الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 421-460

كِتَابُ الْأَيْمَانِ

صفحات 421-460

كتابُ الأيمان والأصْلُ في مَشْرُوعِيَّتِها وثُبوتِ حُكْمِها، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ 1. الآية.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ 2. وأمَرَ نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - بالحَلِفِ في ثَلاثةِ مَواضِعَ، فقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ 3. وقال سبحانَه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ 4. وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ 5. وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي وَاللهِ، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ

..................................  خَيرٌ وتَحَلَّلْتُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وكان أكثرُ قَسَمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَمُصَرِّفِ القُلُوبِ» 2. «وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» 3. ثَبَت هذا عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، في آيٍ وأخْبارٍ سِوَى هذَين كثيرٍ.
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على مَشْرُوعِيَّةِ اليَمِينِ، وثُبوتِ أحْكامِها.
ووَضْعُها في الأصْلِ لتَوْكيدِ 4 المَحْلوفِ عليه.
فصل: وتَصِحُّ مِن كلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ قاصِدٍ إلى اليمينِ، ولا تَصِحُّ مِن غيرِ مُكَلَّفٍ، كالصَّبِيِّ والمجنونِ والنائمَ؛ [لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» 5. ولأنَّه قولٌ 6 يَتَعَلَّقُ به وجوبُ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ من غيرِ مُكَلَّفٍ] 7، كالإِقْرارِ.
وفي السَّكْرانِ وَجْهان، بِناءً على [أنَّه هل هو] 8

..................................  مُكَلَّفٌ، [أو غيرُ مُكَلَّفٍ] 1؟ ولا تَنْعَقِدُ يَمِينُ مُكْرَهٍ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَنْعَقِدُ؛ لأنَّها يَمِينُ مُكَلَّفٍ، فانْعَقَدَتْ، كيَمِينِ المُخْتارِ.
ولَنا، ما روَى أبو أُمامَةَ، وواثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ» 2. ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، ككلمَةِ الكُفْرِ.
فصل: وتَصِحُّ من الكافِرِ، وتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ بالحِنْثِ، سَواءٌ حَنِث في كُفْرِه أو بعدَ إسْلامِه.
وبه قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، إذا حَنِث بعدَ إسْلامِه.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي: لا تَنْعَقِدُ يَمِينُه؛ لأنَّه ليس بمُكَلَّفٍ.
ولَنا، أنَّ عمرَ نَذَر في الجاهِلِيَّةِ أن يَعْتَكِفَ في المسجدِ الحرامِ، فأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالوَفاءِ بنَذْرِه 3. ولأنَّه من أهْلِ القَسَمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ 4. ولا نُسَلِّمُ أنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، وإنَّما تَسْقُطُ عنه العِباداتُ بإسْلامِه؛ لأنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ ما قبلَه، فأمَّا ما الْتَزَمه بنَذْرِه أو يَمِينِه، فيَنْبَغِي أن يَبْقَى حُكْمُه في حَقِّه؛ لأنَّه من جِهَتِه.

..................................  فصل: والأيمانُ تَنْقَسِمُ خمسةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، واجِبٌ، وهي التي يُنْجِي بهِا إنْسانًا مَعْصومًا مِن هَلَكَةٍ، كما رُوِيَ عن سُويَدِ 1 بنِ حَنْظَلَةَ، قال: خرَجْنا نُرِيدُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعنا وائلُ بنُ حُجْرٍ، فأَخَذَه عَدُوٌّ له، فتَحَرَّجَ القومُ أن يَحْلِفُوا، وحَلَفَتُ أنا أنَّه أخِي، فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ».
رَواه أبو داودَ 2. فهذا وأشباهُه واجِبٌ؛ لأنَّ إنْجاءَ المعْصومِ واجِبٌ، وقد تَعَيَّنَ في اليَمِينِ، فيَجِبُ، وكذلك إنْجاءُ نَفْسِه، مثلَ أن تَتَوَجَّهَ أيمانُ القَسامَةِ في دَعْوَى القتلِ عليه، وهو بَرِئٌ.
الثاني، مَنْدُوبٌ، وهو الحَلِفُ الذي تَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَةٌ؛ مِن إصْلاحٍ بينَ مُتَخاصِمَين، أو إزالةِ حِقْدٍ مِن قلبِ مسلمٍ عن الحالِفِ أو غيرِه، أو في دَفْعِ شَرٍّ، فهذا مَنْدُوبٌ؛ لأنَّ فِعْلَ هذه الأمُورِ مندوبٌ إليه، واليَمِينَ مُفْضِيَةٌ إليه.
وإن حَلَفَ على فِعْلِ طاعَةٍ، أو تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّه مَنْدوبٌ إليه.
وهو قولُ بعضِ أصْحابِنا، وأصحابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ ذلك يَدْعُوه إلى فِعْلِ الطَّاعاتِ؛ وتَرْكِ المَعاصِي.
والثاني، ليس بمنْدوبٍ إليه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابَه لم يكونُوا يَفْعَلُون ذلك في الأكثرِ الأغْلَبِ، ولا حَثَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحدًا عليه، ولا نَدَبَهُم إليه، ولو كان ذلك طاعَةً لم يُخِلُّوا به، ولأن ذلك يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن النَّذْرِ، وقال: «إنَّهُ لَا

..................................  يَأْتِي بِخَيرٍ، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. الثالثُ، المُباحُ، مثل الحَلِفِ على فِعْلٍ مُباحٍ أو تَرْكِه، والحَلِفِ على الخَبَرِ بشيءٍ هو صادِقٌ فيه، أو يَظُنُّ أنَّه فيه صادِقٌ، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ 2. ومِن صُورِ اللَّغْو أن يَحْلِفَ على شيءٍ يَظُنُّه كما حَلَف، ويَبِينَ بخِلافِه.
الرابعُ، المَكْرُوهُ، وهو الحَلِفُ على مَكْرُوهٍ، أو تَرْكِ مندوبٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ﴾ 3. ورُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللهُ عنه، حَلَفَ لا يُنْفِقُ على مِسْطَحٍ بعدَ الذي قال لعائِشةَ ما قال، وكان مِن أهلِ الإفْكِ، فأنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ 4. قيلَ: المرادُ بقولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾.
أي

