يَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ، فَلَا بَأْسَ.
اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ يَمِينِه، فإن حَلَف، فلا بَأْسَ) قال أصحابُنا: تَرْكُه أوْلَى، فيكونُ مَكْرُوهًا.
وبه قال أصحابُ الشافعي؛ لِما رُوِيَ أنَّ المِقْدادَ وعثمانَ تَحاكَما إلى عمرَ، في مالٍ اسْتَقْرَص سه المِقْدادُ، فجعلَ عمرُ اليَمِينَ على المِقْدادِ، فرَدَّها على عثمانَ، فقال عمرُ: لقد أنْصَفَكَ.
فأخَذَ عثمانُ ما أعْطاهُ المِقْدادُ، ولم يَحْلِفْ، وقال: خِفْتُ أن يُوافِقَ قَدَر بَلاءً، فيُقال: بيَمِينِ عثمانَ 1. والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرَهُ بل هو مُباح، فِعْلُه كتَركِه؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أمَر نَبِيَّه - عليه السلام - بالحَلِفِ على الحَقِّ في ثلَاثةِ مَواضعَ، فقال: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىَ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ 2. والثاني قولُه: ﴿قُلْ بَلَى وَربي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ 3. والثالثُ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ 4. ورَوَى محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أنَّ عمرَ قال على المِنبَرِ،
..................................
وفى يَدِه عَصًا: يا أيُّها الناسُ، لا تَمْنعَنَّكم اليمينُ من حُقُوقِكُم، فوَالذِي نفْسِي بِيَدِه، إنَّ في يَدِي لَعَصًا.
ورَوَى الشَّعْبِيُّ، أنَّ عمرَ وأُبَيًّا احْتَكَمَا 1 إلى زيدٍ في نَخْلٍ ادَّعاه أُبَيٌّ، فتَوَجَّهَتِ اليمينُ على عمرَ، فقال زيدٌ: أَعفِ أميرَ المؤمِنين.
فقال عمرُ: ولِمَ يُعْفِي أميرَ المؤمنين؟ إن عَرَفْتُ شيئًا اسْتَحْقَقْتُه بيَمِينِي، وإلَّا تَرَكْتُه، والله 2 الذِى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلِي، وما لأُبَيٍّ فيه حَقٌّ فلمَّا خرَجا وَهَب النَّخْلَ لأُبَيٍّ، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، هلَّا كان هذا قبلَ اليَمِينِ؟ فقال: خِفْتُ أن لا أحْلِفَ، فلا يَحْلِفَ الناسُ على حُقُوقِهم بَعْدِي، فتكونَ سُنَّةً 3. ولأنَّه حَلِف صِدْقٍ على حَق، فأَشْبَهَ الحَلِفَ عندَ غيرِ الحاكمِ.
فصْلٌ: فإِنْ حَرَّمَ أمَتَهُ أَوْ شَيئًا مِنَ الْحَلَالِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (وإِنْ حَرَّمَ أمَتَهُ أَوْ شَيئًا مِنَ الْحَلَالِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ) وقال أبو حنيفةَ: يُحَرَّمُ، لقولِ الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ 1. وقولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ 2. ولأنَّه تَحْرِيمٌ للحَلالِ، فحَرَّمَ، كتَحْريمِ الزَّوْجَةِ.
ولَنا، أنَّه إذا أرادَ التَّكْفِيرَ، فله فِعْلُ المَحْلُوفِ عليه، وحِلُّ فِعْلِه مع كَوْنِه 3 مُحَرَّمًا تَناقُضٌ، والعَجَبُ أنَّ أبا حنيفةَ لا يُجِيزُ التَّكْفِيرَ إلَّا بعدَ الحِنْثِ، وقد فَرَض اللهُ تعالى تَحِلَّةَ اليمينِ، فعلى قولِه، يَلْزَمُ كونُ المُحَرَّم مَفروضًا، أو من ضَرُورَةِ المَفْروضِ، لأنَّه لا تَحْصُلُ التَّحِلَّةُ إلَّا بفِعْلِ المَحْلُوفِ عليه 4، وهو عندَه مُحَرَّمٌ، وهذا غيرُ جائِزٍ، ولأنَّه لو كان مُحَرَّمًا،
..................................
لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ عليه، كالظِّهارِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» 1. فأمَرَ بفِعْلِ المحْلُوفِ عليه، ولو كان مُحَرَّمًا، لم يَأْمُرْ بفِعْلِه، وسَمَّاه خَيرًا، والمُحَرَّمُ ليس بخيرٍ.
وأمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها قوْلُه: هو علَيَّ حَرامٌ.
أو مَنْعُ نَفْسِه منه، وذلك 2 يُسَمَّى تحْرِيمًا، قال اللهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ 3. وقال: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ 4. ولم يَثْبُتْ في التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً ولا شَرْعًا.
فإذا قال: هذا حَرامٌ عليَّ إن فَعَلْتُ.
وفَعَل.
أو: ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ إن فَعَلْتُ.
ثم فَعَلَ، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ تَرَك ما حَرَّمَه على نَفْسِه، وإن شاءَ كَفَّرَ.
وإن قال: هذا الطعامُ حَرامٌ عليَّ.
فهو كالحالِفِ على تَرْكِه.
..................................
ويُرْوَى نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، والحَسنِ، وجابرِ بنِ زَيدٍ، وقَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأهلِ العراقِ.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، في مَن قال: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ: يَمِينٌ مِن الأيمانِ، يُكَفِّرُها.
وقال الحسنُ: هي يَمِينٌ، إلا أن يَنْويَ امرأتَه.
وعن إبراهيمَ مثلُه.
وعنه، إن نَوَى طَلاقًا، وإلَّا فليس بشيءٍ.
وعن الضَّحَّاكِ، أنَّ أبا بكرٍ، وعمرَ، وابنَ مسعودٍ، قالوا: الحرامُ يَمِينٌ 1. وقال طاوُسٌ: هو ما نَوَى.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس بيَمِينٍ، ولا شيءَ عليه، لأنَّه قَصَد تَغْيِيرَ المَشْرُوعِ، فَلَغا ما قَصَدَه، كما لو قال: هذه ابْنَتِي.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ 2. سَمَّى تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللهُ يَمِينًا، وفَرَض له تَحِلَّةً، وهو الكَفَّارَةُ.
