..................................
وهو قولُ الشَّافِعِيِّ.
[وأفْتَى به] 1 عَطاءٌ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر نَذَرَتِ المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ، فأمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَرْكَبَ، وتُهْدِيَ هَدْيًا.
رَواه أبو داودَ 2، وفيه ضعفٌ.
[ولأنَّه] 3 أخَلَّ بواجبٍ في الإِحْرام، فلَزِمَه هَدْيٌ، كتاركِ الإِحْرام مِن المِيقاتِ.
وعن ابنِ عمرَ، وابن الزُّبَيرِ، قالا: يَحُجُّ مِن قابل، ويَرْكَبُ ما مَشَى ويَمْشِي ما رَكِب 4. ونحوَه قال ابنُ عباسٍ (4)، وزادَ: ويُهْدِي.
وعن الحسنِ مثلُ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ.
وعن النَّخَعِيِّ رِوايتان؛ إحداهما، كقولِ ابنِ عمرَ.
والثَّانيةُ، كقولِ ابنِ عباس.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: عليه 5 هَدْيٌ، سَواءٌ عَجَز عن المشْي أو قَدَر عليه، وأقل الهَدْي شاةٌ.
وقال الشَّافعيُّ: لا تَلْزَمُه مع العَجْزِ كفَّارَة بحالٍ،
..................................
إلَّا أن يكونَ النَّذْرُ إلى بيتِ اللهِ، فهل يَلْزَمُه هَدْيٌ؟ فيه قَوْلانِ، وأمَّا غيرُه، فلا يَلْزَمُ مع العَجْزِ شيءٌ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأخْتِ عُقْبةَ بنِ عامِر، لَمَّا نذَرَتِ المشْيَ إلى بيتِ اللهِ: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» 1. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ» 2. ولأنَّ المَشْيَ ممَّا لا يُوجِبُه الإِحْرامُ، فلم يَجِبِ الدَّمُ ببرْكِه، كما لو نَذَرَت صلاةَ رَكعتين، فتَرَكَتْهما، وحدِيثُ الهَدْي ضَعِيف، وهذا حُجَّة على الشَّافعيِّ، حيثُ أوْجَب الكفَّارَةَ عليها [مِن غيرِ ذكرِ] 3 العَجْزِ.
فإن قيلَ: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أوْجَبَ عليها 4 الكفَّارَةَ مِن غيرِ ذِكْرِ العَجْزِ.
قُلْنا: يَتَعَيَّنُ حَمْلُه على حالةِ العَجْزِ؛ لأنَّ المشيَ قُرْبَة، لكَوْنِه مَشْيًا إلى عِبادَةٍ، والمشْيُ إلى العِبادَةِ أفضلُ، ولهذا رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَرْكَبْ في عِيدٍ ولا جِنازَةٍ 5. فلو كانت قادِرَةً على المشي، لأمَرَها به، ولم يَأمُرْها
..................................
[بالرُّكوبِ والتَّكْفيرِ] 1، ولأنَّ المشيَ المَقْدُورَ عليه لا يَخْلُو مِن أن يكونَ واجِبًا أو مُباحًا؛ فإن كان واجِبًا، لَزِم 2 الوَفاءُ به، وإن كان مُباحًا، لم تَجِبِ الكَفَّارَةُ بتَرْكِه عندَ الشَّافعيِّ، وقد أوجَب الكفَّارَةَ ههُنا، وتَرْكُ ذِكْرِه في الحديثِ؛ إمَّا لِعلمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحالِها وعَجْزِها، وإمَّا لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِ المرأةِ العَجْزُ عن المَشْي إلى مَكَّةَ.
أو 3 يكونُ قد ذُكِر في الخَبَرِ، فتَرَك الرَّاوى ذِكْرَه.
وقولُ أصحابِ أبي حنيفةَ: إنَّه أخَلَّ بواجِبٍ في الحَجِّ.
قُلْنا المشيُ لم يُوجِبْه الإِحْرامُ، ولا هو مِن مَناسِكِه، فلم يَجِبْ بتَرْكِه هَدْيٌ، كما لو نَذَر صلاةَ ركعتين في الحَجِّ، فلم يُصَلِّهِما.
فأمَّا إن تَرَك المَشْيَ مع إمْكانِه، فقد أساءَ، وعليه كَفَّارَة لتَرْكِه صِفَةَ النَّذْرِ.
