَهَ الهِبَةَ.
وإذا فُهِمَتْ إشارَةُ الأَخْرَسِ، صَحَّ ضَمانُه؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه وإقْرارُه وتَبَرُّعُه، أشْبَهَ النّاطِقَ 1، ولا يَثْبُتُ الضَّمانُ بكِتابَتِه مُنْفَرِدَةً عن إشارَةٍ يُفْهَمُ بها أنَّه قَصَد الضَّمانَ؛ لأنَّه قد يَكْتُبُ عَبَثًا أو تَجْرِبَةَ قَلَمٍ 2، فلم 3 يَثْبُتِ الضَّمانُ به مع الاحْتِمالِ.
ومَن لا تُفْهَمُ إشْارَتُه، لا يَصِحُّ ضَمانُه؛ لأنَّه لا يَدْرِي بضَمانِه، وكذلك سائِرُ تَصَرُّفاتِه.
وَلَا يَصِحُّ إلا بِرِضَا الضَّامِنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمَضْمُونِ لَهُ، وَلَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ لَهُمَا،
1829
- مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا برِضَا الضّامِنِ، ولا يُعْتَبَرُ رِضَا المَضْمُونِ له، ولا المَضْمُونِ عنه، ولا مَعْرِفَةُ الضّامِنِ لهما) لا يَصِحُّ الضَّمانُ إلَّا برِضا الضّامِنِ، فإن أُكْرِه عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه الْتِزامُ مالٍ، فلم يَصِحَّ بغيرِ رِضا المُلْتَزِمِ، كالنَّذْرِ.
ولا يُعْتَبَرُ رِضا المَضْمُونِ له.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه إثْباتُ مالٍ لآدَمِيٍّ، فلم يَثْبُتْ إلَّا برِضَاه، أو رِضا مَن يَنُوبُ عنه، كالبَيعِ والشِّراءِ.
وعن أصحابِ الشافعيِّ كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أنَّ أبا قَتادَةَ ضَمِن مِن غيرِ رِضا المَضْمُونِ له ولا المَضْمُونِ عنه، فأجازَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّها وَثِيقَةٌ لا يُعْتَبَرُ فيها قَبْضٌ، فأشْبَهَتِ الشَّهادَةَ، ولأنَّه ضَمانُ دَينٍ، فأشْبَه ضَمانَ بَعْضِ الوَرَثَةِ دَينَ المَيِّتِ للغائِب، وقد سَلَّمُوه.
ولا يُعْتَبَرُ رِضا المَضْمُونِ عنه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لو قَضَى الدَّينَ عنه بغيرِ إذْنِه ورِضاه، صَحَّ، فكذلك إذا ضَمِن عنه، وقد دَلَّ عليه حَدِيثُ أبي قَتادةَ.
ولا يُعْتَبرُ أن يَعْرِفَهما الضّامِنُ.
وقال القاضِي: يُعْتَبرُ مَعْرِفَتُهما، ليَعْلَمَ هل المَضْمُونُ عنه 1
وَلَا كَوْنُ الْحَقِّ مَعْلُومًا وَلَا وَاجِبًا إذَا كَانَ مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ، فَلَوْ قَال: ضَمِنْت لَكَ مَا عَلَى فُلَانٍ.
أَوْ: مَا تُدَايِنُهُ بِهِ.
صَحَّ.
أهْلٌ لِاصْطنِاعِ المَعْرُوفِ إليه أو لا؟ ولِيَعْرِفَ المَضْمُونَ له، فَيُؤدِّيَ إليه.
وذَكَر وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ المَضْمُونِ له؛ لذلك، ولا يُعْتَبَرُ (1) مَعْرِفَةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه لا مُعامَلَة بينَه وبينَه.
ولأصحابِ الشافعيِّ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ نحوُ هذا.
ولَنا، حَدِيثُ عَلِيٍّ، وأبِي قَتادَةَ (2)، فإنَّهما ضَمِنا لمَن لم يَعْرِفا وعَمَّن لم يَعْرِفا.
ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالْتِزامِ مالٍ، فلم يُعْتَبرْ مَعْرِفَةُ مَن يَتَبَرَّعُ له به، كالنَّذْرِ.
1830 -
مسألة: (ولا)
يُعْتَبرُ (كَوْنُ الحَقِّ مَعْلُومًا ولا واجِبًا إذا كان مَآله إلى الوُجُوبِ، فلو قال: ضَمِنْتُ لك ما على فُلانٍ.
