الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 327-366

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 327-366

..................................  إحْدَاهُما، يَبْطُلُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وأبي بَكْرٍ؛ لأنَّه خِيارُ فَسْخٍ، فبَطَلَ بتَلَفِ المَبِيعِ، كخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيبِ إذا تَلِفَ المَعِيبُ.
والثانِيَة، لا يَبْطُلُ، وللبائِعِ الفَسْخُ، ويُطَالِبُ المُشْتَرِيَ بقِيمَتِه، أو مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا.
اخْتَارَها القَاضِي، وابنُ عَقِيلٍ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
ولأنَّه خِيارُ فَسْخٍ، فلم يَبْطُلْ بتَلَفِ المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا بثَوْبٍ، فتَلِفَ أحَدُهُما، ووَجَدَ الآخرُ بالثَّوْبِ عَيبًا، فإنَّه يَرُدُّه، ويَرْجِعُ بقِيمَةِ ثَوْبِه، كذا ها هنا.

وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيعِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينَ.
وَفِي الْآخَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ.

1617 - مسألة: (وحُكْمُ الوَقْفِ حُكْمُ البَيعِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)

وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه كالعِتْقِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ،

وَإنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَاريَةَ فَأحبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ.
فأشْبَهَ العِتْقَ.
والصَّحِيحُ أنَّ حُكْمَه حُكْمُ البَيعِ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّ المَبِيعَ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ البائِعِ، تَعَلُّقًا (1) يَمْنَعُ جوازَ التَّصِرُّفِ، فَمَنَعَ صِحَّةَ الوَقْفِ، كالرَّهْنِ.
ويُفارِقُ الوَقْفُ العِتْقَ؛ لأنَّه مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايَةُ بخِلافِ الوَقْفِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الوَقْفَ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ.
واللهُ أَعْلَمُ.

1618 -

مسألة: (وإنْ وَطِئَ المُشْتَرِي الجَارِيَةَ فأَحْبَلَها، صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، وَوَلَدُه حُرٌّ ثابِتُ النَّسَبِ)

لا يَجُوزُ للمُشْتَرِي وَطءُ الجارِيَةِ في مُدَّةِ الخِيارِ، إذا كان الخِيَارُ لهما، أو للبَائِعِ وحدَه؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ البائِعِ، فلم يُبَحْ 2 وَطْؤُها، كالمَرْهُونَةِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.1

وَإنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ، فَكَذَلِكَ، إنْ قُلْنَا: الْبَيعُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ.
وَإنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ.
فَعَلَيهِ الْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، إلا إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ.
وَلَا حَدَّ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَال أصْحَابُنَا: عَلَيهِ الْحَدُّ إِذَا  فإن وَطِئَها، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فبحَقِيقَتِه أوْلَى.
ولا مَهْرَ لها؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه.
وإنْ عَلِقَتْ منه، فالوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّه مِن أمَتِه، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لذلك، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له.
فإنْ فَسَخَ البائِعُ البَيعَ، رَجَعَ بقِيمَتِها؛ لأنَّه تَعَذَّرَ الفَسْخُ فيها، ولا يَرْجِعُ بقِيمَةِ وَلَدِها؛ لأنَّه حَدَثَ في مِلْكِ المُشْتَري.
وإنْ قُلْنَا: إنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ إلى المُشْتَرِي، فلا حَدَّ عليه أيضًا؛ لأَنَّ له فيها شُبْهَةً، لوُجُودِ سَبَبِ نَقْلِ المِلْكِ إليه فيها، واخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ في ثُبُوتِ المِلْكِ له، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهَاتِ.
وعليه المَهْرُ وقِيمَةُ الوَلَدِ، وحُكْمُهما حُكْمُ نَمائِهِا 1. وإنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وأنَّ مِلْكَه غيرُ ثابِتٍ، فوَلَدُه رَقِيقٌ.

1619 -

مسألة: (وإنْ وَطِئَها البائِعُ، وقُلْنَا: البَيعُ يَنْفَسِخُ بوَطْئِه.
فكذلك.
وإنْ قُلْنا: لا يَنْفسِخُ.
فعليه المَهْرُ، ووَلَدُه رَقِيقٌ، إلَّا إذا قُلْنَا: المِلْكُ له.
ولا حَدَّ فيه على كُلِّ حالٍ.
وقال أصْحَابُنَا: عليه الحَدُّ إذا عَلِمَ

عَلِمَ زَوَال مِلْكِهِ، وَأنَّ الْبَيعَ لا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
زوال مِلْكِه، وأنَّ البَيعَ لا يَنْفَسِخُ بوَطْئِه.
وهو المَنْصُوصُ) وأمّا البائِعُ فلا يَحِلُّ له الوَطْءُ قبلَ فَسْخِ البَيعِ.
وقال بَعْضُ [أصْحابِ الشافعيِّ] 1: له وَطْؤُها؛ لأنَّ البَيعَ يَنْفَسِخُ بوَاطْئِه، فإنْ كان المِلْكُ انْتَقَلَ، رَجَعَتْ إليه، وإنْ لم يَكُنِ انْتَقَلَ، انْقَطَعَ حَقُّ المُشْتَرِي منها، فيكونُ واطِئًا لِمَمْلُوكَتِه التي لا حَقَّ لغَيرِه فيها.
ولَنا، أنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَحِلَّ له وَطْؤُها؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ 2. ولأنَّ ابْتِداءَ الوَطْءِ يَقَعُ في غيرِ مِلْكِه، فيكونُ 3 حَرامًا.
ولو انْفَسَخَ البَيعُ قبلَ وَطْئِه، لم يَحِلَّ حتى يَسْتَبْرِئَها.
ولا حَدَّ عليه.
وبهذا قال أبو حَنِيفةَ، ومالِكٌ،

..................................  والشّافِعِيُّ.
وقال بعضُ أصْحَابِنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وأنَّ مِلْكَهُ قد زَال ولا يَنْفَسِخُ بالوَطْءِ، فعليه الحَدُّ.
وذكر أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه؛ لأنَّه لم يُصَادِفْ مِلْكًا، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ.
ولَنا، أنَّ مِلْكَه يَحْصُلُ بابْتِدَاءِ وَطْئِه، فيَحْصُلُ تَمامُ الوَطْءِ في مِلْكِه، مع اخْتِلَافِ العُلَمَاء في كَوْنِ المِلْكِ له وحِلِّ الوَطْءِ له، ولا يَجِبُ الحَدُّ مع واحِدَةٍ مِن هذه الشُّبُهاتِ، فكيف إذا اجْتَمَعَتْ! مع أنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يَحْصُلَ الفَسْخُ بالمُلَامَسَةِ قبلَ الوَطْءِ، فيكونُ المِلْكُ قد رَجَعَ إليه قبلَ وَطْئِه.
ولهذا قال أحمدُ في المُشْتَرِي: إنَّها قد وَجَبَتْ عليه فيما إذا مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها.

وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا، بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُورَثْ.
وَيَتَخَرَّجُ أنْ يُورَثَ كَالْأجَلَ.
فبِوَضْعِ يَدِه عليها للجِمَاعِ، ولَمْسِ فَرْجِها بِفَرْجِه، أوْلَى.
وعلى هذا يكونُ ولَدُه منها حُرًّا ثابِتَ النَّسَبِ، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه، ولا مَهْرَ عليه، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له.
وقال أصْحَابُنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، فوَلَدُهُ رَقِيق، لا يَلْحَقُه نَسَبُه، وإن لم يَعْلَمْ، لَحِقَه النَّسَب، ووَلَدُه حُرٌّ، وعليه قِيمَتُه يومَ الولادَةِ، وعليه المَهْرُ، ولا تصِيرُ أُمَّ وَلدٍ له؛ لأنَّه وَطِئها في غيرِ مِلكِه.
فصل: ولا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وقَبْضِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشافعيِّ وكَرهَهُ مالِكٌ، قال: لأنَّه في مَعْنَى بَيعٍ وسَلَفٍ إذا أقبَضَه الثَّمَنَ ثم تَفَاسَخَا البَيعَ، صارَ كأَنَّه أقرَضَه إيَّاهُ.
ولَنا، أنَّ هذا حُكْمٌ مِن أحْكَامِ البَيعِ، فجازَ في مُدَّةِ الخِيارِ، كالإِجَارَةِ، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّنَا لا نُجِيزُ له التَّصَرُّفَ فيه.

1620 -

مسألة: (ومَن ماتَ منهما بَطَلَ خِيَارُه، ولم يُورَثْ)

إذا ماتَ أحَدُ المُتَبَايِعَينِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، بَطَلَ خِيَارُه في ظاهِرِ المَذْهَبِ،

..................................  ويَبْقَى خِيارُ الآخَرِ بحالِه، إلَّا أنْ يكونَ المَيِّتُ قد طالبَ بالفَسْخِ قبلَ مَوْتِه، فيكونُ لوَرَثَتِه.
وهو قوْلُ الثِّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ الخِيارَ لا يَبْطُلُ، ويَنْتَقِلُ إلى وَرَثَتِه؛ لِأَنَّه حَقٌّ مالِيٌّ، فيَنْتَقِلُ إلى الوَارِثِ، كالأَجَلِ، وخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ولأنَّه حَقُّ فَسْخٍ، فيَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، كالفَسْخِ بالتَّحَالُفِ.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.
ولَنا، أنَّه حَقُّ فَسْخ لا يَجُوزُ الاعْتِياضُ عنه، فلم يُورَثْ كخِيَارِ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ.

فَصْلٌ: الثَّالِثُ خِيَارُ الْغَبْنِ.
وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ؛ أحَدُهَا، إِذَا تَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَ لَهُمْ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا هَبَطُوا السُّوق وَعَلِمُوا أنهُمْ قَدْ غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ.
(فصل: الثالِثُ خِيَارُ الغَبْنِ.
ويَثْبُتُ في ثَلاثِ صُوَرٍ؛ أحدُها، إذا تَلَقَّى الرُّكْبانَ فاشْتَرَى منهم [وباعَ لهم] 1، فلهمُ الخِيَارُ إذا هَبَطُوا السُّوقَ وعَلِمُوا أنَّهُم قد غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ) رُوِيَ أنَّهُم كانُوا يَتَلَقَّوْنَ الأجْلَابَ، فيَشْتَرُونَ منهم الأمْتِعَةَ قبلَ أنْ تَهْبِطَ 2 الأسْوَاقَ، فرُبَّما غَبَنُوهم غَبْنًا بَيِّنًا، فيَضُرُّوا بهم، ورُبَّمَا أضَرُّوا بأهْلِ البَلَدِ؛ لأنَّ الرُّكْبَانَ إذا وَصَلُوا باعُوا أمْتِعَتَهُم، والذين يَتَلَقَّوْنَهم لا يَبِيعُونَها سَرِيعًا، ويَتَرَبَّصُونَ بها السِّعْرَ 3، فهو في مَعْنَى بَيعِ الحاضِرِ للبادِى، فَنَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
فرَوَى ابنُ عَبّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبانَ، ولا يَبِيعُ حاضِرٌ لبادٍ».
وعن أبي هُرَيرَةَ مثلُه.
مُتَّفَقٌ عليهما 4. وكَرِهَهُ

..................................  أكْثَرُ العُلَماءِ؛ منهم عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالِكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ.
وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، أنَّه لم يَرَ بذلك بَأْسًا.
وسنَّةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أنْ تُتبَّعَ.
فإنْ خالفَ وتَلَقَّى الرُّكْبانَ واشْتَرَى منهم، فالبَيعُ صَحِيحٌ في قولِ الجَميعِ.
قاله ابنُ عبدِ البَرِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ؛ لظاهِرِ النَّهْي.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فمَن تَلَقّاهُ فاشْتَرَى منه، فإذا أتَى السُّوقَ فهو بالخِيَارِ».
رَواة مُسْلِمٌ 1. والخِيارُ لا يكونُ إلَّا في عَقْدٍ صَحِيحٍ، ولأنَّ النَّهْيَ لا لِمَعْنًى في البَيعِ، بل يَعُودُ إلى ضَرْبٍ مِن الخَدِيعَةِ يُمْكِنُ اسْتِدْراكُها بإثْباتِ الخِيارِ، فأَشْبَهَ بَيعَ المُصَرَّاةِ، وفارَقَ بَيعَ الحاضِرِ للبادِي، فإنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُه بالخِيارِ، إذْ ليس الضَّرَرُ

..................................  عليه، إنَّما هو على المُسْلِمِينَ.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فللبَائِعِ الخِيارُ إذا عَلِمَ أنَّه قد غُبنَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا خِيارَ له.
وقد رَوَينَا قَوْلَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في هذا، ولا قولَ لأحَدٍ مع قَوْلِه.
وظَاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا خِيارَ له إلَّا مع الغَبْنِ؛ لأنَّه إنَّما يَثْبُتُ لأَجْلِ الخَدِيعَةِ، ودَفْعِ الضَّرَرِ عن البائِعِ، ولا ضَرَرَ مع عدَمِ الغَبْنِ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ.
ويُحْمَلُ إطلاقُ الحَدِيثِ في إثْباتِ الخِيارِ على هذا؛ لِعِلْمِنا بمَعْناه ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ له الخِيارَ إذا أتَى السُّوقَ، فيُفْهَمُ منه أنَّه أشارَ إلى مَعْرِفَتِه بالغَبْنِ في السُّوقِ، ولولا ذلك لَكَانَ الخِيارُ له مِن حينِ البَيعِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الخِيَارَ يَثْبُتُ له بمُجَرَّدِ الغَبْنِ، وإنْ قَلَّ.
والأوْلَى أنْ يَتَقَيَّدَ بما يَخْرُجُ عن العادَةِ؛ لأنَّ ما دُونَ ذلك لا يَنْضَبِطُ.
وقال أَصْحَابُ مالِكٍ: إنَّما نُهِيَ عن تَلِّقي الرُّكْبانِ لِما يَفُوتُ به مِن الرِّفْقِ بأَهلِ السُّوقِ؛ لئَلَّا يَنْقَطِعَ عنهم ما لَه جَلَسُوا؛ مِن ابْتِغاءِ فَضْلِ اللهِ تَعالى.
قال ابنُ القاسِمِ: فإن تَلَقَّاهَا مُتَلَقٍّ فاشْتَرَاها، عُرِضَتْ على أهْلِ السُّوقِ، فيَشْتَرِكُونَ فيها.
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: يُباعُ في السُّوقِ.
وهذا مُخالِفٌ لمَدْلُولِ الحَدِيثِ؛ فإنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ الخِيارَ للبائِعِ إذا هَبَطَ السُّوقَ، ولم يَجْعَلُوا له خِيَارًا، وجَعْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الخِيَارَ له يَدُلُّ على أنَّ النَّهْيَ عن التَّلَقِّي لِحَقِّه، لا لِحَقِّ غيرِه.
ولأَنَّ الجالِسَ في السُّوقِ كالمُتَلَقِّي، في أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُبْتَغ لفَضْلِ اللهِ، ولا يَلِيقُ بالحِكْمَةِ فَسْخُ عَقْدِ أَحَدِهما.
وإلحاقُ الضَّرَرِ به، دَفْعًا للضَّرَرِ عن

