الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 210-223

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 210-223

..................................  فيُجْبَر على ما يُزِيل ذلك، ولذلك 1 يُجْبَر عليه وإنِ انْفَرَدَ بالحائِطِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
ولا نسَلِّمُ أنَّ في تَرْكِه إضْرارًا، فإنَّ الضَّرَرَ إنَّما حَصَل بانْهِدامِه، وإنَّما تَرْكُ البِناءِ تَرْكٌ لِما يَحْصُل النَّفْع به، وهذا لا يُمْنَغ الإِنْسان منه، بدَلِيلِ حالةِ الابتِداءِ.
وإن سَلَّمْنا أنَّه إضْرارًا، لكنْ في الإِجْبارِ إضْرارٌ، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّه قد يكونُ المُمْتَنِعُ لا نَفْعَ له في الحائِطِ، أو يكونُ الضَّرَرُ عليه أكثَرَ مِن النَّفْعِ، أو يكون مُعْسِرًا ليس معه شيءٌ، فيُكَلَّفُ الغرَامَةَ مع عَجْزِه عنها.

لَكِنْ لَيسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بِنَائِهِ.
فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ، فَهُوَ بَينَهُمَا، وَإنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَهُوَ لَهُ، وَلَيسَ لِلْآخَرِ الانْتِفَاع بِهِ.
فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ، خُيِّرَ الْبَانِي بَينَ أَخذِ نِضفِ قِيمَتِهِ مِنْهُ وَبَينَ أَخْذِ آلَتِهِ.

1899 - مسألة: (وليس له مَنْعُه مِن بِنائِه)

يَعْنِي على الرِّوايَةِ التي تَقُولُ: لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ إذا أراد شَرِيكُه البِناءَ.
فليس له مَنْعُه، لأنَّ له حَقًّا في الحَمْلِ وَرَسْمًا، فلا يَجُوزُ مَنْعُه منه.
1900 -

مسألة: (فإن بَناه بآلَتِه، فهو بينَهما، وإن بَناهُ بآلَةٍ مِن عندِه، فهو له، وليس للآخَرِ الانْتِفاعُ به. فإن طَلَبَ الانْتِفاعَ به، خُيِّرَ البانِي بينَ أخْذِ نِصْفِ قِيمَتِه وبينَ أخْذِ آلَتِه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ

..................................  للشَّرِيكِ بِناءَ الحائِطِ بأنْقاضِه، وله بِناؤُه بآلَةٍ مِن عندِه، فإن بَناهُ بآلَتِه وأنْقاضِه، فهو بينَهما 1 على الشَّرِكَةِ، كما كان؛ لأنَّ المُنْفَقَ إنَّما أُنْفِقَ على التّالفِ، وذلك أثَرٌ لا عَين يَمْلِكُها.
وإن بَناه بآلَةٍ [مِن عندِه] 2، فالحائِطُ مِلْكُه خاصَّةً، وله مَنْعُ شَرِيكِه مِن الانْتِفاعِ به، ومِن وَضْعِ خَشَبِه ورُسُومِه عليه؛ لأنَّ الحائِطَ له.
فإن أراد نَقْضَه وكان بَناه بآلَتِه، فليس له نَقْضُه؛ لأنَّه مِلْكُهما، فلم يكن له التَّصَرُّفُ فيه بما فيه مَضَرّةٌ عليهما.
وإن كان بَناه بآلَةٍ مِن عندِه، فله نقْضُه؛ لأنَّه يَخْتَصُّ بمِلْكِه.
فإن قال شَرِيكُه: أنا أدْفَعُ إليك نِصْفَ قِيمةِ البِناءِ ولا تَنْقُضْهُ.
لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لَمّا لم يُجْبَرْ على البِناءِ، لم يُجْبَرْ على الإِبقاءِ.
وإن أراد غيرُ البانِي نَقْضَه، وإجْبارَ بانِيه على نَقْضِه، لم يكنْ له ذلك على كِلْتا الرِّوايَتَينِ؛ لأنَّه إذا لم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن بِنائِه، [فلَأنْ لا] 3 يَمْلِكَ إجْبارَه على نَقْضِه أوْلَى.
فإن كان له

