الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 194-233

كِتَابُ الْأَيْمَانِ

صفحات 194-233

..................................  فصل: إذا نَذَر الصدقةَ بقَدْرٍ مِن المالِ، فأبْرَأ غَرِيمَه مِن قَدْرِه، يَقْصِدُ به وَفاءَ النَّذْرِ، لم يُجْزِئْهُ، وإن كان الغَرِيمُ مِن أهلِ الصَّدَقَةِ.
قال أحمدُ: لا يُجْزِئُه حتى يَقْبِضَه.
وذلك لأنَّ الصدقةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وهذا إسْقاط، فلم يُجْزِئْهُ، كما في الزَّكاةِ.
قال أحمدُ، في مَن نَذَر أن يَتَصَدَّقَ بمالٍ، وفي نَفْسِه أنَّه ألْفٌ: أجْزَأه أن يُخْرِج ما شاءَ 1. وذلك لأنَّ اسمَ المالِ يَقَعُ على القليلِ، وما نَواه زِيادَةٌ على ما تَناوَلَه الاسمُ، والنَّذْرُ لا يَلْزَمُ بالنِّيَّةِ.
والقياسُ أنَّه يَلْزَمُه ما نَواه؛ لأنه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه، فتَعَلَّقَ الحكمُ به، كاليَمِينِ.
وقد نَصَّ أحمدُ، في مَن نَذَر صَوْمًا أو صلاةً، وفي نَفْسِه أكثرُ ممَّا تَناوَلَه لَفْظُه، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، وهذا كذلك.

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، نَذْرُ التَّبَرُّرِ، كَنَذْرِ الصَّلَاةِ، والصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالاعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَنَحْوهَا مِنَ الْقُرَبِ، عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ، سَواءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا، أوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَرْجُوهُ، فَقَال: إِنْ شَفَى الله مَرِيضِي، أوْ: سَلَّمَ الله تَعَالى مَالِي، فَلِلّهِ عَلَيَّ كَذَا.
فَمَتَى وُجِدَ شَرْطُهُ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ، ولَزِمَهُ فِعْلُهُ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (الخامِسُ، نَذْرُ التَبَّرُّرِ، كنَذْرِ الصلاةِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، والاعْتِكافِ، والحَجِّ، والعُمْرَةِ، ونحوها من القُرَبِ، على وَجْهِ القُرْبِ، سَواءٌ نَذَرَه مُطْلَقًا، أو عَلَّقَه بشَرْطٍ يَرْجُوه، فقال: إن شَفَى الله مَرِيضِي، أو: سَلَّمَ اللهُ مالي، فللهِ عليَّ كذا.
فمتى وُجِد شَرْطُه، انْعَقَد نَذْرُه) ويَلْزَمُه الوَفاءُ به.
نَذْرُ التَّبَرُّرِ يَتَنَوَّعُ ثلاثةَ أنْواعٍ؛ أحدُها، هذا الذي ذَكَرْناه إذا كان في مُقابَلَةِ 1 نِعْمَةٍ

..................................  اسْتَجْلَبَها، أو نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَها، كقولِه: إن شَفَى اللهُ مَرِيضِي، [فللهِ عليَّ] 1 صَوْمُ شَهْرٍ.
وتكونُ الطَّاعَةُ المُلْتَزَمَةُ مِمّا له أصْلٌ في الشَّرْعِ، كالصومِ والصلاةِ والصَّدقَةِ والحَجِّ، فهذا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، بإجْماعِ أهلِ العلمِ.
النَّوعُ الثاني، الْتِزامُ طاعَةٍ مِن غيرِ شَرْطٍ، كقَوْلِه ابْتِداءً: للهِ عليَّ صَوْمُ شَهْرٍ.
فيَلْزَمُه الوَفاءُ به، في قولِ أكثرِ أهكِ العلمِ.
وهو قولُ أهلِ العراقِ.
وظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ.
وقال بعضُ أصحابِه: لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به؛ لأنَّ أبا عمرَ غُلامَ ثَعْلَبٍ 2 قال: النَّذْرُ عندَ العَرَبِ وَعْدٌ بشرْطٍ.
ولأنَّ ما الْتَزَمَه الآدَمِيُّ بعِوَضٍ، يَلْزَمُه بالعَقْدِ 3، كالمَبِيعِ 4 والمُسْتَأجَرِ، وما الْتَزَمَه 5 بغيرِ عِوَضٍ، لا يَلْزَمُه بمُجَرَّدِ العَقدِ، كالهِبَةِ.
النَّوْعُ الثالِثُ، نَذْرُ طاعَةٍ، لا أصْلَ لها في الوُجوبِ، كالاعْتِكافِ، وعِيادَةِ المريضِ، فيَلْزَمُ الوَفاءُ به عند عامَّةِ أهلِ العلمِ.

