..................................
إنَّما هو أداءُ دَينِه، وليس هو شَيئًا آخَرَ، فمتى أدّاه عنه بإذْنِه، لَزِمَه إعْطاؤُه بَدَلَه.
الرّابعُ، ضَمِن بغيرِ أمْرِه، وقَضَى بغيرِ أمْرِه، ففيه رِوايتانِ؛ إحْدَاهما، يرْجِعُ.
وهو قولُ مالِكٍ، وعُبَيدِ اللهِ بنِ الحَسَنِ، وإسحاقَ.
والثَّانِيَةُ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
بدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ وأبي قَتادَةَ 1، فإنَّهما لو كانا يَسْتَحِقّانِ الرُّجُوعَ على المَيِّتِ، صار الدَّينُ لهما، فكانت ذِمَّةُ المَيِّتِ مَشْغُولَةً بدَينِهما، كاشْتِغالِها بدَينِ المَضْمُونِ عنه 2، ولم يُصَلِّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّه تَبَرَّعَ بذلك، أشْبَهَ ما لو عَلَف دَوابَّه وأطْعَمَ عَبِيدَه بغيرِ أمْرِه.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه قَضاءٌ مُبْرِئٌ مِن دَينٍ واجِبٍ، فكان مِن ضَمانِ مَن هو عليه، كالحاكِمِ إذا قَضَى عنه عندَ امْتِناعِه.
فأمّا عَلِيٌّ وأبو قَتادَةَ، فإنَّهما تَبَرَّعا بالقَضاءِ والضَّمانِ، فإنَّهما قَضَيا دَينَه قَصْدًا لتَبْرِئةِ ذِمَّتِه؛ ليُصَلِّيَ عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مع عِلْمِهما أنَّه لم يَتْرُكْ وَفاءً 3، والمُتَبَرِّعُ لا يَرْجِعُ بشيءٍ، وإنَّما الخِلافُ في المُحْتَسِبِ بالرُّجُوعِ.
..................................
فصل: ويَرْجِعُ الضّامِنُ على المَضْمُونِ عنه بأقَلِّ الأمْرَين ممّا قَضَى أو قَدْرِ الدَّينِ؛ لأنَّه إن كان الأقَلُّ الدَّينَ، فالزّائِدُ لم يَكُنْ واجِبًا عليه 1، فهو مُتَبَرِّعٌ به، وإن كان المَقْضِيُّ أقَلَّ، فإنَّما يَرْجِعُ بما غَرِم، ولهذا لو أبْرَأه غَرِيمُه لم يَرْجِعْ بشيءٍ.
فإن دَفع عن الدَّينِ عَرضًا، رَجَع بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو قَدْرِ الدَّينِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: ولو كان على رَجُلَين مائَةٌ، على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُها، وكلُّ واحدٍ ضامِنٌ عن صاحِبِه ما عليه، فضَمِنَ آخَرُ عن أحَدِهما المائَةَ بأمْرِه وقَضاهَا، سَقَط الحَقُّ عن الجَميعِ، وله الرُّجُوعُ بها 2 على الذي ضَمِن عنه، ولم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ على الآخَرِ بشيءٍ، في إحدَى الرِّوايَتَينِ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ عنه، ولا أذِنَ له في القَضاءِ، فإذا رَجَع على الذي ضَمِن، رَجَع على الآخرِ بنِصْفِها، إن كان ضَمِن عنه بإذْنِه؛ لأنَّه ضَمِنَها عنه بإذنِه، وقَضاها ضامِنُه.
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، له الرُّجُوعُ على الآخَرِ بالمائَةِ؛ لأنَّها وَجَبَتْ له على مَن أدّاها عنه، فمَلَكَ الرُّجُوعَ بها [عليه، كالأصيلِ] 3.
فصل: إذا ضَمِن عن رجل بأمْرِه، فطُولِبَ الضّامِنُ، فله مُطالبَةُ
..................................
المَضْمُونِ عنه بتَخْلِيصِه؛ لأنَّه لَزِمَه الأداءُ عنه بأمْرِه، فكانت له المُطالبَةُ بتَبْرئَةِ ذِمَّتِه.
وإن لم يُطالبِ الضّامِنُ، لم يَمْلِكْ مُطالبَةَ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه لمَّا لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ بالدَّينِ قبلَ غَرامَتِه، لم تَكُنْ له المُطالبَةُ قبلَ طَلَبِه منه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ له المُطالبَةَ؛ لأنَّه شَغل ذِمَّتَة بإذْنِه، فكانت له المُطالبَةُ بتَفْرِيغِها، كما لو اسْتَعارَ عَبْدًا فرَهَنَه 1، كان لسَيِّدِه مُطالبَتُه بفَكاكِه وتَفْرِيغه مِن الرَّهْنِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
ويُفارِقُ الضَّمانُ العاريَّةَ؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَتَضَرَّرُ بتَعْويقِ مَنافِعِ عَبْدِه المُسْتَعارِ، فمَلَكَ المُطالبَةَ بما يُزِيلُ الضَّرَرَ عنه، والضّامِنُ لا يَبطُلُ بالضَّمانِ شيءٌ مِن مَنافِعِه.
فأمّا إن ضَمِن عنه بغيرِ أمْرِه 2، لم يَمْلِكْ مُطالبَةَ المَضْمُونِ عنه قبلَ الأداءِ بحالٍ؛ لأنَّه لا حَقَّ له يُطالِبُ به، ولا شَغَل ذِمتَّة بأمْرِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ.
وقيل: إنَّ هذا يَنْبَنِي على الرِّوايَتَينِ في رجُوعِه على المَضْمُونِ عنه بما أدَّى عنه، فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ.
فلا مُطالبَةَ له بحالٍ.
وإن قُلْنا: يَرْجِعُ.
فحُكْمُه حُكْمُ مَن ضَمِن عنه بأمْرِه، على ما مَضَى تَفْصِيلُه.
..................................
فصل: فإن ضَمِن الضّامِنَ ضامِنٌ 1 آخَرُ، فقَضَى أحَدُهما الدَّينَ، بَرِئَ الجَمِيعُ، فإن قَضاه المَضْمُونُ عنه، لم يَرْجعْ على أحَدٍ.
وإن قَضاه الضّامِنُ الأوَّلُ، رَجَع على المَضْمُونِ عنه دُونَ الضّامِنِ الثّانِي.
وإن قَضاه الثّانِي، رَجَع على الأوَّلِ، ثم رَجَع الأوَّلُ على المَضْمُونِ عنه، إذا كان كلُّ واحدٍ منهما قد أذِنَ لصاحِبِه، فإن لم يَكُنْ أذِنَ له، ففي الرُّجُوعِ رِوايَتان.
وإن أذِنَ الأوَّلُ للثّانِي ولم يَأْذَنِ المَضْمُونُ عنه، أو أذِنَ المَضْمُونُ عنه لضامِنِه، ولم يَأْذَنِ الضّامِنُ لضامِنِه، رَجَع المَأْذُونُ له على مَن أذِنَ له، ولم يَرْجِعِ 2 الآخَرُ، على إحدى الرِّوايَتَينِ.
فإن أذِنَ المَضْمُونُ عنه للضّامِنِ الثّانِي في الضَّمان، ولم يَأْذَنْ له الضّامِنُ الأَوَّلُ، رَجَع على المَضْمُونِ عنه، ولم يَرْجِعْ على الضّامِنِ؛ لأنَّه إنَّما يَرْجِعُ على مَن أذِنَ له دُونَ غيرِه.
فصل: إذا كان له ألْفٌ على رَجُلَينِ؛ على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُه، وكلُّ واحدٍ منهما ضامِنٌ عن صاحِبِه، فأبْرَأَ الغَرِيمُ أحَدَهما مِن الألْفِ، بَرِئَ منه، وبَرِئ صاحِبُه مِن ضَمانِه، وبَقِيَ عليه خَمسُمِائةٍ.
وإن قَضاه أحَدُهما خَمْسَمائَةٍ، أو أبْرَأه الغَرِيمُ منها، وعَيَّنَ القَضاءَ بلَفْظِه أو ببَيِّنةٍ عن الأصْلِ أو الضَّمانِ، انْصَرَفَ إليه.
وإن أطْلَقَ، احْتَمَلَ أنَّ له صَرْفَها إلى
..................................
ما شاء منهما 1، كمَن أخْرَجَ زَكَاةَ نِصابٍ وله نِصابان؛ غائِبٌ وحاضِرٌ، كان له صَرْفُها إلى ما شاء منهما.
