وَإنْ لَمْ يُطَلِّقْ، حُبِسَ وَضُيِّقَ عَلَيهِ حَتَّى يُطَلِّقَ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
وَفِي الأخْرَى، يُطَلِّق الْحَاكِمُ عَلَيهِ.
وهذه طَلْقَةٌ، ولأنَّه لو أُبِيحَ له ارْتجاعُها, لم يَنْدَفع عنها الضَّرَرُ، [وهذه يَنْدَفِعُ عنها الضَّرَرُ] (1)، فإنَّه (2) إذا ارْتَجَعَها، ضُرِبَتْ له مُدَّة أخْرَى، ولأنَّ العِنِّينَ قد يئس مِن وَطْئِه، فلا فائِدَةَ في رَجْعَتِه، وهذا غيرُ عاجز، ورَجْعَتُه دليلٌ على رَغْبَتِه فيها وإقْلاعِه عن الإضْرارِ بها، فافْتَرَقا.
3713 -
مسألة: (فإن لم يُطَلِّقْ، حُبِسَ وضُيِّقَ عليه حتى يُطَلِّقَ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. والأخْرَى، يُطَلِّقُ الحَاكِمُ عليهِ)
إذا امْتَنَعَ المُولِي مِن الفَيئَةِ بعدَ التَّرَبُّصِ، أو امْتَنَعَ المَعْذُورُ مِن الفَيئَةِ بلِسانِه، أو امْتَنَعَ مِن الوَطْءِ بعدَ زَوالِ عُذْرِه، أُمِرَ بالطَّلاقِ، فإن طَلَّقَ، وَقَعَ طَلاقُه الذي أوْقَعَه، واحِدَةً كانت أو أكثرَ.
وليس للحاكِمِ إجْبارُه على أكثرَ مِن طَلْقَةٍ؛12
..................................
لأنَّه يَحْصُلُ الوَفاءُ بِحقِّها بها؛ فإنَّها تُفْضِي إلى البَينُونَةِ، والتَّخَلُّصِ مِن ضَرَرِه.
وإنِ امْتَنَعَ مِن الطَّلاقِ، طَلَّقَ الحاكمُ عليه.
وبه قال مالكٌ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، ليس للحاكمِ الطَّلاقُ عليه؛ لأنَّ ما خُيِّرَ الزَّوْجُ فيه 1 بينَ أمْرَين، لم يَقُمِ الحاكِمُ مَقامَه فيه، كالاخْتِيارِ لبَعْضِ الزَّوْجاتِ في حَقِّ مَن أسْلَمَ وتَحْتَه أكْثَرُ مِن أرْبَعِ نِسْوَةٍ أو اخْتان.
فعلى هذا يَحْبِسُه، و 2 يُضَيِّقُ عليه، حتى يَفِئَ أو يُطَلقَ.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالرِّوايتَين.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأخْرَى، أنَّ ما دَخَلَتْه النِّيابَة، وتَعَيَّنَ مُسْتَحِقه، وامْتَنَعَ مَن هو عليه، قامَ الحاكِمُ مَقامَه فيه، كقَضاءِ الدَّينِ، وفارَقَ الاخْتِيارَ، فإنَّه ما تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّه.
وهذا أصَحُّ في المذهبِ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
وليس للحاكِم أن يأمُرَه بالطَّلاقِ، ولا يُطَلِّقَ عليه إلَّا أن تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لأنَّه حَقٌّ لها، وإنَّما الحاكمُ يَسْتَوْفِي لها الحَقَّ، فلا يكونُ إلا عندَ طَلَبِها.
وَإنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً، فَهِيَ كَطَلَاقِ الْمُولِي، وَإنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أوْ فَسَخَ، صَحَّ ذَلِكَ.
3714 - مسألة: (فإن طَلَّقَ واحِدَةً، فهو كطلاقِ المُولِي)
يعْنِي إذا طَلَّقَ الحاكمُ واحدةً، فهل هي رَجْعِيَّة أو بائِنَة؟ على رِوايَتَين؛ لأنَّه قَامَ مَقامَه، ونابَ عنه، فكان حُكْمُه حكمَ المُولِي (وإن طَلَّقَ) الحاكمُ (ثلاثًا أو فَسَخَ جاز) لأنَّ المُولِيَ إذا امْتَنَعَ مِن الفَيئَةِ والطَّلاقِ، قامَ الحاكمُ مَقامَه، فمَلَكَ مِن الطَّلاقِ ما يَمْلِكُه المُولِي، وإليه الخِيَرَةُ فيه، إن شاءَ طَلَّقَ واحدةً، وإن شاءَ اثْنَتَين، وإن شاءَ ثلاثًا، وإن شاءَ فَسَخ.
قال القاضي: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ.
وقال الشافعيُّ: ليس له إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ إيفاءَ الحَقِّ يَحْصُلُ بها، فلم يَمْلِكْ زِيادَةً عليها، كما لم يَمْلِكِ الزِّيادَةَ على وَفاءِ الدَّينِ في حَقِّ المُمْتَنِعِ.
ولَنا، أنَّ الحاكمَ قائِم مَقامَه، فمَلَكَ مِن الطَّلاقِ ما يَمْلِكُه، كما لو وَكَّلَه في ذلك، وليس ذلك زِيادَةً على حَقها؛
وَإنِ ادَّعَى أنَّ الْمُدَّةَ مَا انْقَضَتْ،
فإنَّ حَقَّها الفُرْقَةُ، غيرَ أنها تَتَنوَّعُ، وقد يَرَى الحاكمُ المَصْلَحَةَ في تَحْرِيمِها عليه، ومَنْعِه رَجْعَتَها؛ لِعلْمِه بسُوءِ قَصْدِه، وحُصُولِ المَصْلَحَةِ ببُعْدِه.