وقياسُ المذهبِ أن يَفزَمَه اسْتِئْناف الحَجِّ ماشِيًا؛ لتَرْكِه صِفَةَ المَنْذُورِ، كما لو نَذَر صَوْمًا مُتَتابِعًا فأتى به مُتَفَرِّقًا.
فإن عَجَز عن المشي بعدَ الحَجِّ، كَفَّر، وأجْزَأه.
وإن مَشَى بعضَ.
الطريقِ ورَكِب بعضًا، فعلى هذا القياسِ، يَحْتَمِلُ أن يكون كقولِ ابنِ عمرَ، وهو أن يَحُجَّ فيَمْشِيَ
وَإنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ، فَمَشَى، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ.
ما رَكِب، ويَرْكبَ ما مَشَى.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه إلَّا حَجٌّ يَمْشِي في جميعِه؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّذْرِ يَقْتَضي هذا.
ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، وهو أن لا يَلْزَمَه بتَرْكِ المشي المَقْدُورِ عليه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ، أنَّ المشْيَ ليس بمَقْصودٍ في الحجِّ، ولا وَرَد الشَّرْعُ باعْتِبارِه في مَوْضِع، فلم يَلْزَمْه بتَرْكِه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ، كما لو نَذَر التَّحَفِّيَ وشِبْهَه، وفارَقَ التَّتابُعَ في الصيامِ؛ فإنَّه صِفَةٌ مَقْصُودَة فيه، اعْتَبرَها الشَّرْعُ في صيامِ كفَّارَتَيِ الظِّهارِ والقَتْلِ.
4816 -
مسألة: (فإن نَذَر الرُّكُوبَ، فمَشَى، فعلى الرِّوَايَتَين)
إذا نَذَر الحجَّ راكِبًا، لَزِمَه الحجُّ كذلك؛ لأنَّ فيه إنْفاقًا في الحَجِّ، فإن تَرَك الرُّكوبَ، فعليه كَفَّارَة.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: يَلْزَمُه دَمٌ؛ لتَرَفُّهِه 1 بتَرْكِ الانْفاقِ.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وقد بَيَّنّا أنَّ الواجِبَ بتَرْكِ النَّذْرِ الكفَّارَةُ دونَ الهَدْي، إلَّا أنَّ هذا إذا مَشَى ولم يَرْكَبْ مع إمْكانِه،
..................................
لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ؛ لأنَّ الرُّكوبَ في نفْسِه ليس بطاعَةٍ، ولا قُرْبَةٍ.
وكلُّ مَوْضِعٍ نَذَر المشيَ فيه أو الركوبَ، فإنَّه يَلْزَمُه الإِتْيانُ بذلك مِن دُوَيرَةِ أهْلِه، إلَّا أن يَنْويَ مَوْضِعًا بعَينِه، فيَلْزَمَه مِن ذلك المَوْضِعِ؛ لأنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ على أصْلِه في الفَرْضِ، والحَجُّ المفْروضُ [بأصلِ الشَّرْعِ] 1 يَجِبُ كذلك.
ويُحْرِمُ للمَنْذُورِ مِن حيثُ يُحْرِمُ للواجِبِ.
وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ الإحْرامُ مِن دُوَيرَةِ أهلِه، لأنَّ إتْمامَ الحَجِّ كذلك.
ولَنا، أنَّ المُطْلَقَ محمولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، والإِحْرامُ الواجبُ إنَّما هو مِن المِيقاتِ، ويَلْزَمُه المَنْذُورُ مِن المشي أو الركوبِ في الحجِّ أو 2 العُمْرَةِ إلى أن يَتَحَلَّلَ؛ لأنَّ ذلك انْقِضاءُ الحَجِّ والعُمْرَةِ.
قال أحمدُ: يَرْكَبُ في الحَجِّ إذا رَمَى، وفي العُمْرةِ إذا سَعَى؛ لأنَّه لو وَطِئ بعدَ ذلك، لم يُفْسِدْ [حَجًّا ولا عُمْرَة] 3. وهذا يَدُلّ على أنَّه إنَّما يَلْزَمُه في الحجِّ مِن 4 التَّحَلُّلِ الأولِ.
