الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 33-72

كِتَابُ الْأَيْمَانِ

صفحات 33-72

فَصْلٌ: فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ، رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاسْمُ.
وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ؛ شَرْعِيَّةٌ، وَحَقِيقِيَّةٌ، وَعُرْفِيَّةٌ.
فَأمَّا  لَبِسَه.
وإن قال في يَمِينِه: لا لَبِسْتُه وهو رِداءٌ.
فغَيَّرَه عن كَوْنِه رداءً ولَبِسَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ اليَمِينَ وَقَعَتْ على تَرْكِ لُبْسِه رِداءً.
وكذلك إن نوَى بيَمِينِه في شيءٍ من هذه الأشياءِ ما دامَ على تلك الصِّفَةِ والإِضافَةِ، وما لم يَتَغَيَّرْ في هذه المسائلِ المذْكُورَةِ في هذا الفَصلِ والذي قبلَه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نوَى» 1. فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (فإن عُدِمَ ذلك، رَجَعْنا إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ.
والأسْماءُ تَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ شَرْعِيَّةٌ، وحَقِيقِيَّةٌ، وعُرْفِيَّةٌ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأسْماءَ تَنْقَسِمُ 2 سِتَّةَ أقْسامٍ؛ أحَدُها، ما

الشَّرْعِيَّةُ؛ فَهِيَ أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ في الشَّرْعِ وَمَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ، كالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوهِ، فَالْيَمِينُ الْمُطلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وَتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ.
لَه مُسَمًّى واحِدٌ، كالرَّجُلِ والمرأةِ والإنسانِ والحَيوانِ، فهذا تَنْصَرِفُ اليَمِينُ إلى مُسَمَّاه، بغيرِ خِلافٍ.
الثاني، ما له مَوْضوعٌ شَرْعِيٌّ، ومَوْضوعٌ لُغَويٌّ، كالوُضُوءِ، والصلاةِ، والطَّهارَةِ، والزَّكاةِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، والعُمْرَةِ، والبَيعِ، فهذا تَنْصَرِفُ اليَمِينُ عندَ الإطْلاقِ إلى الموْضوعِ الشرْعِيِّ دونَ اللغَويِّ، لا نَعْلَمُ أَيضًا فيه خِلافًا، إلَّا ما نَذْكُرُه 1 فيما يَأْتِي إن شاءَ اللهُ.
الثالثُ، ما له مَوْضُوعٌ حَقِيقِيٌّ ومَجازٌ، لم يُسْتَعْمَلْ أكثرَ من الحقِيقَةِ، كالأسَدِ، والبحرِ، فيَمِينُ الحالِفِ تَنْصَرِفُ عندَ الإطْلاقِ إلى الحقيقةِ دونَ المجازِ؛ لأن كلامَ الشَّارِعِ إذا وَرَدَ في 2 مثلِ هذا حُمِلَ على حَقِيقَتِه دونَ مَجازِه، كذلك اليَمِينُ.
الرَّابعُ، الأسْماءُ العُرْفِيَّةُ، وهي ما يَشْتَهِرُ مَجازُه حتَّى تَصِيرَ الحقِيقَةُ مَغْمُورَةً فيه،

فإذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَنْكِحُ, فَنَكَحَ نِكَاحًا  فهذا على ضُرُوبٍ؛ أحَدُها، ما يَغْلِبُ على الحقِيقَةِ بحيثُ لا يَعْلَمُها أكثرُ الناسِ، كالرَّاويَةِ، وهي في العُرْفِ اسْم للمَزَادَةِ، وفي الحقيقَةِ اسْمٌ لِما يُسْتَقَى 1 عليه من الحيواناتِ، والظَّعِينَةُ في العُرْفِ المرأةُ، وفي الحقيقَةِ النَّاقَةُ التي يُظْعَنُ عليها، والعَذِرَةُ والغائِطُ في العُرْفِ الفَضْلَةُ المُسْتَقْذَرَةُ، وفي الحقِيقَةِ العَذِرَةُ فِناءُ الدَّارِ، ولذلك قال عليٌّ، رَضِيَ الله عنه، لقومٍ: ما لَكُم لا تُنَظِّفُون عَذِرَاتِكُم؟ يُرِيدُ أفْنِيَتَكُم.
والغائِطُ المُطْمَئِنُّ من الأرْضِ.
فهذا وأشْباهُه يَنْصَرِفُ 2 يَمِينُ الحالِفِ إلى المجازِ دونَ الحقِيقَةِ؛ لأنَّه الذي يُرِيدُه بيَمِينِه، ويُفْهَمُ من كَلامِه، فأشْبَهَ الحَقِيقَةَ في غيرِه.
الضَّرْبُ الثاني، أن يَخُصَّ 3 عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بعضَ الحَقِيقَةِ بالاسْمِ 4، ويَتَنَوَّعُ أنْواعًا، نَذْكُرُها إن شاءَ الله في المسائِلِ، كالدَّابَّةِ، والرَّيحانِ، وغيرِ ذلك.
فصل في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ: (إذا حَلَف لا يَبِيعُ، فباعَ بَيعًا فاسِدًا،

فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ، إلا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينَ إلَى شَيْءٍ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ، مِثْلَ أنْ يَحْلِفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ أو الْحُرَّ، فَيَحْنَثُ بِصُورِةِ الْبَيعِ.
أو لا يَنْكِحُ، فنَكَحَ نِكاحًا فاسِدًا، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن يُضِيفَ اليَمِينَ إلى شيءٍ لا تُتَصَوَّرُ فيه الصِّحَّةُ، مثلَ أن يَحْلِفَ أن لا يَبيع الحُرَّ أو الخَمْرَ، فيَحْنَثُ بصُورةِ البَيعِ) إذا حَلَف أن لا يَبِيعَ ولا يَنْكِحَ، انْصَرَفَ إلى الصَّحِيحِ دونَ الفاسِدِ.
وبهذا قال الشافعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال لعَبْدِه: إن زَوَّجْتُكَ، أو بِعْتُكَ، فأنْتَ حُرٌّ.
فزَوَّجَه تَزْويجًا فاسِدًا، لم يَعْتِقْ، وإن باعَه بَيعًا فاسِدًا يُمْلَكُ به، حَنِثَ؛ لأنَّ البَيعَ [الفاسِدَ عندَه يَثْبُت به المِلْكُ، إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ.
ولنا، أنَّ اسْمَ البَيعِ] 1 يَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ، بدَليلِ 2 قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ 3.