قال أبو عبدِ اللهِ: إذا قال: فَرَّقْتُ بينَكما.
فإنَّما هو فَسْخٌ، وإذا قال: طَلَّقْتُ واحِدَةً.
فهي واحدةٌ، وإذا قال: طَلَّقْتُ ثلاثًا.
فهي ثلاثٌ.
3715 -
مسألةـ: (وإنِ ادَّعَى أنَّ المُدَّةَ ما انْقَضَتْ)
وَادَّعَتْ مُضِيَّها، فالقَوْلُ قَوْلُه في أنها لم تَمْضِ مع يَمِينه، وإنَّما كان كذلك؛ لأن الاخْتِلافَ في مُضِيِّ المُدَّةِ يَنْبَنِي على الخِلافِ في وَقْتِ يَمِينِه، فإنَّهما لو اتَّفَقا على وَقْتِ اليَمِينِ، حُسِبَ مِن ذلك الوَقْتِ، فعُلِمَ هل انْقَضَتِ المُدَّةُ أو لا، وزال الخِلافُ.
أمَّا إذا اخْتَلَفا في وَقْتِ اليَمِينِ، فقال: حَلَفْتُ في غُرَّةِ رَمضانَ.
وقالت: بل حَلَفْتَ في غُرةِ شَعْبانَ.
فالقَوْلُ قوْلُه؛ لأنَّه يَصْدُرُ مِن جِهَتِه، وهو أعْلَمُ به، فكان القولُ قوْلَه فيه، كما لو اخْتَلَفا في أصْلِ الإيلاءِ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَلِفِ في غُرَّةِ شَعْبانَ، فكانَ قولُه في نَفْيِه مُوافِقًا للأصْلِ.
ويكونُ ذلك مع يَمِينِه، في قَوْلِ الخِرَقِيِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
لي قال أبو بَكْر: لا يَمِينَ عليه.
قال القاضي: وهو أصَحُّ؛ لأنّه اخْتِلاف في أحْكامِ النكاحِ، فلم تُشْرَعْ فيه اليَمِينُ، كما لو
أوْ أنهُ وَطِئَهَا، وَكَانَتْ ثيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وإنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَادَّعَتْ أنهَا عَذْرَاءُ، فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ امْرَأة عَدْلٌ، فَالْقَوْلُ
ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امرأةٍ فأنْكَرَتْه.
والأوَّلُ أوْلَى لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» (1). ولأنَّه حَق لآدَمِيٍّ يَجُوزُ بَذْلُه، فيُسْتَحْلَفُ فيه كالدُّيونِ.
3716 -
مسألة: (فإنِ ادَّعَى أنَّه وَطِئَها)
فأنْكَرَتْه (وكانَتْ ثيبًا، فالقَوْلُ قَولُه) مع يَمِينِه.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، والمرْأةُ تَدَّعِي رَفْعَه، وهو يَدَّعى ما يُوافِقُ الأصْلَ، فكانَ القَولُ قَولَه، كما لو ادَّعَى الوَطْءَ في العُنَّةِ، ولأنَّ هذا أمْرٌ خَفِيٌّ، ولا يُعْلَمُ إلَّا مِن جِهَتِه، فقُبِلَ قَولُه فيه، كقَوْلِ المرْأةِ في حَيضِها، وتَلْزَمُه اليَمينُ؛ لأنَّ ما تَدعِيه المرأةُ مُحْتَمِل، فوَجَبَ نَفْيُه باليَمِينِ.
ونَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، على أنَّه لا تَلْزَمُه يَمِينٌ؛ لأنَّه لا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ.
وهذا اخْتيارُ أبي بَكْرٍ.
فأمَّا (إن كانتْ بِكْرًا) واخْتَلَفا في الإِصابَةِ (وادَّعَتْ أنَّها عَذْراءُ) أُرِيَتِ النِّساءَ الثِّقاتِ، فإن شَهِدْنَ بثُيُوبَتِها، فالقَوْلُ قولُه.
وإن شَهِدْنَ ببَكارَتِها (فالقَوْلُ قولُها) لأنَّه لو وَطِئَها زالتْ بَكارَتُها.1
قَوْلُهَا، وإلا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَهَلْ يَحْلِفُ مَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنّه لا يَمِينَ ها هُنا؛ لأنه قال في باب العِنِّينِ: فإن شَهِدْنَ بما قالتْ، أُجِّلَ سنَة.
ولم يَذْكُرْ يَمِينَه.
وهذا قولُ أَبِي بَكْرٍ؛ لأن البَينةَ تَشْهَدُ لها، فلا تَجِبُ اليَمِينُ معها.
وقيلَ: تجبُ عليها اليَمِينُ؛ لاحْتِمالِ أن تكونَ العُذْرَةُ عادَتْ بعدَ زَوالِها (وإن لم) يَشْهَدْ لها 1 أحدٌ (فالقَوْلُ قولُه) كما لو كانتْ ثيبا (وهل يَحْلِفُ؟ على وَجْهَين) مَضَى
..................................
تَوْجِيهُهُما.
والله تَعالى أعلمُ.