وقالت عائِشَةُ: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمْكُثُ عندَ زَينَبَ بنتِ جَحْشٍ، ويَشْرَبُ عندَها عَسَلًا، فتَواطَيتُ 3 أنا وحَفْصَةُ، أنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ 4 فدَخَلَ على إحْدانا، فقالتْ له
..................................
ذلك، فقال: «لَا، بَل شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينَبَ بنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أَعُودَ».
فنزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾.
مُتَّفَقٌ عليه 1. فإن قيل: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في تَحْرِيمِ مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ، كذلك قال الحسنُ، وقَتادَةُ 2. قُلنا: ما ذَكَرْناه أصَحُّ، فإنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وقولُ عائشةَ صاحِبَةِ القِصَّةِ الحاضِرَةِ للتَّنْزِيلِ، المُشاهِدَةِ للحالِ، أوْلَى، والحسنُ وقَتادَةُ لو سَمِعَا قولَ عائشةَ، لم يَعْدِلا به شيئًا، ولم يَصِيرَا إلى غيرِه، فكيفَ يُصارُ إلى قولِهما، ويُتْرَكُ قَوْلُها! وقد رُوِيَ عن ابنِ عَباسٍ، وابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه جَعَل تَحْرِيمَ الحلالِ يَمِينًا 3.
..................................
ولو ثَبَت أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تحريمِ ماريَةَ، كان حُجَّةً لنا؛ لأنَّها من الحلالِ الَّذي حَرَّمَ، وليست زَوْجَةً، فوُجُوابُ الكَفَّارَةِ بتَحْرِيمِها يَقْتَضِي وُجُوبَها بتَحْرِيمِ كلِّ حَلالٍ، بالقياسِ عليها؛ لأنَّه حَرَّمَ الحَلال فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ، كتَحْرِيمِ الأمَةِ [والزَّوْجَةِ] 1، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بتَحْرِيمِها.
إذا ثَبَت هذا، فعليه إن فَعَلَه كَفَّارَةُ يَمِينٍ لقولِه عليه السَّلامُ: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وَكَفرْ عَنْ يَمِينِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه.
ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا حَرَّمَ العَسَلَ، أو مارِيَةَ، أَنْزلَ اللهُ سبحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.
قال الحسنُ: سَمَّى تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللهُ يَمِينًا، وفَرَضَ لَهُ تَحِلَّةً، وهي الكَفَّارَةُ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُه الكَفَّارَةُ؛ لأنَّه تَحْرِيمٌ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ بالفِعْلِ، فحَرُمَ ما حَرَّمَه، كالظِّهارِ.
وَإنْ قَال: هُوَ يَهُودِيٌّ.
أوْ: كَافِرٌ.
أوْ: بَرِئٌ مِنَ اللهِ تَعَالى، أوْ: مِنَ الإسْلَامِ، أو: الْقُرْآنِ، أو: النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا،
4702 - مسألة: (وإن قال: هو يَهُودِيٌّ)
أو: نَصْرانِيٌّ (أو: بَرِئٌ مِنَ اللهِ تعالى، أو:) من (القُرْآنِ، أو: الإِسْلام، أو: النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إن فَعَل ذلك.
فقد فَعَل مُحَرَّمًا) لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَال».
مُتَّفَق عليه 1. وفي لَفْظٍ: «مَنْ حَلَفَ أنَّه بَرِئٌ مِنَ الإِسْلَامِ، فَإنْ كَانَ قَدْ
وَعَلَيهِ كَفَّارَةٌ إِنْ فَعَلَ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
كَذَبَ، فَهُوَ كَمَا قَال، وَإنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَرْجِعْ إلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا» (1).
4703 -
مسألة: (وعليه كَفَّارَةٌ إن فَعَل، في إحْدَى الرِّوَايَتَين)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في الحالِفِ بالخُروجِ من الإسْلامِ، مثلَ أن يقولَ: هو يَهُودِيٌّ.
أو: نَصْرَانِيٌّ،.
أو: مَجُوسِيٌّ، إن فَعَل كَذا.
[أو: هو] 2 بَرِئٌ من الإِسْلامِ.
أو: مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. أو يقولُ: هو يَعْبُدُ الصَّلِيبَ.
أو: يَعْبُدُ غيرَ اللهِ، إن فَعَل.
أو نحوَ هذا 3، فعن أحمدَ: عليه الكَفَّارَةُ إذا حَنِثَ. يُرْوَى هذا عن طاوُسٍ، والحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.1
= عارضة الأحوذي 7/ 28. والنسائي، في: باب الحلف بملة سوى الإسلام، وباب النذر فيما لا يملك، من كتاب الأيمان.
المجتبى 6/ 7، 18. وابن ماجه، في: باب من حلف بملة غير الإسلام، كتاب الكفارات.
سنن ابن ماجه 1/ 678. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 33.
..................................
ورُوِيَ ذلك عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، رَضِيَ اللهُ عنه.
والثانِيَةُ، لا كَفَّارَةَ عليه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، واللَّيثِ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ باسمِ اللهِ، ولا صِفَتِه، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَة، كما لو قال: عَصَيتُ اللهَ فيما أمَرَنِي به.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الرِّوايَةِ الأُولَى على النَّدْبِ دونَ الإيجابِ، فإنَّه قال في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا قال: أكفُرُ باللهِ.
أو: أُشْرِكُ باللهِ: فأحَبُّ إليَّ أن يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إذا حَنِثَ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، ما رُوِيَ [عن الزُّهْرِيِّ، عن خارِجَةَ بنَ زيدٍ، عن أبيه] 1، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ عن الرجلِ يقولُ: هو يَهُودِيٌّ، أو نَصْرَانِيٌّ، أو مَجُوسِيٌّ، أو بَرِئٌ من الإسْلامِ.
في اليَمِينِ يَحْلِفُ بها، فيَحْنَث في هذه الأشْياءِ.
قال: «عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
أخْرَجَه أبو بَكْرٍ 2. ولأنَّ البَرَاءَةَ من هذه الأشْياءِ تُوجِبُ الكُفْرَ باللهِ، فكان الحَلِف بها يَمِينًا،
وَإنْ قَال: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى.
أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
كالحَلِفِ باللهِ تعالى.