..................................  وأكْثَرُ ألْفاظِه في البَيعِ إنَّما تَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ، فلا يَحْنَثُ بما دونَه، كما في النِّكاحِ، وكالصَّلاةِ، وغيرِهما، وما ذكروه مِن ثُبوتِ المِلْكِ به ممنوعٌ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا يَحْنَثُ بالنِّكاحِ الفاسِدِ، وهل يَحْنَثُ بالبَيعِ الفاسِدِ؟ على رِوايتَين.
وقال أبو الخَطّابِ: إن نَكَحَها نِكاحًا مُخْتَلَفًا فيه، مثلَ أن يَتَزوَّجَها بلا وَلِيٍّ ولا شُهودٍ، أو باعَ في وقتِ النِّداءِ، فعلى وَجْهَين.
وقال ابنُ أبي موسى: إن تَزَوَّجَها زَواجًا مُخْتَلَفًا فيه، أو مَلَك مِلْكًا مُخْتَلَفًا فيه، حَنِثَ فيهما جميعًا.
ولَنا، أنَّه نِكاحٌ فاسِدٌ، وَبَيعٌ فاسِدٌ، فلم يَحْنَثْ بهما، كالمُتَّفَقِ على فسادِهِما.
فصل: والماضِي والمُسْتَقْبَلُ سَواءٌ في هذا.
وقال مُحَمَّد بنُ الحسنِ: [إذا حَلَفَ] 1: ما تَزَوَّجْتُ، ولا صَلَّيتُ، ولا بِعْتُ.
وكان قد فَعَلَه فاسِدًا، حَنِثَ؛ لأنَّ الماضِيَ لا يُقْصَدُ منه إلَّا الاسْمُ، والاسْمُ يَتَناوَلُه، والمُسْتَقْبَلُ بخِلافِه، فإنَّه يُرادُ بالنِّكاحِ والبَيعِ المِلْكُ، وبالصلاةِ القُرْبَةُ.
ولَنا، أنَّ ما لا يَتَناوَلُه الاسْمُ في المُسْتَقْبَلِ، لا يَتَناوَلُه في الماضِي، وكغيرِ

..................................  المُسَمَّى، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الاسْمَ لا يَتَناوَلُ إلَّا الشَّرْعِيَّ، ولا يحْصُلُ.
فصل: فإن حَلَف لا يَبِيعُ، فباع 1 بَيعًا فيه الخِيارُ، حَنِثَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ في مُدَّةِ الخِيارِ، فأشْبَهَ البَيعَ الفاسِدَ.
ولَنا، أنَّه بَيعٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ، فيَحْنَثُ به، كالبَيعِ اللَّازِمِ، وما ذَكَرَه مَمْنُوعٌ، فإنَّ بَيعَ الخِيارِ يَثْبُتُ المِلْكُ به بعدَ انْقِضاءِ الخِيارِ بالاتِّفاقِ، وهو سَبَبٌ له، فكذلك قبلَه.
فصل: وإن حَلَف لا يَبِيعُ، أو لا يُزَوِّجُ، فأوْجَبَ البَيعَ والنِّكاحَ، ولم يَقبَلِ المُتَزوِّجُ والمُشْتَرِي، لم يَحْنَثْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ البَيعَ والنِّكاحَ عَقْدان لا يَتِمَّان إلَّا بالقَبولِ، فلم يَقَعْ الاسْمُ على الإيجابِ بدُونِه، فلم يَحْنَثْ به.
فصل: وإنْ أضافَ اليَمِينَ في البَيعِ والنِّكاحِ إلى ما لا 2 تُتَصَوَّرُ فيه

وَذَكَر الْقَاضِي فِي مَنْ قَال لامْرأَتهِ: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا وَبِعْتِنِيهِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَفَعَلَتْ، لَمْ تَطْلُقْ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
الصِّحَّةُ، كالخَمْرِ والخِنْزيرِ والحُرِّ، حَنِثَ بصُورَةِ (1) البَيعِ؛ لأَنه يتَعَذَّرُ حَمْلُ يَمِينِه على عَقْدٍ صَحِيحٍ، فتَعَيَّنَ محملًا له.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأَنه ليس ببَيعٍ في الشَّرْعِ.

4726 -

مسألة: (وذَكَر القاضِي في مَن قال لامْرأتِه: إن سَرَقْتِ مِني شَيئًا وبِعْتِنِيه، فأنْتِ طالِقٌ. ففَعَلَتْ، لم تَطْلُقْ)

لأنَّ البَيعَ الشَّرْعِيَّ لم يُوجَدْ (والأوَّلُ أوْلَى) لأنَّ صُورَةَ البَيعِ وُجِدَتْ.
فصل: وإن حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، حَنِثَ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ والقَبُولِ الصَّحِيحِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ذلك يَحْصُلُ به المُسَمَّى الشَّرْعِيُّ،1

..................................  فتَناوَلَتْه يَمِينُه.
وإن حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ، بَرَّ بذلك، سَواءٌ كانت له امرأةٌ أو لم تَكُنْ، وسَواءٌ تَزوَّجَ نَظِيرَتَها، أو أعْلَى منها، إلَّا أن يَحْتال على حلِّ يَمِينِه بتَزْويجٍ لا يُحَصِّلُ القْصودَ، مثلَ أن يُواطِئَ امرأتَه على نِكاحٍ لا يَغِيظُها به، [ليَبَرَّ بيَمِينِه] 1، فلا يَبَرُّ.
[بهذا.
و] 2 قال أصحابُنا: إذا حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ على امرأتِه، لا يَبَرُّ حتَّى يَتَزَوَّجَ نَظِيرَتَها، ويَدْخُلَ بها.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه قَصَد غَيظَ زَوْجَتِه، ولا يَحْصُلُ إلَّا بذلك.
ولَنا، أنَّه تزَوَّجَ تَزْويجًا صَحِيحًا، فبَرَّ به، كما لو تَزَوَّجَ نَظِيرَتَها، والدُّخُولُ غيرُ مُسَلَّمٍ؛ فإنَّ الغَيظَ يَحْصُلُ بمُجَرَّدِ الخِطْبَةِ، وإن حَصَل بما ذَكَرُوه زِيادَة في الغَيظِ، فلا تَلْزَمُه الزِّيادَة على الغَيظِ الذي يَحْصُلُ بما تَناوَلَتْه يَمِينُه، كما أنَّه لا يَلْزَمُه نِكاحُ اثْنَتَين 3 ولا ثلاثةٍ، ولا أعْلَى مِن نَظِيرَتِها.
والذي تَناوَلَتْه يَمِينُه مُجَرَّدُ التَّزْويجِ، ولذلك لو حَلَف لا يَتَزَوَّجُ على امرأتِه 4، حَنِثَ بهذا، فكذلك يَحْصُلُ البِرُّ به؛ لأنَّ المُسَمَّى واحِدٌ، فما تَناوَلَه النَّفْيُ تَناوَلَه في الإثْباتِ، وإنَّما لا يَبَرُّ إذا تَزَوَّجَ 5 تَزْويجًا لا يَحْصُلُ به الغَيظُ، كما ذَكَرْناه مِن الصُّورَةِ