..................................  وحُكِي عن أبي حنيفةَ أنَّه لا يَلْزَمُه الوَفاءُ به؛ لأنَّ النَّذْرَ فَرْعٌ على المَشْرُوعِ، فلا يَجبُ به ما لا يَجبُ له 1 نَظِير 2 بأصْلِ الشَّرْعِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، [ومَن نَذَر أن يَعْصِيَه فلا يَعْصِه] 3». رَواه البخاريُّ: وذَمُّه 4 الذين يَنْذُرُونَ ولا يُوفُونَ 5. وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
الآيات إلى قولِه: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ 6. [وقد رُوِيَ أنَّ عمرَ قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 7: إنِّي نَذَرْتُ أن أعْتَكِفَ لَيلَةً في المسجدِ الحَرامِ.
فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْفِ

..................................  بِنَذْرِكَ» 1. ولأَنَّه ألْزَمَ نفْسَه قُرْبَةً على وَجْهِ التَّبَرُّر، فلَزِمَه، كمَوْضِعِ الإِجْماعِ، وكالعُمْرَةِ، فإنَّهم سَلَّمُوها، وهي غيرُ واجبَةٍ عندَهم، وكالاعْتِكافِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بهذَين الأصْلَين، وما حَكوْه عن أبي 2 عمرَ لا يصِحُّ؛ فإنَّ العربَ تُسَمى المُلْتَزَمَ نَذْرًا، وإن.
لم يَكُنْ بشَرْطٍ، قال جَمِيل 3: فليت رجالًا فيكِ قد نَذَرُوا دَمِي … وهَمُّوا بقَتْلِي يا بُثَينُ لَقُونِي 4 والجَعَالةُ وَعْدٌ بشَرْطٍ، وليست بنَذْرٍ.

وَإنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ في نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَيَوْمَا الْعِيدَينِ.
وَفِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ.
وعنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّه يَقْضِي يَوْمَيِ الْعِيدَينِ وَأيَّامَ التَّشْرِيقِ.

4802 - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ سَنَةٍ، لم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ ويَوْمَا العِيدَين.
وفي أيَّام التَّشْرِيقِ رِوايَتَان.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّه يَقْضِي يَوْمَيِ العِيدَينِ وأيَّام التَّشْرِيقِ)

إذا نَذَر صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَنةٍ، لم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ ويَوْما العِيدَين؛ [لأنَّ رمضانَ لا يَقْبَلُ الصومَ عن النذورِ، ويَوْمَيِ العِيدَين] 1 لا يَصِحُّ صَوْمُهما، فلم يَدْخُلا في نَذرِه، كاللَّيلِ.
وفي أيَّامِ التَّشْريقِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَدْخُلُ في نَذْرِه؛ لأنَّه

..................................  مَنْهِيٌّ عن صَوْمِها، أشْبَهَتْ يَوْمَيِ العِيدَين.
والثَّانِيَةُ، تَدْخُلُ في نَذْرِه ويَصُومُها، كالمُتَمَتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهَدْىَ.
وفيه رِوايَة أخْرَى، أنَّ يَوْمَيِ العِيدَين وأيَّامَ التَّشْريقِ تَدْخُلُ في نَذْرِه.
فعلى هذا، لا يَصُومُها، ويَقضِي بَدَلَها، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لقولِه عليه السَّلامُ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وكفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِين».
رَواه أبو داودَ 1. وإنْ قُلْنا: يجوزُ صَوْمُ أيَّامِ

..................................  التَّشْرِيقِ عن نَذْرِه.
فصامَها، فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ، أشْبَهَ ما لو نَذَر غيرَها ممَّا يَصِحُّ صَوْمُه.

وَإذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْم الْخَمِيس، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أوْ حَيض، أفْطَرَ، وَقَضَى وَكَفَّرَ.