أو: ما تُدايِنُه به صَحَّ) يَصِحُّ ضَمانُ المَجْهُولِ، فمتى قال: أنا ضامِنٌ لك ما على فُلانٍ.
أو: ما تَقُومُ به البَيِّنَةُ.
أو: ما يُقِرُّ به لك.
أو: ما يَخْرُجُ12
..................................
في رُوزمانَجك 1. صَحَّ الضَّمانُ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ.
وقال الثَّوْرِيٌّ، واللَّيثُ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه الْتِزامُ مالٍ، فلم يَصِحَّ مَجْهُولًا، كالثَّمَنِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:
..................................
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1. وحِمْلُ البَعِيرِ غيرُ مَعْلُومٍ؛ لأنَّ حِمْلَ البَعِير مُخْتَلِفٌ باخْتِلافِه.
وعُمُومُ قَوْلِه - عليه السلام -: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» 2. ولأنَّه الْتِزامُ حَقٍّ في الذِّمَّةِ مِن غيرِ مُعاوَضَةٍ، فَصَحَّ في المَجْهُولِ، كالنَّذْرِ والإقْرارِ، ولأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه بغَرَرٍ وخَطَرٍ، وهو ضَمانُ العُهْدَةِ.
وإذا قال: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ضَمانُه.
أو قال: ادْفَعْ ثِيابَكَ إلى هذا الرَّفَّاءِ وعليَّ ضَمانُها.
فَصَحَّ في المَجْهُولِ، كالعِتْقِ والطَّلاقِ.
فصل: ويَصِحُّ ضَمانُ ما لم يَجِبْ، فلو قال: ما أَعْطَيتَ فلانًا فهو عليَّ.
صَحَّ.
والخِلافُ في هذه المَسْألَةِ كالتي قبلَها، ودَلِيلُ القَوْلَين ما ذَكْرْنا.
وقد قالوا 3 في هذه المَسْألَةِ: الضَّمانُ ضمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ في الْتِزامِ الدَّينِ، فإذا لم يَكُنْ على المَضْمُونِ عنه شيءٌ، لم يُوجَدْ ضَمٌّ، فلا يَكُونُ ضامِنًا.
قُلنا: قد ضَمَّ ذِمَّتْه إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في أنَّه يَلْزَمُه ما يَلْزَمُه، وأنَّ ما يَثْبُتُ [في ذِمَّةِ] 4 مَضْمُونِه يَثْبُتُ في ذِمَّتِه.
وهذا كافٍ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَينِ الضَّامِنِ،
وقد سَلَّمُوا ضَمانَ ما يُلْقِيه في البَحْرِ قبلَ وُجُوبِه بقَوْلِه: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ضَمانُه.
وسَلَّمَ أصحابُ الشافعيِّ في أحَدِ الوَجْهَينِ ضَمانَ الجُعْلِ في الجَعالةِ قبلَ العَمَلِ، وما وَجَبَ شيءٌ بعدُ.
1831 -
مسألة: (ويَصِحُّ ضَمانُ دَينِ الضّامِنِ)
نحوَ أن يَضْمَنَ الضّامِنَ ضامِن آخَرُ؛ لأنَّه دَينٌ لازِمٌ في ذِمَّتِه، فصَحَّ ضَمانُه؛ كسائِرِ
..................................
الدُّيُونِ 1. ويَثْبُتُ الحَقُّ في ذِمَمِ الثَّلاثَةِ، أيُّهم قَضاه بَرِئَتْ ذِمَمُهم كلُّها؛ لأنَّه حَقٌّ واحدٌ، فإذا قُضِيَ مَرَّةً سَقَط، فلم يَجِبْ مَرَّةً أُخْرَى.
وإن أْبْرَأَ الغَرِيمُ المَضْمُونَ عنه، بَرِئَ الضّامِنان؛ لأنَّهما فَرْعٌ، وإن أَبْرَأ الضّامِنَ الأوّلَ بَرِئَ الضّامِنان؛ لذلك 2، ولم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه؛ لِما تَقَدَّمَ، وإن أَبْرَأَ الضّامِنَ الثّانِيَ، بَرِئ وَحْدَه.
ومتى حَصَلَتْ بَراءَةُ الذِّمَّةِ بالإبْراءِ، فلا رُجُوعَ فيها؛ لأنَّ الرُّجُوعَ مع الغُرْم، وليس في الإِبراءِ غُرْمٌ.