قال شيخُنا (1): والرِّوايةُ الثانِيَةُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى، فإنَّ الوُجوبَ من الشَّارعِ، ولم يَرِدْ في هذه اليَمِينِ نَصٌّ، ولا هي في قياسِ المَنْصُوصِ، فإنّ الكَفَّارَةَ إنَّما وَجَبَتْ بالحَلِفِ باسِم اللهِ تَعْظِيمًا لاسْمِه، وإظْهارًا لشَرَفِه وعَظَمَتِه، ولا تَتَحَقَّقُ التَّسْويَةُ.
4704 -
مسألة: (وإن قال: «أنا أسْتَحِلُّ الزِّنَى. أو نَحْوَه، فعلى وَجْهَين)
وكذلك إن قال: أنا أسْتَحِلُّ تَرْكَ الصلاةِ أو الزكاةِ أو الصِّيامِ.1
وَإنْ قَال: عَصَيتُ اللهَ.
أوْ: أَنا أَعْصِي اللهَ في كُلِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ.
أوْ: مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ إِنْ فَعَلْتُ.
فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
فهو كالحَلِفِ بالبَراءَةِ من الإسْلامِ؛ لأنَّ اسْتِحْلال ذلك يُوجِبُ الكُفْرَ، فيُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين في المسألةِ قبلَها.
4705 -
مسألة: (وإن قال: عَصيتُ اللهَ. أو: أنَا أعْصِي اللهَ في كُلِّ ما أمَرَنِي بِهِ. أو: مَحَوْتُ المُصْحَفَ إن فَعَلْتُ)
كَذا.
وحَنِثَ (فلا كَفَّارَةَ فيه) لأنَّ هذا دونَ الشِّرْكِ.
وإن قال: أخْزاه اللهُ.
أو: قَطَعَ يَدَه.
أو: لعنه، إن فَعَل.
ثم حَنِثَ، فلا كَفّارَةَ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال طاوُسٌ، واللَّيثُ: عليه الكَفَّارَةُ.
وبه قال الأوْزَاعِيُّ إذا قال: عليه لَعْنَةُ اللهِ.
ولَنا،
..................................
أنَّ هذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، أشْبَهَ ما لو قال: مَحَوْتُ المُصْحَفَ.
وإن قال: لا يَرانِيَ اللهُ في 1 مَوْضِعِ كذا إن فعلتُ.
وحَنِثَ، فقال القاضِي: عليه
وَإنْ قَال: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لأفْعَلَنَّ.
فَلَيسَ بِشَيْءٍ؛ وَعَنْهُ، عَلَيهِ كَفَّارَة إِنْ حَنِثَ.
كَفَّارَةٌ.
وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا كفَّارَةَ فيه، لأنَّ إيجابَها في هذا ومثلِه تَحَكُّم بغيرِ نَصٍّ، ولا قِياس صَحِيحٍ.
4706 -
مسألة: (وإن قال: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لَأفْعَلَنَّ. فليس بشيءٍ. وعنه، عليه كَفَّارَةٌ إن حَنِثَ)
أمَّا إذا قال: عَبْدُ فُلانٍ حُرٌّ.
من غيرِ تعْلِيقٍ، لم يَلْزَمْه شيءٌ، وكذلك إن عَلَّقَه، لأنَّ تَعْلِيقَ الشيءِ بالشَّرْطِ أثَرُه في أن يَصِيرَ عندَ الشَّرْطِ كالمُطْلَقِ 1، فإذا كان المُطْلَقُ 2 لا يُوجبُ شيئًا، فكذلك المعَلَّقُ.
ولا يَعْتِقُ العَبْدُ إذا حَنِثَ، بغيرِ خلافٍ، لأنَّه لا يَعْتِقُ بتَنْجِيزِ 3 العِتْقِ، فالتَّعْلِيقُ أوْلَى.
وهل تَلْزَمُه كَفَّارَةٌ؟ فيه رِوايتان عن أحمدَ، ذَكَرَهُما ابنُ أبي موسى؛ إحْداهما، عليه كَفَّارَةٌ؛ لأنَّه حَلَف بالعِتْقِ فيما لا يَقَعُ بالحِنْثِ، فلَزِمَتْه كَفَّارَةٌ، كما لو قال: فللهِ عَلَيَّ أنْ أُعْتِقَ فُلانًا.
والثانيةُ، لا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه حَلَف بإخْراجِ مالِ غيرِه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قال: مالُ فُلانٍ صَدَقَةٌ، إن دَخَلْتُ الدَّارَ.
ولأنَّه تعْلِيقٌ للعِتْقِ
وَإنْ قَال: أَيمَانُ الْبَيعَةِ تَلْزَمُنِي.
فَهِيَ يَمِينٌ، رَتَّبَها الْحَجَّاجُ، تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ باللهِ تَعَالى، والطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ
على صِفَةٍ، فلم تَجِبْ به كَفَّارَة، كسائِرِ التَّعْلِيقُ (1). أمَّا إذا قال: للهِ عَلَيَّ أن أُعْتِقَ عَبْدًا.
فإنَّه نَذْرٌ، فأوجَبَ الكَفَّارَةَ؛ لكَوْنِ (2) النَّذْرِ كاليَمِينِ، وتعْلِيقُ العِتْقِ بخلافِه.
فصل: وإن قال: إن فَعَلْتُ كذا، فمالُ فُلانٍ صَدَقَةٌ، أو: فعلى فُلانٍ حَجَّةٌ، أو: فمالُ (3) فُلانٍ حَرامٌ عليه، أو: هو بَرِئٌ من الإِسْلام.
وأشْباهَ هذا، فليس ذلك بيَمِينٍ، ولا تَجبُ به كَفَّارَةٌ.
لا نَعْلَمُ بينَ أهَلِ العِلْمِ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشَّرْعُ فيه بَكفَّارَةٍ، ولا هو في معنى ما وَرَد الشَّرْعُ به.
4707 -
مسألة: (وإن قال: أيمانُ البَيعَةِ تَلْزَمُنِي. فهي يَمِينٌ، رَتَّبَهَا الحَجَّاجُ، تَشْتَمِلُ على اليَمِينِ باللهِ تَعَالى، والطَّلاقِ، والعَتاقِ،
123
الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْرِفُهَا وَنَوَاهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا فِيهَا، وَإلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ بِحَالٍ، إلا في الطَّلَاقِ والْعَتَاقِ.