فصل: وإذا نَذَر المشْيَ إلى البيتِ الحَرامِ، أو بُقْعَةٍ منه، كالصَّفا والمروةِ وأبي قُبيس، أو مَوْضِع مِن الحرمِ، لَزِمَه حَجٌّ أو عُمرَة.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشَّافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه إلَّا أن يَنْذِرَ المشْيَ
..................................
إلى الكعبةِ، أو إلى مكةَ.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، إن نَذَر المشيَ إلى الحَرم، أو المسجدِ الحَرامِ كقَوْلِنا، وفي باقي الصُّوَرِ كقولِ أبي حنيفةَ.
ولَنا، أَنَّه نَذَر المشيَ إلى مَوْضِع مِن الحَرمِ، أشْبَهَ النَّذْرَ إلى مكةَ.
فأمَّا إن نَذَر المشيَ إلى غيرِ الحَرمِ، كعَرَفَةَ، ومَواقِيتِ الإحْرامِ، وغيرِ ذلك، لم يَلْزَمْه ذلك، ويكونُ كنَذْرِ المُباحِ.
وكَذلك إن نَذَر إتْيانَ مسجدٍ سِوَى المساجدِ الثلاثةِ، لم يَلْزَمْه إتْيانُه.
وإن نَذَر الصلاةَ فيه، لَزِمَتْه 1 الصَّلاةُ دونَ المسجدِ 2، ففي أيِّ مَوْضِع صَلَّى أجْزَأه؛ لأنَّ الصلاةَ لا تَخْتَصُّ مَكانًا دونَ مكانٍ، فلَزِمَتْه الصَّلاةُ دونَ المَوْضِعِ.
ولا نعلمُ في هذا خِلافًا، إلَّا عن اللَّيثِ، فإنَّه قال: لو نَذَر صلاةً أو صيامًا بمَوْضِع، لَزِمَه فِعْلُه في ذلك الموضِعِ، ومَن نَذَر المشيَ إلى مسجدٍ، مَشَى إليه.
قال الطَّحاويّ: ولم يُوافِقْه على ذلك أحَدٌ مِن الفُقَهاءِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثةِ مَسَاجدَ؛ المَسْجِدِ الْحَرَامِ، ومَسْجِدِي هَذَا، والْمَسْجِدِ الأقْصَى».
مُتَّفَقٌ عليه 3. ولو لَزِمَه المشيُ إلى مسجدٍ بَعِيدٍ لشَدَّ الرَّحْلَ إليه، وقد ذَكَرْناه في الاعْتِكافِ 4.
فصل 5: فإن نَذَر المشيَ إلى بيتِ اللهِ، ولم يَنْو شيئًا، ولم يُعَيِّنه،
..................................
انْصَرَف إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ؛ لأنَّه المَخْصُوصُ بالقَصْدِ دونَ غيرِه، وإطْلاقُ بيتِ اللهِ يَنْصَرِفُ إليه دونَ غيرِه في العُرْفِ، فيَنْصَرِفُ إليه في النَّذْرِ.
فصل: إذا نَذَر المشيَ إلى بيتِ اللهِ، أو الرُّكوبَ إليه، ولم يُرِدْ بذلك حَقِيقَةَ المشي، إنَّما أرادَ إتْيانَه، لزِمَه إتْيانُه في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ؛ [لِما ذَكَرْنا.
ولم يَتَعَيَّنْ عليه مشيٌ، ولا ركوبٌ؛ لأنَّه عَيَّنَ ذلك بنَذْرِه، وهو مُحْتَمِل له، فأشْبَهَ ما لو صَرَّح به.
وإن نَذَر أن يَأتيَ بيتَ اللهِ الحَرامَ، أو يذهبَ إليه، لَزِمَه إتْيانُه في حَج أو عُمْرَةٍ] 1. وعن أبي حَنيفةَ، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ إتْيانِه ليس بقرْبَةٍ ولا طاعَةٍ.
ولَنا، أنَّه عَلَّقَ نَذْرَه بوُصولِ البيتِ، فلَزِمَه، كما لو قال: لله عِليَّ المشيُ إلى الكعبةِ.
إذا ثَبَت هذا، فهو مُخَيَّر في المَشْي والرُّكوبِ.
وكذلك إذا نَذَر أن يَحُجَّ البيتَ أو يَزُورَه؛ لأنَّ الحجَّ يَحْصُلُ بكُلِّ واحدٍ مِن الأمْرَين، فلم يَتَعَيَّنْ أحَدُهما، وإن قال: للهِ عليَّ أن آتِيَ البيتَ الحرامَ، غيرَ حاج ولا مُعْتَمِر.