واحْتَمَلَ أن يَكُونَ نِصْفُها عن الأصْلِ، ونِصْفُها عن الضَّمانِ؛ لأنَّ إطْلاقَ القَضاءِ والإبْراءِ يَنْصَرِفُ إلى جُمْلَةِ ما فِي ذِمَّتِه، فيَكُونُ بينَهما.
والمُعْتَبَرُ في القَضاء لَفْظُ القاضِي ونِيَّتُه، وفي الإِبْراءِ لَفْظُ المُبْرِئ ونِيَّتُه، ومتى اخْتَلَفُوا في ذلك، فالقَوْلُ قولُ مَن اعْتُبِرَ لَفْظُه ونِيَّتُه.
فصل: ولو ادَّعى ألفًا على حاضِرٍ وغائِبٍ، وأنَّ كل واحدٍ منهما ضامِنٌ عن صاحِبِه، فاعْتَرفَ الحاضِرُ بذلك، فله أخْذُ الألْفِ منه، فإن قَدِم الغائِبُ فاعْتَرَفَ، رَجَع عليه صاحِبُه بنِصْفِه، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِيِنه، وإن كان الحاضِرُ أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِيِنه، فإن قامَتْ عليه بَيِّنَةٌ فاسْتَوْفَى الألْفَ منه، لم يَرْجِعْ على الغائِبِ بشيء؛ لأنَّه بإنْكارِه مُعْتَرِفٌ أنَّه لا حَقَّ له عليه، وإنَّما المُدَّعِي ظَلَمَه.
وإنِ اعْتَرَفَ الغائِبُ وعاد الحاضِرُ عن إنْكارِه، فله الاسْتِيفاءُ منه؛ لأنَّه يَدَّعِي عليه حَقًّا يَعْتَرِف له به، فجازَ له أخْذُه.
وإن لم يَقُمْ على الحاضِرِ بَيِّنَةٌ، حَلَف وبَرِئَ، فإذا قَدِم الغائِبُ، فإن أنْكَرَ وحَلَف، بَرِئَ، فإنِ اعْتَرَفَ، لَزِمَه دَفْعُ الألْفِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: لا يَلْزَمُه إلَّا خَمْسُ المائةِ الأصْلِيَّةُ دُونَ
وَإنْ أنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ الْقَضَاءَ، وَحَلَف، لَمْ يَرْجِعِ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، سَوَاء صَدَّقَهُ، أوْ كَذَّبَهُ.
المَضْمُونَةِ؛ لأنَّها سَقَطَتْ عن المَضْمُونِ عنه بيَمِينه، فتَسْقُطُ عن ضامِنِه.
ولَنا، أنَّه مُقِرٌّ بها وغريمُه يَدَّعِيها، واليَمِينُ إنَّما أسْقَطَتِ المُطالبَةَ عنه في الظّاهِرِ، ولم تُسْقِطْ عنه الحَقَّ الذي في ذِمَّتِه، بدَلِيلِ أنَّه لو قامَتْ عليه بَينة بعدَ يَمِينه، لَزِمَه، ولَزِم الضّامِنَ.
1839 -
مسألة: (وإن أنْكَرَ المَضْمُونُ له القَضاءَ، وحَلَف، لم يَرْجِعِ الضّامِنُ على المَضْمُونِ عنه، سواءٌ صَدقَه أو كَذَّبَة)
إذا ادَّعَى الضّامِنُ أنَّه قَضَى الدَّينَ، فأنْكَرَ المَضْمُونُ له، ولا بَينةَ له، فالقولُ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّه ادَّعَى تَسْلِيمَ المالِ إلى مَن لم يَأمَنْه، فكان القولُ قولَ المُنْكِرِ، وله مُطالبَةُ الضّامِنِ والأصِيلِ.
فإن رَجَع على المَضْمُونِ عنه،
..................................
فهل يَرجِعُ الضّامِنُ بما قَضاه عنه؟ يُنْظَرُ؛ فإن لم يعتَرِفْ له بالقَضاءِ، لم يَرجِع عليه، وإنِ اعتَرَفَ له بالقَضاءِ، وكان قد قَضَى بغيرِ بَينةٍ في غَيبَةِ المَضْمُونِ عنه، لم يَرجع بشيء، سواء صَدَّقَه المَضْمُونُ عنه أو كَذبَه؛ لأنَّه أذِنَ في قَضاءٍ مُبْرِيء ولم يُوجَد، كان قَضاه بِبَينةٍ ثَبَت بها الحَقُّ، لكنْ إن كانت غائِبَةً أو مَيتَةً، فللضّامِنِ الرُّجُوعُ على المَضْمُونِ عنه؛ لأَنه مُعتَرِف أنَّه ما قَصَّرَ وما فَرَّطَ.
وإن قَضاه بِبَينةٍ مَردُودَةٍ بأمر ظاهِر، كالكُفْرِ والفِسْقِ الظّاهِرِ، لم يَرجِعِ الضّامِنُ؛ لتَفْرِيطِه؛ لأنَّ هذه البَيِّنةَ كعَدَمِها.
وإن رُدَّتْ بأمر خَفِيّ، كالفِسْقِ الباطِنِ، أو كانتِ الشَّهادَةُ مُخْتَلَفًا فيها، مثلَ أن يكونَ 1 أشْهدَ عَبْدَينِ، أو شاهِدًا واحِدًا، فرُدَّتْ لذلك، أو كان مَيتًا أو غائِبًا، احتَمَلَ أن يَرجِعَ؛ لأَنه قَضَى ببَينةٍ شَرعِيَّةٍ، والجرحُ والتَّعدِيلُ ليس له.
واحتَمَلَ أن لا يَرجِعَ؛ لأَنه أشْهدَ مَن لا يَثْبُتُ الحَقُّ بشهادَتِه.
وإن قَضَى بغيرِ بَيِّنةٍ بحَضْرَةِ المَضْمُونِ عنه، ففيه وَجْهانِ؛
..................................
أحدُهما، يَرجِعُ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذا كان حاضِرًا، كان الاحتِياطُ إليه، فإذا تَرَك التحَفُّظَ كان التَّفْرِيطُ منه دُونَ الضّامِنِ.
والثّانِي، لا يَرجِعُ؛ لأنه قَضَى قَضاءً غيرَ مُبْرِئً، فأشْبَه ما لو قَضَى في غَيبَتِه.
فصل: فإن رَجَع المَضْمُونُ له على الضّامنِ، فاسْتَوْفَى منه مَرَّةً ثانِيَة، رَجَع على المَضْمُونِ عنه بما قَضاه ثانِيًا؛ لأنه أبرَأ به ذِمته ظاهِرًا.
قال القاضي: ويَحتَمِلُ أن له الرُّجُوعَ بالقَضاءِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي؛ لأنَّ البَراءَةَ حَصَلَتْ به في الباطِنِ.
ولأصحاب الشافعيِّ وَجْهان كهذَين، ووَجْهٌ ثالِثٌ، أنّه لا يَرجِعُ بشيءٍ بحال؛ لأن الأوَّلَ ما أبرَأه ظاهِرًا، والثَّانِيَ ما أبرأه باطِنًا.
ولنا، أن الضّامِنَ أدَّى عن المَضْمونِ عنه بإذْنِه إذا أبرَأه ظاهِرًا وباطِنًا فرَجَعَ به، كما لو قامَتْ به بَيِّنَةٌ.
والوَجهُ الأولُ أرجَحُ؛ لأن القَضاءَ المُبْرِيء في الباطِنِ ما أوْجَبَ الرُّجُوعَ، فيَجِبُ أن يَجِبَ بالثاني 1 المُبْرِيء [في الظّاهِرِ] 2.
وإنِ اعتَرَفَ بِالْقَضَاءِ، وَأنكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ، لَمْ يُسْمَع إِنْكَارُهُ.
1840 - مسألة: (وإنِ اعتَرَفَ)
المَضْمُونُ له (بالقَضاءِ، وأنْكَرَ المَضْمُونُ عنه، لم يُسْمَعْ إنْكارُه) لأنَّ ما في ذِمَّتِه حَقٌّ للمَضْمُونِ له، فإذا اعتَرفَ بالقَبْضِ مِن الضّامِنِ، فقد اعتَرَفَ بأنَّ الحَقَّ الذي له صار للضّامِن، فيَجِبُ أن يُقْبَلَ إقْرارُه؛ لكَوْنِه إقْرارًا في حَقِّ نَفْسِه.
وفيه وَجْه آخَرُ، أَنَّه لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ الضّامِنَ مُدَّع لِما يَسْتَحِقُّ به الرجُوعَ على المَضْمُونِ عنه، وقولُ المَضْمُونِ له شَهادَة على فِعْلِ نَفْسِه، فلا تُقْبَلُ.