والكَفالةُ كالضَّمانِ في هذا المَعْنَى 3.
فصل: وإن ضَمِن المَضْمُونُ عنه الضّامِنَ، أو تَكَفَّلَ المَكْفُولُ عنه الكَفِيلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الضَّمانَ يَقْتَضِي إلْزامَه الحَقَّ في ذِمَّتِه، والحَقُّ لازِمٌ له، فلا يُتَصوَّرُ إلْزامُه ثانِيًا؛ ولأنَّه أصْلٌ في الدَّينِ، فلا يَجُوزُ أن يَصِيرَ فَرْعًا فيه.
فإن ضَمِن عنه دَينًا آخَرَ، أو تَكَفَّلَ به في 4 حَقٍّ آخَرَ، جاز؛ لعَدَمَ ما ذَكرْنا.
وَدَينِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ وَغَيرِهِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينَ.
1832 - مسألة: (و)
يَصِحُّ ضَمانُ (دَينِ المَيِّتِ المُفْلِسِ وغيرِه، ولا تَبْرأُ ذِمَّتُه قبلَ القَضاءِ، في أصَحِّ الرِّوايَتَينِ) يَصِحُّ الضَّمانُ عن كُلِّ غَرِيم وَجَبَ 1 عليه حَقٌّ، حَيًّا كان أو مَيِّتًا، مَلِيئًا أو مُفْلِسًا.
وبه قال أكْثَرُ العُلَماءِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ ضَمانُ دَينِ المَيِّتِ، إلَّا أن يُخَلِّفَ وَفاءً، فإن خَلَّفَ بعضَ الوَفاءِ، صَحَّ ضَمانُه بقَدْرِ ما خَلَّفَ؛ لأنَّه دَينٌ ساقِطٌ، فلم يَصِحَّ ضَمانُه، كما لو سَقَط بالإبْراءِ، ولأنَّ ذِمتَّة قد خَرِبَتْ خَرابًا لا تَعْمُرُ بعدَه، فلم يَبْقَ فيها دَينٌ، والضَّمانُ ضَمُّ ذِمّةٍ إلى ذِمّةٍ.
ولَنا، حَدِيثُ أبي قَتادَةَ [وعليٍّ] 2، فإنَّهما ضَمِنا دَينَ مَيِّتٍ لم يُخَلِّفْ وَفاءً، وقد حَضَّهُم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ضَمانِه في حَدِيثِ أبي
..................................
قَتادَةَ بِقَوْلِه: «أَلا قَامَ أحَدُكُمْ فَضَمِنَه» 1. وهذا صَرِيحٌ في المَسْأَلَةِ، ولأنَّه دَينٌ ثابِتٌ، فصَحَّ ضَمانُهُ، كما لو خَلَّفَ وَفاءً.
ودَلِيلُ ثُبُوتِه، أنَّه لو تَبَرَّعَ رَجُل بقَضاءِ دَينِه، جاز لصاحِبِ الدَّينِ 2 اقتِضاؤُه، ولو ضَمِنَه حَيًّا ثم مات، لم [تَبْرَأْ ذمَّةُ] 3 الضامِنِ، ولو بَرِئَتْ ذِمّةُ المَضْمُونِ عنه، بَرِئَتْ ذِمّةُ الضامِن، وفي هذا انْفِصالٌ عما ذَكَرُوه.
إذا ثَبَت صِحّةُ ضَمانِ دَينِ المَيِّتِ، فإنَّ ذِمَّتَة لا تَبْرَأُ من الدَّينِ قبلَ القَضاءِ، في إحدَى الرِّوايَتَينِ؛ لقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم - «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَينِه حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» 4. ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سَأَل أبا قَتادَةَ عن الدِّينارَينِ الَّذَينِ ضَمِنَهُما، فقال: قد قَضَيتُهُما 5، فقال: «الْآنَ بَرَّدْتَ جِلْدَتَهُ».
رَواه الإمامُ أحمدُ.
ولأنَّه وَثِيقةٌ بدَينٍ، فلم يَسْقُطْ قبلَ القَضاء، كالرَّهْنِ، وكالشَّهادَةِ.
والثّانِيَةُ: تَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الضَّمانِ.
نَصَّ عليه أحَمدُ في رِوايةِ يُوسُفَ بنِ موسى؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ أبي قَتادَةَ: «وَبَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُما؟».
قال: نعم.