4803 - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ يَوْمِ الخميسِ، فَوَافَق يومَ عِيدٍ أو حَيض، أفْطَر، وقَضَى وكَفَّر)

وذلك 1 لأنَّ مثلَ هذا النَّذْرِ يَنْعَقِدُ،

وَعَنْهُ، يُكَفِّرُ مِنْ غَيرِ قَضَاءٍ.
وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ إِنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ، صَحَّ صَوْمُهُ.
لأنَّه نَذَر نَذْرًا يُمْكِنُ الوَفاءُ به غالِبًا، فكان مُنْعَقِدًا، كما لو وافَقَ غيرَ يومِ العيدِ أو غيرَ يومِ الحَيضِ والنِّفاسِ، ولا يجوزُ أن يصومَ يومَ العيدِ إن وافَقَه؛ لأنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَه، فأشْبَهَ زَمَنَ الحَيضِ، ويَلْزَمُه القَضاءُ؛ لأنَّه نَذْر مُنْعَقِد، وقد فاتَه الصيامُ بالعُذْرِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كما لو فاتَه لمَرَضٍ (وعنه، يُكَفِّرُ مِن غيرِ قَضاءٍ).
لأنَّه وافَقَ يومَ صَوْمِه مَعْصِيَة، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ من غيرِ قَضاء، كما لو نَذرَتِ المرأةُ صومَ يومِ حَيضِها.

4804 -

مسألة: (ونُقِل عنه ما يَدُلُّ على أنَّه إن صام يومَ العِيدِ، صَحَّ صَوْمُه)

لأنَّه وَفَّى بما نَذَر.
فأمَّا إن وافَقَ نَذْرُه يومَ حَيض أو نفاس، لم يَصُمْه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه بينَ أهلِ العلمِ.
ويَتَخَرَّجُ في القَضاءِ والكَفَّارَةِ مثلُ ما في يومِ العيدِ، قياسًا عليه.

وَإنْ وَافَقَ أيامَ التَّشْرِيقِ، فَهَلْ يَصُومُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَين.

4805 - مسألة: (وإن وَافَق أيامَ التَّشْرِيقِ، فهل يَصُومُها؟ على رِوايَتَين)

إحْدَاهما، يَصُومُها؛ لقَوْلِ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها: لم يُرَخَّصْ في هذه الأيَّامِ أن يُصَمْنَ إلَّا للمُتَمَتِّعِ إذا لم يَجِدِ الهَدْيَ 1. وقِسْنا عليه سائِرَ الواجِباتِ.
والثَّانِيَةُ، لا يَصُومُها؛ للنَّهْي عن ذلك.

وإذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَان، فَقَدِمَ لَيلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، وَإنْ قَدِمَ نَهَارًا، فَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّه لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا إِتْمَامُ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أفْطَرَ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ، سَواء قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِر أَوْ صَائِمٌ.
وإنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَال الْخِرَقِيُّ: يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ.
وَقَال غَيرُهُ: عَلَيهِ الْقَضَاءُ.
وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ.

4806 - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَان، فقَدِمَ لَيلًا، فلا شيءَ عليه، وإن قَدِم نَهَارًا، فعنه مَا يَدُلُّ على أنَّه لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه، ولا يَلْزَمُه إلَّا صِيامُ ذلك اليومِ إن لم يَكُنْ أفْطَر.
وعنه، أنه يَقْضِي ويُكَفِّرُ، سَواء قَدِم وهو مُفْطِر أو صائِم.
وإن وافَقَ قُدُومُه يَوْمًا مِن رمضانَ، فقال الخِرَقِيُّ: يُجْزِئُه صِيامُه لرمضانَ ونَذْرِهِ.
وقال غيرُه: عليه القَضاءُ.
وفي الكَفَّارَةِ رِوايَتَان)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا نَذَر [أن يَصومَ يومَ] 1 يَقْدَمُ فُلان، صَحَّ نَذْرُه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وأحَدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ.
وقال في الآخَرِ:

..................................  لا يَصِحُّ نَذْرُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ صَوْمُه بعدَ وُجودِ شَرْطِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: للهِ عليَّ أن أصوم اليومَ الذي قبلَ اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ.
ولَنا، أنَّه زَمَنٌ يَصِحُّ فيه صومُ التَّطَوُّعِ، فانْعَقَدَ نَذْرُه لصومِه، كما لو أصْبَحَ صائِمًا تَطوُّعًا، وقال: للهِ عليَّ أن أصومَ يَوْمِي.
وقولُهم: لا يَصِحُّ صَوْمُه.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يَعْلَمُ اليومَ الذي يَقدَمُ فيه قبلَ قُدُومِه، فيَنْوي صَوْمَه مِن اللَّيلٍ، ولأنَّه قد يَجِبُ عليه ما لَا يُمْكِنُه، كالصَّبِيِّ يَبْلُغُ في أثْناءِ يوم مِن رمضان، والحائضِ تَطْهُرُ فيه، ولا نُسَلِّمُ ما قاسُوا عليه.
إذا

..................................  ثَبَت ذلك، لم يَخْلُ مِن أقْسام خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أن يَقْدَمَ لَيلًا، فلا شيءَ عليه، في قولِ الجَميعِ؛ لأنَّه لم يَقْدَم في اليومِ، ولا في وَقْتٍ يَصِحُّ فيه الصِّيامُ.
الثَّاني، أن يَعْلَمَ قُدُومَه مِن الليلِ، فيَنْويَ صَوْمَه، ويكون يَوْمًا يجوزُ فيه صَوْمُ النَّذْرِ، فيَصِحُّ صَوْمُه ويُجْزِئُه وَفاءً بنَذْرِه.
الثَّالِثُ، أن يَقْدَمَ يومَ فِطْر أو أضْحَى، فاخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ؛ فعنه، لا يَصُومُه 1، ويَقْضِي ويُكَفِّرُ.
نَقَلَه عن أحمدَ جَماعَة.
وهو قولُ أكثرِ أصحابِنا، ومذهبُ الحَكَمِ وحَمَّادٍ.
والرِّوايَةُ الثانِيَةُ، يَقْضِي ولا كَفَّارَةَ عليه.
وهو قولُ الحسينِ، والأوْزاعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وقَتادَةَ، وأبي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه فاتَه الصَّوْمُ الواجِبُ بالنَّذْرِ، فلَزِمَه قَضاؤه، كما لو تَرَكَه نِسْيانًا 2، ولم تَلْزَمْه كَفَّارَة؛ لأنَّ الشَّرْعَ مَنَعَه من صَوْمِه،

..................................  فهو كالمُكْرَهِ.
وعن أحمدَ رِوايَة ثالثة، إن صامَه صَحَّ صَوْمُه.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه [قد وَفَّى] 1 بما نَذَر، فأشْبَهَ ما لو نَذَر مَعْصِيَةً ففَعَلَها.
ويَتَخَرَّجُ أن يُكَفِّرَ مِن غيرِ قَضاءٍ؛ لأنَّه وافَقَ يومًا صَوْمُه حَرامٌ، فكان مُوجَبُه الكَفَّارَةَ، كما لو نَذَرَتِ المرأةُ صومَ يومِ حَيضِها.
ويَتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه شيء مِن كفَّارَةٍ ولا قَضاءٍ، بِناءً على مَن نَذَر المَعْصِيَةَ.
[وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعيِّ في أحَدِ قولَيهِ، بناءً على نَذْرِ المَعْصِيَةِ] 2. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ النَّذْرَ يَنْعَقِدُ، لأنَّه نَذَر نَذْرًا يُمْكِنُ الوفاءُ به غالِبًا، فكان مُنْعَقِدًا، كما لو وافَقَ غيرَ يَوْمِ العيدِ، ولا يجوزُ أن يصومَ يومَ العيدِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَه، فأشْبَهَ زَمَنَ الحَيضِ، ولَزِمَه القَضاءُ؛ لأنَّه نَذْرٌ مُنْعَقِدُ، وقد فاتَه الصِّيامُ بالعُذْرِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ لفَواتِه، كما لو فاتَه بمرض.
وإن وافَقَ يومَ حَيض أو نِفاس، فهو كما لو وافَقَ يومَ فِطْر أو