..................................  مِثْلِه، وليس رِعايَةُ حَقِّ الجالِسِ أوْلَى مِن رِعَايَةِ حَقِّ المُتَلَقِّي، ولا يُمْكِنُ اشْتِراكُ أهْلِ السُّوقِ كُلِّهم في سِلْعَتِه، فلا يُعَرَّجُ على مِثْلِ هذا.
فصل: فإن تَلَقَّاهُم فَباعَهُم شَيئًا، فهو كمَنِ اشْتَرَى منهم، ولهم الخِيَارُ إذا غَبَنَهُم غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ للشّافِعِيَّةِ.
وقالُوا في الآخَرِ: النَّهْيُ عن الشِّراءِ دُونَ البَيعِ، فلا يَدْخُلُ البَيعُ فيه.
وهذا مُقْتَضَى قَوْلِ أصْحابِ مالِكٍ؛ لأنَّهُم عَلَّلُوه بما ذَكَرْنا عنهم، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك في البَيعِ لهم.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبانَ».
والبائِعُ داخِلٌ فيه.
ولأنَّ النَّهْيَ عنه لِما فِيه مِن خَدِيعَتِهم وغَبْنِهم، وهذا في البَيعِ كهُوَ في الشِّرَاءِ، والحَدِيثُ قد جاءَ مُطْلَقًا، ولو كان مُخْتَصًّا بالشِّراءِ لأُلحِقَ به ما في مَعْناه، وهذا في مَعْناه.
فصل: فإنْ خَرَجَ لغَيرِ قَصْدِ التَّلَقِّي، فلَقِيَ رَكْبًا، فقال القاضِي:

وَالثَّانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وَهُوَ أنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا؛ لِيَغُرَّ الْمُشْتَرِيَ.
فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا مَا غبِنَ.
ليس له الابتِيَاعُ منهم ولا الشِّرَاءُ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشّافِعِيِّ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْرُمَ عليه ذلك.
وهو قولُ اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ، والوَجْهُ الثانِي لأصْحَابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ التَّلَقِّيَ، فلم يَتَنَاوَلْه النَّهْيُ.
ولأنَّه نادِرٌ، فلا يكثُرُ ضَرَرُه كمَن يَقْصِدُ ذلك.
وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه إنّما نُهِيَ عن التَّلَقِّي دَفْعًا للخَدِيعَةِ والغَبْنِ عنهم، وذلك مُتَحَقِّقٌ، سواءٌ قَصَدَ التَّلَقِّيَ أو لم يَقْصِدْه، فأَشْبَهَ ما لو قَصَدَ.

1621 -

مسألة: (الثانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وهو أنْ يَزِيدَ في السِّلْعَةِ مَن لا 1 يُرِيدُ شِراءَها؛ ليَغُرَّ المُشْتَرِيَ. فله الخِيَارُ إذا غُبِنَ) النَّجْشُ حَرامٌ وخِدَاعٌ. قال البُخَارِيُّ 2: النّاجِشُ آكِلُ رِبًا خائِنٌ، وهو خِدَاعٌ باطِلٌ

..................................  لا يَحِلُّ.
لِما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن النَّجْشِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّ في ذلك تَغْرِيرًا بالمُشْتَرِي وخَدِيعَةً له، وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قَال: «الْخَدِيعَةُ في النّارِ» 2. فإنِ اشْتَرَى مع النَّجْشِ، فالشِّرَاءُ صَحِيحٌ، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ، منهم الشّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ.
اخْتَارَه أبو بكْرٍ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ.
ولَنا، أنَّ النَّهْيَ عادَ إلى النّاجِشِ،

..................................  لا إلى العاقِدِ، فلم يُؤثِّرْ في البَيعِ.
ولأنَّ النَّهْيَ لحَق آدَمِيٍّ، فلم يَفْسُدِ العَقْدُ، كبَيعِ المُدَلِّسِ.
وفارَق ما كانَ لحَقِّ الله تعالى، فإنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ يُمْكِنُ جَبْرُه بالخِيارِ، أو زِيَادَةٍ في الثَّمَنِ، لكنْ إنْ كان في البَيعِ غَبْنٌ لم تَجْرِ العادَةُ بمِثْلِه، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ، كما في تَلَقِّي الرُّكْبانِ.
فإنْ كان يُتَغَابَنُ بمِثْلِه، فلا خِيارَ له.
وسواءٌ كان النَّجْشُ بمُواطَأَةٍ

وَالثَّالِثَةُ، الْمُسْتَرْسِلُ، إِذَا غُبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ.
وَعَنْهُ، أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّيَ الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ.
مِن البائِعِ، أو لم يَكُنْ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: إنْ لم يكُنْ ذلك بمُواطَأةٍ مِن البائِعِ وعِلْمِه، فلا خِيارَ.
واخْتَلَفُوا فيما إذا كانَ بمُوَاطَأَةٍ منه، فقال بَعْضُهم: لا خِيَارَ للمُشْتَرِي، لان التَّفْرِيطَ منه، حيث اشْتَرَى ما لا يَعْرِفُ قِيمَتَه.
ولَنا، أنَّه تَغْرِيرٌ بالعاقِدِ، فإذا غُبِنَ ثَبَتَ له الخِيَارُ، كما في تَلَقِّي الرُّكْبانِ، وبذلك يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
ولو قال البائِعُ: أُعْطِيتُ بهذه السِّلْعَةِ ما لم يُعْطِ.
فَصَدَّقَه المُشْتَرِي، ثم بان (1) كاذِبًا، فالبَيعُ صَحِيحٌ، وللمُشْتَرِي الخيارُ أيضًا؛ لأنَّه في مَعْنَى النَّجْشِ.