..................................  ونَظائِرِها؛ لأنَّ مَبْنَى الأيمانِ على المَقاصِدِ والنِّيَّاتِ، ولم يَحْصُلْ مَقْصُودُه، ولأنَّ التَّزْويجَ يَحْصُلُ ههُنا حِيلَةً على التّخَلُّصِ مِن يَمِينِه بما لا يُحَصِّلُ مَقصُودَها، فلم تُقْبَلْ منه حِيلَتُه.
وقد نَصَّ أحمدُ على هذا، فقال: إذا حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ على امرأتِه، فتَزَوَّجَ بعَجُوزٍ أو زِنْجِيّةٍ، لا يَبَرُّ؛ لأنَّه أَرادَ أن يَغِيظَها و 1 يُغِيرَها ويَغُمَّها، وبهذا لا تَغارُ ولا تَغْتَمُّ.
فعَلَّلَه أحمدُ بما يَغِيظُ به الزَّوْجَةَ، [ولم يَعْتَبِرْ أن تكونَ نَظِيرَتَها] 2؛ لأنَّ 3 الغَيظَ لا يَتَوقَّفُ على ذلك، ولو قَدَّرَ أنَّ تَزَوُّجَ العَجُوزِ يَغِيظُها والزِّنْجِيَّةِ، لَبَرَّ به، وإنَّما ذَكَرَه أحمدُ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَغِيظُها؛ لأنَّها تَعْلَمُ أنَّه إنَّما فَعَل ذلك حِيلَةً لِئلَّا يَغِيظَها، ويَبَرَّ به.
فصل: وإن حَلَف: لا تَسَرَّيتُ.
فوَطِئَ جاريَتَه، حَنِثَ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضِي: لا يَحْنَثُ حتَّى يَطَأَ فيُنْزِلَ، فَحْلًا كان أو خَصِيًّا.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ حتَّى يُحْصِنَها ويَحْجُبَها عن الناسِ؛ لأنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِن السِّرِّ.
[ولأصحابِ الشافعيِّ ثلاثةُ أوْجُهٍ كهذه.
ولَنا، أنَّ التَّسَرِّيَ مَأخُوذٌ مِن السِّرِّ] (2)، وهو الوَطْءُ؛ لأنَّه يكونُ في السِّرِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ 4. وقال

وَإنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا.
الشاعرُ (1): فلَنْ تَطْلُبوا سِرَّها لِلْغِنَى … ولَنْ تُسْلِمُوها لإِزْهادِهَا وقال الآخَرُ (2): لقد زَعَمَتْ بَسْباسَةُ القَوْمِ أنَّنِي … كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثالي ولأنَّ ذلك حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْءِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه الإِنْزالُ ولا التَّحْصِينُ، كسائِرِ الأحْكامِ.

4727 -

مسألة.: (إذا حَلَف لا يَصُومُ، لم يَحْنَثْ حتَّى يَصُومَ يَوْمًا)

هذا إذا لم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم ينْوه، وأقَلُّ ذلك صَوْمُ يَوْم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أقَلَّ مِن يَوْم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ.12

وَإنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً.

4728 - مسألة: (وإن حَلَف لا يُصَلِّي، لم يَحْنَثْ)

حتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عليه اسْمُ الصلاةِ.
وفيه رِوايتان؛ إحداهما، يُجْزِئُه رَكعةٌ.
نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ؛ لأنَّ أقَلَّ الصلاةِ رَكعةٌ، فإنَّ الوتْرَ صلاةٌ مَشْرُوعَةٌ،

وَقَال الْقَاضِي: إِنْ حَلَفَ: لَا صَلَّيتُ صَلَاةً.
لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيهِ اسْمُ الصَّلَاةِ، وَإنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، حَنِثَ بالتَّكْبِيرِ.
وهي رَكعةٌ واحدةٌ.
ورُوي عن عمرَ، رَضِي الله عنه، أنَّه تَطَوَّعَ برَكعةٍ واحدةٍ 1. والثانيةُ، لا يُجْزِئُه إلَّا ركْعَتانِ.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ أقَلَّ صلاةٍ وَجَبَتْ بالشَّرْعِ رَكْعتان، فوَجَبَ حَمْلُ اليَمِينِ عليه.
وقد قيل: إنَّما يَجِبُ رَكْعتان في النَّذْرِ؛ لأنَّه واجِبٌ، أمَّا الوتْرُ فهو نَفْلٌ.
ولأنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ في الفَرْضِ، فلا تُجْزِئُ في النَّفْلِ قياسًا عليه، وكالسَّجْدَةِ.
وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين (وقال القاضي: إن حَلَف: لا صَلَّيتُ صلاةً.
لم يَحْنَثْ حتَّى يَفْرُغَ مما يَقَعُ عليه اسمُ الصلاةِ) على ما ذَكَرْنا (وإن حَلَف لا يُصَلِّي، حَنِث بالتَّكْبيرِ) وهذا يُشْبِهُ ما إذا قال لزَوْجَتِه: إن

وَإنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ زَيدًا شَيئًا، وَلَا يُوصِي لَهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيهِ، فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبَلْ زَيدٌ، حَنِثَ.
حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالِقٌ.
فإنَّها لاتَطْلُقُ حتَّى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ.
ولو قال: إن حِضْتِ.
طَلُقَتْ بأوَّلِ الحَيضِ؛ لأنَّه إذا شَرَع في الصلاةِ يُسَمَّى مُصَلِّيًا.
قال شيخُنا 1: يَحْتَمِلُ أن يُخَرَّجَ هذا على الرِّوايَتَين في مَن حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، ففَعَل بعضَه.
فصل: (وإن حَلَف لا يَهَبُ زَيدًا شيئًا, ولا يُوصِي له، ولا يَتَصَدَّقُ عليه، ففَعَلَ ولم يَقْبَلْ زَيدٌ، حَنِثَ) إذا حَلَف لا يَهَبُ زيدًا شيئًا، أو لا يُعِيرُه، فأوْجَبَ ذلك، ولم يَقْبَلْ زيدٌ، حَنِثَ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وابنِ سُرَيجٍ 2؛ لأنَّ الهِبَةَ والعارِيَّةَ لا عِوَضَ فيهما، فكان مُسَمَّاهُما الإِيجابَ، والقَبُولُ شَرْطٌ لنَقْلِ المِلْكِ،

..................................  وليس هو مِن السَّبَبِ، فيَحْنَثُ 1 بمُجَرَّدِ الإيجابِ فيه، كالوَصِيَّةِ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ بمُجَردِ الإيجابِ؛ لأنَّه عَقْد لا يَتِمُّ إلَّا بالقَبُولِ، فلم يَحْنَثْ 2 بمُجَرَّدِ الإِيجابِ، كالنِّكاحِ والبَيعِ.
فأمَّا الهَدِيةُ والوَصِيَّة والصدَقَةُ، [فيَحْنَثُ فيها] 3 بمُجَرَّدِ الإيجابِ.
وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
قال شيخُنا 4: ولا أعلمُ [قولَ الشافِعِيِّ] 5 فيها 6، إلَّا أنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يُخالِفُ في الوَصِيَّةِ والهدِيّةِ؛ لأنَّ الاسْمَ يَقَعُ عليهما 7 بدونِ القَبُولِ، ولهذا لَمَّا قال اللهُ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ 8. إنّما أَرادَ الإيجابَ دونَ القَبُولِ، ولأنَّ الوَصِيَّةَ تَصِحُّ قبلَ مَوْتِ المُوصِي، ولا قَبُولَ لها حِينَئِذٍ.

وَإنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيهِ، فَوَهَبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإنْ حَلَفَ لَاَ هَبُهُ، فَتَصَدَّقَ عَلَيهِ، حَنِثَ.