وصَدَقَةِ المالِ، فإن كان الحالِفُ يَعْرِفُها ونَوَاها، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بما فيها، وإلَّا فلا شيءَ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَنْعَقِدَ إلَّا فِي الطَّلاقِ والعَتاقِ) قال أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ: كُنْتُ عندَ أبي القاسِمِ الخِرَقِيِّ، وقد سَأَلَه رجلٌ عن أيْمانِ البَيعَةِ، فقال: لستُ أُفْتِي فيها بشيءٍ، ولا رأيتُ أحدًا من شيوخِنا يُفْتِي في هذه اليَمِينِ.
قال: وكان أبي، رَحِمَه اللهُ -يَعْنِي [أبا عليٍّ] 1 - يَهابُ الكلامَ فيها.
ثم 2 قال أبو القاسِمِ: إلَّا أن يَلْتَزِمَ الحالِفُ بها بجميعِ ما فيها من الأيمانِ.
فقال له السائِلُ: عَرَفَها أم لم يَعْرِفْها؟ قال: نعم.
وكانتِ اليَمِينُ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالمصافَحَةِ 3، فلمَّا وَلِيَ الحَجَّاجُ رَتَّبَها إيمانًا تَشْتَمِلُ على اليَمِينِ باللهِ
..................................
تعالى، والطَّلاقِ، والعَتاقِ، وصَدَقَةِ المالِ.
فمَن لم يَعْرِفْها، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه بشيءٍ ممَّا فيها؛ لأنَّ هذا ليس بصَرِيحٍ في القَسَمِ، والكِنايَةُ لا تَصِحُّ إلَّا بالنِّيَّةِ، ومَن لم يَعْرِفْ شيئًا، لمْ يصِحَّ أن يَنْويَه.
وإن عَرَفَها، ولم يَنْو عَقْدَ اليَمِينِ بما فيها، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لِما ذَكَرْناه.
ومَن عَرَفَها، ونوَى اليَمِينَ بما فيها، انْعَقَدَ في الطَّلاقِ، العَتاقِ؛ لأنَّ اليَمِينَ بهما 1 جميعًا 2
.................................. تَنْعَقِدُ بالكِنايَةِ، وما عدا الطَّلاقَ والعَتاقَ، كاليَمِينِ بالله تعالى، وصَدَقَةِ المالِ، فقال القاضي: تَنْعَقِدُ يَمِينُه ها هنا أيضًا؛ لأنَّها يَمِينٌ، فتَنْعَقِدُ
..................................
بالكِنايَةِ المَنْويَّةِ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ، وكما لو لَفَظَ بكل واحدةٍ وَحْدَها.
وقال في مَوْضِعٍ: لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ باللهِ بالكِنايَةِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ إنَّما وَجَبَتْ فيها لما ذُكِرَ فيها من اسْمِ اللهِ تعالى المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، ولا يُوجَدُ ذلك في الكِنايَةِ.
وَإنْ قَال: عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ: يَمِين إِنْ فعَلْتُ كَذَا.
وَفَعَلَهُ، فَقَال أصْحَابُنَا: عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
4708 - مسألة: (وإن قال: عَلَيَّ نَذْرٌ، أو يَمِينٌ إن فَعَلْتُ كذا. وفَعَلَه، فقال أصحابُنا: عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ)
لِما روَى ابنُ عامِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ، كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
قال
.................................. التِّرْمِذِيُّ 1: هذا حدِيثٌ صَحِيحٌ.
فَصْلٌ في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: وَهِيَ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا، فَيُخَيَّرُ
فصل في كَفَّارَةِ اليَمِينِ: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ تعالى: (وهي تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وترتيبًا).
والأصْلُ في كفَّارَةِ اليَمِينِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ (1) الآية.
وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَايتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (2). في أخْبارٍ سِوَى هذا.
وأجْمعَ المسلِمُون على مَشْرُوعِيَّةِ الكفَّارَةِ في اليَمِينِ باللهِ تعالى.
4709 -
مسألة: (وهي تَجْمَع تَخْيِيرًا وتَرْتِيبًا، فَيُخَيَّرُ بينَ ثَلَاثةِ
12
فِيهَا بَينَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أوْ كُسْوَتُهُمْ، أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.
والْكُسْوَةُ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أنْ يُصَلِّيَ فيهِ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ.
أشْيَاءَ؛ إطْعامُ عَشَرَةِ مساكِينَ، أو كُسْوَتُهُم، أو تَحْريرُ رَقَبَةٍ) لِما ذَكَرْنا في الآيةِ.
وقد سَبَق شَرْحُ العِتْقِ والإِطْعام في كفَّارَةِ الظِّهارِ.
و (كُسْوَةُ) المساكينِ (للرجلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُه أن يُصَلِّيَ فيه، وللمرأةِ دِرْعٌ وخِمَارٌ) ولا خِلافَ في أنَّ الكُسْوَةَ أحَدُ أصْنافِ الكفَّارَةِ؛ لنَصِّ اللهِ عليها، في كتابِه بقولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
وتتقَدَّرُ الكُسْوَةُ بما تُجْزِئُ الصلاةُ فيه، على ما ذكَرْنا.
وهذا قولُ مالكٍ.
ومِمَّن قال: لا تُجْزِئُه السَّراويلُ وحدَها 1. الأوْزَاعِيُّ، وأبو يوسف.
وقال إبراهيمُ: ثَوْبٌ جامِعٌ.
وقال الحسنُ: كلُّ مِسْكِين حُلَّة؛ إزَارٌ ورِداءٌ.
وقال ابنُ عمرَ، وعَطاء، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأصْحابُ الرَّأْي: يُجْزِئُه ثوْبٌ ثَوْبٌ 2. ولم يُفَرِّقُوا بينَ الرجلِ والمرأةِ.
ورُوِيَ عن الحسنِ 3،
..................................
قال: تُجْزِئُ العِمامَةُ.
وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: عباءَةٌ وعِمامَةٌ.
[وقال الشافعيُّ: يُجْزِئُ أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ؛ من سَراويلَ، أو إزارٍ، أو رِداءٍ، أو مِقْنَعَةٍ، أو عِمامَةٍ] 1. وفي القَلَنْسُوَةِ وَجْهان.