..................................  لا يَمْتَنِعْ.
ولأنَّ اليمينَ على ذلك مانِعَةٌ مِن فِعْلِ الطَّاعَةِ، أو 1 حامِلَةٌ على فِعْلِ المَكْرُوهِ، فتكونُ مَكْرُوهَةً.
فإن قيلَ: لو كانت مَكْرُوهَةً لأنْكَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الأعْرابِيِّ الذي سَألَه عن الصَّلواتِ، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ فقال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ».
فقال: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لا أَزِيدُ عليها ولا أنْقُضُ منها.
ولم يُنْكِرْ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، بل قال: «أفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ» 2. قُلْنا: لا يلزَمُ هذا، فإنَّ اليَمِينَ على تَرْكِها، [لا تَزِيدُ على] 3 تَرْكِها، ولو تَرَكَها، لم يُنْكَرْ عليه، ويَكْفِي في ذلك بَيانُ أنَّ ما تَرَكَه تَطَوُّعٌ، وقد بَيَنّهَ له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقَوْلِه: «إلَّا أنْ تَطَوَّعَ».
ولأنَّ هذه اليَمِينَ إن تَضَمَّنَتْ تَرْكَ المنْدوبِ، فقد تَناوَلَتْ فِعْلَ الواجِبِ، والمُحافَظَةَ عليه كلِّه، بحيثُ لا يَنْقُصُ منه شيئًا، وهذا في الفَضْلِ يَزِيدُ على ما قابَلَه مِن تَرْكِ التَّطَوُّعِ، فيَتَرَجَّحُ جانِبُ الإِتْيانِ بها على تَرْكِها، فيكونُ مِن قِبَلِ المندُوبِ، فكيفَ يُنْكَرُ! ولأنَّ في الإِقْرارِ على هذه اليَمِينِ بَيانَ حُكْمٍ يُحْتاجُ إليه، وهو بَيانُ أنَّ تَرْكَ التَّطَوُّعِ غيرُ مُؤاخَذٍ به، ولو أنْكَرَ على الحالِفِ هذا، لحَصَلَ ضِدُّ هذا، وتَوَهَّمَ كثيرٌ مِن الناسِ لُحوقَ الإِثْمِ بتَرْكِه، فيَفُوتُ الغَرَضُ.
ومِن قِسْمِ المَكْرُوهِ الحَلِفُ في البَيعِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحَلِفُ مُنْفِقٌ للسِّلْعَةِ، مُمْحِقٌ

..................................  للبَرَكَةِ».
رَواه ابنُ ماجَه 1. القِسمُ الخامِسُ، المُحَرَّمُ، وهو الحَلِفُ الكاذِبُ، فإنَّ اللهَ تعالى ذَمَّه بقَوْلِه سبحانَه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ 2. ولأنَّ الكَذِبَ حَرامٌ، فإذا كان مَحْلُوفًا عليه، كان أشَدَّ في التَّحْريمِ.
وإن أبْطَلَ به حَقًّا، واقْتَطَعَ به مال مَعْصُومٍ، كان أشَدَّ، فإنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَال مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبانُ» مُتَّفَقٌ على مَعْناه 3. وأنْزَلَ اللهُ تعالى في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ

..................................  وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 1. ومِن هذا القِسْمِ الحَلِفُ على مَعْصِيَةٍ، أو تَرْكِ واجِبٍ، فإنَّ المَحْلُوفَ عليه حَرامٌ، فكان الحَلِفُ حَرامًا؛ لأنَّه وَسِيلَةٌ إليه، والوَسِيلَةُ تَأْخُذُ حُكْمَ المُتَوَسَّلِ إليه.
فصل: ومتى كانتِ اليَمِينُ على فِعْلِ واجِبٍ، أو تَرْكِ مُحَرَّمٍ، كان حَلُّها مُحَرَّمًا؛ لأنَّ حَلَّها بفعلِ المُحَرَّمِ، وهو مُحَرَّمٌ.
وإن كانت على منْدوبٍ، أو تَرْكِ مَكْرُوهٍ، فحَلُّها مَكْرُوهٌ، وإن كما نت على مُباحٍ، فحَلُّها مُباحٌ.
فإن قيلَ: فكيف يكونُ حَلُّها مُباحًا، وقد قال اللهُ سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ 2. [قُلْنا: هذا في الأيمانِ في العُهودِ والمواثيقِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾] 3. إلى قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيمَانَكُمْ دَخَلًا بَينَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ 4. والعَهْدُ يجبُ الوَفاءُ به بغيرِ يَمِينٍ، فمع اليَمِينِ أوْلَى، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾.
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 5. ولهذا نَهى عن نَقْضِ اليَمِينِ، والنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وذَمَّهم عليه، وضَرَب لهم مَثَلَ التي نَقَضتْ غَزْلَها مِن بعدِ قُوَّةٍ

وَالْيَمِينُ الَّتى تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ، هِيَ الْيَمِينُ بالله تِعَالى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.
أنْكاثًا، ولا خِلافَ في أنَّ الحَلَّ (1) المُخْتَلَفَ فيه لا يَدْخُلُه شيءٌ مِن هذا.
وإن كانت على فِعْلِ مَكْرُوهٍ، أو تَرْكِ مَنْدُوبٍ، فحَلُّها مندوبٌ إليه، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَميِنِكَ» (2). وقال - عليه السلام -: «إنِّي وَاللهِ، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفَ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وتَحَلَّلْتُهَا» (3). وإن كانتِ اليَمِينُ على فِعْلِ مُحَرَّمٍ، أو تَرْكِ واجِبٍ، فحَلُّها واجِبٌ؛ لأنَّ حَلَّها بفِعْلِ الواجِبِ، وفعلُه واجِبٌ.

4680 -

مسألة: (واليمينُ التي تَجِبُ بها الكَفَّارَةُ، هي اليمينُ باللهِ تعالى، أو صِفَةٍ مِن صِفاتِه)

أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَن حَلَف بالله تعالى، فقال: واللهِ.
أو: باللهِ.
أو: تاللهِ.
فحَنِثَ، أنَّ عليه الكَفَّارَةَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 4: وكان مالكٌ، وأبو عُبَيدٍ، والشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ،123

وَأَسْماءُ اللهِ تَعَالى قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا، مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيرُهُ، نَحْوَ: واللهِ، وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ الَّذِي لَيسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَرَازِقِ الْعَالمِينَ.
فَهَذَا الْقَسَمُ بِهِ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ.
والثَّاني، مَا يُسَمَّى به غَيرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللهِ تعالى؛ كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالْعَظِيمِ، وَالْقَادِرِ، وَالرَّبِّ، وَالْمَوْلَى، وَالرَّزَّاقِ وَنَحْوهِ.
وأصحابُ الرَّأْي، يقولُون: مَن حَلَف باسمٍ مِن أسماءِ الله تعالى، فحَنِثَ، فعليه الكَفَّارَةُ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إذا كان مِن أسماءِ اللهِ التي لا يُسَمَّى بها سِوَاه.

4681 -

مسألة: (وأسماءُ اللهِ تعالى قِسْمان؛ أحدُهما، ما لا يُسَمَّى به غيرُه، نحوَ: واللهِ، والقديمِ الأزَليِّ، والأوَّلِ الذي ليس قبلَه شيءٌ، والآخِرِ الذي ليس بعدَه شيءٌ، وخالقِ الخَلْقِ، ورازِقِ العالمِينَ.
فهذا القَسَمُ به يَمِينٌ بكلِّ حالٍ)

وكذلك قوْلُه: ورَبِّ العالمِين، ورَبِّ السَّمَواتِ، والحَيِّ الذي لا يَمُوتُ (الثاني، ما يُسَمَّى به غيرُه، وإطْلاقُه يَنْصَرِفُ إلى اللهِ تعالى؛ كالعَظيمِ، والرَّحيمِ، والرَّبِّ، والمَوْلَى، والرَّازِقِ، ونحوه) فأمَّا الرحمنُ، فذكَرَه شيخُنا مِن هذا القِسمِ في الكتابِ

فَهَذَا إِنْ نَوَى بِالْقَسَمِ بِهِ اسْمَ اللهِ تَعَالى، أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ نوَى غَيرَه، فَلَيسَ بِيَمِينٍ.
المشْروحِ، وذكَره في كتابِ «المُغْنِي» (1) مِن القِسْمِ الأوَّلِ، وهو أَوْلَى؛ لأنَّ ذلك إنَّما كان يُسَمَّى به غيرُ اللهِ تعالى مُضافًا، كقَوْلِهم في مُسَيلِمَةَ: رَحْمانُ اليَمامَةِ.
أمَّا إذا أُطْلِقَ، فلا يَنْصَرِفُ إلَّا إلى اللهِ تعالى، فهذا القِسْمُ الذي يُسَمَّى به غيرُ اللهِ مَجازًا، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (2). و ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (3). وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (4). وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (5).