4729 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَتَصَدَّقُ عليه، فوَهَبَه، لم يَحْنَثْ)

لأنَّ الصَّدَقَةَ (1) نَوْعٌ مِن الهِبَةِ، ولا يَحْنَثُ الحالِفُ على نَوْعٍ [بفِعْلِ نوعٍ] (2) آخَرَ، ولا يَثْبُتُ للجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ، ولهذا حَرُمَتِ الصَّدَقَةُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم تَحْرُمِ الهِبَةُ ولا الهدِيَّةُ، بدَليلِ قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في اللَّحْمِ الذي تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ: «هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، ولَنَا هَدِيَّةٌ» (3). وإن حَلَف لا يَهَبُه شيئًا، فأسْقَطَ عنه دَينًا، لم يَحْنَثْ إلَّا أن يَنْويَ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ عَينٍ، وليس له إلَّا دَينٌ في ذِمَّتِه.
4730 -

مسألة: (وإن حَلَف لا يَهَبُه، فتَصَدَّقَ عليه، حَنِثَ)

123

وَقَال أبو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ.
وكذلك إن أهْدَى له أو أعْمَرَه؛ لأنَّ ذلك مِن أنْواعِ الهِبَةِ، وإن أعْطاه مِن الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ، [أو نَذْرًا أو كَفّارَةً] 1، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ للهِ تعالى عليه، يَجِبُ إخْراجُه، فليس هو هِبَةً منه، فإن تَصَدَّقَ عليه تَطَوُّعًا، حَنِثَ.
قاله القاضي.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ (وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَحْنَثُ) وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّهما يَخْتَلِفان اسْمًا وحُكْمًا، بدَليلِ قولِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: «هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، ولَنا هَدِيَّةٌ».
وكانتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً عليه، والهَدِيَّةُ حَلالٌ له، ويَقْبَلُ الهدِيَّةَ ولا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ 2، ومع هذا الاخْتلافِ لا يَحْنَثُ في أحَدِهما بفِعْلِ الآخَرِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنه تَبَرَّعَ بعَينٍ في الحياةِ، فحَنِثَ به، كالهدِيَّةِ، ولأنَّ الصَّدَقَةَ تسَمَّى هِبَةً، فلو تَصَدَّقَ بدِرْهَمٍ، قيلَ: وَهَب دِرْهَمًا، وتَبَرَّعَ

وَإِنْ أعَارَهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا عِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ.
بدِرْهَمٍ.
واخْتِلافُ التَّسْمِيَةِ لكَوْنِ الصَّدَقَةِ نَوْعًا مِن الهِبَةِ، فتَخْتَصُّ باسْمٍ دونَها، كاخْتِصاصِ الهدِيَّةِ والعُمْرَى باسْمَين، ولم يُخْرِجْهُما ذلك عن كَوْنِهما هِبَةً، وكذلك اخْتِلافُ الأحْكام، فإنَّه قد يَثْبُتُ للنَّوْعِ ما لا يَثْبُتُ للجِنْسِ، كما يَثْبُتُ للآدَمِيِّ مِن الأحكامِ ما لا يَثْبُتُ لمُطْلَقِ الحيوانِ.

4731 -

مسألة: (وإن أعَارَه لم يَحْنَثْ إلَّا عندَ أبي الخَطَّابِ)

لأنَّ العارِيَّةَ هِبَةُ 1 المَنْفَعَةِ.
وقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ الأعْيانِ، وليس في العارِيَّةِ تَمْلِيكُ عَينٍ، ولأنَّ المُسْتَعِيرَ لا يَمْلِكُ المَنْفَعَةَ، وإنَّما يَسْتَبِيحُها 2، ولهذا يَمْلِكُ المُعِيرُ الرُّجُوعَ فيها 3، ولا يَمْلِكُ المُسْتَعِيرُ إجارَتَها.

وَإِنْ وَقَفَ عَلَيهِ، حَنِثَ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ، حَنِثَ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.

4732 - مسألة: (وإن وَقَفَ عليه، حَنِثَ)

قاله أبُو الخَطَّابِ؛ لأنَّه تَبَرَّعَ له بعَينٍ في الحَياةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يُمْلَكُ، في رِوايَةٍ، ولأنَّه لا يُطْلَقُ عليه اسْمُ الهِبَةِ.
4733 -

مسألة: (وإن وَصَّى له، لم يَحْنَثْ)

لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكٌ في الحياةِ، والوَصِيَّةُ إنَّما تُمْلَكُ بالقَبُولِ بعدَ الموتِ.
4734 -

مسألة: (وإن باعَه وحاباه، حَنِثَ)

في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه تَرَك له بعضَ المَبِيعِ بغيرِ عِوَضٍ أو وَهَبَه 1 بعضَ الثَّمَنِ.
والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّه لا يَحْنَثُ.
وهو أَوْلَى؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ يَمْلِكُ الشَّفِيعُ أخْذَ جميعِ

فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي؛ الْأَسْمَاءُ الْحَقِيقِيّةُ، إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أو الْمُخَّ، أو الْكَبدَ، أَو الطِّحَال، أَو الْقَلْبَ، أَوْ الْكَرِشَ، أَو الْمُصْرَانَ، أو الْأَلْيَةَ، أَو الدِّمَاغَ، أو  المَبِيعِ.
ولو كان هِبَةً أو بعضُه، لم يَمْلِكْ أخْذَه كلِّه.
وإن أضافَه لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يُمَلِّكْه شيئًا، وإنَّما أباحَه الأكْلَ، ولهذا لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بغيرِه.
فصل: قال رَحِمَه الله: (القِسْمُ الثاني؛ الأسْماءُ الحقِيقِيَّةُ، فإذا حَلَف لا يَأكُلُ اللَّحْمَ، فأكَلَ الشَّحْمَ، أو المُخَّ، أو الكَبِدَ، أو الطِّحال، أو القَلْبَ، أو الكَرِشَ، أو المُصْرانَ، أو الأَلْيَةَ، أو الدِّماغَ، أو

الْقَانِصَةَ، لَمْ يَحْنَثْ.
القانِصَةَ 1، لم يَحْنَثْ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحالِفَ على تَرْكَ 2 أكلِ 3 اللَّحْمِ، لا يَحْنَثُ بأكْلِ ما ليس بلَحْمٍ، من الشَّحْمِ والمُخِّ، وهو الذي في العِظامِ، والدِّماغِ، وهو الذي في الرَّأْسِ في قِحْفِه 4، ولا الكَبِدِ، والطِّحالِ، والرِّئَةِ، والقَلْبِ، والكَرِشِ، والمُصْرانِ، والقانِصَةِ، ونحوها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَحْنَثُ بأَكْلِ هذا كلِّه؛ لأنَّه لَحْمٌ حَقِيقَةً، ويُتَّخَذُ منه ما يُتَّخَذُ من اللَّحْمِ، فأَشْبَهَ لَحْمَ الفَخِذِ.
ولَنا، أنَّه لا يُسَمَّى لحْمًا، وَيَنْفَرِدُ عنه باسْمِه وصِفَتِه، ولو أمَرَ وَكِيلَه بشِراءِ لَحْمٍ، فاشْتَرَى هذا، لم يَكُنْ مُمْتَثِلًا لأمْرِه، ولا يَنْفُذُ الشِّراءُ للموكِّلِ، فلم يَحْنَثْ بأكْلِه، كالبقْلِ، وقد دَلَّ على أنَّ الكَبِدَ والطِّحال