واحْتَجُّوا بأنَّ ذلك يَقَعُ عليه اسمُ الكُسْوَةِ، فأجْزَأ، كالذي تجوزُ الصلاةُ فيه.
ولَنا، أنَّ الكُسْوَةَ أحَدُ أنْواعِ الكَفَّارَةِ، فلم يَجُزْ فيه ما يَقَعُ عليه الاسمُ، كالإِطْعامِ والإِعْتاقِ، ولأنَّ التَّكْفِيرَ عِبادَةٌ تُعْتَبَرُ فيها الكُسْوَةُ، فلم يَجُزْ فيه أقَلُّ ممَّا ذَكَرْناه، كالصلاةِ، ولأنَّه مَصْروفٌ إلى المساكِينِ في الكَفَّارَةِ، فيُقَدَّرُ، كالإِطْعامِ، ولأنَّ اللَّابِسَ ما لا يَسْتُرُ عَوْرَتَه يُسَمّى عُرْيانًا، فلا يُجْزِئُه؛ لقولِ الله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
إذا ثَبَت هذا،
..................................
فإنَّه إذا كَسَا امرأةً، أعْطاها دِرْعًا وخِمارًا، على ما ذَكَرْنا؛ لأنَّه [أقَلُّ ما] 1 يَسْتُرُ عَوْرَتَها، وتُجْزئُها الصلاةُ فيه، وإن أعْطاها ثوبًا واسِعًا، يُمْكِنُها أن تَسْتُرَ به بَدَنَها ورَأْسَها، أجْزَأَة ذلك.
والرجلُ يُجْزِئُه إذا كَسَاه ثَوْبٌ، أو قَمِيصٌ يُمْكِنُه أن يَسْتُرَ به عَوْرَتَه، ويَجْعَلَ على عاتِقِه منه شيئًا، أو ثَوْبَين يَأْتَزِرُ بأحَدِهما، ويَرْتَدِي بالآخَرِ.
ولا يُجْزِئُه مِئْزَرٌ وَحْدَه، ولا سَراويلُ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُصَلِّي أحَدُكُم فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيسَ عَلَى عَاتِقِه مِنْهُ شَيْءٌ» 2.
ويجوزُ أن يَكْسُوَهُم من جميعِ أصْنافِ الكُسْوَةِ، من القُطْنِ، والكَتَّانِ، والصوفِ، والشَّعَرِ، والوَبَرِ، والخَزِّ، والحريرِ، لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بكُسْوَتِهم ولم يُعَيِّنْ جِنْسَها، فأيُّ جِنْسٍ كَساهُم منه، خَرَجَ به عن العُهْدَةِ؛ لوُجُودِ الكُسْوَةِ المأْمُورِ بها.
ويجوزُ أن يَكْسُوَهُم جَدِيدًا
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَةٍ، إِنْ شَاءَ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإنْ شَاءَ بَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ.
ولَبِيسًا، إلَّا أن يكونَ قد بَلِيَ وذَهَبَتْ مَنْفَعَتُه، فلا يجوزُ؛ لأنَّه مَعِيبٌ، فهو كالحَبِّ المَعِيبِ، والرَّقَبَةِ إذا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُها وسَواءٌ كان ما أعْطَاهُم مَصْبُوغًا أو لا، أو خَامًا أو مَقْصُورًا (1)؛ لأنَّه تَحْصُلُ به الكُسْوَةُ المأْمُورُ بها، والمَنْفَعَةُ المقْصُودَةُ منها (2).
فصل: والذين (3) تُجْزِئُ كُسْوَتُهم، هم المساكينُ الذين يُجْزِئُ إطْعامُهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى.
قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
فيَنْصَرِفُ الضَّمِيرُ إليهم.
4710 -
مسألة: (فإن لم يَجِدْ، فصِيامُ ثَلَاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَةٍ، إن شاء قَبْلَ الحِنْثِ، وإن شاء بعدَه، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُها على اليَمِينِ)
إذا عَجَز عن العِتْقِ والإِطْعامِ والكُسْوَةِ، أجْزَأَه صِيامُ ثلاثَةِ أيَّامٍ؛ للآيةِ.123
..................................
وقد ذَكَرْنا صِفَةَ العَجْزِ في كفَّارَةِ الظِّهارِ في العَجْزِ عن الرَّقَبَةِ.
ويُشْتَرَطُ التَّتابُعُ في صَوْمِ الأَيَّامِ الثلاثَةِ.
وعنه، لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّ الأمْرَ بصَوْمِها مُطْلَقٌ، فلم يَجُزْ تَخْصِيصُه 1 بغيرِ دليلٍ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المذهَبِ؛ لأنَّ في قراءَةِ أُبَيٍّ، وابنِ مسعودٍ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَاتٍ) 2. والظاهِرُ أنَّهما سَمِعاه من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فيكونُ خَبَرًا، ولأنَّه صَوْمٌ في كَفَّارَةٍ، فلا يُنْتَقَلُ عنه إلَّا بعدَ العَجْزِ عن العِتْقِ، فوَجَبَ التَّتابعُ، كصَوْمِ المُظاهِرِ.
..................................
4711 - مسألة: وهو مُخَيَّرٌ في التَّكْفِيرِ، إن شاء قَبْلَ الحِنْثِ، وإن شاء بعدَه، سواءٌ كان صَوْمًا أو غيرَه، فيما سِوَى الظِّهارِ
1، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ، منهم مالكٌ.
وممَّن رُوِيَ عنه تَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ على الحِنْثِ؛ عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُه، وابنُ عباسٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ،
..................................
ومَسْلَمَةُ بنُ مَخْلَدٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ورَبِيعةُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبارَكِ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو خَيثَمَةَ، وسليمانُ بنُ داودَ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا تُجْزِئُ الكَفَّارَةُ قبلَ الحِنْثِ؛ لأنَّه تَكْفِيرٌ قبلَ وُجودِ سَبَبِه، فأشْبَهَ ما لو كَفَّرَ قبلَ اليَمِينِ، ودليلُ ذلك أنَّ سَبَبَ التَّكْفِيرِ الحِنْثُ، إذ 1 هو هَتْكُ الاسمِ المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، ولم يُوجَدْ ذلك.