4682 -

مسألة: (فهذا إن نَوَى بِالقَسَمِ به اسْمَ اللهِ تعالى، أو أطْلَقَ، كان يَمِينًا)

لأنَّه بإطْلَاقِه يَنْصَرِفُ إليه [وإن نَوَى غيرَه، فليس بيَمِينٍ]) لأنَّه يَسْتَعْمِلُه في غيرِه فيَنْصَرِفُ إليه] 6 بالنِّيَّةِ.
وهذا مذهبُ12345

..................................  الشافِعِيِّ.
وقال طَلْحَةُ العَاقُولِيُّ: إذا قال: والرَّبِّ، والخالِقِ، والرَّازِقِ.
كان يَمِينًا على كُلِّ حالٍ، كالأوَّلِ؛ لأنَّها 1 لا تُسْتَعْمَلُ مع التَّعْريفِ باللامِ إلَّا في اسْم اللهِ تعالى، فأشْبَهَتِ القِسْمَ الأوَّلَ.

وَأَمَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ، كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْجُودِ، فَإِنْ لَمْ يَنْو بِهِ اللهَ تَعَالى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَإِنْ نَوَاهُ، كَانَ يَمِينًا.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يَكُونُ يَمِينًا أَيضًا.

4683 - مسألة: (وأمَّا ما لا يُعَدُّ مِن أسْمائِه، كالشيءِ والمَوْجُودِ)

والحَيِّ، والعالِمِ، والمُؤْمِنِ، والكريمِ، والشَّاكِرِ (فإن لم يَنْو به اللهَ تعالى) أو نَوَى غيرَه (لم يَكُنْ يَمِينًا، وإن نَوَاه، كان يَمِينًا) فيَخْتَلِفُ هذا القِسْمُ والذي قبلَه في حالةِ الإِطْلاقِ، ففي الأوَّلِ يكونُ يَمِينًا، وفي الثاني لا يكونُ يَمِينًا (وقال القاضي) والشافعيُّ في هذا القِسْمِ: (لا يكونُ يَمِينًا أيضًا) وإن قَصَد به اسمَ اللهِ تعالى؛ لأنّ اليَمِينَ إنَّما تَنْعَقِدُ لِحُرْمَةِ 1 الاسْمِ، فمع الاشْتِراكِ لا يكونُ له حُرْمَةٌ، والنِّيةُ المُجَرَّدَةُ لا تَنْعَقِدُ بها اليَمِينُ.
ولنا، أنَّه أقْسَم باللهِ قاصدًا به الحَلِفَ، فكان يمينًا مُكَفَّرةً، كالقِسْمِ الذي قبلَه.
وقولُهم: إنَّ النِّيةَ المُجَرَّدَةَ لَا تَنْعَقِدُ

وَإِنْ قَال: وَحَقِّ اللهِ، وَعَهْدِ اللهِ، وَايمُ اللهِ، وَأَمَانَةِ اللهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَمِينٌ.
وَإِنْ قَال: وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَسَائِرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى اللهِ تَعَالى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، إلا أَنْ يَنْويَ صِفَةَ اللهِ تَعَالى.
وَعَنْهُ، يَكُونُ يَمِينًا.
بها اليَمينُ.
نقولُ به، وما انْعَقَدَ بالنّيةِ المُجردةِ، وإنَّما انعقَدَ بالاسْمِ المُحْتَمِلِ المُرادِ به اسمُ اللهِ تعالى، فإنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ المُحْتَمِلَ إلى 1 أحَدِ مُحْتَملاتِه، فيَصِيرُ كالمُصَرَّحِ به، كالكناياتِ، ولهذا لو نَوَى بالقِسْمِ الذي قبلَه غيرَ اللهِ، لم يَكُنْ يَمِينًا لنِيَّتِه.

4684 -

مسألة: (وإن قال: وحَقِّ اللهِ، وعَهْدِ اللهِ، وايمُ اللهِ، وأمانَةِ اللهِ، ومِيثاقِه، وقُدْرَتِه، وعَظَمَتِه، وكِبْرِيائِه، وجَلالِه، وعِزَّتِه، ونَحْوَ ذلك، فهو يَمِينٌ.
وإن قال: والعَهْدِ، والميثاقِ، وسائِرَ ذلك، ولم يُضِفْه إلى اللهِ تعالى، لم يَكُنْ يَمِينًا، إلَّا أن يَنْويَ صِفَةَ الله تعالى.
وعنه، يكونُ يَمِينًا)

إذا قال: وحَقِّ اللهِ.
فهي يَمينٌ مُكَفَّرَةٌ.
وبه قال مالكٌ،

..................................  والشافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةَ لها؛ لأنَّ حَقَّ اللهِ طاعَتُه ومَفْرُوضاتُه، وليست صِفَةً له.
ولَنا، أنَّ للهِ حُقوقًا يَسْتَحِقُّها لنَفْسِه؛ مِن البَقاءِ، والعَظَمَةِ، والجَلالِ، والعِزَّةِ، وقد اقْتَرَنَ عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بالحَلِفِ بهذه الصِّفَةِ، فيَنْصَرِفُ إلى صِفَةِ اللهِ تعالى، كقَوْلِه: وقُدْرَةِ 1 اللهِ.
وإن نَوَى بذلك القَسَمَ بمَخْلُوقٍ، فالقولُ فيه كالقَوْلِ في الحَلِفِ بالعلمِ والقُدْرَةِ، إلَّا أنَّ احْتِمال المَخْلُوقِ بهذا اللَّفْظِ أظْهَرُ.
وإن قال: وعَهْدِ اللهِ، وكَفالتِه.
فذلك يَمِينٌ، يجبُ تَكْفِيرُها إذا حَنِثَ فيها.
وبهذا قال الحسنُ، وطاوسٌ، والشَّعْبِيُّ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ.
وقال عطاءٌ، وابنُ المُنْذِرِ، وأبو عُبَيدٍ: لا يكونُ يَمِينًا إلَّا أن يَنْويَ.
وقال الشافِعيُّ.
لا يكونُ يَمِينًا إلَّا أن يَنْويَ اليَمِينَ بعَهْدِ اللهِ الذي هو صِفَتُه.
وقال أبو حنيفةَ: ليس بيَمِينٍ.
ولَعَلَّهُم ذَهَبُوا إلى أنَّ العَهْدَ مِن صِفاتِ الفعْلِ، فلا يكونُ الحَلِفُ به يَمِينًا،

..................................  كما لو قال: وحَقِّ (1) اللهِ.
وقد وافَقَنا أبو حنيفةَ في أنَّه إذا قال: عَلَيَّ عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه.
ثم حَنِثَ، أنَّه تَلْزَمُه الكَفَّارَةُ.
ولَنا، أنَّ عَهْدَ اللهِ يِحْتَمِلُ كلامَه الذي أمَرَنا به ونَهانا عنه، لقولِه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ (2). وكلامُه قديمٌ صِفَةٌ له، ويَحْتَمِلُ أنَّه اسْتِحْقاقُه لِما تَعَبَّدَنا به، وقد ثَبَت له عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فيَجبُ أن يكونَ يَمِينًا بإطْلاقِه، كما لو قال: وكلامِ اللهِ.
إذا ثَبَت هذا، فإِنَّه إذا قال: عَلَيَّ عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه لأفْعَلَنَّ (3). أو قال: وعَهْدِ اللهِ ومِيثاقِه لأفْعَلَنَّ (3). فهو يَمِينٌ.