1622 -

مسألة: (الثالِثَةُ، المُسْتَرْسِلُ، إذا غُبِنَ الغَبْنَ المَذْكُورَ)

يَعْنِي إذا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ -كما ذَكَرْنا في تَلَقِّي الرُّكْبانِ والنَّجْشِ- يُثْبِتُ له الخِيارَ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ.
وبه قال مالِكٌ.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: وقد قيلَ: قد لَزِمَهُ البَيعُ، ولا فَسْخَ له.
وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ،1

..................................  والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ نُقْصَانَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مع سَلَامَتِها لا يَمْنَعُ لُزُومَ العَقْدِ، كغَيرِ المُسْتَرْسِلِ، وكالغَبْنِ اليَسِيرِ.
ولَنا، أنَّه غَبْنٌ حَصَلَ لجَهْلِه بالمَبِيعِ، فأَثبَتَ الخِيارَ، كالغَبْنِ في تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، فأمّا غيرُ المُسْتَرْسِلِ، فإنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ بالغَبْنِ، فهو كالعالِمِ بالعَيبِ، وكذا لو اسْتَعْجَلَ فجَهِلَ ما لو تَثَبَّتَ لَعَلِمَه، لم يكُنْ له خِيارٌ؛ لأنَّه انْبَنَى على تَفْرِيطِه وتَقْصِيرِه.
والمُسْتَرْسِلُ هو الجاهِلُ بقيمَةِ السِّلْعَةِ، ولا يُحْسِنُ المُبايَعَةَ.
قال أحمدُ: المُسْتَرْسِلُ الذي لا يُحْسِنُ أنْ يُماكِسَ.
وفي لَفْظٍ: الذي لا يُماكِسُ.
فكَأنَّه اسْتَرْسَلَ إلى البَائِعِ، فأَخذَ ما أعْطَاهُ مِن غيرِ مُمَاكَسَةٍ، ولا مَعْرِفَةٍ بغَبْنِه.
ولا تَحْدِيدَ للغَبْنِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ.
وحدَّه أبو بكْرٍ في «التَّنْبِيهِ»، وابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» بالثُّلُثِ.
وهو قولُ مالِكٍ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «والثُّلُثُ كَثِيرٌ» 1.

..................................  وقيل: السُّدْسُ.
والأوْلَى تَحْدِيدُه بما لا يَتَغابَنُ النّاسُ به في العادَةِ؛ لأنَّ ما لا يَرِدُ الشَّرْعُ بتَحْدِيدِه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ.
فصل: وإذا وقَعَ البَيعُ على غيرِ مُتَعَيِّن، كقَفِيزٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْلٍ مِن دَنٍّ، فظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَلْزَمُ بالتَّفَرُّقِ، سواءٌ تَقَابَضَا، أوْ لَا.
وقال القاضِي في مَوْضِعٍ: [المَبِيعُ الذي] 1 لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، فقد صَرَّحَ بأنَّه لا يَلْزَمُ قبلَ قَبْضِه.
وذكرَ في موضِع آخَرَ: مَن اشْتَرَى قَفِيزَينِ 2 مِن صُبْرَتَينِ، فتَلِفَتْ إحْدَاهُما قبلَ القَبْضِ، بَطَلَ العَقْدُ في التّالِفِ دُونَ الباقِي.
رِوايَةً واحِدَةً، ولا خِيارَ للبائِعِ.
وهذا تَصْرِيحٌ باللُّزُومِ في حَقِّ البائِحِ قَبْلَ القَبْضِ، فإنَّه لو كان جائِزًا، كان له الخِيارُ، سَواءٌ تَلِفَتْ إحْدَاهُما أوْ لم تَتْلَفْ.
ووَجْهُ الجَوازِ،

..................................  أنَّه مَبِيعٌ لا يَمْلِكُ بَيعَه ولا التَّصَرُّفَ فيه، فكان جائِزًا، كما قبلَ التَّفَرُّقِ، ولأَنَّه لو تَلِفَ لكانَ مِن ضَمانِ البائِعِ.
ووَجْهُ اللُّزُوم قول النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيعَ، فقد وَجَبَ البَيعُ» 1. وما ذَكَرْناه للقولِ الأوَّلِ يَنْتَقِضُ بِبَيعِ المَوْصُوفِ والسَّلَمِ، فإنَّه لازِمٌ مع ما ذَكَرْناه.
وكذلك سائِرُ المَبِيعِ 2 في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.

فَصْلٌ: الرَّابعُ، خِيَارُ التَّدْلِيسِ بِمَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ، كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَتَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ، وَتَسْويدِ شَعَرِهَا وَتَجْعِيدِهِ، وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا.
فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الرَّابعُ، خِيَارُ التَّدْلِيسِ بما يَزِيدُ به 1 الثَّمَنُ؛ كتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وتحْمِيرِ وَجْهِ الجارِيَةِ، وتَسويدِ شَعَرها وتَجْعِيدِه، وجَمْعِ ماءِ الرَّحَى وإرْسَالِه عندَ عَرْضِها.
فهذا يُثْبِتُ للمُشْتَرِي خِيارَ الرَّدِّ) التَّصْرِيَةُ: جَمْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ.
يُقالُ: صَرَّى الشّاةَ، وصَرَى اللَّبَنَ في ضَرْعِ الشّاةِ.
بالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ.
ويُقالُ: صَرَى الماءَ في الحَوْضِ، وصَرَى الطّعامَ في فِيه، وصَرَى الماءَ في ظَهْرِه.
إذا تَرَكَ الجِماعَ.
وأنشد أبو عُبَيدٍ 2:

..................................  رَأتْ 1 غُلامًا قدَ صَرَى في فِقْرَتِه … ماءَ الشَّبَابِ عُنْفُوانَ شِرَّتِه 2 قال البُخَارِيُّ: أصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الماءِ.
يُقالُ: صَرَّيتُ الماءَ.
ويقال للمُصَرَّاةِ: المُحَفَّلَةُ.
وهو مِن الجَمْعِ أيضًا.
ومنه سُمِّيَتْ مَجامِعُ النَّاسِ مَحافِلَ.
والتَّصْرِيَةُ حَرَامٌ إذا أُرِيدَ بها التَّدْلِيسُ على المُشْتَرِي؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَرُّوا الإِبلَ» 3. وقولِه: «مَنْ غَشَّنَا فلَيسَ مِنّا» 4. ورَوَى ابنُ ماجَه 5، بإسْنَادِه، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «بَيعُ المُحَفَّلَاتِ خِلَابَةٌ، ولا تَحِلُّ الخِلابَة لمُسْلِمٍ».
ورَواهُ ابنُ عبدِ البرِّ:

..................................  «ولا تَحِلُّ خِلَابَةُ مُسْلِم» 1. فمَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً مِن بَهِيمَةِ الأَنْعامِ وهو لا يَعْلَمُ تَصْرِيَتَها، ثم عَلِمَ، فله الخِيارُ في الرَّدِّ والإِمْسَاكِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مَسْعُودٍ،، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، وأَنسٍ.
وإليه ذَهَبَ مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، وعامَّةُ أهْلِ العِلْمِ.
وذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ، ومحمدٌ إلى أنَّه لا خِيَارَ له؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ، بدَلِيلِ أنَّها لو لم تكُنْ مُصَرَّاةً فوَجَدَها أقلَّ لَبَنًا مِن أَمثالِها، لم يَمْلِكْ رَدَّها، والتَّدْلِيسُ بما ليس بعَيبٍ لا يُثْبِتُ الخِيارَ، كما لو عَلَفَها، فانْتَفَخَ بَطْنُها، فَظنَّ المُشْتَرِي أنَّها حامِلٌ.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا تُصَرُّوا الإِبلَ والغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَها فإنَّه بِخَيرِ النَّظَرَينِ بعدَ أنْ يَحْلِبَها، إنْ شاءَ أَمْسَكَ، وإنْ شاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِن تَمْر».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ورَوَى ابنُ عمرَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً، فَهُوَ بالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أيّامٍ، فإنْ رَدَّها رَدَّ مَعَها مِثْلَ أو مِثْلَيْ لَبَنِها قَمْحًا».
رَواهُ أبو دَاودَ 3. ولأنَّه تَدْلِيسٌ بما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ باخْتِلافِه، فوَجَبَ به