..................................  ليسا بلَحْمٍ، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيتَتَانِ وَدَمَانِ؛ أمَّا الدَّمَانِ، فالْكَبِدُ والطِّحَالُ» 1. ولا نُسَلِّمُ أنَّه لَحْمٌ حَقِيقَةً، بل هو من الحَيوانِ، كالعَظْمِ والدَّمِ.
فأمَّا إن قَصَد اجْتِنابَ الدَّسَمِ، حَنِثَ بأكْلِ الشَّحْمِ؛ لأنَّ له دَسَمًا، وكذلك المُخُّ، وكلُّ ما فيه دَسَمٌ.
ولا يَحْنَثُ بأكْلِ الألْيَةِ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّها نابِتَةٌ في اللَّحْمِ، وتُشْبِهُه في الصَّلابَةِ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّها لا تُسَمَّى لَحْمًا, ولا يُقْصَدُ منها ما يُقْصَدُ منه، وتُخالِفُه في اللَّوْنِ والذَّوْبِ والطَّعْمِ، فلم يَحْنَثْ بأكْلِها، كشَحْمِ البَطْنِ.
فأمَّا الذي على الظَّهْرِ والجَنْبِ وفي تَضاعيفِ اللَّحْمِ، فلا يَحْنَثُ بأكْلِه، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ، فإنَّه قال: اللَّحْمُ لا يَخْلُو من شَحْمٍ.
يُشِيرُ إلى ما يُخالِطُ اللَّحْمَ ممَّا تُذِيبُه النارُ، وهذا كذلك.
وهو قولُ طَلْحَةَ العَاقُولِيِّ.
وممَّن قال: هذا شَحْمٌ.
أبو يوسفَ، ومحمَّدٌ.
وقال القاضِي: هو لَحْمٌ، يَحْنَثُ بأكْلِه، [ولا يَحْنَثُ بأكْلِه] 2 مَن حَلَف لا يَأْكُلُ شَحْمًا.
وهو مذهبُ

..................................  الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا, ولا بائِعُه شَحّامًا, ولا يُفْرَدُ عن اللَّحْمِ 1 مع الشَّحْمِ، ويُسَمَّى بائِعُه لَحَّامًا، ويُسَمَّى لَحْمًا سَمِينًا, ولو وَكَّلَ في شِراءِ لَحْمٍ، فاشْتَراه الوَكِيلُ، لَزِمَه، ولو اشْتَراه الوَكِيلُ في شِراءِ الشَّحْمِ، لم يَلْزَمْه.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَو الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ 2. ولأنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ 3 في صِفتِه وذَوْبه، ويُسَمَّى دُهْنًا، فكان شَحْمًا كالذي في البَطْنِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا أنَّه يُسَمَّى بمُفْرَدِه لَحْمًا، وإنَّما يُسَمَّى اللَّحْمُ الذي هو عليه لَحْمًا سَمِينًا, ولا يُسَمَّى بائِعُه شَحَّامًا؛ لأنَّه لا يُباعُ بمُفْرَدِه، وإنَّما يُباعُ تَبَعًا للَّحْمِ، وهو تابعٌ له في الوُجُودِ والبَيعِ، فلذلك سُمِّيَ بائِعُه لَحَّامًا، ولم يُسَمَّ شَحَّامًا؛ لأنَّه سُمِّيَ بما هو الأصْلُ دونَ التَّبَعِ.

وَإنْ أكَلَ الْمَرَقَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَدْ قَال أحْمَدُ: لا يُعْجِبُنِي.
قَال أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ.

4735 - مسألة: (وإن أكَلَ المَرَقَ، لم يَحْنَثْ. وقد قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِي. قال أبو الخَطَّابِ: هذا على سَبِيلِ الوَرَعِ)

وقال ابنُ أبي موسى، والقاضِي: يَحْنَثُ؛ لأنَّ المرَقَ لا يَخْلُو مِن أجْزاءِ اللَّحْمِ الذَّائِبَةِ فيه، وقد قيلَ: المَرَقُ أحَدُ اللَّحْمَين.
ولَنا، أنَّه ليس بلَحْمٍ حَقِيقَةً، ولا يُطْلَقُ عليه اسْمُ اللَّحْمِ، فلم يَحْنَثْ به، كالكَبِدِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ أجْزاءَ اللَّحْم فيه، وإنَّما فيه ماءُ اللَّحْمِ ودُهْنُه، وليس ذلك بلَحْمٍ.
وأمَّا المَثَلُ، فإنَّما أُرِيدَ به المَجازُ، كما في نَظائِرِه، مِن قَوْلِهم: الدُّعاءُ أحَدُ الصَّدَقَتَين، وقِلَّةُ العِيالِ أحدُ اليَسارَين.
وهذا دَليلٌ على أنَّها ليست بلَحْمٍ؛ لأنَّه جَعَلَها غيرَ اللَّحْمِ الحَقِيقِيِّ.

..................................  فصل: فإنْ أكَلَ رَأسًا [أو كُراعًا] 1، [فقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه رُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على [أنَّ] 2 مَن حَلَف لا يَشْتَرِي لَحْمًا، فاشْتَرَى رَأْسًا أو 3 كُراعًا] 4، لا يَحْنَثُ، إلَّا أن يَنْويَ لا يَشْتَرِي مِن الشَّاةِ شيئًا.
قال القاضي: لأنَّ إطْلاقَ اسْمِ اللَّحْمِ لا يَتَناوَلُ الرُّءُوسَ والكَوَارِعَ، ولو وَكَّلَه في شِراءِ لَحْمٍ، فاشْتَرَى رَأْسًا أو كُراعًا 5، لم يَلْزَمْه، ويُسَمَّى بائِعُ ذلك رَوَّاسًا, ولا يُسَمَّى لَحَّامًا.
وقال أبو الخطَّابِ: يَحْنَثُ بأكْلِ لَحْمِ الخَدِّ؛ لأنَّه لحمٌ حَقِيقَةً.
وحُكِيَ عن ابنِ أبي موسى أنَّه لا يَحْنَثُ حتَّى يَنْويَه باليَمِينِ.
وإن أَكَلَ اللِّسانَ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه لحمٌ حَقِيقَةً.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه مُنْفَرِدٌ عن اللَّحْمِ باسْمِه وصِفَتِه، فأَشْبَهَ القَلْبَ.

وَإنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فَأكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ، حَنِثَ.