وقال الشافِعِيُّ كقَوْلِنا في الإِعْتاقِ والإِطْعامِ والكُسْوَةِ، وكقَوْلِهم في الصِّيامِ، من أجْلِ أنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فلم يَجُزْ فِعْلُه قبلَ وُجُوبِه لغيرِ مَشقةٍ، كالصَّلاةِ 2. ولَنا، ما رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا حَلَفْتَ عَلَىِ يَمِينٍ، فَرَأيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خيرٌ».
رَواه أبو
..................................
داودَ 1. [وفي لفظٍ: «وائْتِ الذي هو خيرٌ».
رَواه البُخارِيُّ] 2. وقد رَوَى أبو هُرَيرَةَ، وأبو الدَّرْدَاءِ، وعَدِيُّ بنُ حاتمٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوَ ذلك.
رَواه الأثْرَمُ 3. وعن أبي موسى، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنِّي، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأرَى غَيرَها خَيرًا مِنْهَا، إلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وأتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ».
أو: «أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي».
رَواه البخارِيُّ 4. ولأنَّه كَفَّرَ بعدَ وُجودِ السَّبَبِ، فأجْزَأَ، كما لو كَفَّرَ بعدَ الجَرْحِ وقبلَ الزُّهوقِ، والسَّبَبُ هو اليَمِينُ، بدليلِ قولِه تعالى.
﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 5. وقولِه سبحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ 6. وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي»: «فكَفِّرْ
..................................
عَنْ يَمِينِكَ».
وتَسْمِيَةِ الكَفَّارَةِ كَفَّارَةَ اليَمِينِ، وبهذا يَنْفَصِلُ عمَّا ذَكَرُوه، وعلى هذا، فالحِنْثُ شَرْطٌ وليس بسَبَبٍ، ولأنَّ تَعْجِيلَ حَقِّ اللهِ تعالى في المالِ بعدَ وُجودِ 1 سَبَبِه قبلَ وُجودِ شَرْطِه جائِزٌ، بدليلِ تَعْجيل الزَّكاةِ بعدَ وُجودِ (1) النِّصابِ وقبلَ الحَوْلِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ بعدَ الجَرْحِ وقبلَ الزُّهوقِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: العَجَبُ من أصحابِ أبي حنيفةَ، أجازُوا تَقْدِيمَ 3 الزَّكاةِ من غيرِ أن يَرْوُوا فيها مثلَ هذه الآثارِ الوارِدَةِ 4 في تَقْدِيمِ الكَفَّارَةِ، وأبَوْا تَقْدِيمَ الكَفَّارَةِ ههُنا مع كَثْرَةِ الرِّوايَةِ الوارِدَةِ فيها، والحُجَّةُ في السُّنَّةِ، ومَن خالفَها مَحْجُوجٌ بها.
فأمَّا أصحابُ الشافِعِيِّ فهم مَحْجُوجُونَ بالأحادِيثِ، مع أنَّهم قد احْتَجُّوا بها في البَعْضِ، وخالفُوها في البعضِ، وفَرَّقُوا بينَ 5 ما جَمَعَ بينَه النَّصُّ.
ولأنَّ الصِّيامَ نَوْعُ تَكْفِيرٍ، فجازَ قبلَ الحِنْثِ، كالتَّكْفِيرِ بالمالِ، وقياسُ الكَفَّارَةِ على الكَفَّارَةِ أوْلَى من قِياسِها على الصلاةِ المَفْروضَةِ بأصْلِ الوَضْعِ.
..................................
فأمّا تَقْدِيمُها على اليَمِينِ، فلا يجوزُ عندَ أحَدٍ من العُلَماءِ، لأنَّه تَقْدِيمٌ للحُكْمِ قبلَ سَبَبِه، فلم يَجُزْ، كتَقْدِيمِ الزَّكاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ قبلَ الجَرْحِ.
فصل: والتَّكْفِيرُ قبلَ الحِنْثِ وبعدَه سَواءٌ في الفَضِيلَةِ.
وقال ابنُ أبي موسى: بعدَه أفْضَلُ عندَ أحمدَ.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافِعِيِّ؛ لِما فيه من الخُروجِ من الخِلافِ، وحُصُولِ اليَقِينِ 1 ببَراءَةِ الذِّمَّةِ.
ولَنا، أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ فيه، فيها التَّقْدِيمُ مَرَّةً والتَّأْخِيرُ أُخْرَى، وهذا دليلُ التَّسْويَةِ، ولأنَّه تَعْجِيلُ ما 2 يجوزُ تعْجِيلُه قبلَ وُجوبِه، فلم يَكُن التَّأْخِيرُ أفْضَلَ، كتَعْجِيلِ الزَّكاةِ وكفَّارَةِ القَتْلِ، وما ذَكَرُوه مُعارَضٌ بتَعْجيلِ النَّفْعِ للفُقَراءِ، والتَّبَرُّعِ بما لم يَجِبْ عليه، والخِلافُ الخالِفُ [للنُّصوصِ] 3 لا يُوجِبُ تَفْضيلَ المُجْمَعِ عليه، كتَرْكِ الجَمْعِ بينَ الصَّلاتَين.
وَمَنْ كَرَّرَ أَيمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، فَعَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعَنْهُ، لِكُلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ.
فصل: فإن كان الحِنْثُ في اليَمِينِ مَحْظُورًا، فعَجَّلَ الكَفَّارَةَ (1) قبلَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه عَجَّلَ الكَفَّارَةَ قَبْلَ سَبَبِها، فأجْزَأته، كما لو كان الحِنْثُ مُباحًا.
والثاني، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ التَّعْجِيلَ رُخْصَة، فلا يُسْتَباحُ بالمَعْصِيَةِ، كالقَصْرِ في سَفَرِ المَعْصِيَةَ، والحديث لم يَتَناوَلِ المَعْصِيَةَ؛ فإنَّه قال: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا».
ولأصحابِ الشافعيِّ في هذا وَجْهان كما ذَكَرْنا.
4712 -
مسألة: (ومَن كَرَّرَ أيمَانًا قبلَ التَّكْفِيرِ، فعليه كَفَّارَة واحِدَةٌ. وعنه، لكلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ)
إذا كَرَّرَ أيمانًا قبلَ التَّكْفِيرِ،1
..................................
[كقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 1: «واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا» 2، فحَنِثَ، فليس عليه إلَّا كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، وكذلك إن حَلَف بأيمانٍ [كَفّارَتُها واحِدَةٌ] 3، كقَوْلِه: واللهِ، وعَهْدِ اللهِ، ومِيثَاقِه، وقُدْرَتِه، وكَلامِه، وكِبْرِيائِه.
على شيءٍ واحدٍ.
رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ عمرَ.
وبه قال الحسنُ، وعُرْوَةُ، وإسْحاقُ.
ورُوِيَ أيضًا عن عَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وحَمَّادٍ، والأوْزاعِيِّ.
وقال أبو عُبَيدٍ، في مَن قال: عليَّ عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه وكَفالتُه.
ثم حَنِثَ: فعليه ثَلاثُ كفَّاراتٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: عليه لكلِّ يَمينٍ كَفَّارَةٌ، إلَّا أن يَنْويَ التَّأكِيدَ أو التَّفْهِيمَ.
ونحوُه عن الثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وعن الشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين.
وعن عمرِو بنِ دينارٍ، إن كان في مَجْلِسٍ واحدٍ كقَوْلِنا، وإن كان في مَجالِسَ كقَوْلِهم.
واحْتَجُّوا بأنَّ أسْبابَ الكَفَّاراتِ تَكَرَّرَتْ، فتَكَرَّرُ 4 الكَفَّاراتُ، كالقَتْلِ لآدَمِيٍّ، أو صَيدِ حَرَمِيٍّ 5. ولأنَّ اليَمِينَ الثانِيَةَ مثلُ الأُولَى، فتَقْتَضِي ما تَقْتَضِيه.
وَالظَّاهِرُ أَنَّها إِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ
ولَنا، أنَّه حِنْثٌ واحدٌ أوْجَبَ جِنْسًا واحدًا من الكَفَّاراتِ، فلم يَجِبْ به أكثرُ مِن كَفَّارَةٍ، كما لو قَصَد التَّأْكِيدَ.
قولُهم: إنَّها أسْبابٌ تَكَرَّرَتْ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ السَّبَبَ الحِنْثُ، وهو واحِدٌ، وإن سَلَّمْنا، فيَنْتَقِضُ بما إذا كَرَّرَ الوَطْءَ في رمضانَ في أيَّامٍ، وبالحُدودِ إذا تَكَرَّرَتْ أسْبابُها، ولا يَصِحُّ القياسُ على الصَّيدِ الحَرَمِيِّ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ بَدَلٌ، ولذلك تَزْدادُ بكِبَرِ الصَّيدِ، وتُقَدَّرُ بقَدْره، فهي كدِيَةِ القتلِ، ولا على كَفَّارَةِ قَتْلِ الآدَمِي؛ لأنَّها أُجرِيَتْ مُجْرَى البَدَلِ أيضًا لحَقِّ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لمّا أتْلَفَ آدَمِيًّا عابدًا للهِ تعالى، ناسَبَ أن يُوجِدَ عبدًا يَقُومُ مَقامَه في العِبادَةِ، فلمَّا عَجَز عن الإِيجادِ، لَزِمَه إعْتاقُ رَقَبَةٍ؛ لأنَّ العِتْقَ إيجاد للعَبْدِ بتَخْلِيصِه من رِقِّ العُبُودِيَّةِ وشُغْلِها، إلى فَراغِ البالِ للعِبادَةِ بالحُرِّيَّةِ التي حَصَلَت بالإِعْتاقِ، ثم الفَرْقُ ظاهِرٌ، لأنَّ السَّبَبَ ههُنا تَكَرَّرَ بكَمالِه وشُروطِه، وفي مَحَل النِّزاعِ لم يُوجَدْ ذلك، لأنَّ الحِنْثَ إمَّا أن يكونَ هو السَّبَبَ، أو جُزْءًا منه، أو شَرْطًا له، بدليلَ تَوَقُّفِ الحُكْمَ على وجُودِه، وأَيًّا ما كان، فلم يَتَكَرَّرْ، فلم يَجُزِ الإِلْحاقُ (1)، وإن صَحَّ القِياسُ، فقِياسُ كَفَّارَةِ اليَمِينِ على مِثْلِها أوْلَى من قِياسِها على القَتْلِ؛ لبُعْدِ ما بينَهما.
4713 -
مسألة: (والظَّاهِرُ)
فيما إذا كَرَّرَ الأيمَانَ (أنَّها إن كانت1
كَانَتْ عَلَى أَفْعَالٍ، فَعَلَيهِ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ.
على فِعْلٍ واحِدٍ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، وإن كانت على أفْعَالٍ، فعليهِ لِكلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ) لأنَّها إذا كانت على فِعْلٍ واحدٍ، كان سَبَبُها واحدًا، فالظَّاهِرُ أنَّه أرادَ التَّوْكِيدَ لذلك، كقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا».
كَرَّرَها 1 ثلاثًا، وإن كانت على أفْعالٍ، فعليه لكلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ.
وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ.
ورَواه المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
وقال أبو بَكْرٍ: تجْزِئُه كَفَّارَةٌ واحدةٌ، رَواها ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ.
قال القاضي: هي الصَّحِيحَةُ.
وقال أبو بكرٍ: ما نَقَلَه المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ قولٌ لأبي عبدِ اللهِ، ومذهَبُه أنَّ كَفَّارَةً واحِدَةً تُجْزِئه.
..................................
وهو قولُ إسحاقَ؛ لأنَّها كَفَّارات من جِنْس واحدٍ، فتَداخَلَتْ، كالحُدودِ مِن جِنْسٍ واحدٍ، وإنِ اخْتَلَفَتْ محالُّها، بأن سَرَقَ من جماعَةٍ، أو زَنَى بنِساءٍ.
ولَنا، أنَّهُنَّ أيمانٌ لا يَحْنَثُ في إحْداهُنَّ بالحِنْثِ في الأُخْرَى، فلم تَتَكَفَّرْ 1 إحْداهما بكَفَّارَةِ الأُخْرَى، كما لو كَفَّرَ عن إحْداهما قبلَ الحِنْثِ في الأُخْرَى، وكالأيمانِ المُخْتَلِفَةِ الكَفَّارَةِ.