لَزِمَه الحَجُّ أو 2 العُمْرَةُ، وسَقَط شَرْطُه.
وهذا أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ قولَه: لله عِليَّ أن آتِيَ البيتَ.
يَقْتَضِي حَجًّا أو عُمْرَةً، وشَرْطُ سُقوطِ ذلك يُناقِضُ 3 نَذْرَه، فسَقَط حُكْمُه.
..................................
فصل: إذا نَذَر المشيَ إلى مسجدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو المسجدِ الأقْصَى، لَزِمَه ذلك.
وبهذا قال مالكٍ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ.
وقال في الآخرِ: لَا يَتَبَيَّنُ لي وُجوبُ المشي إليهما؛ لأنَّ البرَّ بإتْيانِ بيتِ اللهِ فرْضٌ، والبِرَّ بإتْيانِ هذَين نَفْلٌ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذَا، وَالْمَسْجِدِ الأقْصَى».
ولأنَّهَ أحدُ المساجدِ الثلاثةِ، فيَلْزَمُ [المشيُ إليه بالنَّذْرِ] 1، كالمسجدِ الحَرامِ، ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَه 2، فإنَّ كلُّ قُرْبَةٍ تَجِبُ بالنَّذْرِ، وإن لم يَكُنْ لها أصْل في الوُجوبِ، كعِيادةِ المَرْضَى، وشُهودِ الجَنائزِ.
ويَلْزَمُه بهذا النَّذْرِ أن يُصَلِّيَ في المَوْضِعِ الذي أتاهُ رَكْعَتين؛ لأنَّ القَصْدَ بالنَّذْرِ القُرْبَةُ والطَّاعَةُ، وإنَّما يَحْصُلُ ذلك بالصَّلاةِ، فتَضَمَّنَ ذلك نَذْرُه، كما يَلْزَمُ ناذِرَ المشي إلى بيتِ الله الحرامِ أحَدُ النُّسُكَين.
ونَذْرُ الصلاةِ في أحدِ المَسجدين كنَذْرِ
..................................
المشي إليه، كما أنَّ نَذْرَ أحدِ النُّسُكَين في المسجدِ الحَرامِ كنَذْرِ المشي إليه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَتَعَيَّنُ عليه الصَّلاةُ في مَوْضِعٍ بالنَّذْرِ، سَواءٌ كان في المسجدِ الحَرامِ أو غيرِه، لأنَّ ما لا أصْلَ له في الشَّرْعِ، لا يجِبُ بالنَّذْرِ، بدليلِ نَذْرِ الصلاةِ في سائرِ المساجدِ.
ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضِي اللهُ عنه، قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْتُ أن أعْتَكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ.
قال: «أوفِ بِنَذْرِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. [ولأنَّ الصلاةَ فيها أفضلُ مِن غيرِها، بدليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيرٌ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِواهُ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ».
مُتَّفَقٌ عليه] 2. ورُوي عنه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «صَلَاة فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمائَةِ ألْفِ صَلَاةٍ» 3. وإذا كان فَضِيلَةً وقُرْبَةً، لَزِم بالنَّذْرِ، كما لو نَذَر طُول القِراءَةِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالعُمْرَةِ، فإنَّها تَلْزَمُ بالنَّذْرِ، وهي غيرُ واجبةٍ عندَهم.
فصل: إذا نَذَر الصلاةَ في المسجدِ الحرامِ، لم تُجْزِئْه الصَّلاةُ في غيرِه؛ لأنَّه أفضلُ المساجدِ وخيرُها 4، وأكثرُها ثَوابًا للمُصَلِّي فيها.
وَإنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُهُ عَنِ الْوَاجِبِ، إلَّا أن يَنْويَ رَقَبَةً
وإن نَذَر الصلاةَ في السجدِ الأقْصى، أجْزَأتْه الصَّلاةُ في المسجدِ الحَرامِ؛ لِما رَوَى جابِرٌ، أنَّ رجلًا قامَ يومَ الفَتْحِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْتُ إن فَتَح اللهُ عليكَ أن أصَلِّيَ في بيتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَين.
قال: «صَلِّ ههُنا».
ثم أعادَ عليه فقال: «صَلِّ ههُنَا».