..................................  الرَّدُّ، كالشَّمْطَاءِ إذا سَوَّدَ شَعَرَها.
وبه يَبْطُلُ قِياسُهُم، فإنَّ بَيَاضَه ليس بعَيبٍ، كالكِبَرِ، وإذا دَلَّسَه ثَبَتَ له الخِيارُ.
وأمّا انْتِفَاخ البَطْنِ فقد يكونُ لغَيرِ الحَمْلِ، فلا مَعْنَى لحَمْلِه عليه، وعلى أنَّ هذا القِياسَ يُخَالِفُ النَّصَّ، واتِّباعُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَثْبُتُ الخِيَارُ إذا لم يَعْلَم المُشْتَرى بالتَّصْرِيَةِ، فإنْ كان عالِمًا، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ.
وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يَثْبُتُ له الخِيَارُ في وَجْهٍ، للخَبَرِ، ولأنَّ انْقِطَاعَ اللَّبَنِ لم يُوجَدْ، وقد يَبْقَى على حالِه، كما لو تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا، ثم طَلَبَتِ الفَسْخَ.
ولَنا، أنَّه اشْتَرَاها عالِمًا بالتَّدْلِيسِ، فلم يكنْ له خِيَارٌ، كما لو اشْتَرَى مَن سُوِّدَ شَعَرُها عالِمًا بذلك، ولأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فلم يَثْبُتْ له الرَّدُّ،؛ لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، وبَقاءُ اللَّبَنِ على حالِه نادِرٌ بَعِيدٌ، لا يُعَلَّقُ عليه حُكْمٌ، والأصْلُ الذي قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: وكذلك كلُّ تَدْلِيس يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لأجْلِه، مثلَ أنْ يُسَوِّدَ شَعَرَ الجارِيَةِ، أو يُجَعِّدَه، أو يُحَمِّرَ وَجْهَهَا، أو يُضْمِرَ الماءَ على الرَّحَى ويُرْسِلَه عنَد عَرْضِهَا على المُشْتَرِي، يُثْبِتُ الخِيارَ أيضًا، لأَنَّه تَدْلِيسٌ يَخْتَلِفُ الثمَنُ باخْتِلافِه، فأَثبَتَ الخِيَارَ، كالتَّصْرِيَةِ.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.

..................................  وَوَافَقَ أبو حَنِيفَةَ في تَسْويدِ الشَّعَرِ.
وقال في تَجْعِيدِه: لا يَثْبُتُ به خِيارٌ؛ لأنَّه تَدْلِيسٌ بما ليس بعَيبٍ، أشْبَهَ ما لو سَوَّدَ أنامِلَ العَبْدِ ليَظُنَّه كاتِبًا أو حَدَّادًا.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بتَسْويدِ الشَّعَرِ.
وأمّا تَسْويدُ أنامِلِ العَبْدِ، فَلَيسَ بمُنْحَصِرٍ في كَوْنِه كاتِبًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ قد وَلَغَ بالدَّوَاةِ، أو كان غُلامًا لكاتِبٍ يُصْلِحُ له الدَّوَاةَ، فظَنُّه كاتِبًا طَمَعٌ لا يَسْتَحِقُّ به فَسْخًا.
فإنْ حَصَلَ هذا مِن غيرِ تَدْلِيسٍ، مثلَ أَنِ اجْتَمَعَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ مِن غيرِ قَصْدٍ، أو احْمَرَّ وَجْهُ الجارِيَةِ لخَجَلٍ أو تَعَبٍ، أو تَسَوَّدَ شَعَرُها بشيءٍ وَقَعَ عليه، فقال القاضِي: له الرّدُّ أيضًا؛ لدَفْعِ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بالمُشْتَرِي، والضَّرَرُ واجِبُ الدَّفْعِ، سواءٌ قَصَدَ أو لم يَقْصِدْ، فأشْبَهَ العَيبَ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَثْبُتَ الخِيارُ بحُمْرَةِ الوَجْهِ بخَجَلٍ أو تَعَبٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ذلك، فتَعَيَّنَ، [فظَنُّه من خِلْقَتِه الأصْلِيَّةِ طَمَعٌ] 1، فأَشْبَهَ سوادَ أنامِلَ العَبْدِ.
فصل: وإنْ دَلَّسَه بما لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ، كتَبْييضِ الشَّعَرِ، وتسْبِيطِه، فلا خِيارَ للمُشتَرِى؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في ذلك.
وإن عَلفَ الشاةَ فَظَنَّها المُشْتَرِي حامِلًا، أو سَوَّدَ أنامِلَ العَبْدِ، أو ثَوْبَه، لِيَظُنَّه كاتِبًا أو

وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ،  حَدّادًا، أو كانتِ الشّاةُ عَظِيمَةَ الضَّرْعِ خِلْقَةً، فَظَنَّها كَثِيرةَ اللَّبَن، فلا خِيارَ له، لأنَّ ذلك لا يَنْحَصِرُ فيما ظَنَّهُ المُشْتَرِي، لأنَّ سوادَ الأنَامِلِ قد يكونُ لوَلَغٍ، أو خِدْمَةِ كاتِبٍ أو حَدَّادٍ، أو شُرُوعٍ في الكِتَابَةِ، وانْتِفاخُ البَطْنِ يكونُ للأكْلِ، فظنُّ المُشْتَرِي غيرَ ذلك طَمَعٌ لا يَثْبُتُ به الخِيَارُ.
فصل: فإنْ أرادَ إمْساكَ المُدَلَّسِ مع الأرْشِ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَجْعَلْ له في المُصَرَّاةِ أرْشًا، بل خَيَّرَه بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ مع صاعٍ مِن تَمْرٍ.
ولأنَّ المُدَلَّسَ ليس بمَعِيبٍ، فلم يَسْتَحِقَّ له أرْشًا.
فإنْ تَعَذَّرَ عليه الرَّدُّ بِتَلَفٍ، فَعَلَيه الثَّمَنُ؛ لأَنَّه تَعَذَّرَ عليه الرَّدُّ، ولا أرْشَ له، أشْبَهَ غيرَ المُدَلَّسِ.
فإنْ تَعَيَّبَ عندَه قبلَ العِلْمِ بالتَّدْلِيسِ، فله رَدُّه ورَدُّ أرْشِ العَيبِ عندَه وأَخْذُ الثّمَنِ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ ولا شيءَ له.
وإنْ تَصَرَّفَ في المَبِيعِ بعدَ عِلْمِه بالتَّدْلِيسِ، بَطَلَ رَدُّه، كما لو تَصَرَّفَ في المَبِيعِ المَعِيبِ، وإنْ أَخَّرَ الرَّدَّ مِن غيرِ تَصَرُّفٍ، فحُكْمُه حُكْمُ تَأْخِيرِ رَدِّ المَعِيبِ، على ما نَذْكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

1623 -

مسألة: (ويَرُدُّ مع المُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صاعًا مِن تَمْرٍ.

فَقِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَاقَةً، أوْ بَقَرَةً، أوْ شَاةً.
فإنْ لم يَجِدِ التَّمْرَ، فقِيمَتُهُ في مَوْضِعِه، سواءٌ كانت ناقَةً، أو بقَرَةً، أو شاةً) إذا رَدَّ المُصَرَّاةَ لَزِمَه ردُّ 1 بَدَلِ اللَّبَنِ، في قولِ كُل مَنْ جَوَّزَ رَدَّها، وهو مُقَدَّرٌ بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، كما جاءَ في الحَدِيثِ.
وهذا قَوْلُ اللَّيثِ، وإسحاقَ، والشّافِعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ.
وذَهَبَ مالِكٌ، وبعضُ الشافِعِيَّةِ إلى أنَّ الواجِبَ صاعٌ مِن قُوتِ البَلَدِ؛ لأنَّ في بعضِ الحديثِ 2: «ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِنْ طَعامٍ».
وفي بَعْضِها: «ورَدَّ مَعَها مِثْلَ أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا».
فجَمَعَ بين الأحَادِيثِ، وجَعَلَ تَنْصِيصَه على التَّمْرِ لأَنَّه غالِبُ قوتِ البَلدِ في المَدِينَةِ، [ونصَّ على القَمْحِ] 3؛ لأنَّه غالِبُ قوتِ بلَدٍ آخَرَ.
وقال أبو يُوسُفَ: يَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فَيُقَدَّرُ بقِيمَتِه، كسائِرِ المُتْلَفَاتِ.
وحُكِيَ ذلك عن ابنِ أبي لَيلَى.
وحُكِيَ عن زُفَرَ، أنّه يَرُدُّ صَاعًا مِن تَمْر أو نِصْف صاعٍ بُرٍّ، كقَوْلِهم في الفِطْرَةِ.
ولَنا، الحَدِيث الصَّحِيحُ الذي أوْرَدْنَاهُ، وقد نصّ فيه على التَّمْرِ فقال: «إِنْ شاءَ رَدَّهَا وصَاعًا مِن تَمْرٍ».
وللبُخَارِيِّ: «مَن اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها،

..................................  وإنْ سَخِطَها ففي حَلْبِها صاعٌ مِن تَمْرٍ».
ولمُسْلِمٍ: «رَدَّهَا ورَدَّ صَاعًا مِن تَمْرٍ، لا سَمْرَاءَ» 1. يَعْنِي لا يَرُدُّ قمْحًا.
والمرادُ بالطَّعامِ في الحَدِيثِ التَّمْرُ، لأنَّه مُطْلَقٌ في أحَدِ الحَدِيثَينِ، مُقَيَّدٌ في الآخرِ، في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، والمُطْلَقُ فيما هذا سَبِيلُه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ.
وحَدِيثُ ابنِ عمرَ في رُواتِه 2 جُمَيعُ بنُ عُمَيرٍ التَّيمِيُّ.
قال ابنُ نُمَيرٍ: هو مِن أكْذَبِ النّاسِ.
وقال ابنُ حِبّانَ: كان يَضَعُ الحَدِيثَ.
مع أنَّ الحَدِيثَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بالاتِّفَاقِ، إذْ لا قائِلَ بإيجابِ مثلِ لَبَنِها، أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا، ثم قد شَكَّ فيه الرَّاوى، مع مُخَالفَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فلا يُعَوَّلُ عليه.
وقِياسُ أبي يُوسُفَ مُخالِفٌ للنَّصِّ، فلا يُقْبَلُ.
ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدِّرَ الشارِعُ بَدَلَ هذا المُتْلَفِ، قَطْعًا للخُصُومَةِ والتَّنَازُعِ، كما قَدَّرَ دِيَةَ الآدَمِيِّ ودِيَةَ أطْرَافِه.
ولا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على أنَّ الصّاعَ كان قِيمَةَ اللَّبَنِ فلذلك أوْجَبَه؛ لوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، أحدُها، أنَّ القِيمَةَ هي الأثْمانُ لا التَّمْرُ.
الثانِي،

..................................  أنَّه أوْجَبَ في المُصَرَّاةِ مِن الإِبِلِ والغَنَمِ جَمِيعًا صاعًا مِن تَمْرٍ مع اخْتِلافِ لَبَنِها.
الثالِثُ، أنّ لَفْظَه للعُمُومِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُصَرَّاةٍ، ولا يَتَّفِقُ أنْ تكونَ قِيمَةُ لَبَنِ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صاعًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يكونَ كذلك، فيَتَعَيَّنُ إيجابُ الصاعِ؛ لأَنَّه القِيمَةُ التي عَيَّنَ الشارِعُ إيجابَها فلا يَجُوزُ العُدُولُ عنها.
ويَجِبُ أنْ يكونَ صاعُ التَّمْرِ جَيِّدًا غيرَ مَعِيبٍ؛ لأَنَّهُ واجِب بإطْلاقِ الشارِعِ، فيَنْصَرِفُ إلى مَا ذَكَرْنَاه، كالصّاعِ الواجِبِ في الفِطْرَةِ.
ويَكْفِي فيه أدْنَى ما يَقَعُ عليه اسمُ الجَيِّدِ.
ولا فَرْق بين أنْ تكونَ قيمَةُ التَّمْرِ أقَلَّ مِن قِيمَةِ الشاةِ أو أكْثَرَ أو مِثْلَها.
نَصَّ عليه.
وليس فيه جَمْعٌ بين البَدَلِ والمُبْدَلِ؛ لأنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ، قَدَّرَهُ الشَّارِعُ به، كما قَدَّرَ في يَدَي العَبْدِ قيمَتَه، وفي يَدَيهِ ورِجْلَيهِ قِيمَتَه مَرَّتَينِ، مع بقاءِ العَبْدِ على مِلْكِ السَّيِّدِ.
وإنْ عَدِمَ التَّمْرَ في مَوْضِعِه، فعَلَيه قِيمَتَه في مَوْضِعِ العَقْدِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ عَينٍ أَتلَفَها، فَيَجِبُ عليه قِيمَتُها.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ النَّاقَةِ والبَقَرَةِ والشَّاةِ فيما ذَكَرْنا.
وقال داودُ: لا يَثْبُتُ الخِيارُ بتَصْرِيَةِ البَقَرَةِ؛ لأنَّ الحَدِيثَ: «لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والغَنَمَ».
فَدَلَّ على أنَّ ما عَداهُما بخِلافِهما، ولأنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ فيهما بالنَّصِّ، والقِياسُ لا تَثْبُتُ به الأَحْكَامُ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً».
و «مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً» 1. ولم يُفَصِّلْ.
والخَبَرُ

فَإنْ كَانَ اللَّبَنُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، رَدَّهُ، وَأَجْزَأهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزِئَهُ إِلَّا التَّمْرُ.
فيه تَنْبِيهٌ على تَصْرِيَةِ البَقَرِ؛ لأنَّ لَبَنَها أكثرُ وأنْفَعُ، فيَثْبُتُ بالتَّنْبِيهِ، وهو حُجَّةٌ عندَ الجَمِيعِ.
فصل: إذا اشْتَرَى مُصَرَّاتَينِ أو أكثَرَ في عَقْدٍ، فرَدَّهُنَّ، رَدَّ مع كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا.
وبه قال الشافعيُّ، وبعضُ المالِكِيَّةِ.
وقال بعضُهم: في الجميعِ صَاعٌ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَهَا ففي حَلْبَتِها صاعٌ مِن تَمْرٍ».
ولَنا، قولُه: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً».
وهذا يَتَنَاوَلُ الواحِدَةَ.
ولأنَّ ما جُعِلَ عِوَضًا عن شيءٍ في صَفقَتَينِ، وَجَبَ إذا كان في صَفْقَةٍ واحِدَةٍ، كأَرِشِ العَيبِ.
وأمّا الحَدِيثُ، فإنَّ الضَّمِيرَ فيه يَعُودُ إلى الواحِدَةِ.