.................................. والأوَّلُ أصَحُّ، وشَهادَةُ الإنسانِ على فِعْلِ نَفْسِه صَحِيحةٌ، كشَهادَةِ المُرضِعَةِ بالرَّضاعِ، وقد ثَبَت ذلك بخَبَرِ عُقْبةَ بنِ الحارِثِ 1.
وإنْ قَضَى الْمُؤجَّلَ قَبْلَ أجَلِهِ، لَمْ يرجِع حَتَّى يَحِلَّ.
وَإنْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أو الضّامِنُ، فَهلْ يَحِل الدَّينُ عَلَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ، وَأيُّهُمَا حَلَّ عَلَيهِ، لم يَحِلَّ عَلَى الآخَرِ.
1841 - مسألة: (وإن قَضَى المُؤجَّلَ قبلَ أجَلِه، لم يرجع حتى يَحِل)
لأنَّه لا يَجِبُ له.
أكثرُ ممّا كان للغَرِيمِ، ولأنه (1) تَبَرَّعَ بالتعجِيلِ، كان أحاله كانتِ الحَوالةُ بمَنْزِلَةِ تَقْبِيضِه، ورَجَع بالأقلِّ مِمّا أحال به أو قَدرِ الدَّيْنِ، سواءٌ قَبَض الغَرِيمُ مِن المُحالِ عليه، أو أبرَأه، أو تَعَذَّرَ عليه الاسْتِيفاءُ، لفَلَسٍ أو مَطْلٍ؛ لأن الحَوالةَ كالإقْباضِ.
1842 -
مسألة: (وإن مات الضّامِنُ أو المَضْمُونُ عنه، فهل يَحِلُّ الدين؟ على رِوايَتَين. وأيهما حَل عليه، لم يَحِل على الآخَرِ)
وجُملَةُ ذلك، أنَّه إذا ضَمِن دَينا مُؤجلًا، فماتَ أحَدُهما؛ إمّا الضّامِنُ أو المَضْمُونُ عنه، فهل يَحِلُّ الدَّيْن على المَيِّتِ منهما؟ على رِوَايَتَينِ يأتِي ذِكرُهما.1
..................................
فإن قُلْنا: يَحِل على المَيّت.
لم يَحِل على الآخَرِ؛ لأنَّ الدينَ لا يَحِل على شَخْص بمَوْتِ غيرِه.
فإن كان المَيِّتُ المَضْمُونَ عنه، لم يَسْتَحِق مُطالبَةَ الضّامِنِ قبلَ الأجَلِ، فإن قَضاه قبلَ الأجَلِ كان مُتَبَرِّعًا بتعجِيلِ القَضاءِ، وهل له مُطالبةُ المَضْمُونِ عنه قبلَ الأجَلِ؟ يُخرجُ على الرِّوايَتَينِ في مَن قَضَى الدَّينَ بغيرِ إذْنِ مَن هو عليه.
وإن كان المَيِّتُ الضّامِنَ، فاسْتَوْفَى الغَرِيمُ مِن تَرِكَتِه، لم يَكُنْ لوَرَثَتِه مُطالبَةُ المَضْمُونِ عنه حتى يَحِلَّ الحَقُّ؛ لأنَّه مُؤجل عليه، فلا يَسْتَحِق مُطالبَتَه قبل أجَلِه.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
وحَكَى زُفَرُ أنَّ لهم مُطالبَتَه؛ لأنه أدخَلَه في ذلك مع عِلْمِه أنه يَحِل بمَوْتِه.
ولَنا، أنّه دَين مُؤجَّل، فلا يَجُوزُ مُطالبَتُه به قبلَ الأجَلِ، كما لو لم يَمُتْ.
وقَوْلُه 1: أدخَلَه فيه.
قُلْنا: إنَّما أدخلَه في المُؤجَّلِ، وحُلولُه بسَبَبٍ مِن جِهتِه، فهو كما لو قَضَى قبلَ الأجَلِ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤجلًا.
وَإنْ ضَمِنَ الْمُؤجَّلَ حَالًّا، لَمْ يَلْزمهُ قَبْلَ أجَلِهِ، فِي أصح الْوَجْهينِ.
1843 - مسألة: (ويَصِحُّ ضَمانُ الحالِّ مُؤجَّلًا. وإن ضَمِن المُؤجلَ حالًا، لم يَلْزَمه قبلَ أجَلِه، في أصَحِّ الوَجْهين)
إذا ضَمِن الدينَ الحالَّ مُؤجلًا، صَحَّ، ويَكُونُ حالًا على المَضْمُونِ عنه مُؤجلًا على الضّامِنِ، يَملِكُ مُطالبَةَ المَضْمُونِ عنه دُونَ الضّامِنِ.
وبه قال الشافعي.
قال أحمدُ، في رجل ضَمِن ما على فُلانٍ أن يُؤديه في ثَلاثِ سِنِين: فهو عليه، ويُؤدِّيه كما ضَمِن.
وَوَجْهُ ذلك، ما روَى ابنُ عَبّاس، أن رَجُلًا لَزِم غَرِيمًا له بعَشَرَةِ دَنانِيرَ، على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما عِنْدِي شيءٌ أعطِيكَه.
فقال: واللهِ لا فارَقْتُكَ حتى تُعطِيَني أو تأتِيَني بحَمِيلٍ.
فَجَرَّه إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَم تَستَنْظِرُهُ؟».
فقال: شَهْرًا.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَأنا أحمِلُ».
فجاءَه به في الوَقْتِ الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ أْينَ أصَبْتَ هذَا؟».
قال: مِن مَعدِنٍ.
قال: «لَا خَيرَ فِيها».
وقَضاها عنه.
رَواه ابنُ ماجه 1.
..................................
ولأنه ضَمِن مالًا بعَقْدٍ مؤجَّلٍ، فكانَ مؤجَّلًا، كالبَيعِ.
فإن قِيلَ: فعندكم الدَّين الحالُّ لا يَتَأجَّلُ، فكَيفَ تَأجَّلَ على الضّامِنِ؟ أم كيف يَثْبت في ذِمةِ الضّامِنِ على غيرِ الوَصفِ الذي يَتَّصِف به في ذِمّةِ المَضْمُونِ عنه؟ قلْنا: الحَقُّ يَتَأجَّل في ابْتِداءِ ثبوتِه [إذا كان ثبوتُه] 1 بعَقْدٍ، وهذا ابْتداءُ ثبوتِه في حَقِّ الضّامِنِ، فإنَّه لم يَكُنْ ثابِتًا عليه حالًا، ويَجوز أن يخالِفَ ما في ذِمةِ الضّامِنِ الذي في ذِمَّةِ المَضْمونِ عنه، بدَلِيلِ ما لو مات المَضْمُون عنه والدين مؤجل.
إذا ثبَت هذا، فكان الدين حالًّا فَضَمِنَه إلى شَهْرَينِ، لم يَكُنْ له مطالبَةُ الضّامِنِ إلى شَهْرين 2، فإن قَضَاه قبلَ الأجَلِ، فله الرّجوع به في الحالِ، على الرِّوايَةِ التي تَقُول: إنه إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه، رَجَع به؛ لأنَّ أكثر 3 ما فيه ها هنا، أنَّه قَضَى بغيرِ إذْنٍ.
وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى، لا يرجع به قبلَ الأجَلَ؛ لأنه لم يأذَنْ له في القَضاءِ
..................................
قبل ذلك.
فصل: فإن كان الدَّينُ مُؤجَّلًا فضَمِنَه حالًّا، لم يَصر حالًّا، ولم يَلْزَمه أداؤه قبلَ أجَلِه؛ لأنَّ الضّامِنَ فرع للمَضْمُونِ عنه، فلا يَلْزَمُه ما لا يَلْزَمُه، ولأنَّ المَضْمُونَ عنه لو ألْزَمَ نَفْسَه تَعجيلَ هذا الدَّينِ، لم يَلْزَمه تَعجِيلُه، فبأن لا يَلْزَمَ الضّامِنَ أوْلَى، ولأنَّ الضَّمانَ الْتِزامُ دَين في الذِّمَّةِ، فلا [يَجُوزُ أن يَلْتَزِمَ] 1 ما لا 2 يَلْزَمُ المَضْمُونَ عنه.