وقد ذَكَرْنا ذلك [في أوَّلِ البابِ] 6.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعَ لِلْمُشْتَرِي، وَعَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ.
فصل: ويَصِحُّ الضَّمانُ في جميعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ الواجبَةِ، والتي تَئُولُ إلى الوُجُوبِ، كثَمَنِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ وبعدَه، والأَجْرَةِ، والمَهْرِ قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه؛ لأَنَّ هذه الحُقُوقَ لازِمَةٌ، وجَوازُ سُقُوطِها لا يَمْنَعُ صِحّةَ ضَمانِها، كالثَّمنِ في المَبِيعِ بعدَ انْقِضاءِ الخِيارِ، يجُوزُ أن يَسْقُطَ بالرَّدِّ بالعَيبِ وبالمُقايَلةِ.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
1833 -
مسألة: (ويَصِحُّ ضَمانُ عُهْدَةِ المَبِيعِ عن البائِعِ للْمُشْتَرِي، وعن المُشْتَرِي للبائِعِ)
فَضَمانُه عن 1 المُشْتَرِي، هو أن يَضْمَنَ الثَّمَنَ الواجِبَ بالبَيعِ قبلَ تَسْلِيمِه، [أو إن] 2 ظَهَر فيه عَيبٌ أو اسْتُحِقَّ، رَجَع بذلك على الضّامِنِ، وضَمانُه عن البائِعِ للمُشْتَرِي، هو أن يَضْمَنَ عن البائِعِ الثَّمَنَ متى خرَج المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، أو رُدَّ بعَيبٍ، أو
..................................
أرْشَ العَيبِ.
فضَمانُ العُهْدةِ في المَوْضِعَينِ هو ضَمانُ الثَّمَنِ أو جُزْءٍ منه عن أحَدِهما للآخَرِ.
والعُهْدَةُ؛ الكِتَابُ الذي تُكْتَبُ فيه وَثِيقَة البَيعِ، ويُذْكَرُ فيه الثَّمَنُ، فَعُبِّرَ به عن الثَّمنِ الذي يَضْمَنُه.
ومِمَّن أجازَ ضَمانَ العُهْدةِ في الجُمْلَةِ؛ أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ.
ومَنَع منه بعضُ [أصْحابِ الشافعيِّ] 1؛ لكَوْنِه ضَمانَ ما لم يَجِبْ، وضَمانَ مَجْهُولٍ، وضَمانَ عَينٍ.
وقد ثَبَت جَوازُ الضَّمانِ في ذلك كُلِّه.
ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى الوَثِيقَةِ على البائِعِ، والوَثائِقُ ثَلاثَةٌ؛ الشَّهادةُ، والرَّهْنُ، والضَّمانُ.
فأمّا الشَّهادةُ فلا يُسْتَوْفَى منها الحَقُّ، وأمّا الرَّهْنُ فلا يَجُوزُ في ذلك بالإِجْماعِ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أن يَبْقَى أبدًا مَرْهُونًا، فلم يَبْقَ إلَّا الضَّمانُ.
ولأنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما كان واجِبًا حال العَقْدِ؛ [لأنَّه إنَّما يَتَعَلَّقُ بالضَّمانِ حُكْمٌ إذا خَرَج مُسْتَحَقًّا أو مَعِيبًا حال العَقدِ] 2، ومتى كان كذلك، فقد ضَمِن ما وَجَب حينَ العَقْدِ، والجَهالةُ مُنْتَفِيةٌ 3؛ لأنَّه
..................................
ضَمِن الجُمْلَةَ، فإذا خَرَج بعضُه مُسْتَحَقًّا، لَزِمَه بعضُ ما ضَمِنَه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَصِحُّ ضَمانُ العُهْدةِ عن البائِعِ للمُشْتَري قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَه.
وقال الشافعيُّ: إنَّما يَصِحُّ بعدَ القَبْضِ، لأنَّه قبلَ القَبْضِ لو خَرَج مُسْتَحَقًّا، لم يَجِبْ على البائِعِ شيءٌ.
وهذا يَنْبَنِي على ضَمانِ ما لم يَجِبْ إذا كان مُفْضِيًا إلى الوُجُوبِ، كالجَعالةِ، وسَنَذْكُرُها.
وألْفاظُ ضَمانِ العُهْدَةِ 1 قَوْلُه: ضَمِنْتُ عُهْدَتَه.
أو: ثَمَنَه.
أو: دَرَكَه.