..................................  على الحائِطِ رَسْمُ انْتِفاعٍ، أو وَضْع خِشَبٍ، قال له: إمّا أن تَأْخُذَ مِنِّي نِصْفَ قِيمَتِه، وتُمَكِّنَنِي مِن انْتِفاعِي، وإمّا أن تَقْلَعَ حائِطَك، لنُعِيدَ البِناءَ بينَنا 1. فيَلْزَمُ الآخَرَ إجابَتُه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إبْطال رُسُومِه وانْتِفاعِه ببِنائِه، وإن لم يُرِدْ الانْتِفاعَ به، فطالبَه الثانِي بالغَرامَةِ أو القِيمَةِ، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّه إذا لم يُجْبَرْ على البِناءِ، فأوْلَى أن لا يُجْبَرَ على الغَرامَةِ، إلَّا أن يَكُونَ قد أذنَ في البِناءِ والإنْفاقِ، فيَلْزَمُه ما أَذنَ فيه.
فأمّا على الرِّوايَةِ الأولَى، فمتى امْتَنَعَ، أجْبَرَه الحاكِمُ على ذلك، فإن لم يَفْعَلْ، أخَذَ الحاكِمُ مِن مالِه وأنْفَقَ عليه، وإن لم يكنْ له مالٌ، فأنْفَقَ عليه الشَّرِيكُ بإذْنِ الحاكِمِ، أو إذْنِ الشرِيكِ، رَجَع عليه متى قَدَر.
وإذا أراد بِناءَه، لم يَمْلِكِ الشَّرِيكُ مَنْعَه.
وما أَنْفَقَ؛ إن تَبَرَّعَ به، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ به، وإن نَوَى الرُّجُوعَ به، فهل له الرُّجُوعُ بذلك؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، بناءً على ما إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه.
وإن بَناه لنَفْسِه بآلَتِه، فهو بينَهما، وإن بَناه بآلَةٍ مِن عندِه فهو له خاصَّة.
فإن أراد نَقْضَه فله ذلك، إلَّا أن يَدْفَعَ إليه شَرِيكُه نِصْفَ قِيمَتِه، فلا يَكُونُ له نَقْضُه؛ لأنَّه إذا أُجْبِرَ على بِنائِه، فأوْلَى أن يُجْبَرَ على إبْقائِه.

..................................  فصل: فإن لم يَكُنْ بينَ مِلْكَيهما حائِطٌ، فطَلَبَ أحَدُهما مِن الآخَرِ أن يَبْنِيا حائِطًا يَحْجِزُ بينَ مِلْكَيهما، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه.
رِوايَةً واحِدَةً.
فإن أراد البِناءَ وَحْدَه، فليس له إلَّا في مِلْكِه، لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ جارِه المُخْتَصِّ به، ولا في المِلْكِ المُشْتَرَكِ بغيرِ ما له فيه رَسْمٌ، وهذا لا رَسْمَ له فيه.

..................................  فصل: فإن كان السُّفْلُ لرجلٍ، والعُلْوُ لآخَرَ، فانْهَدَمَ السَّقْفُ الذي بينَهما، فطَلَبَ أحَدُهما المُباناةَ مِن الآخَرِ، فامْتَنَعَ، فهل يُجْبَرُ؟ على رِوايَتَين، كالحائِطِ بينَ البَيتَينِ.
وللشافعيِّ فيه قَوْلان.
فإنِ انْهَدَمَتْ حِيطانُ السُّفْلِ، فطالبَه صاحِبُ العُلْو بإعادَتِها، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُجْبَرُ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَىٍ الشافعيِّ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يُجْبَرُ على البِناءِ وَحْدَه؛ لأنَّه مِلْكُه خاصَّة.
والثانيةُ، لا يُجْبَرُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وإن أراد صاحِبُ العُلْو بناءَه، لم يُمْنَعْ مِن ذلك، على الرِّوايَتَين جَمِيعًا.
فإن بَناه بآلَتِه، فهو على ما كان، وإن بَناه بآلَةٍ مِن عندِه، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، لا يَنْتَفِعُ به صاحِبُ السُّفْلِ.
يَعْنِي حتى يُودِّيَ القِيمَةَ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه لا يَسْكُنُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ البَيتَ إنَّما يُبْنَى للسُّكْنَى، فلم يَمْلِكْه كغيرِه.
ويحْتَمِلُ أنَّه أراد الانْتِفاعَ

..................................  بالحِيطانِ خاصَّةً؛ مِن طَرْحِ الخَشَبِ، وسَمْرِ الوَتِدِ، وفَتْحِ الطّاقِ، وتَكُونُ له السُّكْنَى مِن غيرِ تصَرُّفٍ في مِلْكِ غيرِه.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ السُّكْنَى إنَّما هي إقامَتُه في فِناءِ الحِيطانِ مِن غيرِ تَصَرُّفٍ فيها، أشْبَهَ الاسْتِظْلال بها مِن خارجٍ.
فأمّا إن طالبَ صاحِبُ السُّفْلِ بالبِناءِ، وأبَى صاحِبُ العُلْو، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يُجْبَرُ على بِنائِه، ولا مُساعَدَتِه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحائِطَ مِلْكُ صاحِبِ السُّفْلِ، فلم يُجْبَرْ غيرُه على بِنائِه، ولا المُساعَدَةِ فيه، كما لو لم يَكُنْ عليه عُلْوٌ.
والثانيةُ، يُجْبَرُ على مُساعَدَتِه والبِناءِ معه.
وهو قولُ أبي الدَّرْداءِ؛ لأنَّه حائِطٌ يَشتَرِكان في الانْتِفاعِ به، أشْبَهَ الحائِطَ بينَ الدّارَين.
فصل: فإن كان بينَ البَيتَين حائِطٌ لأحَدِهما، فانْهَدَمَ، فطَلَبَ أحَدُهما مِن الآخَرِ بِناءَه، أو المُساعَدَةَ في بِنائِه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه إن كان المُمْتَنِعُ مالِكَه، لم يُجْبَرْ على بِناءِ مِلْكِه المُخْتَصِّ به، كحائِطِ الآخَرِ، وإن كان المُمْتَنِعُ الآخَرَ، لم يُجْبَرْ على بِناءِ مِلْكِ غيرِه، ولا المُساعَدَةِ فيه.
ولا