4736 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فأكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ، حَنِثَ)

ظاهِرُ هذا، أنَّ الشَّحْمَ كلُّ ما يَذُوبُ بالنارِ ممَّا في الحَيوانِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ الآيَةِ، والعُرْفُ يَشْهَدُ لذلك.
وهو ظاهِرُ قولِ أبي الخَطَّابِ، وطَلْحَةَ العَاقُولِيِّ، [وهو قَوْلُ] 1 أبي يوسف، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وقال القاضي: الشَّحْمُ هو 2 الذي يكونُ في الجَوْفِ، مِن شَحْمِ الكُلَى أو غيره، وإن أكَلَ مِن كلِّ شيءٍ مِن الشَّاةِ، مِن لَحْمِها الأحْمَرِ والأبيَضِ، والأَلْيَةِ، والكَبِدِ، والطِّحالِ، والقَلْبِ، فقال شيخُنا -يعني ابنَ حامِدٍ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ اسْمَ الشَّحْمِ لا يَقَعُ عليه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقد سَبَق الكَلامُ في أنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ والجَنْبِ شَحْمٌ، فيَحْنَثُ به.
فأمَّا إن أكَلَ اللَّحْمَ الأحْمَر وَحْدَه، ولم يَظْهَرْ فيه شيءٌ مِن الشَّحْمِ، فقال الخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ؛

..................................  لأنَّا قد ذَكَرْنا أنَّ الشَّحْمَ كلُّ ما يَذُوبُ بالنارِ، ولا يَكادُ اللَّحْمُ يَخْلُو مِن شيءٍ منه وإن قَلَّ، فيَحْنَثُ به، ولأنَّه يَظْهَرُ في الطَّبْخِ، فيَبِينُ على وَجْهِ المَرَقِ وإن قَلَّ، وهذا يُفارِقُ مَن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا 1 فيه سَمْنٌ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، فإنَّ هذا يَظْهَرُ الدُّهْنُ فيه.
وقال غيرُ الخِرَقِيِّ مِن أصحابِنا: لا يَحْنَثُ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا, ولا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، والذي يَظْهَرُ في المَرَقِ قد فارَقَ اللَّحْمَ، فلا يَحْنَثُ بأكْلِ اللَّحْمِ الذي كان فيه.
فصل: ويَحْنَثُ بالأكْلِ مِن الألْيَةِ، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ ومُوافقِيه؛ لأنَّها دُهْنٌ تَذُوبُ بالنَّارِ، وتُباعُ مع الشَّحْمِ، ولا تُباعُ مع اللَّحْمِ.
وعلى قولِ القاضي ومُوافقِيه: ليست شَحْمًا ولا لَحْمًا، فلا يَحْنَثُ به الحالِفُ على تَرْكِهما.
فصل: إذا حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، حَنِث بأكْلِ اللَّحْمِ المُحَرَّمِ،

وَإنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأكَلَ زُبْدًا، أوْ سَمْنًا، أو كَشْكًا، أوْ مَصْلًا، أو جُبْنًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإنْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ والسَّمْنِ فَأكَلَ  كالمَيتَةِ، والخِنْزِيرِ، والمَغْصُوبِ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَحْنَثُ بأكْلِ اللَّحْمِ المُحَرَّمِ بأصْلِه؛ لأنَّ يَمِينَه تَنْصَرِفُ إلى ما يَحِلُّ دونَ ما يَحْرُمُ، فلا يَحْنَثُ بما لا يَحِلُّ، كما لو حَلَف لا يَبِيعُ، فباعَ بَيعًا فاسِدًا، [لم يَحْنَثْ] (1). ولَنا، أنَّ هذا لَحْمٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، فحَنِثَ به، كالمَغْصُوبِ، وقد سَمَّاه اللهُ تعالى لَحْمًا، فقال: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ (2). وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا حَلَف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا، فلَبِس ثَوْبَ حَرِيرٍ.
وأمَّا البَيعُ الفاسِدُ، فلا يَحْنَثُ به؛ لأنَّه ليس ببَيعٍ في الحَقِيقَةِ.

4737 -

مسألة: (وإن حَلَف لا يَأكُلُ لَبَنًا، فأكَلَ زُبْدًا، أو سَمْنًا، أو كَشْكًا، أو مَصْلًا، أو جُبْنًا، لم يَحْنَث. وإن حَلَف على الزُّبْدِ

12

لَبَنًا، لَمْ يَحْنَثْ.
والسَّمْنِ فأكَلَ لَبَنًا، لم يَحْنَثْ) إذا حَلَف لا يَأْكلُ لَبَنًا، فأكَلَ مِن لَبَن الأنْعامِ، أو الصَّيدِ، أو لَبَنِ آدَمِيَّةٍ، حَنِثَ؛ لأنَّ الاسْمَ يَتَناوَلُه حَقِيقَةً وعُرْفًا، وسَواءٌ كان حَلِيبًا أو رائِبًا، أو مائِعًا أو مُجَمَّدًا؛ لأنَّ الجميعَ لَبَنٌ.
ولا يَحْنَثُ بأكْلِ الجُبْنِ والسَّمْنِ والمَصْلِ 1 والأقِطِ والكَشْكِ ونحوه 2. وإن أكَلَ زُبْدًا، فكذلك.
نَصَّ عليه.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يُقال في الزُّبْدِ: إن ظَهَر فيه لَبَنٌ، حَنِثَ بأكْلِه، وإلَّا فلا، كما لو حَلَف لا يَأْكلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ.
وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ.
وإن حَلَف لا يَأْكُلُ زُبْدًا، فأكَلَ سَمْنًا أو لَبَنًا لم يَظْهَرْ فيه الزُّبْدُ، لم يَحْنَث، وإن كان الزُّبْدُ فيه ظاهِرًا، حَنِثَ.
وإن أكَلَ لَبَنًا، لم يَحْنَثْ.
وكذلك سائِرُ ما يُصْنَعُ مِن اللَّبَنِ.
[وإن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ زُبْدًا، أو لَبَنًا، أو شيئًا ممّا يُصْنَعُ مِن اللَّبَنِ] 3 سِوَى السَّمْنِ، لم يَحْنَثْ.
وإن أكَلَ

..................................  السَّمْنَ مُنْفَرِدًا، أو في عَصِيدَةٍ، أو حَلْواءَ، أو طَبِيخٍ يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، حَنِثَ.
وكذلك إذا حَلَف لا يَأْكلُ لَبَنًا، فأكَلَ طَبِيخًا فيه لَبَنٌ، أو لا يَأْكلُ خَلًّا، فأكَلَ ظبِيخًا فيه خَلٌّ، يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، حَنِثَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يُفْرِدْه بالأكْلِ.
ولا يصِحُّ؛ لأنَّه أكَلَ المَحْلُوفَ عليه، وأضافَ إليه غيرَه، فحَنِثَ، كما لو أكَلَه ثم 1 أكَلَ غيرَه.

وَإنْ حَلَفَ عَلَى الْفَاكِهَةِ، فَأكَلَ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ؛ كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتَّمْرِ، وَالرُّمَّانِ، حَنِثَ، وَإنْ أكَلَ الْبِطِّيخَ، حَنِثَ.
وَيَحْتَمِلُ أن لَا يَحْنَثَ.