ثم أعادَ عليه، قال: «صَلِّ ههُنَا».
ثم أعادَ عليه، قال: «شَأنَكَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، ولَفْظُه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ صَلَّيتَ ههُنَا لَأجْزَأ عَنْكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيتِ الْمَقْدِسِ» (1). وقد سَبَق هذا في كتابِ (2) الاعْتِكافِ.
فصل: وإن أفْسَد الحَجَّ المَنْذُورَ ماشيًا، وَجَب القَضاءُ مَشْيًا؛ لأنَّ القَضاءَ يكونُ على صِفَةِ الأداءِ.
وكذلك إن فاتَه الحَجُّ، لكنْ إن فاتَه الحَجُّ، سَقَط تَوابع الوُقوفِ، مِن المَبِيتِ (3) بمُزْدَلِفَةَ ومِنًى، والرَّمْي، وتَحَلَّل للعُمْرَةِ (4)، ويَمْضِي في الحَجِّ الفاسدِ ماشيًا حتَّى يَحِلَّ منه.
4817 -
مسألة: (فإن نَذَر رَقَبَةً، فهي التي تُجْزِئُ عن الواجِبِ،
1234
بِعَينهَا.
إلَّا أن يَنْويَ رَقَبَةً بعَينِها) إذا نذَرَ عِتْقَ 1 رَقَبَةٍ، فهي التي تُجْزِئُ في الكفَّارَةِ، وهي المُؤمِنَةُ السَّلِيمَةُ مِن العُيوبِ المُضِرَّةِ بالعَمَلِ، على ما ذَكَرْنا في بابِ الظِّهارِ 2؛ لأنَّ النَّذْرَ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المعهودِ في الشَّرْعِ، والواجبُ بأصْلِ الشَّرْعِ كذلك.
وهو أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ.
والثَّاني، تُجْزِئُه أيُّ رَقَبَةٍ كانتْ، صَحِيحَةً أو مَعِيبَةً، مُسْلِمَةً أو كافِرَةً؛ لأنَّ الاسمَ يَتَناول جميعَ ذلك.
[ولَنا، أنَّ] 3 المُطْلَقَ يُحْمَلُ على معهودِ الشَّرْعِ، وهو الواجبُ في الكفَّارَةِ، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بنَذْرِ المشْي إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ، فإنَّه لا يُحْمَلُ على ما تَناوَلَه الاسمُ.
فأمَّا إن نَوَى رَقَبَةً بعَينها، أجْزَاة عِتْقُها، أيَّ رَقَبَةٍ كانتْ؛ لأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه.
وإن نَوَى ما يَقَعُ عليه اسمُ الرَّقَبَةِ، أجْزَأه ما نَوَاه؛ لِما ذَكَرْنا، فإن المُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بالنِّيَّةِ، كما يَتَقَيَّدُ بالقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ.
قال أحمدُ في مَن نَذَر [عِتقَ عبدٍ بعَينِه] 4، فماتَ قبْلَ أن يُعْتِقَه 5: تَلْزَمُه كفَّارَةُ يَمِين، ولا يَلْزَمُه عِتْقُ عبدٍ؛ لأنَّ هذا شيءٌ فاتَه، على حديثِ عُقبةَ بنِ عامِر، وإليه
..................................
أذهبُ 1 في الفائِتِ وما عُجِزَ عنه.
فصل: ومَن نَذَر حَجًّا، أو صيامًا، أو صدقةً، أو عِتْقًا، أو اعْتِكافًا، أو صلاةً، أو غيرَه 2 مِن الطَّاعاتِ، وماتَ قبلَ فِعْلِه، فعَلَه الوَلِيُّ عنه.
وعن أحمدَ في الصلاةِ: لا يُصَلِّي عن المَيِّتِ؛ لأنَّها لا بَدَلَ لها بحالٍ، وأمَّا سائِرُ الأعْمالِ فيَجُوزُ أن يَنُوبَ الوَلِيُّ عنه فيها، وليس بواجِبٍ عليه، لكنْ يُسْتَحَبُّ له ذلك على سبيلِ الصِّلَةِ له والمعروفِ.