فعلى هذا، إن قَضاه حالًّا، لم يرجع به قبلَ أجَلِه؛ لأنَّ ضَمانَه لم يُغَيِّره عن تأجِيله والفَرقُ بينَ هذه المَسْألةِ والتي قَبْلَها، أنَّ الدَّينَ الحالَّ ثابِت في الذِّمةِ، مُسْتَحِقُّ القَضاءِ في جَمِيعِ الزمانِ، فإذا ضَمِنَه مُؤجلًا فقد الْتَزَمَ بعضٍ ما يَجِبُ على المَضْمُونِ عنه، فصَحَّ، كما لو كان الدَّينُ عَشَرَةً فضَمِنَ خَمسَة، وأمّا الدَّيْنُ المُؤجَّلُ، فلا يُسْتَحَقُّ قَضاؤه إلَّا عند أجَلِه، فإذا ضَمِنَه حالا، الْتَزَمَ ما لم يَجِبْ على المضْمُونِ عنه، أشْبَه ما لو كان الدينُ عَشَرَةً فضَمِنَ عِشْرِين.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ ضَمانُ المُؤجَّلِ حالا، كما يَصِحُّ ضَمانُ الحالِّ مُؤجَّلًا، قِياسًا عليه.
وقد ذَكَرنا الفَرقَ بينَهما بما يَمنَعُ القِياسَ، إن شاءَ الله تعالى.
فصل: ولا يَدخُلُ الضمانَ والكَفالةَ خِيار؛ لأن الخِيارَ جُعِل 3
..................................
ليُعرَفَ ما فيه الحَظُّ، والضَّمِينُ والكَفِيلُ دَخَلا على أنَّه لا حَظَّ لهما، ولأنَّه عَقْد لا يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فلم يَدخُلْه خِيارٌ، كالنذْرِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ولا نَعلَمُ فيه خلافًا.
فإن شَرَطَ الخيارَ فيهما 1، فقال القاضي: عندِي أنَّ الكَفالةَ تَبْطُلُ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه شَرط يُنافِي مُقْتَضاها، ففَسَدَتْ، كما لو شَرَط أن لا يُؤدِّيَ عن المَكْفُولِ به، وذلك لأنَّ مُقْتَضَى الضَّمانِ والكَفالةِ لُزُومُ ما ضَمِنَه أو كَفَل به، والخِيارُ يُنافِي ذلك.
ويَحتَمِلُ أن يَبطُلَ الشّرطُ وَحدَه، كما قلنا في الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
ولو أقَرَّ أنَّه كَفَل بشَرطِ الخِيارِ، لَزِمَتْه الكَفالةُ، وبَطَل الشّرطُ؛ لأنَّه وَصَل بإقْرارِه ما يبطِلُه، فأشْبَه اسْتِثْناءَ الكلِّ.
فصل: وإذا ضَمِن رَجُلان عن رجلٍ ألفًا ضَمانَ اشْتِراكٍ، فقالا: ضَمِنَّا لك الألْفَ الذي على زَيدٍ.
فكل واحدٍ منهما ضامِن لنِصفِه.
وإن كانوا ثَلاثةً، فكلُّ واحِدٍ ضَامِن ثُلُثَه.
فإن قال واحِد منهم: أنا وهذان ضامِنُون لك الألْفَ.
فسَكَتَ الآخَرانِ، فعليه ثُلُثُ الألْفِ، ولا شيءَ عليهما.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهم: كل واحدٍ مِنّا ضامِن لك الألْفَ.
فهذا ضَمانُ اشْتِراكٍ وانْفِرادٍ، وله مُطالبَةُ كلِّ واحدٍ منهم بالألْفِ إن شاء.
وإن أدّى أحَدُهُم الألفَ كله، أو حِصّتَه منه، لم يرجع إلَّا على المَضْمُونِ عنه؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم ضامِن أصلِي، وليس بضامِن عن الضّامِنِ الآخَرِ.
فصلٌ فِي الْكَفَالة: وَهِيَ الْتِزَامُ إِحضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ.
وَتَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيهِ دَينٌ، وَبِالأعيَانِ الْمَضْمُونَةِ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عَنه: (الكَفالةُ؛ الْتِزامُ إحضارِ المَكْفُولِ به) وجملةُ ذلك، أنَّ الكَفالةَ بالنَّفْسِ صَحِيحَة في قولِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم شُرَيح، ومالك، والثوْرِيُّ، والليثُ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ في بعضِ أقْوالِه: الكَفالةُ بالبَدَنِ ضَعِيفة.
واخْتَلَفَ أصحابُه؛ فمِنْهُم مَن قال: هي صَحِيحَة قولًا واحِدًا وإنما أرادَ أنَّها ضَعِيفَة في القِياسِ، وإن كانت ثابِتَة بالإجْماعِ والأثَرِ.
ومنهم مَن قال: فيها قَوْلان؛ أحدُهما، أنَّها غيرُ صَحِيحَة؛ لأنّها كَفالة بعَين، فلم تَصِحَّ، كالكَفالةِ بالوَجْهِ وبَدَنِ الشّاهِدَينِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (1). ولأنَّ ما وَجَب تَسْلِيمُه بعَقْدٍ، وَجَب تَسْلِيمُه بعَقْدِ الكَفالةِ، كالمالِ.
1844 -
مسألة: (وتَصِحُّ ببَدَنِ مَن عليه دَين، وبالأعيانِ المَضْمُونةِ)
تَصِحُّ الكَفالةُ ببَدَنِ كلِّ مَن يَلْزَمُه الحُضُورُ في مَجْلِسِ الحُكْمِ1
..................................
بدَينٍ لازِم، سواءٌ كان معلُومًا أو مَجْهُولًا.
وقال بعضُ الشّافعِيَّةِ: لا تَصِحُّ مِمَّن عليه دَين مَجهول؛ لأنه قد يَتَعَذَّرُ إحضارُ المَكْفُولِ فيَلْزَمَه الدَّينُ، ولا يمكِنُه طلبه منه؛ لجَهْلِه.
ولَنا، أنَّ الكَفالةَ بالبَدَنِ لا بالدَّينِ، والبَدَنُ معلُوم، فلا تَبطُلُ الكفالةُ لِاحتمالٍ عارِض، ولأنا قد بينا أنَّ ضَمانَ 1 المَجْهولِ يَصِحُّ، وهو الْتِزام المالِ ابْتِداءً، فالكَفالةُ التي لا تَتَعَلَّقُ بالمالِ ابْتِداءً أوْلَى.
وتَصِحُّ الكَفالةُ بالصَّبِيِّ والمَجْنونِ؛ لأنهما 2 قد يَجِب إحضارهما مَجْلِسَ الحاكِمِ للشَّهادَةِ عليهما بالإتْلافِ، وإذْنُ وَلِيِّهِما يَقُوم مَقامَ إذْنِهِما.
وتَصِحُّ بِبَدَنِ 3 المَحبوسِ والغائِبِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَصِحُّ.
ولَنا، أن كلَّ وَثِيقةٍ صَحّتْ بع الحضورِ، صَحَّت مع الغيبَةِ والحَبْسِ، كالرهْنِ والضمانِ، ولأن الحَبْسَ لا يمنَع مِن التسْلِيمِ؛ لكَوْنِ المَحبوسِ يمكِنُ تَسْلِيمُه بأمرِ الحاكِمِ، أو أمرِ مَن حَبَسَه، ثم يعِيده إلى الحَبْسِ بالحَقينِ جَمِيعًا، والغائِب يَمضِي إليه
وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيهِ حَدٌّ أوْ قِصَاصٌ،
فيُحضِرُه إن كانتِ الغَيبَةُ غيرَ مُنْقَطِعَةٍ، وهو أن يَعْلَمَ خَبَرَه، وإن لم يعلم خَبَرَه، لَزِمَه ما (1) عليه.
قاله القاضي.
وقال في مَوْضع آخَرَ: لا يَلْزَمُه ما (1) عليه، حتى تمضِيَ مُدَّةٌ يُمكِنُه الرَّدُّ فيها ولا يَفْعَلُ.
وتَصِحُّ بالأعيانِ المَضْمُونَةِ، كالغُصُوبِ والعَوارِي؛ لأنَّه يَصِحُّ ضَمانُها، وقد ذَكَرنا صِحَّة ضَمانِها.
1845 -
مسألة: (ولا تَصِحُّ ببَدَنِ مَن عليه حَدُّ أو قِصاصٌ)
سواء كان حَقًّا للهِ تعالى، كحَدِّ الزِّنَى والسرِقَةِ، أو لآدمِيٍّ، كحَد القَذْفِ والقِصاصِ.
وهو قولُ أكثرَ 1 العُلَماءِ؛ منهم شُرَيح، والحَسَنُ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ 2، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرأي.
وَلَا بِغَيرِ مُعَيَّن، كَأحدِ هذَين.
والشافعي في حُدُودِ اللهِ تعالى.
واخْتَلَفَ قَوْلُه في حُدُودِ الآدَمِيِّ، فقال في مَوْضِع: لا كَفالةَ في حَدٍّ ولا لِعانَ.
وقال في موضع: تَجُوزُ الكَفالةُ بمَن عليه حَقٌّ أو حَدٌّ؛ لأنَّه حَق لآدَمِيّ، فصَحَّتِ الكَفالةُ به، كسائِرِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ.