4738 - مسألة: (وإن حَلَف على الفاكِهَةِ، فأكَلَ مِن ثَمَرِ الشَّجَرِ؛ كالجَوْزِ، واللَّوْزِ، والتَّمْرِ، والرُّمَّانِ، حَنِثَ، وإن أكَلَ البِطِّيخَ، حَنِثَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ)

إذا حَلَف لا يَأْكُلُ فاكِهَةً، حَنِثَ بأكْلِ ما يُسَمَّى فاكِهَةً، وذلك كلُّ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ مِن الشَّجَرِ يُتَفَكَّهُ بها، مِن العِنَبِ، والرُّطَبِ، والرُّمَّانِ، والسَّفَرْجَلِ، والتُّفَّاحِ، والكُمَّثْرَى، والخَوخِ، والمِشْمِشِ، والأتْرُجِّ، والتُّوتِ، والنَّبقِ، والمَوْزِ 1، والجُمَّيزِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ بأكْلِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ والرُّمَّانِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ 2. والمعطوفُ يُغايِرُ المعطوفَ عليه.
ولَنا، أنَّهما 3 ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بهما 4، فكانا مِن الفاكِهَةِ،

..................................  كسائِرِ الأثْمارِ المَذْكُورَةِ 1، ولأنَّهما فاكِهَةٌ في عُرْفِ الناسِ، ويُسَمَّى بائِعُهُما فاكِهانِيًّا.
ومَوْضِعُ بَيعِهما دارَ الفاكِهَةِ، والأصْلُ في العُرْفِ الحَقِيقَةُ، والعَطْفُ لتَشْرِيفِهما وتَخْصِيصِهما، كقولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ 2. وهما من الملائكةِ.
فأمَّا يابِسُ هذه الفَواكِهِ؛ كالزَّبِيبِ، والتَّمْرِ، والتِّينِ، والمِشْمِشِ اليابِسِ، والإجَّاصِ ونحوها، فهو مِن الفاكِهَةِ؛ لأنَّه ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ به.
ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس منها؛ لأنَّه يُدَّخرُ، ومنه ما يُقْتاتُ، فأشْبَهَ الحُبوبَ.
والزَّيتونُ ليس بفاكِهَةٍ؛ لأنَّه لا يُتَفَكَّهُ بأكْلِه، وإنَّما المقْصودُ منه [زَيتُه، وما يُؤكلُ منه] 3 [يُقْصَدُ به] 4 الأدْمُ لا التَّفَكُّهُ.
والبُطْمُ 5 في مَعْناه؛ لأنَّ المقْصودَ زَيتُه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه فاكِهَةٌ؛ لأنَّه ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُؤْكَلُ غَضًّا ويابسًا على جِهَتِه، أشْبَه التُّوتَ.
والبَلُّوطُ ليس بفاكِهَةٍ؛ لأنَّه لا يُتَفَكَّهُ به، وإنَّما يُؤكَلُ عندَ المَجاعَةِ، أو للتَّداوي.
وكذلك سائِرُ ثَمَرِ الشَّجَرِ البَرِّيِّ الذي

..................................  لا يُسْتَطابُ، كالزُّعْرُورِ الأحْمَرِ 1، وثَمَرِ القَيقَبِ 2، والعَفْصِ 3، وحَبِّ الآسِ، ونحوه، إن كان فيها ما يُسْتَطابُ، كحَبِّ الصَّنَوْبَرِ

وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ.
والبُنْدُقِ، فهو فاكِهَةٌ لأَنه ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ به.
وفي البِطِّيخِ وَجْهان؛ أحَدُهما، هو مِن الفاكِهَةِ.
ذَكَرَه القاضي.
وهو قول الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأَنه يَنْضَجُ ويَحْلُو، أشْبَهَ ثَمَرَ الشَّجَرِ.
والثاني، لا يَحْنَثُ بأَكْلِه؛ لأنَّه ثَمَرُ بَقْلَةٍ، أشْبَه الخِيارَ.

4739 -

مسألة: (ولا يَحْنَثُ بأَكْلِ القِثَّاءِ والخِيَارِ)

ونَحْوه، والْقَرْعِ، والْبَاذِنْجَانِ؛ لأَنه مِن الخُضَرِ، وليس مِن الفاكِهَةِ.
وكذلك ما يكونُ في الأرْضِ، كالجَزَرِ، واللِّفْتِ، والفُجْلِ، والقُلْقاسِ، والسوطَلِ 1 ونحوه، ليس شيءٌ مِن ذلك فاكِهَةً؛ لأنَّه لا يُسَمَّى بها, ولا هو في مَعْناها.

وَإنْ حَلَفَ لَا يَأْكلُ رُطَبًا، فَأكَلَ مُذَنَّبًا، حَنِثَ.

4740 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأَكلَ مُذَنَّبًا، حَنِثَ)

وهو الذي بَدَا 1 فيه الإِرْطابُ مِن ذَنَبِه، وباقِيه بُسْرٌ، أو مُنَصَّفٌ، وهو الذي بعضُه بُسْرٌ وبعضُه رُطَبٌ.
أو حَلَف لا يَأْكلُ بُسْرًا، فأكَلَ ذلك، حَنِثَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمَّدُ، والشافعيُّ.
وقال أبو يوسفَ، وبعضُ أصحاب الشافعيِّ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى رُطَبًا ولا بُسْرًا 2. ولَنا، أنَّه أكَلَ رُطَبًا وبُسْرًا، فحَنِثَ، كما لو أكَلَ نِصْفَ رُطَبَةٍ ونِصْفَ بُسْرَةٍ مُنْفَرِدَين.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ القَدْرَ الذي أرْطَبَ رُطَبٌ، والباقِيَ بُسْرٌ، ولو أنَّه حَلَف لا يأكلُ [الرُّطَبَ، فأكَلَ القَدْرَ الذي أرْطَبَ مِن النِّصفِ، حَنِثَ، ولو حَلَف لا يَأْكلُ] 3 البُسْرَ، فأكَلَ البُسْرَ الذي في المُنَصَّفِ، حَنِثَ.
وإن أكَلَ البُسْرَ مَن يَمِينُه على الرُّطَبِ، وأكَلَ الرُّطَبَ مَن يَمِينُه على البُسْرِ، لم يَحْنَثْ واحِدٌ منهما.
وإن حَلَف واحِدٌ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبًا، وآخَرُ لَيَأْكُلَنَّ بُسْرًا، فَأكَلَ الحالِفُ على أكْلِ

وَإِنْ أكَلَ تَمْرًا أوْ بُسْرًا، أو حَلَفَ لَا يَأْكلُ تَمْرًا، فَأكَلَ رُطَبًا أوْ دِبْسًا أوْ نَاطِفًا، لَمْ يَحْنَثْ.
الرُّطَبِ ما في المُنَصَّفِ مِن الرُّطَبِ، وأكَلَ الآخَرُ باقِيَها، بَرًّا جميعًا، وإن حَلَف لَيَأْكُلَنَّ رُطَبَةً أو بُسْرَةً، أو لا يَأْكُلُ ذلك، فأكَلَ مُنَصَّفًا، لم يَبَرَّ ولم يَحْنَثْ؛ لأنَّه ليس فيه رُطَبَةٌ ولا بُسْرَةٌ.