أو يَقُولُ للمُشْتَرِي: ضَمِنْتُ خَلاصَكَ منه.
أو: متى خَرَج المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فقد ضَمِنْتُ لك الثَّمَنَ.
وحُكِيَ عن أبي يُوسُفَ أنَّه إذا قال: ضَمِنْتُ 2 عُهْدَتَه.
أو: ضَمِنْتُ لك العُهْدَةَ.
لم يَصِحَّ، لأنَّ العُهْدَةَ الصَّكُّ بالابْتِياعِ، كذا فَسَّرَه أهْلُ اللُّغةِ، فلا يَصِحُّ ضَمانُه للمُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه.
وليس بِصَحيحٍ؛ لأنَّ العُهْدةَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عن الدَّرَكِ
..................................
وضَمانِ الثَّمَنِ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، كالرّاويَةِ، تُحْمَلُ عندَ إطْلاقِها على المَزادةِ لا 1 على الجَمَلِ، وإن كان هو 2 المَوْضُوعَ لُغَةً.
فأمّا إن ضَمِن له خَلاصَ المَبِيعِ، فقال أبو بكرٍ: هو باطِلٌ؛ لأنَّه إذا خَرَج حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا، لم يَسْتَطِعْ تَخْلِيصَه، ولا يَحِلُّ.
وقد قال أحمدُ، في رَجُلٍ باع عَبْدًا أو أمَةً، وضَمِن له الخَلاصَ، فقال: كيف يَسْتَطيِعُ الخَلاصَ إذا خَرَج حُرًّا؟.
فإن ضَمِن عُهْدَةَ المَبِيعِ وخَلاصَه، بَطَل في الخَلاصِ.
وتَنْبَنِي صِحَّتُه في العُهْدةِ على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ.
إذا ثَبَت صِحَّةُ ضَمانِ العُهْدةِ، فالكَلامُ فيما يَلْزَمُ الضّامِنَ، فنقولُ: اسْتِحقاقُ رُجُوعِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ، إمَّا أن يكونَ بسَبَبٍ حادِثٍ بعدَ العَقْدِ، أو مُقارِنٍ له؛ فأما الحادِثُ فمثلُ تَلَفِ 3 المَكِيلِ والمَوْزُونِ في يَدِ البائِعِ، أو بغَصْبٍ مِن يَدِه، أو يَتَقايَلان، فإنَّ المُشْتَرِيَ يَرْجِعُ على البائِعِ دُونَ الضّامِنِ؛ لأنَّ هذا لم يَكُنْ مَوْجُودًا حال العَقْدِ، وإنَّما ضَمِن الاسْتِحقاقَ المَوْجُودَ حال العَقْدِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ به على الضّامِنِ؛ لأنَّ ضمانَ ما لم يَجِبْ جائِزٌ، وهذا منه.
وأمّا إن كان بسَبَبٍ مُقارِنٍ، نَظَرْنا؛ فإن كان بسَبَبٍ لا تَفْريطَ مِن البائِعِ فيه، كأخْذِه
..................................
بالشُّفْعَةِ، فإنَّ المُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِن الشَّفِيعِ، ولا يَرْجِعُ على البائِعِ ولا الضّامنِ.
ومتى لم يَجِبْ على المَضْمُونِ عنه، لم يَجِبْ على الضّامِنِ بطَرِيقِ الأوْلَى.
فأمّا إن كان زَوالُ مِلْكِه عن المَبِيعِ بسَبَبٍ مُقارِنٍ؛ لتَفْرِيطٍ مِن البائِعِ، باسْتِحْقاقٍ، أو حُرِّيَّةٍ، أو ردٍّ بعَيبٍ قديم، فله الرُّجُوعُ على الضّامِنِ، وهذا ضَمانُ العُهْدةِ، وإن أراد أخْذَ أرْشِ العَيبِ، رَجَع على الضّامِنِ أيضًا؛ لأنَّه إذا لَزِمَه كلُّ الثَّمَنِ، لَزِمَه بعضُه إذا اسْتَحَقَّ ذلك على المَضْمُونِ عنه، وسواءٌ ظَهَر كلُّ المَبِيعِ مُسْتَحَقًّا أو بعضُه؛ لأنَّه إذا ظَهر بعضُه مُسْتَحَقًّا، بَطَل العَقْدُ في الجَمِيعِ، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ، فقد خَرَجَتِ العَينُ كلها مِن يَدِه بسَبَبِ الاسْتِحْقاقِ.
وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى، يَبْطُلُ في البَعْضِ المُسْتَحَقِّ، وله رَدُّ الجَمِيعِ، فإن رَدَّها فهو كما لو اسْتُحِقَّتْ كلها، وإن أمْسَكَ بعضَها فله المُطالبَةُ بالأَرْشِ، كما لو وَجَدَها مَعِيبَةً.
ولو باعَه عَينًا أو أقْرَضَه بشَرْطِ أن يَرْهَنَ عندَه عَينًا عَيَّنَها، فَتَكَفَّلَ رجلٌ بتَسْلِيمِ الرَّهْنِ، لم تَصِحَّ الكَفالةُ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ البائِعَ، فلا يَلْزَمُ الكَفِيلَ ما لا يَلْزَمُ الأصِيلَ 1. وإن ضَمِن للمُشْتَرِي قِيمَةَ
وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَينِ الْكِتَابَةِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
ما يَحْدُثُ في المَبِيعِ، مِن بِناءٍ أو غِراسٍ، صَحَّ، سواءٌ ضَمِنَه البائِعُ أو أجْنَبِيٍّ، فإذا بَنَى أو غَرَسَ فاسْتُحِقَّ المَبِيعُ، رَجَع المُشْتَرِي على الضّامِنِ بقِيمَةِ ما تَلِفَ أو نَقَص.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه ضَمانُ مَجْهُولٍ، وضَمانُ ما لم يَجِبْ.
وقد بَيَّنَّا جَوازَه.
1834 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ ضَمانُ دَينِ الكِتابَةِ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)
وهو قولُ الشافعيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
والأخْرَى، يَصِحُّ؛ لأنَّه دَينٌ على المُكاتَبِ، فصَحَّ ضَمانُه، كسائِرِ دُيُونِه.
والأُولَى أصَحُّ؛ لأنَّه ليس بلازِم، ولا مآلُه إلى اللُّزوم؛ لأنَّ للمُكاتَبِ 1 تَعْجِيزَ نَفْسِه، والامْتِناعَ مِن الأداءِ، فإذا لم يَلْزَمِ الأَصِيلَ 2، فالضّامِنُ أوْلَى.
وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الأَمَانَاتِ؛ كَالْوَدِيعَةِ وَنَحْوهَا، إلا أَنْ يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فِيهَا.
1835 - مسألة: (ولا يَصِحُّ ضَمانُ الأماناتِ؛ كالوَديعَةِ ونحوها، إلَّا أن يَضْمَنَ التَّعَدِّيَ فيها)
أمَّا الأماناتُ؛ كالوديعَةِ، والعَينِ المُؤْجَرَةِ، والشَّرِكةِ، والمُضارَبَةِ، والعَينِ المَدْفُوعَةِ إلى الخَيّاطِ والقَصّارِ، فإن ضَمِنَها مِن غيرِ تَعَدٍّ فيها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها غيرُ مَضْمُونَةٍ على صاحبِ اليَدِ، فكذلك على ضامِنِه.
وإن ضَمِن التَّعَدِّيَ فيها، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه الله تعالى، صِحّةُ ضَمانِها، فإنَّه قال في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في رجل يَتَقَبَّلُ مِن الناسِ الثِّيابَ، فقال له رجلٌ: ادْفَعْ إليه ثِيابَكَ وأنا ضامِنٌ.
فقال: هو ضامِنٌ لما دَفَعَه إليه.
يَعْنِي إذا تَعَدَّى أو تَلِف بفِعْلِه.
فعلى هذا، إن تَلِفَ بغيرِ فِعْلِه ولا تَفْرِيطٍ منه، فلا شيءَ على
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ، كَالْغُصُوبِ، وَالعَوَارِي، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا.
الضّامِنِ، وإن تَلِف بفِعْلِه أو تَفْرِيطٍ، لَزِمَه ضَمانُها، ولَزِم ضامِنَه أيضًا؛ لأنَّها مَضْمُونَةٌ على مَن هي في يَدِه، فهي كالغُصُوبِ والعَوارِي، وهذا في الحَقِيقَةِ ضَمان ما لم يَجِبْ، وقد ذَكَرْناه.
1836 -
مسألة: (فأمّا الأعْيانُ المَضْمُونَةُ؛ كالغُصُوب، والعَوارِي، والمقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ، فيَصِحُّ ضَمانُها)
وبه قال أَبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.