ولَنا، ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا كَفَالةَ في حدٍّ» (1). ولأنَّه حد، فلم تَصِحَّ الكَفالةُ فيه، كَحُدُودِ الله تِعالى، ولأنَّ الكَفالةَ اسْتِيثاق، والحُدُودُ مَبْناها على الإسْقاطِ والدَّرءِ بالشبُهاتِ، فلا يَدخُلُ فيها الاسْتِيثاقُ، ولأنه حَق لا يَجُوزُ اسْتِيفاؤه مِن الكَفِيلِ إذا تَعَذَّرَ عليه إحضارُ المَكْفُولِ به، فلا تَصِحُّ الكَفالةُ بمَن هوْ عليه، كحَد الزِّنَى.
فصل: ولا تَجُوزُ الكَفالةُ بالمُكاتَبِ مِن أجْلِ دَينِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ الحُضُورَ لا يَلْزَمُه، فلا تَجُوزُ الكَفالةُ به، كدَينِ الكِتابةِ.
1846 -
مسألة: (ولا)
تَصِحُّ (بغيرِ مُعَيَّنٍ، كأحَدِ هذينِ)1
وإنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إنْسَانٍ أوْ عُضْو، أوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أنهُ إنْ جَاءَ بِهِ، وَإلَّا فهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أوْ ضَامِن مَا عَلَيهِ، صَحَّ، فِي أحَدِ الْوَجْهينِ.
لأنَّه غيرُ مَعلُومٍ في الحالِ ولا في المآلِ، فلا يُمكِنُ تَسْلِيمُه.
1847 -
مسألة: (وإن كَفَل بجُزْءٍ شائِع مِن إنْسانٍ أو عضْو، أو كَفَل بإنْسانٍ على أنَّه إن جاءَ به، وإلَّا فهو كَفِيلٌ بآخَرَ، أو ضامِن ما عليه، صَحَّ، في أحدِ الوَجْهين)
أنها إذا قال: أنا كَفِيل بفُلانٍ.
أو: بنَفْسِه.
أو ببَدَنِه.
أو: بوَجْهِه.
كان كفِيلًا به.
فإن كَفَل برأسِه أو كَبِدِه، أو جُزْءٍ لا تَبْقَى الحَياةُ بدُونِه، أو بِجُزْءٍ شائِع منه، كثلُثِه أو رُبْعِه، صَحَّتِ الكَفالةُ؛ لأنّه لا يُمكِنُه إحضارُ ذلك إلَّا بإحضاره كُلِّه.
وقال القاضي: لا 1 تَصِحُّ الكَفالةُ ببعضِ البَدَنِ؛ لأنَّ ما لا يَسْرِي إذا خُصَّ 2 به عُضْوٌ، لم يَصِحَّ، كالبَيعِ والإجارةِ.
فإن كَفَل بعُضْوٍ 3 تَبْقَى الحَياةُ بعد زَوالِه، كاليَدِ والرِّجْلِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، تَصِحُّ الكَفالةُ.
..................................
اخْتارَه أبو الخَطابِ.
وهو أحَدُ الوَجْهينِ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنّه لا يُمكِنُه إحضارُ هذه الأعضاء على صِفَتِها إلَّا بإحضارِ البَدَنِ كلِّه، أشْبَه الكَفالةَ بوَجْهِه ورَأسِه، ولأنه حُكْم يتَعَلَّقُ بالجُملَةِ، فيَثْبُتُ حُكْمُه إذا أُضِيفَ إلى البعضِ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ.
والثّانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ تَسْلِيمَه بدُونِ تَسْلِيمِ الجُملَةِ ممكِن مع بقائِها.
..................................
فصل: إذا تَكَفَّلَ بإنْسانٍ على أنَّه إن جاء به وإلّا فهو كَفِيلٌ بآخَر أو ضامِنٌ ما عليه، لم 1 يَصِحَّ عند القاضِي فيهما؛ لأنَّ الأوَّلَ مُؤقَّت، والثّانِيَ مُعَلَّقٌ على شَرطٍ.
وقال أبو الخَطّابِ: يَصِحُّ فيهما؛ لأنه ضَمان أو كَفالة؛ فيَصِح تَعلِيقُه على شَرطٍ، كضَمانِ العُهْدَةِ.
فإن قال: إن جئْتَ به في وَقْتِ كذا، وإلا فأنا كَفِيل ببَدَنِ فلانٍ.
أو: فأنا ضامِنَ لك المال الذي على فُلانٍ.
أو قال: إذا جاء زَيد، فأنا ضامِنٌ لك
..................................
ما عليه.
أو: إذا قَدِم الحاج، فأنا كَفِيل بفُلانٍ.
أو قال: أنا كَفِيل بفُلانٍ شَهْرًا.
فقال القاضِي: لا تَصِحُّ الكَفالةُ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، ومحمدِ [بنِ الحَسَن] 1؛ لأنَّ ذلك خَطَر، فلم يَجُزْ تَعلِيقُ الضَّمانِ والكَفالةِ به، كمَجِئِ المَطَرِ، ولأنَّه إثْباتُ حَق لآدَمِي مُعَيَّن، فلم يَجُزْ تَعلِيقُه على شرطٍ، ولا تَوْقِيتُه، كالهِبَةِ.
وقال الشَّريفُ أبو جَعفَر، وأبو الخَطّابِ: يَصِحُّ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي يُوسُف؛ لأنَّه أضافَ الضّمان إلى سَبَبِ الوُجُوبِ، فيَجِبُ أن يَصِحَّ، كضَمانِ الدَّرَكِ.
والأوَّلُ أقْيسُ.
فصل: وإن قال: كَفَلْتُ ببَدَنِ فُلانٍ، على أن يَبْرأ فُلان الكَفِيلُ.
أو: على أن تُبْرِئَه مِن الكَفالةِ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرَط شَرطًا لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، فيَكُونُ فاسِدًا، وتَفْسُدُ به الكَفالةُ.
ويَحتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه شَرَط تَحويلَ
..................................
الوَثِيقَةِ التي على الكَفِيلِ إليه.
فعلى هذا، لا تَلْزَمُه الكَفالةُ إلَّا أن يُبْرِئ المَكْفُولُ له الكَفِيلَ الأوَّلَ؛ لأنَّه إنَّما كَفَل بهذا الشَّرطِ، فلا تَثْبُتُ كَفالته
وَلَا يَصِحُّ إلا بِرِضَا الْكَفِيلِ، وَفِي رِضَا الْمكْفُولِ بِهِ وَجْهانِ.
بدُونِ شَرطِه.
وإن قال: كَفَلْتُ لك بهذا الغَرِيمِ على أن تُبْرِئَنِي مِن الكَفالةِ بفُلانٍ.
أو: ضَمِنْتُ لك هذا الدَّينَ بشَرطِ أن تُبْرِئَنِي مِن ضَمانِ الدَّين الآخَرِ.
أو: على أن تُبْرِئَنِي مِن الكَفالةِ بفُلانٍ.
خُرِّجَ فيه الوَجْهان، أصَحُّهُما البُطْلانُ؛ لأَنه شَرَط فَسْخَ عَقْدٍ في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كالبَيعِ بشَرطِ فَسْخِ بَيعٍ آخَرَ.
وكذلك لو شَرَط في الكَفالةِ أو الضَّمانِ أن يتَكَفَّلَ المَكْفُولُ له، أو (1) المكْفُولُ به بآخَرَ، أو يَضْمَنَ دَينًا عليه، أو يَبِيعَه شيئًا عَينه، أو يؤجِرَه دارَه، [يَصِحَّ] (2)؛ لِما ذَكَرنا.
1848 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بِرِضا الكَفِيلِ، وفي رِضا المَكْفُولِ به وَجْهان)
يُعتَبَرُ رِضَا الكَفِيلِ في صِحَّةِ الكَفالةِ؛ لأنه لا يَلْزَمُه الحَقُّ ابْتِداءً إلَّا برِضاه، ولا يُعتَبَرُ رِضا المَكْفُولِ له؛ لأنَّها وَثِيقَة له لا قَبْضَ فيها، فصَحَّتْ مِن غيرِ رِضاه، كالشَّهادَةِ، ولأنَّها الْتزامُ حَق له مِن غيرِ عِوَض، فلم يُعتَبَر رِضاه فيها، كالنَّذْرِ.
فأمّا رِضا المَكْفُولِ به،12
وَمَتَّى أحضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ، وَسَلَّمَهُ، بَرئ، إلَّا أنْ يُحضِرَهُ قَبْلَ الأجَلِ وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُعْتَبَرُ، كالضَّمانِ.