4685 -

مسألة: وإن قال: وايمُ اللهِ، أو: وَايمُنُ اللهِ.

فهي يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ، وهو كالحَلِفِ بعَمْرِ اللهِ على ما نَذْكُرُه.
وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُقْسِمُ به، وانْضَمَّ إليه عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فوَجَبَ أنْ يُصْرَفَ إليه.
واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِه، فقيل: هو جَمْعُ يَمِينٍ، وحُذِفَتِ النُّونُ فيه في البعضِ تَخْفِيفًا لكَثْرَةِ الاسْتِعْمالِ.
وقيل: هو مِن اليَمِينِ، فكأنَّه قال: ويَمِين اللهِ لأفْعَلَنَّ.
وألِفُه ألِفُ وَصْلٍ.123

..................................

4686 - مسألة: وإن قال: وأمانَةِ اللهِ.
فقال القَاضِي: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في أنَّ الحَلِفَ بأمانَةِ اللهِ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ بها، إلَّا أن يَنْويَ الحَلِفَ بِصِفَةِ اللهِ؛ لأنَّ الأمانةَ تُطْلَقُ على الفَرائِض والوَدائِعِ والحُقوقِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

1. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 2. يَعْنِي الوَدائِعَ والحُقوقَ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» 3. وإذا كان اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لم يُصْرَفْ إلى أحَدِ مُحْتَمِلاتِه إلَّا بنِيَّتِه 4 أو دليلٍ صارِفٍ إليه.
ولَنا، أنَّ أمانَةَ اللهِ صِفَةٌ من صِفاتِه، بدليلِ وُجوبِ الكَفَّارَةِ على مَن حَلَف بها إذا نَوَى، [ويَجِبُ] 5 حَمْلُها على ذلك عندَ الإِطْلاقِ؛ لوُجوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ حَمْلَها على غيرِ ذلك صَرْفٌ ليَمِينِ المسلمِ إلى المَعْصِيَةِ،

..................................  أو المَكْرُوهِ؛ لكَوْنِه قَسَمًا بمَخْلُوقٍ، والظَّاهِرُ من حالِ المسلمِ خِلَافُه.
الثاني، أنَّ القَسَمَ في العادَةِ يكونُ بالمُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ دونَ غيرِه، وصِفَةُ اللهِ أعْظَمُ حُرْمَةً وقَدْرًا.
الثالِثُ، أنَّ ما ذكَرُوه من الفَرائِضِ والوَدائِعِ لم يُعْهَدِ القَسَمُ بها، ولا يُسْتَحْسَنُ ذلك لو صرّحَ به، فكذلك 1 لا يُقْسَمُ بما هو عِبارةٌ عنه.
الرابعُ، أنَّ أمانَةَ اللهِ المُضافَةَ إليه، هي صِفَتُه، وغيرُها يُذْكَرُ غيرَ مُضافٍ إليه، كما ذُكِرَ في الآياتِ والخَبَرِ.
الخامسُ، أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في كلِّ أمانَةٍ للهِ 2؛ لأنَّ اسمَ الجِنْسَ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، أفادَ الاسْتِغْراقَ، فتَدْخُلُ فيه أمانَةُ اللهِ التي هي صِفَتُه، فتَنْعَقِدُ اليَمِينُ بها مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، كما لو نَواها.
فصل: والقَسَمُ بصِفَاتِ اللهِ تعالى، كالقَسَمِ بأسْمائِه.
وصِفاتُه تَنْقَسِمُ ثلاثَةَ أقْسَامٍ؛ أحَدُها، ما هو صِفاتٌ لذاتِ اللهِ تعالى، لا يَحْتَمِلُ غيرَها، كعِزَّةِ اللهِ، وعَظَمَتِه، وجَلَالِه، وكِبْرِيائِه، وكَلامِه، فهذه تَنْعَقِدُ بها اليَمِينُ في قَوْلِهم جميعًا.
وبه يقولُ الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ هذه مِن صِفاتِ ذَاتِه، لم يَزَلْ مَوْصُوفًا بها، وقد وَرَد الأثَرُ بالقَسَمِ ببَعْضِها، فرُويَ أنَّ النَّارَ تقولُ: «قَطِ قَطِ 3، وعِزَّتِكَ».
روَاه البُخَارِيُّ 4. والذي يَخْرُجُ مِن النَّارِ يقولُ: «وعِزَّتِكَ، لَا

..................................  أسْأَلُكَ غَيرَها» 1. وفي كتابِ اللهِ تعالى: ﴿قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ 2. الثاني، ما هو صِفَةٌ للذَّاتِ، إلَّا أنَّه يُعَبَّرُ به عن غيرِها مَجازًا، كعِلْمِ اللهِ وقُدْرَتِه، فهذه صِفَةٌ للذَّاتِ لم يَزَلْ مَوْصُوفًا بها، وقد تُسْتَعْمَلُ في المَعْلُومِ والمَقْدُورِ اتِّساعًا 3، كقولِهم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا عِلْمَك فينا.
ويقالُ: اللَّهُمَّ قد أرَيتَنا قُدْرَتَك، فأَرِنَا عَفْوَكَ.
ويُقالُ: انْظُرُوا إلى قُدْرَةِ اللهِ.
أي مَقْدُورِه.
فمتى أقْسَمَ بهذا، كان يَمِينًا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وعِلْمِ اللهِ.
لا يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ المَعْلُومَ.
ولَنا، أنَّ العِلْمَ من صِفاتِ الله تعالى، فكانتِ اليَمِينُ به يَمِينًا مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، كالعَظَمَةِ، والعِزَّةِ، والقُدْرَةِ، ويَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه بالقُدْرَةِ، فإنَّهم قد سَلَّمُوها، وهي قَرِينَتُها.
فأمَّا إن نوَى القَسَمَ بالمَعْلُومِ والمَقْدُورِ، احْتَمَلَ أن لا يكونَ يَمِينًا.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه نَوَى بالاسمِ غيرَ صِفَةِ اللهِ تعالى، مع احْتِمالِ اللَّفْظِ ما = الأيمان، وفي: باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، من كتاب التوحيد.
صحيح البخاري 6/ 173، 8/ 168، 9/ 143: ولم يرد في الموضع الأول: «وعزتك».
كما أخرجه الترمذي، في: باب ومن سورة ق، من أبواب التفسير.
عارضة الأحوذي 12/ 159، 160. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 134، 141، 234.