..................................  يَلْزَمُ على هذا حائِطُ السُّفْلِ، حيث يُجْبَرُ صاحِبُه على بِنائِه، مع اخْتِصاصِه بمِلْكِه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ صاحِبَ العُلْو مَلَكَه مُسْتَحِقًّا لإِبقائِه على حِيطانِ السُّفْلِ دائِمًا، فلَزِمَ صاحِبَ السُّفْلِ تَمْكِينُه ممّا يَسْتَحِقُّه، وطَرِيقُه البِناءُ، فلذلك وَجَب، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وإن أراد صاحِبُ الحائِطِ بناءَه، أو نَقْضَه بعدَ بِنائِه، لم يكُنْ لجارِه مَنْعُه؛ لأنَّه مِلْكُه خاصَّةً.
وإن أَراد جارُه بِناءَه، أو نَقْضَه، أو التَّصَرُّفَ فيه، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه.

وَإنْ كَانَ بَينَهُمَا نَهْرٌ، أوْ بِئْرٌ، أوْ دُولَابٌ، أو نَاعُورَةٌ، أَوْ قَنَاةٌ، وَاحْتَاجَ إلَى عِمَارَةٍ، فَفِي إِجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ رِوَايَتَانِ.
فصل: ومتى هَدَم أحَدُ الشَّرِيكين الحائِطَ المُشْتَرَكَ، أو السَّقْفَ الذي بينَهما، نَظرتَ، فإن خِيفَ سُقُوطُه، ووَجَبَ هَدْمُه، فلا شيءَ على هادِمِه، ويكونُ كما لو انْهَدَمَ بنَفْسِه؛ لأنَّه فَعَل الواجِبَ، وأزال الضَّرَرَ الحاصِلَ بسُقُوطِه.
وإن هَدَمَه لغيرِ ذلك، فعليه إعادَتُه، سَواءٌ (1) هَدَمَه لحاجَةٍ أو غيرِها، وسَواء الْتَزَمَ إعادَتَه أو لم يَلْتَزِمْ؛ لأنَّ الضَّرَرَ حَصَل بفِعْلِه، فلَزِمَه إزالتُه (2). فصل: فإنِ اتَّفَقا على بِناءِ الحائِطِ المُشْتَرَكِ بينَهما نِصْفَين، ومِلْكُه بينَهما الثُّلُثُ والثُّلُثان، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُصالِحُ عن بعضِ مِلْكِه ببعض، فلم يَصِح، كما لو أقَرَّ له بدارٍ فصالحَه على سُكْناها.
ولو اتَّفَقا على أن يُحَملَه كلُّ واحِدٍ منهما ما شاء، لم يَجُزْ؛ لجَهالةِ الحِمْلِ، فإنَّه يُحَمِّلُه مِن الأثْقالِ ما لا طاقَةَ له بحَمْلِه.
وإنِ اتَّفَقا على أن يكونَ بينَهما نِصْفَين، جاز.

1901 -

مسألة: (وإن كان بينَهما نَهْرٌ، أو بِئْرٌ، أو دُولابٌ 3، أو ناعُورَةٌ، أو قَناةٌ، فاحْتاجَ إلى عِمارةٍ، ففي إجْبارِ المُمْتَنِعِ رِوايَتان)12

وَلَيسَ لأحَدِهِمَا مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ عِمَارَتِهِ، فَإِذَا عَمَرَهُ، فَالْمَاءُ بَينَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ.
بِناءً على الحائطِ المُشْتَرَكِ إذا انْهَدَمَ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه يُجْبَرُ ههُنا على الإِنْفاقِ؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ شَرِيكُه مِن مُقاسَمَتِه، فيَتَضَرَّرُ، بخِلافِ الحائطِ، فإنَّه يُمْكِنُهما قِسْمَةُ العَرْصةِ.
قال شيخُنا (1): والأوْلَى التَّسْويةُ؛ لأنَّ في قِسْمةِ العَرْصةِ إضْرارًا بهما، والإِنْفاقُ أرْفَقُ بهما، فكانا سَواءً.