والثّانِي، يُعتَبَرُ.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، لأنَّ مَقْصُودَها إحضارُه، فإذا تَكَفَّلَ بغيرِ إذْنِه، لم يَلْزمه الحُضُورُ معه، ولأنَّه يَجْعَلُ لنَفْسِه حَقًّا عليه، وهو الحُضُورُ معه مِن غيرِ رِضاه، فلم يَجُزْ، كما لو ألْزَمَه الدَّينَ، وفارَقَ الضَّمانَ، فإن الضّامِنَ يَقْضِي الحَقَّ، ولا يَحتاجُ إلى المَضْمُونِ عنه.
1849 -
مسألة: (ومتى، [أحضرَ المَكْفُولَ به] 1، وسَلَّمَه، بَرِئ، إلَّا أن يُحضِرَه قبلَ الأجَلِ وفي قَبْضِه ضَرَر) وجُملَةُ ذلك، أنَّ الكَفالةَ تَصِحُّ حالَّةً ومُؤجَّلَةً، كالضَّمانِ، فإن أطْلَقَ، انْصَرَف إلى الحُلُولِ؛ لأنَّ كلَّ عَقْدٍ يدخُلُه الحُلُولُ، إذا أُطْلِقَ اقْتَضَى الحلولَ،
..................................
كالثَّمَنِ والضمانِ.
فإذا تَكَفَّلَ حالا، كان له مُطالبَتُه بإحضارِه، فإن أحضَرَه وهناك يَد حائِلَة ظالِمَة، لم يَبْرا منه، ولم يَلْزَمِ المَكْفُولَ له تَسَلُّمُه 1؛ لأنَّه لا يَحصُلُ له غَرَضُه.
كان لم تَكُنْ يد حائِلَة، لزِمَه قَبُولُه، فإن قَبِلَه بَرِئ مِن الكَفالةِ.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَبْرأ حتى يَقُولَ: قد بَرِئْتُ إليك منه.
أو: قد سَلمتُه إليك.
أو: قد أخْرَجْتُ نَفْسِي مِن كَفالتِه.
والصحيحُ الأوّلُ؛ لأنّه عَقْد على عَمَلٍ، فبَرِئ منه بالعَمَلِ المَعقُودِ عليه، كالإجارَةِ.
فإنِ امتَنَعَ مِن تَسَلُّمِه 2 بَرِئ؛ لأَنه أحضَرَ ما يَجِبُ تَسْلِيمُه عندَ غَرِيمِه، وطَلَب منه تَسَلُّمَه 3 على وَجْهٍ لا ضَرَرَ في قَبْضِه، فبَرِئ منه، كالمُسْلَمِ فيه.
وقال بعضُ أصحابِنا: إذا امتَنَعَ مِن تَسَلمِه، أشْهدَ على امتِناعِه رَجُلَين، وبَرِئ؛ لأَنه فَعَل ما وَقَع العَقْدُ على
..................................
فعلِه، فبَرِئ منه.
وقال القاضي: يَرفَعُه إلى الحاكِمِ فيُسَلِّمُه إليه، فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أشْهدَ شاهِدَينِ على إحضارِه وامتِناعِ المَكْفُولِ له مِن قَبُولِه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ مع وُجُودِ صاحِب الحَقِّ لا يَلْزَمُه دَفْعُه إلى نائِبِه، كحاكِم أو غيرِه.
وإن كانتِ الكَفالةُ مُؤَجَّلَةً، لم يَلْزَم إحضارُه قبل الأجَلِ، كالدَّينِ المؤجّلِ، فإذا حَلَّ الأجَلُ فأحضَرَه وسَلَّمَه، بَرِئ.
فإن أحضَرَه قبلَ الأجَلِ ولا ضَرَر في تَسَلُّمِه 1، لَزِمَه.
وإن كان فيه ضَرَرٌ، مثلَ أن تَكُونَ حُجَّةُ الغَرِيمِ غائِبةً، أو لم يَكُنْ يومَ مَجْلِسِ الحاكِمِ، أو الدَّينُ مُؤجَّل عليه لا يُمكِنُ اقْتِضاؤه منه، أو قد وَعَدَه بالإنْظارِ في تلك المُدَّةِ، لم يَلْزمه قَبُولُه، كمَن سَلّم المُسْلَمَ فيه قبل مَحِلِّه أو في غيرِ مَكانِه.
فصل: وإذا عَيَّنَ في الكَفالةِ تَسْلِيمَه في مكانٍ، فأحضَرَه في غيرِه، لم يَبْرَأ مِن الكَفالةِ.
وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمد.
وقال القاضي: إن
..................................
أحضَرَه بمكانٍ آخَرَ مِن البَلَدِ وسَلَّمَه، بَرِئ مِن الكَفالةِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: متى أحضَرَه في أيِّ مكانٍ كان، وفي ذلك المَوْضِعِ سُلْطان، بَرِئ مِن الكَفالةِ؛ لكَوْنِه لا يمكِنُه الامتِناعُ مِن مَجْلِسِ الحاكِمِ، ويُمكِنُ إثْباتُ الحُجَّةِ فيه.
وتِيلَ: إن كان عليه ضَرَرٌ في إحضارِه بمكانٍ آخَرَ، لم يَبْرأ الكَفِيلُ إذا أحضَرَه فيه، وإلَّا بَرِئ، كَقَوْلِنا فيما إذا أحضَرَه قبلَ الأجَلِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ اخْتِلافٌ على نحو ما ذَكَرنا.
ولَنا، أنَّه سَلَّمَ ما شَرَط تَسْلِيمَه في مكانٍ في غيرِه، فلم يَبْرأ، كما لو أحضَرَ المسْلَمَ فيه في غيرِ المَوْضِعِ الذي شَرَطَه، ولأنَّه قد يُسَلِّمُ في مَوْضِع لا يَقْدِرُ على إثْباتِ الحُجَّةِ فيه؛ لِغَيبَةِ شُهُودِه، أو غيرِ ذلك، وقد يَهْرُبُ منه ولا يَقْدِرُ على إمساكه.
ويُفارِقُ ما إذا سَلَّمَه قبلَ الأجَلِ، فإنَّه عَجَّلَ الحَقَّ قبلَ أجَلِه، فزادَه خَيرًا، فمتى لم يَكُنْ ضَرَرٌ، وَجب قَبُولُه.
فإن وَقَعَتِ الكَفالةُ مُطْلَقةً، وَجب تَسْلِيمُه في مكانِ العَقْدِ، كالسَّلَمِ.
فإن سَلَّمَه في غيرِه، فهو كتَسْلِيمِه في غيرِ المكانِ الذي عَيَّنَه.
وإن كان المَكْفُولُ به مَحبُوسًا [عندَ غيرِ الحاكِمِ، لم يَلْزمه تَسْلِيمُه] 1؛ لأن ذلك الحَبْسَ
وَإنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أو تَلِفَتِ الْعَينُ بِفعلِ اللهِ تَعَالى، أو سَلَّمَ نفْسَهُ، بَرئ الْكَفِيلُ.
يَمنَعُه اسْتِيفاءَ حَقِّه.
وإن كان مَحبوسًا عندَ الحاكِمِ، فسَلَّمَه إليه مَحبُوسًا، لَزِمَه تَسلِيمُه، لأنَّ حَبْس الحاكِمِ لا يَمنَعُه اسْتِيفاءَ حَقِّه.
وإذا طالبَ الحاكِمُ بإحضارِه، أحضَرَه وحَكَم بينَهما، ثم يَرُدُّه إلى الحَبْسِ.
فإن تَوَجَّه عليه حَقٌّ للمَكْفُولِ له، حَبَسَه بالحَقِّ الأوَّلِ وحَقِّ المَكْفُولِ له.
1850 -
مسألة: (وإن مات المَكْفُولُ به، أو تَلِفَتِ العَينُ بفعلِ اللهِ تعالى، أو سَلَّمَ نَفْسَه، بَرِئ الكَفِيلُ)
إذا مات المَكْفُولُ به، بَرِئ الكَفِيلُ وسَقَطَتِ الكَفالةُ.
وبه قال شُرَيح، والشَّعبِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ويَحتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ، ويُطالبُ بما عليه.
وهو قولُ الحَكَمِ، ومالكٍ، واللَّيثِ.
وحُكِيَ عن ابنِ شرَيحٍ؛ لأنَّ الكَفِيلَ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فإذا تَعَذرَتْ مِن جِهةِ مَن عليه الدَّينُ، اسْتَوْفى
..................................
مِن الوَثِيقَةِ، كالرَّهْنِ، ولأنَّه تَعَذَّرَ إحضارُه، فلَزِمَ كَفِيلَه ما عليه، كما لو غاب.