..................................  نَوَاه، فأَشْبَهَ ما لو نَوَى القَسَمَ بمَخْلُوقٍ في الأسْماءِ التي يُسَمَّى بها غيرُ اللهِ تعالى.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّ ذلك يكونُ يَمِينًا بكلِّ حالٍ، ولا يُقْبَلُ منه نِيَّةُ غيرِ صِفَةِ.
اللهِ، كالعَظَمَةِ.
وقد ذَكَر طَلْحَةُ العاقُولِيُّ، أنَّ أسماءَ الله تعالى المُعَرَّفَةَ بلامِ التَّعْريفِ، كالخالقِ والرَّازِقِ، أنَّها تكونُ يَمِينًا بكلِّ حالٍ، لأنَّها لا تَنْصَرِفُ إلَّا إلى اسمِ اللهِ تعالى، كذا هذا.
الثالثُ، ما لا يَنْصَرِفُ بإطْلاقِه إلى صِفَةِ اللهِ تعالى، لكنْ يَنْصَرِفُ بإضافَتِه إلى اللهِ سُبْحانَه لَفْظًا أو نِيَّةً، كالعَهْدِ والميثاقِ والأمانَةِ، فهذا لا يكونُ يَمِينًا مُكَفَّرَةً إلَّا بإضافَتِه أو نِيَّتِه.
وسنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ.

4687 -

مسألة: (وإن قال: والعَهْدِ، والمِيثاقِ، وسائِرَ ذلك، ولم يُضِفْه إلى الله تعالى، لم يَكُنْ يَمِينًا، إلَّا أن يَنْويَ صِفَةَ الله تعالى. وعنه، يَكُونُ يَمِينًا)

إذا قال: والعَهْدِ، والمِيثاقِ، والأمانَةِ، والعَظَمَةِ، والكِبْرياءِ، والقُدْرِةِ، والجَلالِ.
ونَوَى عَهْدَ اللهِ، كان يَمِينًا، وكذلك في سائِرِها؛ لأنَّه نوَى الحَلِفَ بصِفَةٍ مِن صِفاتِ اللهِ.
وإن أطْلَقَ، فقال

وَإِنْ قَال: لَعَمْرُ اللهِ.
كَانَ يَمِينًا.
وَقَال أبُو بَكْرٍ: لَا يَكُونُ يَمِينًا  القاضي: فيه رِوايتان؛ إحْدَاهما، يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّ لامَ التَّعْريفِ إن كانت للعَهْدِ، يَجِبُ أن تُصْرَفَ إلى عَهْدِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه الذي عُهِدَتِ اليَمِينُ به، وإن كانت للاسْتِغْراقِ، دَخَل فيه ذلك.
والثانيةُ، لا تكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ غيرَ ما وَجَبَتْ به الكَفَّارَةُ، ولم يَصْرِفْه إلى ذلك بنِيَّتِه، فلا تَجِبُ الكَفَّارَةُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها.
فصل: ويُكْرَهُ الحَلِفُ بالأمانَةِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ بالْأَمَانَةِ، فَلَيسَ مِنَّا».
رَواه أبو داودَ (1). ورُوِيَ عن (2) زيادِ بنِ حُدَيرٍ: أنَّ رجلًا حَلَفَ عندَه بالأمانَةِ، فجعلَ يَبْكِي بُكاءً شديدًا، فقال له الرجلُ: هل كان هذا يُكْرَهُ؟ قال: نعم، كان عمرُ يَنْهَى عن الحَلِفِ بالأمانَةِ أشَدَّ النَّهي.

4688 -

مسألة: (وإن قال، لَعَمْرُ اللهِ. كان يَمِينًا. وقال أبو

12

إلا أَنْ يَنْويَ.
بَكْرٍ: لا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أن يَنْويَ) ظاهِرُ المذهب أنَّ ذلك يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ وإن لم يَنْو.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال أَبو بكرٍ: إن قَصَدَ اليَمِينَ، فهو يَمِينٌ، وإلَّا فلا.
وهو قولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّها إنَّما تكونُ يَمِينًا بتَقْدِيرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، فكأنَّه قال: لعَمْرُ اللهِ ما أُقْسِمُ به.
فيكونُ مَجازًا، والمَجازُ لا يَنْصَرِفُ إليه الإِطْلاقُ.
ولَنا، أنَّه أقْسَمَ بصِفَةٍ من صِفَاتِ اللهِ، فكانت يَمِينًا مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ ببَقاءِ اللهِ وحَياتِه.
ويُقالُ: العُمْرُ والعَمْرُ واحِدٌ.
وقيل: مَعْناه وحَقِّ اللهِ.
وقد ثَبَت له عُرْفُ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ 1. وقال النَّابِغَةُ 2: فَلَا لعَمْرُ الذِي [قَدْ زُرْتَه] 3 حِجَجًا … وما أُرِيقَ على الأنْصابِ مِنْ جَسَدِ

..................................  وقال آخرُ: إذَا رَضِيَتْ كِرامُ بَنِي قُشَيرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضَاهَا 1 وهذا في الشِّعْرِ والكلامِ كثيرٌ.
وأمَّا احْتِياجُه إلى التَّقْديرِ، فلا يَضُرُّ، فإنَّ اللَّفْظَ إذا اشْتَهَرَ في العُرْفِ، صارَ من الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، ويجبُ حَمْلُه عليه 2 عندَ الإِطْلاقِ دُونَ مَوْضُوعِه الأصْلِيِّ، على ما عُرِفَ من سائرِ الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، ومتى احْتاجَ اللَّفْظُ إلى التَّقْديرِ، وَجَب التَّقْدِيرُ له، ولم يَجُزِ اطِّراحُه، ولهذا يُفْهَمُ مُرادُ المُتَكَلِّمِ به من غيرِ اطِّلاعٍ على نِيَّةِ قائِلِه وقَصْدِه، كما يُفْهَمُ أنَّ مُرادَ المُتَكَلِّمِ بهذا 3. مِن المتقدِّمِينَ القَسَمُ، ويُفْهَمُ من القَسَمِ بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ في أشْعارِهم القَسَمُ (3) في مثلِ قولِه 4: فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعِدًا ويُفْهَمُ من القَسَمِ الذي حُذِفَ في جَوابِه حَرْفُ [«لا» أنّه] 5 مُقَدَّرٌ

وَإِنْ حَلَفَ بِكَلامِ اللهَ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، فَهُوَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعَنْهُ، عَلَيهِ بِكُل آيَةٍ كَفَّارَةٌ.
مُرادٌ، كهذا (1) البَيتِ، ويُفْهَمُ مِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (2). ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (3). التَّقْديرُ، فكذا ههُنا.
وإن قال: عَمْرَكَ اللهَ.
كما في قولِه (4): أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيلًا … عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيانِ؟ فقد قيل: هو مِثْلُ قولِه: نَشَدْتُكَ اللهَ.
ولهذا يُنْصَبُ اسْمُ اللهِ فيه.
وإن قال: لعَمْرِي، أو لعَمْرُك، أو عَمْرُك.
فليس بيَمِينٍ في قولِ أكثَرِهم.
وقال الحسنُ، في قوْلِه: لعَمْرِي: عليه الكَفَّارَةُ.
ولَنا، أنَّه أقْسَمَ بحَياةِ مخْلُوقٍ، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو قال: وحَياتِي.
وذلك لأنَّ هذا اللَّفْظَ يكونُ قَسَمًا بحَياةِ الذي أُضِيفَ إليه العَمْرُ، فإنَّ التَّقْديرَ، لَعَمْرُكَ قَسَمِي، أو ما أُقْسِمُ به، والعَمْرُ الحياةُ أو البقاءُ.