1624 -

مسألة: (فإن كانَ اللَّبَنُ بحَالِه لم يَتَغَيَّرْ، رَدَّه، واجزَأه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُجْزِئَه إلَّا التَّمْرُ)

إذا احْتَلَبَها، وتَرَكَ 1 اللَّبَنَ بحَالِه، ثم

..................................  رَدَّها مع لَبَنِها، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ المَبِيعَ إذا كان مَوْجُودًا فَرَدَّه، لم يَلْزَمْه بَدَلُه.
فإن أبَى البائِعُ قَبُولَه وطَلَبَ التَّمْرَ، فليس له ذلك إذا كان اللَّبَنُ لم يَتَغَيَّرْ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه قَبُولُه؛ لظَاهِرِ الخَبَرِ، ولأنّه قد نَقَصَ بالحَلْبِ؛ لأَنَّ كونه في الضَّرْعِ أَحفَظُ له.
ولَنا، أنّه قَدَرَ على رَدِّ المُبْدَلِ، فلم يَلْزَمْهُ البَدَلُ، كَسائِرِ المُبْدَلَاتِ مع أَبْدَالِها.
والحَدِيثُ، المرادُ به رَدُّ التَّمْرِ حالةَ عَدَمِ اللَّبَنِ؛ لقَوْلِه: «فِفي حَلْبَتِها صَاعٌ مِن تَمْرٍ».
وقَوْلُهم: الضَّرْعُ أحْفَظُ له.
لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه لا يُمْكِنُ إبْقاؤُه في الضَّرْعِ على الدَّوَامِ، لأنَّه يَضُرُّ بالحَيَوانِ.
فإن تَغَيَّرَ اللَّبَنُ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه قَبُولُه.
وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ للخَبَر.
ولأنَّه قد نَقَصَ بالحُمُوضَةِ، أشْبَهَ تَلَفَه.
والثاني، يَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّ النَّقْصَ 1 حَصَلَ باسْتِعلامِ المَبيعِ، بتَغْريرِ 2 البائِعِ، وتَسْلِيطِه على حَلْبِه، فلم يَمْنَعِ الرَّدَّ، كَلَبَنِ غيرِ المُصَرَّاةِ.
فصل: فإنْ رَضِيَ بالتَّصْرِيَةِ فَأمْسَكَها، ثم وَجَدَ بها عَيبًا، رَدَّها به؛

..................................  لأنَّ رِضَاهُ بِعَيبٍ لا يَمْنَعُ الرَّدَّ لِعَيبٍ آخَرَ، كما لو اشْتَرَى أعْرَجَ فَرَضِيَ به، فَوَجَدَه أبْرَصَ.
فإنْ رَدَّ، لَزِمَهُ صَاعٌ مِن تَمْرٍ، عِوَضَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه عِوَضٌ له فيما إذا رَدَّها بالتَّصْرِيَةِ، فيكونُ عِوَضًا له مُطْلَقًا.
فصل: ولو اشْتَرَى شاةً غيرَ مُصَرَّاةٍ فاحْتَلَبَها، ثم وَجَد بها عَيبًا، فله الرَّدُّ.
ثم إنْ لم يكنْ في ضَرْعِها لَبَنٌ حال العَقْدِ، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ اللَّبَنَ الحادِثَ بعدَ العَقْدِ يَحْدُثُ على مِلْكِه.
وإنْ كان فيه لَبَنٌ حالَ العَقْدِ، إلَّا أنَّه يَسِيرٌ لا يَخْلُو الضَّرْعُ مِن مِثْلِه عادَةً، فلا شيءَ فيه؛ لأنَّه لا عِبْرَةَ به، ولا قِيمَةَ له في العادَةِ.
وإنْ كان كَثِيرًا، وكان قائِمًا بحالِه، انْبَنَى رَدُّه على رَدِّ لَبَنِ المُصَرَّاةِ، وقد سَبَقَ.
فإنْ قُلْنا: ليس له رَدُّه.
فَبَقَاؤُه كتَلَفِه.
وهل له رَدُّ المَبِيعِ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَينِ فيما إذا اشْتَرى شَيئًا، فتَلِفَ بَعْضُه أو تَعَيَّبَ، إنْ قُلْنا بِرَدِّه، رَدَّ مثلَ اللَّبَنِ؛ لأَنَّه مِن المِثْليّاتِ، والأصْلُ ضَمانُها بمِثْلِها، إلَّا أنَّه خُولِفَ في لَبَنِ المُصَرَّاةِ للنَّصِّ، ففيما عَداه يَبْقَى على الأصْلِ.
ولأَصْحابِ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ نحوٌ ممّا ذَكَرْنا.
فصل: قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا عَلِمَ التَّصْرِيَةَ قبلَ حَلْبِها، مثلَ أن أقَرَّ به البائِعُ، أو شَهِدَ به مَن تُقْبَلُ شهادَته، فله رَدُّها، ولا شيءَ معها؛ لأنَّ التَّمْرَ إنَّما وَجَبَ بَدَلًا للَّبَنِ المُحْتَلَبِ، ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:

وَمَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ، فَلَهُ الرَّدُّ.
وَقَال الْقَاضِي: لَيسَ لَهُ رَدُّهَا إلا بَعْدَ ثَلَاثٍ.
«مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً، فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضيَها أَمْسَكَها، وإنْ سَخِطَها، ففي حَلْبَتِها صاعٌ مِن تَمْرٍ» (1). ولم يَأْخُذْ لها ها هنا لَبَنًا، فلم يَلْزَمْه رَدُّ شَيءٍ معها.
وهذا قَوْلُ مالِكٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ (2): هذا ممّا لا خِلافَ فيه.

1625 -

مسألة: (ومَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ، فله الرَّدُّ. وقال القاضِي: ليس له رَدُّها إلَّا بعدَ ثَلاثٍ)

اخْتَلَفَ أصْحَابُنا في مُدَّةِ الخِيارِ.
فقال القَاضِي: هو مُقَدَّرٌ بثَلَاثَةِ أَيّامٍ، ليس له الرَّدُّ قبلَ مُضِيِّها، ولا إِمْسَاكُها بعدَها، فإنْ أمْسَكَها بعدَها سَقَطَ الرَّدُّ.
قال: وهو ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ،12

..................................  وقولُ بَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، لأنَّ أبا هُرَيرَةَ رَوَى أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فهو فيها بالخِيارِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، إنْ شاءَ أمْسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّهَا ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
رَواهُ مُسْلِمٌ 1. قالُوا: هذه الثّلَاثَةُ قَدَّرَها الشارِعُ لمَعْرِفَةِ التَّصْرِيَةِ، فإنَّها لا تُعْرَف قبلِ مُضِيِّها؛ لأنَّ لَبَنَها في أوَّلِ يوم لَبَنُ التَّصْرِيَةِ، وفي الثانِي، يجُوزُ أنْ يكون نَقَصَ لتَغَيُّرِ المَكانِ، واخْتِلَافِ العَلَفِ، وكذلك الثالِثُ، فإذا مَضَتِ