ولَنا، أن الحُضُورَ سَقَطَ عن المَكْفُولِ به، فبَرِئ الكَفِيلُ، كما لو بَرِئ مِن الدَّينِ، ولأن ما الْتَزَمَه مِن أجْلِه سَقَط عنِ الأصلِ، فبَرِئ الفَرْعُ، كالضّامِنِ إذا قَضَى المَضْمُونُ عنه الدَّينَ أو أبْرِئ منه، وفارَقَ ما إذا غاب، فإنَّ الحُضُورَ لم يَسْقُطْ عنه، وفارَقَ الرَّهْنَ، فإنّه عُلقَ به المالُ فاسْتُوفِيَ منه، وكذلك الحُكْمُ إن تَلِفَتِ العَينُ 1 المَكْفُولُ بها بفِعلِ اللهِ تعالى.
وإن سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفْسَه، بَرِئ الكَفِيلُ؛ لأنَّه أتَى بما يَلْزَمُ الكَفِيلَ لأجْلِه، وهو إحضارُ نَفْسِه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه، كما لو قَضَى الدَّينَ.
فصل: إذا قال الكَفِيلُ: قد بَرِئ المَكْفُولُ به مِن الدَّينِ وسَقَطَتِ الكَفالةُ.
أو قال: لم يَكُنْ عليه دَينٌ حينَ كَفَلْتُه.
فأنْكَرَ المَكْفُولُ له، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصلَ صِحَّةُ الكَفالةِ وبَقاءُ الدينِ، وعليه اليَمِينُ،
..................................
فإن نَكَل، قُضِيَ عليه.
ويَحتَمِلُ أن لا يُسْتَخلَفَ فيما إذا ادّعَى الكَفِيلُ أنه تَكفَّلَ بمَن لا دَينَ عليه؛ لأن الكَفِيلَ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِه فيما ادَّعاه، فإن مَن كَفَل بشَخْصٍ مُعتَرِفٌ بِدَينه في الظّاهِرِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأن ما ادَّعاهُ مُحتَمِلٌ.
فصل: وإذا قال المَكْفُولُ له للكَفِيلِ: أبرَأتكَ مِن الكَفالةِ.
بَرِئ؛ لأنه حَقُّه، فسَقَطَ بإسْقاطِه، كالدين.
كان قال: قد بَرِئْتَ إليَّ منه.
أو: قد رَدَدتَه إلَيَّ.
بَرِئ أيضًا؛ لأنَّه مُعتَرِفٌ بوَفاءِ الحَقِّ، فهو كما لو اعتَرفَ بذلك في الضمانِ.
وكذلك إذا قال له: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَلْتَ به.
ويَبْرأ الكَفِيلُ في هذه المَواضِعِ دُونَ المَكْفُولِ به، ولا يَكُونُ إقْرارًا بقَبْضِ الحَقِّ [وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ.
وقيل: يكونُ إقْرارًا بقَبْضِ الحقِّ] 1 فيما إذا قال: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَلْتَ به.
والأولُ أصَحُّ، لأنه يُمكِنُ بَراءَتُه بدُونِ قَبْضِ الحَقِّ بإبراءِ المُسْتَحِقِّ، أو مَوْتِ المَكْفُولِ به.
فأمَّا إن قال للمَكْفولِ به: أبرَأتكَ عمّا لي قِبَلَكَ مِن الحَقِّ.
أو: بَرِئْتَ مِن الدينِ الذي قِبَلَكَ.
فإنَّه يَبْرأ مِن الحَقِّ وتَزُولُ الكَفالةُ؛ لأنه لَفْظٌ يَقْتَضِي العُمُومَ في كلِّ ما قِبَلَه.
كان قال: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَل به فلانٌ.
بَرِئ وبَرِئ كَفِيلُه.
وَإنْ تَعَذَّرَ إِحضَارهُ مَعَ بَقَائِهِ، لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّينُ، أوْ عِوَضُ الْعَين وَإنْ غَابَ، أمهِلَ الْكَفِيلُ بِقَدرِ مَا يَمضِي فيُحضِرُهُ، فَإِنْ تَعَذَّر
1851 - مسألة: (وإن تَعَذَّرَ إحضارُه مع بَقائِه، لَزِم الكَفِيلَ الدَّينُ أو عِوَضُ العَينِ)
متى تَعَذَّرَ إحضارُ المَكْفُولِ به مع حَياتِه، أو امتَنَعَ مِن إحضارِه، لَزِمَه ما عليه.
وقال أكثرهم: لا غُرمَ عليه.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه، عليه الصلاةُ والسلامُ: «الزَّعِيمُ غَارم» (1). ولأنَّها أحَدُ نوْعَي الكَفالةِ، فوَجَبَ بها الغُرْمُ، كالكَفالةِ بالمالِ.
1852 -
مسألة: (وإن غاب، أمهِلَ الكَفِيلُ بقدرِ ما يمضِي
1
إِحضَارُهُ، ضَمِنَ مَا عَلَيهِ.
فيحضِرُه، فإن تَعَذَّرَ إحضارُه، ضَمِن ما عليه) إذا غاب المَكْفُولُ به، أو ارتَدَّ ولَحِق بدارِ الحَربِ، لم يُؤخَذِ الكَفِيلُ بالحَقِّ حتى يَمضِيَ زَمَن يُمكِنُ المُضِيُّ إليه وإعادَتُه.
وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يُحبَسُ في الحالِ؛ لأن الحَقَّ قد تَوَجَّه عليه.
ولَنا، أنَّ الحَقَّ يعتَبَرُ في وُجُوبِ أدَائِه إمكانُ التَّسْلِيمِ وإن كان حالًّا، كالدَّينِ، فإذا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمكِنُ إحضارُه فيها ولم يُحضِره، أو كانتِ الغَيبةُ مُنْقَطِعَةً لا يُعلَمُ خَبَرُه، أو امتَنَعَ مِن إحضارِه مع إمكانِه، أُخِذْ بما عليه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كانتِ الغَيبَةُ مُنْقَطِعَةً لا يُعلَمُ مَكانُه، لم يُطالَبِ الكَفِيلُ بإحضارِه، ولم يَلْزمه شيء.
وإنِ امنتَعَ مِن إحضارِه مع إمكانِه حُبِس.
وقد دَلَّلْنا على وُجُوبِ الغُرمِ في المَسْألةِ التي قبلَها.
فصل: فإن كَفَل إلى أجَلٍ مَجْهُول، لم تَصِحَّ الكَفالةُ.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنّه ليس له وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطالبَتَه فيه، وهكذا الضَّمانُ.
كان جَعَلَه إلى الحَصادِ والجِذاذِ والعَطاء، خُرِّجَ على الوَجْهين، كالأجَلِ في البَيعِ.
والأوْلَى صِحَّتُه ها هنا؛ لأَنَّه تَبَرُّعٌ مِن غيرِ عِوَض جَعَل له أجَلًا لا يَمنَعُ مِن حُصُولِ المَقْصُودِ منه، فصَح، كالنَّذْرِ وهكذا كلُّ مَجْهُولٍ لا يَمنَعُ مَقْصُودَ الكَفالةِ.
وقد رَوَى مُهنَّا عن أحمدَ، في رجل كَفَل رجلًا فقال: إن جِئْتُ به في وَقْتِ كذا، وإلَّا فما عليه عَلَيَّ.
فقال: لا أدرِي، ولكنْ إن قال: ساعَةَ كذا.
لَزِمَه.
فنَصَّ على تَعيِينِ السّاعَةِ،
وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وتَوَقَّفَ عن تَعْيِينِ الوَقْتِ، ولَعَلَّه أرادَ وَقْتًا مُتَّسِعًا، أو وَقْتَ شئٍ يَحْدُثُ، مثلَ وَقْتِ الحَصادِ، ونحوه.
فأمّا إن قال: وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
أو نحوَ ذلك، صَحَّ.
فإن قال: إلى الغَدِ.
أو: إلى شَهْرِ كذا.
تَعَلَّقَ بأوَّلِه، على ما ذَكَرْنا في السَّلَمِ.
فإن تَكَفَّلَ برجلٍ إلى أجَلٍ، إن جاء به فيه، وإلَّا لَزِمَه ما عليه، صَحَّ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ، والشافعيُّ: لا تَصِحُّ الكَفالَةُ، ولا يَلْزَمُه ما عليه؛ لأنَّ هذا تَعْلِيقُ الضَّمانِ بخَطَرٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَه بقُدُومِ زَيْدٍ.
ولَنا، أنَّ هذا مُوجِبُ الكَفالةِ ومُقْتَضاها، فصَحَّ اشْتِراطُه، كما لو قال: إن جِئْتُ به في وَقْتِ كذا، وإلَّا فلك حَبْسِي.