وأفْتَى بذلك ابنُ عباس في امْرَأةٍ نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى قُبَاءٍ، فماتَتْ ولم تَقْضه، أن تَمْشِيَ ابْنَتُها عنها 3. وروَى سعيد 4، عن سُفيانَ، عن عبدِ الكريمِ بنِ أبي أُمَيَّةَ، [عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله] 5، أنَّه سألَ ابنَ عباس عن نَذْر كان على أُمِّه مِن اعْتِكافٍ، قال: صُمْ عنها، واعْتَكِفْ عنها.
وقال 6: حَدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن عامرِ بنِ مُصْعبٍ 7، أنَّ
..................................
عائشةَ اعْتَكَفَتْ عن أخِيها عبدِ الرحمنِ بعدَ ما ماتَ.
وقال مالكٌ: لا يَمْشِي أحدٌ من أحَدٍ، ولا يصومُ عنه، ولا يُصَلِّي، وكذلك سائِرُ أعْمالِ البَدَنِ، قياسًا على الصلاةِ.
وقال الشَّافعي: يَقْضِي عنه الحَجَّ، ولا يَقْضِي الصلاةَ، قولًا واحدًا، ولا يَقْضِي الصومَ، في أحَدِ القولَين، ويُطْعَمُ عنه في كلِّ يوم مِسْكين؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَليُطْعَمْ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يَوْم مِسْكِينٌ».
أخْرَجه ابنُ ماجَه 1. وقال أهلُ الظَّاهِرِ: يَجِبُ القَضاءُ على وَلِيِّه، لظاهِرِ الأخْبارِ الوارِدَةِ فيه.
وجُمْهورُ أهلِ العلمٍ على أنَّ القَضاءَ ليس بواجِب على الوَلِيِّ، إلَّا أن يكونَ حَقَّا في المالِ، ويكون للمَيِّتِ تَرِكَة، فأمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا مَحمُولٌ على النَّدْبِ والاسْتِحْبابِ، بدليلِ قَرائِنَ في الخَبَرِ؛ منها أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَبَّهَه بالدَّينِ، وقَضاءُ الدَّينِ عن المَيِّتِ لا يَجِبُ على الوارِثِ ما لم يُخَلِّفْ تَرِكَةً يُقْضَى منها.
ومنها أنَّ السائِلَ سألَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: هل يَفْعَلُ ذلك أولًا؟ وجَوابُه يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ مُقْتَضَى سُؤالِه، فإن كان مُقْتَضاهُ السُّؤال عن الإباحَةِ، فالأمْرُ في جَوابِه يَقْتَضِي الإباحَةَ، وإن كان السُّؤالُ عن الأجْزاءِ، فأمْرُه يَقْتَضِي الإِجْزَاءَ، كقَوْلِهم: أنصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ؟ قال: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ» 2. وإن كان السُّؤالُ عن الوُجوبِ، فأمْرُه يَقْتَضِي الوُجوبَ،
..................................
كقولِهم: أنتَوَضَّأ مِن لُحُومِ الإِبِلِ؟ قال: «نَعَمْ، تَوَضَّئوا مِنْهَا» 1. وسؤالُ السَّائلِ في مسألَتِنا كان عن الإِجْزاءِ، فأمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له 2 بالفِعْلِ يَقْتَضِيه لا غيرُ.
ولَنا، على جَوازِ الصِّيامِ عن المَيِّتِ، ما رَوَت عائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَاتَ، وَعَلَيهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وعن ابنَ عباسٍ، قال: جاءَ رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي ماتَت وعليها صومُ شَهْرٍ، أفأصُومُ عنها؟ قال: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَين، أكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟» قالْ نعم.
قال: «فَدَينُ اللهِ أحَقُّ أن يُقْضَى».
وفي روايَةٍ قال: جاءَتِ امْرأة إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي ماتت وعليها صومٌ، أفَأصُومُ عنها؟ قال: «أرَأيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَين فَقَضَيتهِ، أكَانَ يُؤدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟».
قالتْ: نعم.
قال: «فَصُومِي عَنْ أمِّكِ».
مُتَّفَقٌ عليهِنَّ 3. وعن ابنِ عباس، أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ، اسْتَفْتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في نَذْرٍ كان على أُمِّه، فتُوُفِّيَتْ قبلَ أن تَقْضِيَه، فأفْتاه أن يَقْضيَه، فكانت سُنَّةً
..................................
بعدُ 1. وعنه أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنَّ أمِّي نَذَرَتْ أن تَحُجَّ، وإنَّها ماتتْ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كَانَ عَلَيهَا دَينٌ، أكنْتَ قَاضِيَهُ؟».