..................................  الثّلاثُ اسْتَبَانَتِ التَّصْرِيَةُ، وثَبَتَ الخِيارُ على الفَوْرِ، ولا يَثْبُتُ قبلَ انْقِضَائِها.
وقال أبو الخَطَّاب: متى تَبَيَّنَتَ التَّصْرِيَةُ جازَ له الرَّدُّ، قبلَ الثَّلاثِ وبعدَها؛ لأَنَّه تدْلِيسٌ يُثْبِت الخِيارَ، فملَكَ الرَّدَّ به إذا ظَهَرَ، كسائِرِ التَّدْلِيسِ.
وهو قَوْلُ بعضِ المَدَنيِّينَ 1. فعلى هذا، فائِدَةُ التَّقْدِيرِ في الخبرِ بالثَّلاثِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يَحْصُلُ العِلْمُ إلَّا بها، فاعْتَبَرَها لحُصُولِ العِلْمِ ظاهِرًا، فإنْ حَصَلَ العِلْمُ بها أو لم يَحْصُلْ، فالاعْتِبارُ به دُونَها، كما في سائِرِ التّدْلِيس.
وظاهِرُ قولِ ابنِ أبي مُوسىَ، أَنَّه مَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَة ثَبَتَ له الخِيارُ في الأَيّامِ الثَّلَاثةِ إلى تَمامِها.
وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ، وأبي حامِدٍ مِن الشّافِعِيَّةِ، وحَكاهُ عن الشّافِعِيِّ؛ لظاهِرِ حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ،

وَإنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ: وَإِذَا اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ، لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ.
فإنَّه يَقْتَضِي ثُبُوتَ الخِيارِ في الأيّامِ الثَّلَاثَةِ كُلِّها.
وقَوْلُ القاضِي لا يَثْبُتُ في شيءٍ منها، وقولُ أبي الخَطَّابِ يُسَوِّي بَينَها وبينَ غَيرِها.
والعَمَلُ بالخَبَرِ أَوْلَى، والقِياسُ ما قاله أبو الخَطَّابِ، قِياسًا على سائِرِ التَّدْلِيسِ.

1626 -

مسألة: (وإنْ صارَ لَبَنُها عادَةً، لم يَكُنْ له الرَّدُّ في قِياسِ قَوْلِه: إذا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَها الزَّوْجُ، لم يَمْلِكِ الرَّدَّ)

وقال أصحابُ الشَّافِعِيِّ: له الرَّدُّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ التَّدْلِيسَ

وَإنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ فِي غَيرِ بَهِيمَةِ الْأنْعَامِ، فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، لَهُ الرَّدُّ وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ.
كان مَوْجُودًا (1) حال العَقْدِ، فأثْبَتَ الرَّدَّ، كما لو نَقَصَ اللَّبَنُ.
ولَنا، أنَّ الرَّدَّ جُعِلَ لدَفْعِ الضَّرَرِ بنَقْصِ الثَّمَنِ، ولم يُوجَدْ، فامْتَنَعَ الرَّدُّ، ولأنَّ العَيبَ لم يُوجَدْ، ولم تَخْتَلِفْ صِفَةُ المَبيعِ (2) عن حالةِ العَقدِ، فلم يَثْبُتِ التَّدْلِيسُ، ولأنَّ الخِيارَ ثَبَتَ لدَفْعِ الضَّرَرِ، ولا ضَرَرَ.

1627 -

مسألة: (وإنْ كانتِ التَّصْرِيَةُ في غيرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ)

كالأمَةِ، والأَتَانِ، والفَرَسِ، ثَبَتَ له الخِيارُ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.12

..................................  اخْتَارَهُ ابنُ عَقِيل.
وهو ظِاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لعُمُوم قِوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاة».
ولأَنَّه تَصْرِيَةٌ بما يَخْتَلِفُ به الثَّمَن، فأثْبَتَ الخِيارَ، كتَصْرِيَةِ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ؛ لأنَّ الآدَمِيَّةَ تُرادُ للرَّضَاعِ، ويُرْغَبُ فيها ظِئْرًا، ولذلك لو اشْتَرَطَ كَثْرَةَ لَبَنِها، فَبانَ بخِلافِه، مَلَكَ الفَسْخَ.
[ولَبَنُ الأَتانِ] 1 والفَرَسِ يُرادُ لوَلَدِهما 2. والثاني، لا يَثْبُتُ به الخِيارُ، لأنَّ لَبَنَها لا يُعْتاضُ عنه في العَادَةِ، ولا يُقْصدُ، كَلَبَنِ بَهِيمَة الأنْعام، والخَبَرُ ورَدَ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ عليه؛ لذلك.

المقنع وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ عَيبِهَا.
واللَّفْظُ العامُّ أُرِيدَ به الخاصُّ؛ لأنَّه أمَرَ في رَدِّها بصاعٍ مِن تَمْرٍ، ولا يَجِبُ في لَبَنِ غَيرِها.
ولأَنَّه وَرَدَ عامًّا وخاصًّا في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْمَلُ العامُّ على الخَاصِّ.
فإنْ قُلْنَا بِرَدِّها، لم يَلْزَمْه بَدَلُ (1) لَبَنِها، ولا يَرُدُّ معها شَيئًا؛ لأَنَّ هذا اللَّبَنَ لا يُبَاعُ عادَةً، ولا يُعاوَضُ (2) عنه.

1628 -

مسألة: (ولا يَحِلُّ للبائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِه، ولا كِتْمانُ عَيبِها)

لقَولِه - عليه السلام -: «مَنْ غَشَّنَا فليس مِنّا» 3. قال الترْمِذِيُّ: هذا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ باعَ من أخِيهِ بَيعًا إلَّا بَيَّنَه».
رَواهُ ابنُ12

فَإِنْ فَعَلَ، فَالْبَيعُ صَحِيحٌ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ الْعَيبَ، فَالْبَيعُ بَاطِلٌ.
قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا.
ماجَه 1. (فإنْ فَعَلَ، فالبَيعُ صَحِيحٌ) في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، بدَلِيلِ حَدِيثِ التَّصْرِيَةِ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَحَّحَه مع نَهْيِه عنه.
(وقال أبو بكرٍ: إنْ دلَّسَ العَيبَ، فالبَيعُ باطِلٌ) لأَنَّه مَنْهِيٌّ عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفسادَ.
(فقيلَ له: ما تقولُ في التَّصْرِيَةِ؟ فلم يَذْكُرْ جَوابًا) فدَلَّ على رُجُوعِه.

فَصلٌ: الْخَامِسُ، خِيَارُ الْعَيبِ؛ وَهُوَ النَّقْصُ؛ كَالْمَرَضِ، وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ زِيَادَتِهَا، وَنَحْو ذَلِكَ.
وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ؛ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالإبَاقِ، وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِن مُمَيِّزٍ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الخامِسُ، خِيارُ العَيبِ؛ وهو النَّقْصُ؛ كالمَرَضِ، وذَهابِ جارِحَةٍ أوْ سِنٍّ، أو زِيادَتِها، ونحو ذلك.
وعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِن فِعْلِه؛ كالزِّنا، والسَّرِقَةِ، والإِبَاقِ، والبَوْلِ في الفِراشِ إن كان مِن مُمَيِّزٍ) العُيُوبُ: النَّقَائِصُ المُوجِبَةُ لنَقْصِ المالِيَّةِ في عاداتِ التُّجّارِ؛ لأنَّ المَبِيعَ إنَّما صارَ مَحَلًّا للعَقْدِ باعْتِبارِ صِفَةِ المالِيَّةِ فما يُوجِبُ نَقْصًا فيها يكونُ عَيبًا، والمَرْجِعُ في ذلك إلى العادَةِ في عُرْفِ التُّجَّارِ.

جارٍ التحميل