ومَبْنَى (1) الخِلافِ ههنا على الخِلافِ في أنَّ هذا مُقْتَضَى الكَفالَةِ، وقد دَلَّلْنا عليه.
1853 -
مسألة: (وإذا طالَبَ الكَفِيلُ المَكْفُولَ به بالحُضُورِ معه، لَزِمَه ذلك إن كانتِ الكَفالَةُ بإذْنِه أو طالَبه صاحِبُ الحَقِّ بإحْضارِه، وإلَّا فلا)
إذا كَفَل رجلًا بإذْنِه، فأرادَ إحْضارَه؛ ليُسَلِّمَه إلى المَكْفُولِ له، لَزِمَه الحُضُورُ معه؛ لأنَّه شَغَل ذِمَّتَه مِن أجْلِه بإذْنِه، فلَزِمَه تَخْلِيصُها،1
..................................
كما لو اسْتَعارَ عَبْدَه فرَهَنَه بإذْنِه، فإنَّ عليه تَخْلِيصَه إذا طَلَبَه سَيِّدُه.
وإن كانت بغيرِ إذْنِه، فإن طَلَبَه المَكْفُولُ له لَزِمَه الحُضُورُ؛ لأنَّ حُضُورَه حَقُّ للمَكْفُولِ له، وقد اسْتَنابَ الكَفِيلَ في ذلك.
وإن لم يَطْلُبْه المَكْفُولُ له، لِم يَلْزَمْه الحُضُورُ؛ لأنَّه لم يَشْغَلْ ذِمَّتَهَ، وإنَّما الكَفِيلُ شَغَلَها باخْتِيارِ نفْسِه، فلم يَجُزْ أن يَثْبُتَ له بذلك حَقٌّ على غيرِه.
وإن قال له المَكْفُولُ له: أحْضِرْ كَفِيلَكَ.
كان تَوْكِيلًا في إحْضارِه، ولَزِمَه أن يَحْضُرَ معه، كما لو وَكَّلَ غيرَه.
وإن قال: اخْرُجْ مِن كَفالتِكَ.
احْتَمَلَ أن يَكُونَ تَوْكِيلًا في إحْضارِه، كاللَّفْظِ الأوَّلِ، واحْتَمَلَ أن يَكُونَ مُطالبَةً بالدَّينِ الذي عليه، فلا يَكُونُ تَوْكِيلًا، ولا يَلْزَمُه الحُضُورُ معه.
فصل: وإذا قال رجلٌ لآخَرَ: اضْمَنْ عن فُلانٍ.
أو: اكْفُلْ بفُلانٍ.
ففَعَل، كان الضَّمانُ والكَفالةُ لازِمَين للمُبَاشِرِ دُونَ الآمِرِ؛ لأنَّه كَفَل باخْتِيارِ نَفْسِه، وإنَّما الأمْرُ إرْشادٌ وحَثٌّ على فِعْلِ خَيرٍ، فلا يَلْزَمُه به شيءٌ.
فصل: ولو قال: أعْطِ فُلانًا ألْفًا.
ففَعَلَ، لم يَرْجِعْ على الآمِرِ، ولم
وَإِذَا كَفَلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ، فَسَلَّمَهُ أحَدُهُمَا، لَمْ يَبْرَأَ الْآخَرُ.
يَكُنْ ذلك كَفالةً ولا ضَمانًا، إلَّا أن يَقُولَ: أعْطِه عَنِّي.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ عليه إذا كان خَلِيطًا له.
ولَنا، أنَّه لم يَقُلْ: أعْطِه عَنِّي.
فلم يَلْزَمْه الضَّمانُ، كما لو لم يَكُنْ خَلِيطًا.
ولا يَلْزَمُ إذا كان له عليه مالٌ، فقال: أعْطِه فلانًا.
حيثُ يَلْزَمُه؛ لأنَّه لم يَلْزَمْه لأجْلِ هذا القولِ، بل لأنَّ عليه حَقًّا يَلْزَمُه أداؤُه.
فصل: ولو تَكَفَّلَ اثْنانِ بواحِدٍ، صَحَّ، وأيُّهُم قَضَى الدَّينَ، بَرِئ الآخَرُ؛ لِما ذَكَرْنا في الضَّمانِ.
وإن سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفْسَه، بَرِئ كَفِيلاه.
وإن أحْضَرَهَ أحَدُ الكَفِيلَينِ، لم يَبْرَأ الآخَرُ؛ لأنَّ إحْدَى الوَثِيقَتَين انْحَلَّتْ مِن غيرِ اسْتِيفاءٍ، فلم تَنْحَلَّ الأُخْرَى، كما لو أبْرَأ أحَدَهما، أو انْفَكَّ أحَدُ الرَّهْنَينِ مِن غيرِ قَضاءِ الحَقِّ، بخِلافِ ما إذا سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفسه؛ لأنه أصْلٌ لهما، فإذا بَرِئ الأصْلُ ممّا تَكَفَّلَ به عنه، بَرِئ كَفِيلاه؛ لأنَّهما فَرْعاه، وكلُّ واحدٍ مِن الكَفِلَينِ ليس بفَرْعٍ للآخَرِ، فلم يَبْرَأْ ببراءَتِه.
وكذلك لو أَبْرَأَ المَكْفُولَ به، بَرِئ كَفِيلاه.
ولو أُبْرِئ أحَدُ الكَفِيلَين وَحْدَه لم يَبْرَأ الآخَرُ.
وَإنْ كَفَلَ وَاحِدٌ لِاثْنَينِ، فَأَبْرَأَةُ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَبْرأ مِنَ الْآخَرِ.
1854 - مسألة: (ولو تَكَفَّلَ واحِدٌ لاثْنَين، فأبْرَأه أحَدُهما)
أو أحْضَرَه عند أحَدِهما (لم يَبْرأْ مِن الآخَرِ) لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين بمَنْزِلَةِ عَقْدَين، فقد الْتَزَمَ إحْضارَه عندَ 1 كلِّ واحِدٍ منهما، فإذا أحْضَرَه عندَ أحَدِهما، بَرِئَ منه، كما لو كان في عَقْدَين، وكما لو ضَمِن دَينًا لرَجُلَين 2، فوفَّى أحَدَهما حَقَّه.
فصل: وإذا كانتِ السَّفِينةُ في البَحْرِ،.
وفيها مَتاعٌ، فخِيفَ غَرَقُها،
..................................
فألْقَى بعضُ مَن فيها مَتاعَه في البَحْرِ لتَخِفَّ، لم يَرْجِعْ به على أحَدٍ، سواءٌ ألْقاه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ أو مُتَبَرِّعًا؛ لأنَّه أتْلَفَ مال نفْسِه باخْتِيارِه مِن غيرِ ضَمانٍ.
وإن قال له بعضُهم: ألْقِ مَتاعَكَ.
فأَلْقاه، فكذلك؛ لأنَّه لم يُكْرِهْه، ولا ضَمِن له.
فإن قال: ألْقِه، وعليَّ ضَمانُه.
فألْقاه، فعلى القائِلِ الضَّمانُ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ ضَمانَ ما لم يَجِبْ صَحِيحٌ.
وإن قال: ألْقِه، وأنا ورُكْبانُ السَّفينةِ ضُمَناءُ له.
ففعَلَ.
فقال أبو بكر: يَضْمَنُه القائِلُ وَحْدَه، إلَّا أن يَتَطَوَّعَ بَقِيَّتُهم.
وقال القاضي: إن كان ضَمانَ اشْتِراكٍ، فليس عليه إلَّا ضَمانُ حِصَّتِه؛ لأنَّه لم يَضْمَنِ الجَمِيعَ، إنَّما ضَمِن حِصَّتَه، وأخْبَرَ عن سائِرِ رُكْبانِ السَّفِينَةِ بضَمانِ سائِرِه، فلَزِمَه حِصَّتُه، ولم يُقْبَلْ قَوْلُهَ في حَقِّ الباقِينَ.
وإن كان ضَمانَ اشْتِراكٍ وانْفِرادٍ، بأن يَقُولَ: كلُّ واحدٍ مِنّا ضامِنٌ لك مَتاعَكَ أو قِيمَتَه.
لَزِم القائِلَ ضَمانُ الجميعِ، وسَواءٌ قال هذا والباقُونَ يَسْمَعُونَ فسَكَتُوا، أو قالوا: لا نَفْعَلُ.
أو لم يَسْمَعُوا؛ لأنَّ سُكُوتَهُم لا يَلْزَمُهم به حَقٌّ.
فصل: قال مُهَنّا: سألتُ أحمدَ، عن رجلٍ له على رجُلٍ ألْفُ دَرْهمٍ