4689 -

مسألة: (وإن حَلَف بكَلام اللهِ، أو بالمُصْحَفِ، أو بالقُرْآنِ، فَهِي يَمِينٌ فيها كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وعنهَ، عليه بكلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الحَلِفَ بكلامِ الله تعالى، أو بالقُرْآنِ، أو بآيَةٍ منه، يَمِينٌ1234

..................................  مُنْعَقِدَةٌ، تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالحِنْثِ فيها.
وبه قال ابنُ مسعودٍ، والحسنُ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وعامَّةُ أهْلِ العلْمِ.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: ليس بيَمِينٍ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ.
فمنهم مَن 1 زعَمَ أنَّه مَخْلُوقٌ، ومنهم مَن قال: لا تُعْهَدُ اليَمِينُ به.
ولَنا، أنَّ القُرْآنَ كلامُ اللهِ تعالى، وصِفَةٌ من صِفاتِ ذاتِه، فتَنْعَقِدُ اليَمِينُ به، كما لو قال: وجَلالِ اللهِ، وعَظَمَتِه.
وقولُهم: هو مخلوقٌ.
قُلْنا: هذا كلامُ المُعْتَزِلَةِ، وإنَّما الخِلافُ مع الفُقَهاءِ، وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْقُرْآنُ كَلامُ اللهِ غَيرُ مَخْلُوقٍ» 2. وقال ابنُ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ﴾ 3. أي: غيرَ مخلُوقٍ 4.

..................................  وأمَّا قولُهم: لا تُعْهَدُ اليَمِينُ به.
فيَلْزَمُهم قولُهم: وكبرِياءِ اللهِ، وعَظَمَتِه، وجَلالِه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الحَلِفَ بآيَةٍ منه كالحَلِفِ بجَمِيعِه؛ لأنَّها من كلامِ اللهِ تعالى.
وكذلك الحَلِفُ بالمُصْحَفِ، تَنْعَقِدُ به اليَمِينُ.
وكان قَتادَةُ يَحْلِفُ بالمُصْحَفِ.
ولم يَكْرَهْ ذلك إمامُنا، وإسْحاقُ؛ لأنَّ الحَالِفَ 1 بالمُصْحَفِ إنَّما قَصَد الحَلِفَ بالمَكْتُوبِ فيه، وهو القُرْآنُ، فإنَّه بينَ دَفَّتَي المُصْحَفِ بإجْماعِ المسلِمِين.
فصل: فإنْ حَلَفَ بالقُرْآنِ، أو بحَقِّ القُرْآنِ، أو بكلامِ اللهِ، لَزِمَتْه كَفَّارَةٌ واحدةٌ.
ونَصَّ أحمدُ على أنَّه تَلْزَمُه بكلِّ آيةٍ كَفَّارَةٌ.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، والحسنِ.
وقياسُ المذهبِ أنَّه تَلْزَمُه كَفَّارَةٌ واحدةٌ.
وهو قياسُ مذهبِ الشافِعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأَنَّ الحَلِفَ بصِفاتِ اللهِ تعالى، وتَكَرُّرَ اليَمِينِ باللهِ سبحانَه، لا يُوجبُ أكثرَ من كَفَّارَةٍ، فالحَلِفُ بصِفةٍ من صِفاتِ اللهِ أوْلَى أن تُجْزِئَه كَفَّارَةٌ واحدةٌ.

..................................  ووَجْهُ 1 الأوَّلِ، ما رَوَى مجاهدٌ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَلَيهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٍ، فَمَنْ شاء بَرَّ، وَمَنْ شَاءَ فَجَرَ».
رَواه الأثْرَمُ 2. ولأنَّ ابنَ مسعودٍ قال ذلك 3. ولم نَعْرِفْ له مُخالِفًا في الصحابةِ.
قال أحمدُ: وما أعْلمُ شيئًا يَدْفَعُه.
قال شيخُنا 4: ويَحْتَمِلُ [أن يُحْمَلَ] 5 كلامُ أحمدَ، أنَّ في كُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةً، على الاسْتِحْبابِ لمَن قَدَر عليه، فإنَّه قال: عليه بكلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ 6، فإن لم يُمْكِنْه فكفَّارَةٌ واحدةٌ، ورَدُّه إلى واحِدَةٍ عندَ العَجْزِ، دليلٌ على أنَّ ما زادَ عليه غيرُ واجِبٍ.
وكلامُ ابنِ مسعودٍ أيضًا يُحْمَلُ على الاخْتِيارِ، [والاحْتِياطِ] 7 لكلامِ اللهِ، والمُبالغَةِ في تَعْظِيمِه، كما رُوِيَ عن عائِشَةَ، أنَّها أعْتَقَتْ أرْبَعِين رَقَبَةً حينَ حَلَفَت بالعَهْدِ، وليس ذلك بواجِبٍ.
فعلى هذا، تُجْزئُه كفَّارَةٌ واحِدَةٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ 8. وهذه يَمِينٌ،

وَإنْ قَال: احلِفُ بِاللهِ أَوْ: أَشْهَدُ باللهِ.
أَوْ: أُقْسِمُ باللهِ.
أَوْ: أَعْزِمُ باللهِ.
كَانَ يَمِينًا.
وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، إلا أَنْ يَنْويَ.
وَعَنْهُ، يَكُونُ يَمِينًا.
فتَدْخُلُ في عُمومِ الأَيمانِ المُنْعَقِدَةِ، ولأنَّها يَمِينٌ واحِدَةٌ، فلم تُوجِبْ كفَّاراتٍ، كسائِرِ الأيمانِ، ولأنَّ إيجابَ كفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ يُفْضِي إلى المَنْعَ من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ النَّاسَ؛ لأنَّ مَن عَلِمَ أنَّه بحِنْثِه تَلْزَمُه هذه الكفَّاراتُ كلُّها، يَتْرُكُ المَحْلُوفَ عليه كائِنًا ما كان، وقد يكونُ بِرًّا وتَقْوَى وإصْلاحًا، فتَمْنَعُه يَمِينُه من، وقد نَهَى الله تعالى عنه بقولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ﴾ (1). وإن قُلْنا بوُجوبِ كفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ، فلم يُطِقْ ذلك، أجْزَأتْه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.

4690 -

مسألة: (وَإنْ قَال: احلِفُ بِاللهِ أَوْ: أَشْهَدُ باللهِ. أَوْ: أُقْسِمُ باللهِ. أَوْ: أَعْزِمُ باللهِ. كَانَ يَمِينًا. وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ

1

..................................  يَمِينًا، إلا أَنْ يَنْويَ.
وَعَنْهُ، يَكُونُ يَمِينًا) هذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وسَواءٌ نَوَى اليَمِينَ أو أطْلَقَ؛ لأنَّه لو قال: باللهِ.
ولم يقُلْ: أُقْسِمُ.
ولا: أشْهَدُ.
ولم يَذكُرِ الفِعْلَ، كان يَمِينًا، وإنَّما كان يَمِينًا بتَقْديرِ الفِعْلِ قَبْلَه؛ لأنَّ الباءَ تتَعَلَّقُ بفِعْل مُقَدَّرٍ، على ما ذَكَرْناه، فإن أظْهَرَ الفِعْلَ ونَطَق بالمُقَدَّرِ، كان أوْلَى بثُبُوتِ حُكْمهِ، وقد ثَبَت له عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ﴾ 2، وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ 3. ويقولُ المُلاعِنُ في لِعَانِه: أشْهَدُ باللهِ إنِّي لمِن الصَّادِقِينَ.
وتقولُ المَرْأَةُ: أشْهَدُ باللهِ إنَّه لمِن الكاذِبِينَ.