قال: نعم.
قال: «فَاقْضِ اللهَ، فَهُوَ أحقُّ بِالْقَضَاءِ».
رَواه البخارِيُّ 2. وهذا صريحٌ في الصَّومِ والحَجِّ، ومُطْلَقٌ في النَّذْرِ، وما عدا المذكورَ في الحديثِ 3 فمُقاسٌ عليه، وحديثُ ابنِ عمرَ في الصومِ 4 الواجِبِ بأصْلِ الشَّرْعِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه جمعًا بينَ الحديثَين، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ، لَكانتْ أحادِيثُنا أصَحَّ، وأكثَرَ، وأوْلَى بالتَّقْديمِ.
إذا ثَبَت هذا، فإن الأوْلَى أن يَقْضِيَ النَّذْرَ عنه وارِثُه، وإن قَضاه غيرُه، أجْزَأ عنه، كما لو قَضَى عنه دَينَه؛ فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَبَّهَه بالدَّينِ، وقاسَه عليه، ولأنَّ ما يَقْضيه الوارِثُ إنَّما هو تَبَرُّع منه، وغيرُه مثلُه في التَّبَرُّعِ.
وإن كان النَّذْرُ في مالٍ، تَعَلَّق بِتَرِكَتِه.
وَإنْ نَذَرَ الطَّوافَ عَلَى أرْبَع، طَافَ طَوَافَينِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
4818 - مسألة: (وإن نَذَر أن يَطُوفَ على أرْبَع، طافَ طَوافَين. نصَّ عليه)
قال ذلك ابنُ عباس؛ لِمَا رَوَى مُعاويةُ بنُ حُدَيجٍ 1 الكِنْدِيُّ، أنَّه قَدِمَ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، معه أُمُّه كَبْشةُ بنتُ مَعْدِي كَرِبَ، عَمَّةُ الأشْعَثِ بنِ قَيس، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي آليتُ أن أطُوفَ بالبيتِ حَبْوًا.
فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «طُوفِي عَلَى رِجْلَيكِ سَبْعَينِ؛ سَبْعًا عَنْ يَدَيكِ، وسَبْعًا عَنْ رِجلَيكِ».
أخْرجَه الدَّارَقُطْنِيُّ 2 بإسْنادِه.
وقال ابنُ عباس، في امرأةٍ نَذَرَتْ أن تَطُوفَ بالبيتِ على أربع، قال: تَطوفُ عن يَدَيها سَبْعًا، وعن رِجْلَيها سبعًا.
رَواه سعيد 3.
.................................. والقياسُ أن يَلْزَمَه طَوافٌ واحدٌ على رِجْلَيه، ولا يَلْزَمُه على يَدَيه؛ لأنَّه غيرُ مَشْروع، فيَسْقُطُ، كما أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر نَذَرَتْ أن تحُجَّ غيرَ مُخْتَمِرَةٍ، فأمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَحُجَّ وتَخْتَمِرَ 1. وروَى عِكْرِمَةُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان في سَفَرٍ، فحانَتْ منه نَظْرة، فإذا امرأة ناشِرَة شَعَرَها، قال: «مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ» 2. ومَرَّ برجلَين مَقْرونَين، فقال: «أطْلِقَا قِرَانَكُما» 3. وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي إسْرَئِيلَ الذي نَذَر أن يصومَ، ويفعلَ أشياءَ، فأمَرَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالصَّومِ وَحْدَه، ونَهاه عن سائرِ نُذُورِه 4. وهل تَلْزَمُه كفَّارَة؟ يُخرَّجُ فيه وَجْهان؛ بِناءً على ما تَقَدَّمَ.
..................................
وقياسُ المذهبِ لُزومُ الكفَّارةِ؛ لإِخْلالِه بِصفةِ نَذْرِه وإن كان غيرَ مَشْروع، كما لو كانَ أصلُ النَّذْرِ غيرَ مَشْروع.
وأمَّا وَجْهُ الأوَّلِ، فإن مَن نَذَر الطَّوافَ على أرْبَع، فقد نَذَر الطَّوافَ على يَدَيه ورِجْلَيه، فأُقيمَ الطَّواف الثَّانِي مُقامَ طَوافِه على يَدَيه.