..................................  أضْحَى، إلَّا أنَّها لا تَصُومُه.
بغيرِ خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ.
الرَّابع، أن يَقْدَمَ في يوم يَصِحُّ صَوْمُه والنَّاذِرُ مُفْطِر، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه القَضاءُ والكَفَّارَةُ؛ لأنَّه نَذَر صَوْمًا نَذْرًا صَحِيحًا، ولم يَفِ به، فلَزِمَه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، كسائِرِ المَنْذُوراتِ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كَفَّارَة.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه تَرَك المَنْذُورَ لعُذْرٍ.
والثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه شيءٌ مِن قَضاءٍ ولا غيرِه.
وهو قولُ أبي يوسفَ، وأصحابِ الرَّأي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه قَدِمَ في زَمَن لا يَصِحُّ صَوْمُه فيه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قَدِمَ ليلًا.
الخامِسَةُ، قَدِم والنَّاذِرُ صائِمٌ، فلا يَخْلُو مِن أن يكونَ تَطَوُّعًا أو فرْضًا؛ فإن كان تَطَوُّعًا، فقال القاضي: يصومُ بَقِيَّتَهُ، ويَعْقِدُه عن نَذْرِه، ويُجْزِئُه، ولا قَضاءَ ولا كَفَّارَةَ.
وهو قولُ أبي حنيفة؛

..................................  لأنَّه يُمْكِنُ صومُ يوم بعضُه تَطَوُّع وبعضُه واجب، كما لو نَذَر في صَوْمِ التَّطَوُّعِ إتْمامَ صومِ ذلك اليوم، وإنَّما وُجِدَ سببُ الوُجوبِ في بعضِه.
وذَكَر القاضي احْتمالًا آخَرَ، أَنَّه يَلْزَمُه القَضاءُ والكَفَّارَةُ؛ لأنَّه صَوْم واجِب، فلم يَصِحَّ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، كقَضاءِ رمضانَ.
وذَكَر أبو الخطَّابِ هذَين الاحْتِمالين رِوايَتَين.
وعندَ الشَّافعيِّ، عليه القَضاءُ فقط، كما لو قَدِم وهو مُفْطِرٌ.
ويَتَخرَّجُ لنا مثلُه.
وأمَّا إن كان الصومُ واجبًا، مثلَ أن يُوافِقَ يومًا مِن رمضانَ، فقال الخِرَقِيُّ: يُجْزِئُه 1 لرَمضانَ ونَذْرِه؛ لأنَّه نَذَر صَوْمَه، وقد وَفَّى به.
وقال غيرُه: عليه القَضاءُ؛ لأنَّه لم يَصُمْه عن نَذْرِه.

وَإنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيهِ وَلَا كَفَّارَةَ.
وفي الكَفَّارَةِ رِوايتان؛ إحْداهما، تجِبُ (1)؛ لتَأخُّرِ النَّذْرِ.
والثَّانِيَةُ، لا تَجِبُ؛ لأنَّه [أخَّرَه لعُذْرٍ] (2)، أشْبَهَ ما لو أخَّرَ صَوْمَ رمضانَ لعُذْرٍ.

4807 -

مسألة: (وإن وافَقَ يومَ نَذْرِه وهو مَجْنُون، فلا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارَةَ)

لأنَّه خَرَج من أهْلِيَّةِ التَّكْليفِ قبلَ وَقْتِ النَّذْرِ، أشْبَهَ ما لو فاتَه 3. فصل: وإن قال: للهِ عليَّ صومُ يومِ العيدِ.
فهذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، على نَاذِرِه الكَفّارَةُ لا غيرُ.
نَقَلَها حَنْبَل عن أحمدَ.
وفيه رواية أخْرَى، أنَّ عليه القَضاءَ مع الكفَّارَةِ، كما لو نَذَر يومَ الخميسِ، فوافَقَ يومَ العيدِ.
والأولَى هي الصَّحِيحَةُ.
قاله القاضي؛ لأنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلم يُوجِبْ قَضاءً،12

وَإنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْر مُعَيَّن، فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيرِ عُذْرٍ، فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ وَكَفَّارَةُ يَمِين، وَإنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ، فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ.
كسائِرِ المَعاصِي.
وفارَقَ ما إذا نَذَر صَوْمَ يومِ الخميسِ، فوافَقَ يومَ العيدِ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْ بنَذْرِه المَعْصِيَةَ، وإنَّما وَقَع اتِّفاقًا، وههُنا تَعَمَّدَها بالنَّذْرِ، فلم يَنْعَقِدْ نَذْرُه، ويَدْخُلُ في قولِه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» (1). ويَتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه شيءٌ، بِناءً على نَذْرِ المَعْصِيَةِ فيما تقَدَّمَ.