1902 -

مسألة: (وليس لأحَدِهما مَنْعُ صاحِبِه مِن عِمارَتِه كالحائِطِ، فإن عَمَرَه، فالماءُ بينَهما على الشَّرِكَةِ)

أمّا الدُّولابُ1

..................................  والنّاعُورةُ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الحائِطِ، على ما ذَكَرْناه.
وأمّا النَّهْرُ والبئْرُ، فلكلِّ واحِدٍ منهما الإِنْفاقُ عليه، وإذا أنْفَقَ عليه، لم يَكُنْ له مَنْعُ الآخَرِ مِن نَصِيبِه مِن الماءِ؛ لأنَّه يَنْبُعُ مِن مِلْكِهما، وإنَّما أثَّرَ أحَدُهما في نَقْلِ الطِّينِ منه، وليس له فيه عَينُ مالٍ، فأشْبَهَ الحائِطَ إذا بَناه بآلَتِه، والحُكْمُ في الرُّجُوجِ بالنَّفَقةِ، حُكْمُ الرُّجُوعِ في النَّفَقةِ على الحائطِ، على ما مَضَى.

..................................  فصل: وليس للرجلِ التَّصرُّفُ في مِلْكِه بما يَضُرُّ [به جارَه] 1، نحوَ أن يَبْنِيَ حَمّامًا بينَ الدُّورٍ، أو يَفْتَحَ خَبّازًا بينَ العَطّارِين، أو يَجْعَلَه دُكّانَ قِصارَةٍ يَهُزُّ الحِيطانَ ويُخرِّبُها، أو يَحْفِرَ بِئْرًا إلى جانِب بِئْرِ جارِه يَجْتَذِبُ ماءَها.
وبهذا قال بعضُ الحَنَفِيَّةِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى: لا يُمْنَعُ.
وبه قال الشافعيُّ، وبعضُ الحَنَفِيَّةِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في مِلْكِه المُخْتَصِّ به، ولم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ غيرِه، فلم يُمْنَعْ منه، كما لو طَبَخ في دارِه أو خَبَز فيها.
وسَلَّمُوا أنَّه يُمْنَعُ مِن الدَّقِّ الذي يَهْدِمُ الحِيطانَ ويَنْثِرُها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» 2. ولأنَّ هذا إضْرارٌ بجِيرانِه، فمُنِعَ منه، كالذي سَلَّمُوه، وكسَقْي الأرْضِ الذي يَتَعَدَّى إلى هَدْمِ حائِطِ جارِه، أو إشْعالِ نارٍ يتَعَدَّى إلى إحْراقِه.
قالُوا: ها هنا تَعَدَّتِ النّارُ التي أضْرَمَها، والماءُ الذي أرْسَلَه، فكان مُرْسِلًا لذلك في مِلْكِ غيرِه، أشْبَهَ ما لو أرْسَلَه إليها قَصْدًا.
قُلْنا: والدُّخَانُ 3 هو أجْزاءُ الحَرِيقِ الذي أحْرَقَه، فكان مُرْسِلًا له في مِلْكِ جارِه، فهو كالمارِ والماءِ، وأمّا دُخَانُ الخَبْزِ والطَّبِيخِ، فإنَّ ضَرَرَه يَسِيرٌ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وتَدْخُلُه المُسامَحَة.

..................................  فصل: فإن كانَ سَطْحُ أحَدِهما أعْلَى مِن سَطْحِ الآخَرِ، فليس لصاحِبِ الأعْلَى الصُّعودُ على سَطْحِه على وَجْهٍ يُشْرِفُ على سَطْحِ جارِه، إلَّا أن يَبْنِيَ سُتْرَة تَسْتُرُه.
وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه سَتْرُه؛ لأنَّ هذا حاجِزٌ بينَ مِلْكَيهما، فلم يُجْبرْ أحَدُهما عليه، كالأسْفَلِ.
ولَنا، أنَّه إضْرارٌ بجارِه، فمُنِعَ منه، كدَقٍّ يَهُزُّ الحِيطانَ، وذلك أنَّه يَكْشِفُ جارَه، ويَطَّلِعُ

..................................  على حُرَمِه، فأشْبَهَ ما لو اطَّلَعَ إليه 1 من صِيرِ بابِه أو خَصاصِه 2، وقد دَلَّ على المَنْعِ مِن ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ إلَيكَ، فحَذَفْتَه بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَينَه، لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ» 3. ويُفارِقُ الأسْفَلَ؛ فإنَّ تَصَرُّفَه لا يَضُرُّ بالأعْلَى، ولا يَكْشِفُ دارَه.

جارٍ التحميل