وبهذا فارَقَ الأيمانَ على شيءٍ واحدٍ؛ فإنَّه متى حَنِثَ في إحْداهما كان حانِثًا في الأُخْرَى، فلمَّا كان الحِنْثُ واحِدًا، كانتِ الكَفَّارَةُ واحِدَةً، وههُنا تَعَدَّدَ 2 الحِنْثُ، فتَعَدَّدَتِ 3 الكَفَّاراتُ، وفارَقَ الحُدودَ، فإنَّها وَجَبَت للزَّجْرِ، وتَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، بخلافِ مسألتنا، ولأنَّ الحُدودَ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فالمُوالاةُ بينَها رُبَّما أفْضتْ إلى التَّلَفَ، فاجْتُزِئَ بإحَداها 4، وههُنا الواجِبُ 5 إخْراجُ مالٍ يَسِيرٍ، أو صيامُ ثلاثَةِ إيَّامٍ، فلا يَلْزَمُ الضَّرَرُ الكبيرُ بالمُوالاةِ فيه، ولا يُخْشَى منه التَّلَفُ.
فصل: إذا حَلَف يَمِينًا واحِدَةً على أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فقال: واللهِ لا
وَإنْ كَانَتِ الأيمَانُ مُخْتَلِفَةَ الْكَفَّارَةِ، كَالظِّهَارِ وَالْيَمِين باللهِ تَعَالى، فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا.
أكَلْتُ، ولا شَرِبْتُ: ولا لَبِسْتُ.
فحَنِثَ في الجميعِ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اليَمِينَ واحِدَةٌ، والحِنْثَ واحِدٌ، فإنَّه يَحْنَث بفِعْلِ واحدٍ من المَحْلوفِ عليه، وتَنْحَلُّ يَمِينُه.
وإن حَلَف أيمانًا على أجْناسٍ، فقال: واللهِ لا أكَلْتُ، واللهِ لا شَرِبْتُ، واللهِ لا لَبِسْتُ.
فحَنِثَ في واحِدَةٍ منها، فعليه كَفَّارَةٌ، فإن أخْرَجَها ثم حَنِثَ في يَمِين أُخْرَى، لَزِمَتْه كَفَّارَةٌ أُخْرَى.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا أيضًا (1)؛ لأنَّ الحِنْثَ في الثانِيةِ (2) تَجِبُ به الكَفَّارَةُ بعدَ أن كَفَّرَ عن الأُولَى، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ في رمضانَ فكَفَّرَ، ثم وَطِئَ مَرَّةً أُخْرَى.
وإن حَنِثَ في الجميعِ قبلَ التَّكْفِيرِ، ففيه رِوايتان ذَكَرْناهُما في المسألةِ قبلَ هذا الفَصْلِ.
4714 -
مسألة: (وإن كانتِ الأيمَانُ مُخْتَلِفَةَ الكَفَّارَةِ، كالظِّهَارِ واليَمِينِ باللهِ تعالى، فلكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا)
مثلَ أن يَحْلِفَ باللهِ تعالى وبِالظِّهَارِ وبعِتْقِ عَبْدِه، فإذا حَنِثَ 3، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين وكَفَّارَةُ12
وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصِّيَامُ، وَلَيسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ.
ظِهَارٍ، ويَعْتِقُ العَبْدُ؛ لأنَّ تَداخُلَ الأحْكامِ إنَّما يكونُ مع اتِّحادِ الجنْسِ، كالحُدودِ من جِنْسٍ، فأمَّا الكَفَّارَاتُ ههُنا فمن أجْناسٍ، وَأسْبابُها مُخْتَلِفَةٌ، فلم تَتَداخَلْ، كحَدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ والقَذْفِ والشُّرْبِ.
4715 -
مسألة: (وكَفَّارَةُ العَبْدِ الصِّيامُ، وليس لسَيِّدِه مَنْعُه منه. ومَن بَعْضُه حُرٌّ فَحُكْمُه في الكَفَّارَةِ حُكمُ الأحْرارِ)
لا خِلافَ في أنَّ العَبْدَ يُجْزِئُه الصِّيامُ في الكَفَّارَةِ؛ لأنَّ ذلك فرْضُ المُعْسِرِ من الأحْرارِ، وهو أحْسَنُ حالًا من العَبْدِ، فإنَّه 1 يَمْلِكُ في الجُمْلَةِ، ولأنَّ العَبْدَ داخِلٌ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ 2.
فصل: فإن أَذِنَ السَّيِّدُ لعَبْدِه في التَّكْفِيرِ بالمالِ، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه ليس بمالِكٍ 3 لِمَا أَذِنَ له فيه.
وهل يُجْزِئُه بإذْنِ السَّيِّدِ؛ فيه رِوَايتان؛ إحْداهما، لا يُجْزِئُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ، ولا يُجْزِئُه إلَّا الصِّيامُ.
..................................
والثانِيَةُ، يُجْزِئُه؛ لأنَّ المَنْعَ لحَقِّ السَّيِّدِ، وقد أذِنَ، أشْبَهَ ما لو أذِنَ له أن يَتَصَدَّقَ بالمالِ، وقد ذَكَرْنا ذلك في الظِّهارِ، والاخْتِلافَ فيه 1. وذكرَ القاضي، أنَّ أصْلَ هذا 2 عندَه الرِّوايتان في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْليكِ، فإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
فمَلَّكَه سَيِّدُه، وأذِنَ له بالتَّكْفيرِ بالمالِ، جازَ، لأنَّه مالِكٌ لِما يُكَفِّرُ به، وإدت قُلْنا: لا يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
ففَرْضُه الصِّيامُ؛ [لأنَّه لا يَمْلِكُ شيئًا يُكَفِّرُ به، وكذلك إن قُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ.
ولم يَأْذَنْ له سَيِّدُه في التَّكْفيرِ بالمالِ، ففَرْضُه الصِّيامُ] 3 وإن مَلَك؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ فيما في يَدَيه.
قال: وأصْحابُنا يَجْعَلُون في العَبْدِ رِوايَتَين مُطْلَقًا، سَواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُ أو لا يَمْلِكُ.
ثم 4 على الرِّوايَةِ التي تُجِيزُ له التَّكْفِيرَ بالمالِ له أن يُطْعِمَ، وهل له أن يُعْتِقَ؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ العِتْقَ يَقْتَضِي الوَلاءَ والولايةَ والإِرْثَ، وليس