..................................  وأنْشَدَ أعرابِيٌّ: أُقْسِمُ 1 باللهِ لَتَفْعَلَنَّهْ 2 وكذلك الحُكْمُ إن ذَكَر الفِعْلَ بلَفْظِ الماضِي، فقال: أقْسَمْتُ بالله 3. أو: شَهِدْتُ باللهِ.
قال عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ 4: أقْسَمْتُ باللهِ لتَنْزِلِنَّهْ

..................................  وإن أرادَ بقَوْلِه: أقْسَمْتُ باللهِ.
الخبرَ عن قَسَمٍ ماضٍ، أو بقولِه: أُقْسِمُ باللهِ.
الخَبَرَ عن قَسَم يَأْتِي به، فلا كَفارَةَ عليه.
وإنِ ادَّعَى ذلك، قُبِلَ منه.
وقال القاضي: لا يُقْبَلُ في الحُكْمِ.
وهو قولُ بعضِ أصحاب الشافعيِّ؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرٍ.
ولَنا، أنَّ هذا حُكْم فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإذا عَلِمَ مِن نَفْسِه أنَّه نوَى شيئًا وأرادَه، مع احْتِمالِ اللَّفْظِ إيَّاه، لم يَلْزَمْه شيءٌ.
وإن قال: شَهِدْتُ باللهِ أنِّي آمَنْتُ باللهِ.
فليس بيَمِينٍ.

..................................  وذكَرَ أبو بكرٍ، في قَوْلِه: أعْزِمُ باللهِ.
أنَّه ليس بيَمِينٍ مع الإِطْلاقِ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له عُرْفُ الشَّرْعِ ولا الاسْتِعْمالِ، فظاهِرُه غيرُ اليَمِينِ؛ لأنَّ مَعْناه: أقْصِدُ اللهَ لأفْعَلَنَّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه يَحْتَمِلُ اليَمِينَ، وقد اقْتَرَنَ به ما يَدُلُّ عليه، وهو جَوابُه بجَوابِ القَسَمِ، فيكونُ يَمِينًا.
فأمَّا إن نوَى بقولِه غيرَ اليَمِينِ، لم يَكُنْ يَمِينًا.
فصل: وإن قال: أُولِي باللهِ.
أو: حَلَفْتُ باللهِ.
أو: آليتُ باللهِ.
أو: ألِيَّةً باللهِ.
أو: حَلِفًا باللهِ.
أو: قَسَمًا باللهِ.
فهو يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى به اليَمِينَ أو أَطْلَقَ؛ لِما ذَكَرْناه في: أُقْسِمُ باللهِ.
وحُكْمُه حُكْمُه في تَفْصِيله؛ لأنَّ الإيلاءَ والحَلِفَ والقَسَمَ واحِدٌ.
قال اللهُ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 1. وقال سعدُ بنُ مُعاذٍ: أحْلِفُ بِاللهِ، لقد

..................................  جاءَكُم أُسَيدٌ بغيرِ الوَجْهِ الَّذي ذَهَبَ به 1. وقال الشاعر 2: أُولِي برَبِّ الرَّاقِصاتِ إلى مِنًى … ومَطارِحِ 3 الأكْوارِ حيثُ تَبِيتُ 4 وقال ابنُ دُرَيدٍ 5: ألِيَّةً باليَعْمَلاتِ تَرْتَمِي … بِها النَّجاءُ بَينَ أجْوازِ الفَلَا وقال 6: بَلْ قَسَمًا بالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ … هَلْ لمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هذا مُنْتَهَى فصل: فأمَّا إن قال: أقْسَمْتُ، أو: آليتُ، أو: شَهِدْتُ لأفعَلَنَّ.
ولم يَذْكُرِ اسمَ اللهِ، فعن أحمدَ رِوايتان؛ إحداهُما، أنَّها يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى اليَمِمنَ أو أطْلَقَ.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه.
وعن أحمدَ، إن نوَى اليَمِينَ بالله كِان يَمِينًا، وإلَّا فلا.
وهو قولُ مالكٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ القَسَمَ بالله وبغيرِه، فلم يَكُن يَمِينًا حتى يَصْرِفَه بنِيَّتِهِ إلى ما تَجِبُ به الكَفَّارَةُ.
وقال الشافِعيُّ: ليس بيَمِينٍ وإن نوَى.
ورُوِيَ نحوُ ذلك عن

..................................  عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّها عَرِيَتْ عن اسمِ الله تعالى وصِفتِه، فلم تَكُنْ يَمِينًا، كما لو قال: أقْسَمْتُ بالبَيتِ.
ولَنا، أنَّه قد ثَبَت لها عُرْفُ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ، فإنَّ أبا بكرٍ قال: أقْسَمْتُ عليك يا رَسولَ اللهِ، لَتُخْبِرَنِّي بما أصَبْتُ ممَّا أخْطَأتُ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُقْسِمْ يا أبَا بَكْرٍ».
رَواه أبو داودَ 1. وقال العبّاسُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أقْسَمْتُ عليك يا رَسولَ الله لِتُبَايِعَنُّه.
فبايَعَه 2 النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي، ولَا هِجْرَةَ» 3. وفي كتابِ الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 4. فسَمَّاها يَمِينًا، وسَمَّاها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَسَمًا.
وقالت عاتِكَةُ بنتُ عبدِ المطَّلِبِ 5:

..................................  حَلَفْتُ لَئِنْ عَادُوا لنَصطَلِمَنَّهُمْ … بجَأْواءَ 1 تُرْدِي حَجْرتَيها المَقانِبُ 2 وقالت عاتِكَةُ بنتُ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيلٍ 3: فَآلَيتُ لا تَنْفَكُّ عَينِي حَزِينةً … عَلَيكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أغْبَرَا وقولُهم: يَحْتَمِلُ القَسَمَ بغيرِ اللهِ.
قُلْنا: إنَّما يُحْمَلُ على القَسَمِ المشروعِ، ولهذا لم يكُنْ مَكْرُوهًا، ولو حُمِلَ على القَسَمِ بغيرِ اللهِ، كان مَكْرُوهًا، ولو كان مَكْرُوهًا لم يَفْعَلْه أبو بكرٍ بينَ يَدَيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أَبرَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَسَمَ العَبَّاسِ حينَ أقْسَمَ عليه.
فصل: وإن قال: أعْزِمُ.
أو: عَزَمْتُ.
لم يَكُنْ قَسَمًا، نَوَى به القَسَمَ أو لم يَنْوه، لأنَّه لم يَثْبُتْ لهذا اللَّفْظِ عُرْفٌ في الشَّرْعِ، ولا هو مَوْضُوعٌ للقَسَمَ، ولا فيه دَلالة عليه، ولذلك إن قال: أسْتَعِينُ باللهَ.
أو: أعْتَصِمُ باللهِ.
أو: أتَوَكَّلُ على اللهِ.
أو: عَلِمَ اللهُ.
أو: عَزَّ اللهُ.
أو: تبارَكَ اللهُ.
أو نحوَ هذا، لم يَكُنْ يَمِينًا، نَوَى أو لم يَنْو؛ لأنَّه ليس بمَوْضُوعٍ للقَسَمِ لُغَةً، ولا ثَبَت له عُرْفٌ في شَرْع ولا اسْتِعْمالٍ، فلم يَجبْ به شيءٌ؛ لو قال: سُبْحانَ اللهِ وبحَمْدِه، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ.