وقال في الآخَرِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الأعْيانَ غيرُ ثابِتَةٍ في الذِّمَّةِ، وإنَّما يُضْمَنُ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ووَصْفنا لها بالضَّمانِ إنَّما مَعْناه أنَّه يَلْزَمُه قِيمَتُها عندَ التَّلَفِ، والقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ.
ولنا، أنَّها مَضْمُونَةٌ على مَن هي في يَدِه، فصَحَّ ضَمانُها، كالحُقُوقِ الثّابِتَةِ في الذِّمَّةِ.
..................................
قَوْلُهم: إنَّ الأعْيانَ لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ.
قُلْنا: الضَّمانُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو ضَمانُ اسْتِنْقاذِها وَرَدِّها، والْتزامُ تَحْصِيلِها أو قِيمَتِها عندَ تَلَفِها.
وهذا مِمّا يَصِحُّ ضَمانُه، كعُهْدةِ المَبِيعِ، فإنَّه يَصِحُّ، وهو في الحَقِيقَةِ الْتِزامُ رَدِّ الثَّمَنِ أو عِوَضِه إن ظَهَر بالمَبِيعِ عَيبٌ أو اسْتُحِقَّ.
..................................
فصل: ويَصِحُّ ضَمانُ الجُعْلِ في الجَعالةِ، وفي السابَقَةِ والمُناضَلَةِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ ضَمانُه في أحَدِ الوَجْهين؛ لأنَّه لا يَئُولُ إلى اللُّزُومِ، أشْبَهَ مال الكِتَابةِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1. ولأنَّه يَئُولُ إلى اللزُومِ إذا عَمِل العَمَلَ، وإنَّما الذي لا يَلْزَمُ العَمَلُ، والمالُ يَلْزَمُ بوُجُودِه، والضَّمانُ للمالِ دُونَ العَمَلِ.
ويَصِحُّ ضَمانُ أَرْشِ الجِنايَةِ، سواءٌ كان نُقُودًا، كقِيَمِ المُتْلَفاتِ، أو حَيَوانًا، كالدِّياتِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ
..................................
ضَمانُ الحَيَوانِ الواجِبِ فيها؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
وقد مَضَى الدَّلِيلُ على صِحّةِ ضَمانِ المَجْهُولِ، ولأنَّ الإِبِلَ الواجِبَةَ في الدِّيَةِ 1 مَعْلُومَةُ الأسْنانِ والعَدَدِ 2، وجَهالةُ اللَّوْنِ وغيرِه مِن الصِّفاتِ الباقِيَةِ لا تَضُرُّ؛ لأنَّه إنَّما يَلْزَمُه أدْنَى لَوْنٍ وصِفَةٍ، فتَحْصُلُ مَعْلُومَةً، وكذلك غيرُها 3 مِن الحَيَوانِ، ولأنَّ جَهْلَ ذلك لم يَمْنَعْ وُجُوبَه بإتْلافٍ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَه بالالْتِزامِ.
ويَصِحُّ ضَمانُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، سواء كانت نفقَةَ يَوْمِها أو مُسْتَقْبَلَةً، لأنَّ نَفَقَةَ اليَوْمِ واجِبَة، والمُسْتَقْبَلَةُ مآلُها إلى الوُجُوبِ 4،
..................................
ويَلْزَمُه ما يَلْزَمُ الزَّوْجَ، في قِياسِ المَذْهَبِ.
وقال القاضي: إذا ضَمِن نَفَقَةَ المُسْتَقْبَلِ، لم يَلْزَمْه إلَّا نَفَقَةُ المُعْسِرِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ على ذلك تَسْقُطُ بالإعْسارِ.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، على القولِ الذي قال فيه: يَصِحُّ ضَمانُها.
ولنا، أنه يَصِحُّ ضَمانُ [ما لم يجب، واحْتِمالُ عَدَمِ وُجُوبِ الزيادَةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ ضَمانِها، بدَلِيلِ الجُعْلِ في] 1 الجَعالةِ، والصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ، والمَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
فأمّا النَّفَقةُ في الماضِي،
..................................
فإن كانت واجِبَةً بحُكْمِ حاكِمٍ، أو قُلْنا بوُجُوبِها بدُونِ حُكْمِه، صَحَّ ضَمانُها، وإلَّا فلا.
وفي صِحَّةِ ضَمانِ [مالِ الكِتابَةِ] 1 اخْتِلافٌ نذكُرُه 2 في بابِه.
وَإنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّينَ مُتَبَرِّعًا، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْء.
وَإنْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَكَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِغَيرِ إِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى روَايَتَينِ.
وَإنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ بأَقَلِّ الأَمْرَينِ مِمَّا قَضَى، أَوْ قَدْرِ الدَّينِ.
1837 - مسألة: (وإن قَضَى الضّامِنُ الدَّينَ مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجعْ بشيءٍ)
لأنَّه تَطَوَّعَ بذلك، أشْبَه الصَّدَقَةَ، وسواءٌ ضَمِن بإذْنِه أو بغيرِ إذْنِه.
1838 -
مسألة: (وإن نَوَى الرُّجُوعَ، وكان الضَّمانُ والقَضاءُ بغيرِ إذْنِ المَضمُونِ عنه، فهل يَرْجِعُ؟ على رِوَايَتَينِ. وإن أذِنَ)
له (في أحَدِهما، فله الرُّجُوعُ بأقَلِّ الأمْرَينِ مِمّا قَضَى، أو قَدْرِ الدَّينِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الضّامِنَ متى أدَّى الدَّينَ بنيَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَخْلُ مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يَضْمَنَ بإذْنِ المَضْمُونِ عنه ويُؤَدِّيَ بأمْرِه، فإنَّه
..................................
يَرْجِعُ عليه، سواءٌ قال: اضْمَنْ عَنِّي.
أو: أَدِّ عَنِّي.
أو أَطْلَقَ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: إن قال: اضْمَنْ عَنِّي، وانْقُدْ عَنِّي.
رَجَعَ عليه.
وإن قال: انْقُدْ هذا.
لم يَرْجعْ، إلَّا أن يَكُونَ مُخالِطًا له، يَسْتَقْرِضُ منه ويُوْدِعُ عندَه؛ لأنَّ قَوْلَه اضْمَنْ عَنّى، وانْقُدْ عَنِّي.
إقْرارٌ منه بالحَقِّ.
وإذا أطْلَقَ ذلك 1، صار كأنه قال: هبْ لي هذا.
أو تَطَوَّعَ عليه (1). وإذا كان مُخالِطًا له، رَجَع اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه قد يَأْمُرُ مُخالِطَهُ بالنَّقْدِ عنه.
ولَنا، أنَّه ضَمِن ودَفع بأمْرِه، فأشْبَهَ ما لو كان مُخالِطًا له، أو قال: اضْمَنْ عَنِّي.
وما ذَكَراه ليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّه إذا أمَرَه بالضَّمانِ لا يَكُونُ إلَّا لِما هو عليه، وأمْرُه بالنَّقْدِ بعدَ ذلك يَنْصَرِفُ إلى ما ضَمِنَه، بدَلِيلِ المُخالِطِ 2 له، فيَجِبُ
..................................
عليه أداءُ ما أدَّى عنه، كما لو صَرَّحَ به.
الثّانِي، ضَمِن بأمْرِه، وقَضَى بغيرِ أمْرِه، فله الرُّجُوعُ أيضًا.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ في أحَدِ الوُجُوهِ عنه.
والوَجْهُ الثّانِي، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه دَفَع بغيرِ أمْرِه، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّعَ.
الوَجْهُ الثّالثُ، أنَّه إن تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ على المَضْمُونِ عنه، فدَفَعَ ما عليه، رَجَعَ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه تَبَرَّع بالدَّفْعِ.
ولَنا، أنَّه إذا أَذِنَ في الضَّمانِ، تَضَمَّنَ ذلك إذنه في الأدَاءِ؛ لأنَّ الضَّمانَ يُوجِبُ عليه الأداءَ، فرَجَعَ عليه، كما لو أذِنَ في الأداءِ صَرِيحًا.
الثّالِثُ، ضَمِن بغيرِ أمْرِه، وقَضَى بأمْرِه، فله الرُّجُوعُ أيضًا.
وظاهِرُ مَذْهبِ الشافعيِّ أنَّه لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ أمْرَه بالقَضاءِ انْصَرَفَ إلى ما وَجَب بضَمانِه.
ولَنا، أنَّه أذَّى دَينَه بأمْرِه، فرَجَعَ عليه، كما لو لم يَكُنْ ضامِنًا، أو كما لو ضَمِن بأمْرِه.
قَوْلُهم: إنَّ إذْنَه في القَضاءِ انْصَرَفَ إلى ما وَجَب بضَمانِه.
قُلْنا: والواجِبُ بضَمانِه