4741 -

مسألة: (وإن أكَلَ تَمْرًا أو بُسْرًا)

لم يَحْنَثْ؛ لأَنه ليس برُطَبٍ (أو حَلَف لا يَأْكلُ تَمْرًا، فأكَلَ رُطَبًا أو دِبْسًا أو ناطِفًا، لم يَحْنَثْ) لأنَّه ليس بتَمْرٍ.
فصل: وإن حَلَف لا يَأْكلُ تَمْرًا، فأكَلَ رُطَبًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَتَناوَلْه الاسْمُ، وكذلك لو أكَلَ بُسْرًا أو بَلَحًا.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ولا نَعلمُ فيه خِلافًا.
فصل: فإن حَلَف لا يَأْكلُ عِنَبًا، فأَكلَ زَبِيبًا أو دِبْسًا أو خَلًّا أو ناطِفًا، أو لا يُكَلِّمُ شابًّا، فكَلَّمَ شَيخًا، أو لا يَشْتَرِي جَدْيًا، فاشْتَرَى تَيسًا، أو لا يَضْرِبُ عَبْدًا، فضَرَبَ عَتِيقًا، لم يَحْنَثْ، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّ اليَمِينَ تَعَلَّقَتْ بالصِّفَةِ دونَ العَينِ، ولم تُوجَدِ الصِّفَةُ، فجَرَى مَجْرَى قولِه: لا أكَلْتُ هذه التَّمْرَةَ.
فأكَلَ غيرَها.
فأمَّا إن عَيَّنَ المَحْلُوفَ عليه، ففيه خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.

وَإنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أُدْمًا، حَنِثَ بأَكْلِ الْبَيضِ، وَالشِّوَاءِ، وَالْجُبْنِ، وَالْمِلْحِ، وَالزَّيتُونِ، وَاللَّبَنِ، وَسَائِرِ مَا يُصْطبَغُ بِهِ.
وفي التَّمْرِ وَجْهَانِ.

4742 - مسألة: (وإن حَلَف لَا يَأكُلُ أُدْمًا، حَنِثَ بأكْلِ البَيضِ، والشِّوَاءِ، والجُبْنِ، والمِلْحِ، والزَّيتُونِ، واللَّبَنِ، وسائِرِ مَا يُصْطَبَغُ به. وفي التَّمْرِ وَجْهانِ)

إذا حَلَف على تَرْكِ الأُدْمِ، حَنِثَ بأكْلِ كلِّ 1؛ ما جَرَتِ العادَةُ بأكْل الخُبْزِ به؛ لأنَّ هذا مَعْنَى التَّأَدُّم، وسَواءٌ في هذا ما يُصْطَبَغُ 2 به؛ كالطَّبِيخِ 3، والمَرَقِ، والخَلِّ، وَالزَّيتِ، والسَّمْنِ، والشَّيرَجِ، واللَّبَنِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ 4. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ» 5. وقال:

..................................  «ائْتَدِمُوا بِالزَّيتِ، وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ».
رَواه ابنُ ماجَه 1. أو من الجامِداتِ، كالشِّواءِ والجُبْنِ والباقِلَّاءِ والزَّيتُونِ والبَيضِ.
وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسف: ما لا يُصْطَبَغُ به فليس بأُدْم؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُرْفَعُ إلى الفَمِ مُفْرَدًا.
ولَنا، ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «سَيِّدُ الإِدَامِ اللَّحْمُ» 2. وقال: «سَيِّدُ أُدْمِكُمُ المِلْحُ».
رَواه ابنُ ماجَه 3. ولأنَّه يُؤْكَلُ به الخُبْزُ عادَةً، فكان إدامًا 4، كالذي يُصْطَبَغُ 5 به، ولأنَّ

..................................  كثيرًا ممَّا ذَكَرْنا لا يُؤْكَلُ في العادَةِ وَحْدَه، إنَّما يُعَدُّ للتَّأدُّمِ به، فكان أُدْمًا 1، كالخَلِّ واللَّبَنِ.
وقولُهم: إنَّه يُرْفَعُ إلى الفَمِ مُفْرَدًا.
عنه جوابان؛ أحَدُهما، أنَّ منه ما يُرْفَعُ مع الخُبْزِ، كالملحِ ونحوه.
والثاني، أنَّهما يَجْتَمِعان في الفَمِ والمَضْغِ والبَلعِ، الذي هو حَقِيقَةُ الأكلِ، فلا يَضُرُّ افْتِراقُهُما قبلَه.
وأمَّا التَّمْرُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هو 2 أُدْمٌ؛ لِما روَى يوسفُ بنُ 3 عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَضَع تَمْرَةً على كِسْرَةٍ، وقال: «هذِهِ 4 إدَامُ هذِهِ».
رَواه أبو داوُدَ 5. وذَكَرَه الإمامُ أحمدُ.
والثاني، ليس بأُدْم؛ لأنَّه لا يُؤْتَدَمُ به عادَةً، وإنَّما يُؤْكَلُ قُوتًا وحَلاوَةً، ولأنَّه فاكِهَةٌ، فأشْبَهَ الزَّبِيبَ.

..................................  فصل: إذا حَلَف لا يَأْكُلُ طَعامًا، حَنِثَ بأكْلِ كلِّ ما يُسَمَّى طَعامًا؛ مِن قُوتٍ، وأُدْمٍ، وحَلْواءَ، وجامِدٍ، ومائِعٍ، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ 2. يَعْنِي على مَحَبَّةِ الطَّعامِ، وحاجَتِهم إليه.
وقيل: على حُبِّ الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ 3. وسَمَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - اللَّبَنَ طَعامًا، فقال: «إنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ 4 ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أطْعِمَتَهُمْ» 5. وفي الماءِ وَجْهان؛ أحَدُهما، هو طَعامٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ 6. والطَّعامُ ما يُطْعَمُ، ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمَّى اللَّبَنَ طَعامًا، وهو

..................................  مَشْروبٌ، فكذلك الماءُ.
والثاني، ليس بطَعامٍ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى طَعامًا، ولا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِه اسْمُ الطَّعامِ، ولهذا يُعْطَفُ عليه، فيقالُ: طعامٌ وشَرابٌ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أعْلَمُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَّا اللَّبَنُ».
رَواه ابنُ ماجَه 1. ويُقالُ: بابُ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ.
ولأنَّه إن كان طَعامًا في الحَقِيقَةِ، فليس بطعامٍ في العُرْفِ، فلا يَحْنَثُ بشرْبِه؛ لأنَّ مَبْنَى الأيْمانِ على العُرْفِ، لكَوْنِ الحالِفِ في الغالِبِ لا يُرِيدُ بلَفْظِه إلَّا ما يَعْرِفُه.
فإن أكَلَ دَواءً، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه يُطْعَمُ حال الاخْتِيارِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يدْخُلُ في إطْلاقِ اسْمِ الطَّعامِ، ولا يُؤْكَلُ إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ.
فإن أكَلَ مِن نَباتِ الأرْضِ ما جَرَتِ العادَةُ بأكْلِه، حَنِثَ.
وإن أكلَ ما لم تَجْرِ به عادَةٌ،

جارٍ التحميل