فَصْلٌ: وَحُرُوفُ الْقَسَم؛ الْبَاءُ، وَالْواوُ، وَالتَّاءُ فِي اسْمِ اللهِ تَعَالى خَاصَّةً.
فصل: (وحُروفُ القَسَمَ) ثلاثَةٌ (الباءُ، والواوُ، والتاءُ في اسْمِ اللهِ تعالى خاصَّةً) الأصْلُ في حُروفِ القَسَمِ 1 الباءُ، وتَدْخُلُ على والمُظْهَرِ جميعًا، كقَوْلِكَ: باللهِ، وبِكَ.
والواوُ، وهي بَدَلٌ مِن الباءِ، تَدْخُلُ على المُظْهَرِ دُونَ المُضْمَرِ، وهي أكْثرُ اسْتِعْمالًا، [وبها جاءَت] 2 أكثرُ الأقْسام في الكتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما كانتِ الباءُ الأصْلَ؛ لأنَّها الحَرْفُ الَّذي تَصَلُ به الأفْعالُ القاصِرَةُ عنَ التَّعَدِّي إِلى مَفْعُولاتِها، والتَّقْديرُ في القَسَمِ، أُقْسِمُ باللهِ، كما قال اللهُ سبحانَه: ﴿وَاقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ﴾ 3. والتاءُ بَدَلٌ مِن الواو، وتَخْتَصُّ باسْم واحدٍ مِن أسماءِ الله تعالى، وهو اللهُ، ولا تَدْخُلُ على غيرِه، فيقالُ: تاللهِ.
ولو قال: تالرَّحْمَنِ.
أو: تَالرَّحِيمِ.
لم يَكُنْ قَسَمًا.
فإذا أقْسَمَ بأحَدِ هذه الحروفِ الثلاثَةِ في مَوْضِعِه، كان قَسَمًا صحيحًا؛ لأنَّه مَوْضوعٌ

..................................  له.
وقد جاءَ في كتابِ الله تعالى وكلام العربِ، قال اللهُ تعالى: ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ 1. ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَينا﴾ 2. ﴿تَاللهِ تَفْتَوأ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ 3. ﴿تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أصْنَامَكُم﴾ 4. وقال الشاعرُ 5: تَاللهِ يَبْقَى على الأيَّامِ ذُو حِيَدٍ … بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والْآسُ 6 وإن قال: ما 7 أرَدْتُ به القَسَمَ.
لم يُقْبَلْ قولُه، لأنَّه أتَى باللَّفْظِ الصَّريحِ في القَسَمِ، واقْتَرَنَتْ به قَرِينَة دالَّة عليه، وهو الجوابُ بجَوابِ

وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللهَ لأَفْعَلَنَّ.
بالْجَرِّ والنَّصْبِ، فَإِنْ قَال: اللهُ لأَفْعَلَنَّ.
مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْويَ الْيَمِينَ.
القَسَمِ، [ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه في قولِه 1: تاللهِ لأقُومَنَّ.
إذا قال: أرَدْتُ أنَّ قِيامي بمَعُونَتِه وفَضْلِه.
لأنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما يَحْتَمِلُه، ولا يُقْبَلُ في الحرفين الآخرَين؛ لعَدَمِ الاحْتِمالِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أجابَه بجَوابِ القَسَمَ] 2. فيَمْتَنِعُ صَرْفُه إلى غيرِه.

4691 -

مسألة: (وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللهَ لأَفْعَلَنَّ.
بالْجَرِّ والنَّصْبِ، فَإِنْ قَال: اللهُ لأَفْعَلَنَّ.
مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْويَ الْيَمِينَ)

إذا أقْسَمَ بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ، فقال: اللهَ لأقُومَنَّ.
بالجَرِّ والنَّصْبِ، فهو يمينٌ.
وقال الشافعيُّ: لا يكونُ يَمِينًا، إلَّا أن يَنْويَ؛ لأنَّ ذِكْرَ اللهِ تعالى بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ ليس بصرِيح في القَسَمِ، فلا يَنْصرِفُ إلَّا بالنِّيَّةِ.
ولَنا، أنَّه سائِغٌ في العَرَبِيَّةِ، وقد وَرَد به عُرْفُ الاسْتِعْمالِ في الشَّرْعِ، فرُوىَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ أخْبَرَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَتَل أبا جَهْلٍ، فقال: «آللهِ إنَّكَ قَتَلْتَه؟».

..................................  قال: اللهِ إنِّي قَتَلْتُه.
ذَكَره البخاريُّ 1. وقال لِرُكَانَةَ بنِ عبدِ يَزِيدَ: «آللهِ ما أرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟».
قال: اللهِ ما أرَدْتُ إلَّا واحِدَةً 2. وقال امرؤُ القَيسِ 3: فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعِدًا وقال أيضًا 4: فَقالتْ يَمِينَ اللهِ ما لَكَ حِيلَةٌ وقد اقْتَرَنَتْ به قَرِينَتان تَدُلَّان عليه؛ إحْداهُما، الجوابُ بجَوابِ القَسَمِ.
والثانيةُ، الجَرُّ والنَّصْبُ [في اسمِ] 5 اللهِ تعالى، فوَجَبَ أن يكونَ يَمِينًا، كما لو قال: واللهِ.
فإن قال: اللهُ لأفْعَلَنَّ.
بالرَّفْعِ، ونَوَى اليَمِينَ، فهو يَمِينٌ، إلَّا أنَّه 6 يكونُ قد لَحَن، كما لو قال: واللهُ.

..................................  بالرَّفْعِ.
[وإن لم] 1 يَنْوِ اليَمِينَ، فقال أبو الخَطَّابِ: تكونُ يَمِينًا؛ لأنَّ قَرِينَةَ الجَوابِ بجَوابِ 2 القَسَمِ كافِيَة، والعامِّيُّ لا يَعْرِفُ الإعْرابَ فيأتِيَ به، إلَّا أن يكونَ مِن أهلِ العَرَبِيَّةِ، فإنَّ عُدولَه عن إعْرابِ القَسَمِ دليل على أنَّه لم يُرِدْه.
قال شيخُنا 3: ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ قَسَمًا في حَقِّ العامِّيِّ؛ لأنَّه ليس بقَسَم في حَقِّ أهلِ العَربِيَّةِ، فلم يَكُنْ قَسَمًا في حَقِّ غيرِهم، كما لو لم يُجِبْه بجوابِ القَسَمِ.
فصل: ويُجابُ القَسَمُ بأرْبَعَةِ أحْرُفٍ؛ حرفان للنَّفْي، وهما «ما» و «لا»، وحَرفان للإِثباتِ، وهما «إنْ» و «اللام» المَفْتُوحَةُ.
وتقُومُ «إن» الخفيفةُ المكسورَةُ، مَقامَ «ما» النَّافِيَةِ، مثلَ قولِه: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلا الْحُسْنَى﴾ 4. وإن قال: واللهِ أفْعَلُ.
بغيرِ حَرْفٍ، فالمحذوف ههُنا «لا»، ويكونُ يَمِينُه على النَّفي، لأنَّ

جارٍ التحميل