4808 -

مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ شَهْر مُعَيَّن، فلم يَصُمْه لغيرِ عُذْر، فعليه القَضاءُ وكَفَّارَةُ يَمِين، [وإن لم يَصُمْه لعُذْرٍ فعليه القَضاءُ، وفي الكَفّارَةِ رِوايَتان)

أمّا إذا تَرَك صَوْمَه لغيرِ عُذْرٍ فعليه القَضاءُ] 2؛ لأنَّه1

..................................  صوم واجبٌ مُعَيَّن أخَّرَه، فلَزِمَه قَضاؤه، كرَمضانَ، وتَلْزَمُه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لتَأخُّرِ النَّذْرِ عن وَقْتِه؛ لأنَّه يَمِينٌ، وإن لم يَصُمْه لِعُذْرٍ، فعليه القَضاءُ؛ لأنَّه واجِبٌ، أشْبَهَ رمضانَ.
وفي الكَفَّارَةِ رِوايَتان، إحْداهما، تَلْزَمُه، لتَأخُّرِ النَذْرِ [عن وَقْتِه] 1. والأخْرَى، لا تَلْزَمُه، لأنَّه أخَّرَه لعُذْرٍ 2، أشْبَهَ تَأخِيرَ رَمضانَ لعُذْرٍ (2).

وَإنْ صَامَ قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وإنْ أفْطَرَ في بَعْضِهِ لِغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَيُكَفِّرُ.
وَيَحْتَمِلُ أن يُتمَّ بَاقِيَهُ، وَيَقْضِيَ وَيُكَفِّرَ.

4809 - مسألة: (وإن صَامَ قَبْلَهُ، لم يُجْزِئْه)

وكذلك إن نَذَر الحَجَّ في عام، فحَجَّ قبلَه.
وقال أبو يوسف: يُجْزِئه، كما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه في وَقْتٍ، فقَضاه قبلَه.
ولَنا، أنَّ المَنْذُورَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ، ولو صامَ قبلَ رمضانَ لم يُجْزِئْه، فكذلك إذا صامَ المَنْذُورَ قبلَه، ولأنَّه لم يَأتِ بالمَنْذورِ في وَقْتِه، فلم يُجْزِئْه، كما لو لم يَفْعَلْه أصْلًا.
4810 -

مسألة: (وإن أفْطَر في أثْنَائِه لغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَه اسْتِئْنَافُه، ويُكَفِّرُ. ويَحْتَمِلُ أن يُتمَّ باقِيَه، ويَقْضِيَ ويُكَفِّرَ)

إذا نَذَر صومَ شَهْر مُعَيَّن، فأفْطَرَ في أثْنائِه، لم يَخْلُ من حالين؛ أحَدُهما، الفِطْرُ لغيرِ عُذْرٍ،

..................................  ففيه روايَتان؛ إحْداهما، يَنْقَطِعُ صَوْمُه، ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُه؛ لأنَّه صومٌ يَجِبُ مُتَتابِعًا بالنَّذْرِ، فأبْطَلَه الفِطْرُ لغيرِ عُذْرٍ، [كما لو شَرَط التَّتابُعَ] 1، وفارَقَ رمضانَ؛ فإن تَتابُعَه بالشَّرْعِ لا بالنَّذْرِ، وههُنا أوْجَبَه على نفسِه ثم فَوَّتَه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَه مُتَتابِعًا.
الثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ، إلَّا أن يكونَ قد شَرَط التَّتابُعَ.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ وُجوبَ التَّتابُعِ ضَرُورَةُ التَّعْيِينِ لا بالشَّرطِ، فلم يُبْطِلْه الفِطْرُ في أثْنائِه، كشهرِ رمضان، ولأنَّ الاسْتِئْنافَ يَجْعَلُ الصومَ في غيرِ الوقتِ الذي عَيَّنَه، والوفاءَ بنَذْرِه في غيرِ وَقْتِه، وتَفْويتُ البعضِ لا يُوجِبُ تَفْويتَ الجميعِ.
فعلى هذا، يُكَفِّرُ عن فِطْرِه، ويَقْضي أيَّامَ فِطْرِه بعدَ إتْمامِ صَوْمِه.
وهذا أقْيَسُ، إن شاءَ اللهُ تعالى، وأصَحُّ.
وعلى الرِّوايَةِ الأولَى، يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ عَقِيبَ الأيَّامِ التي أفْطَر

..................................  فيها، ولا يجوزُ تَأخِيرُه؛ لأنَّ باقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ الصومِ فيه، وتَلْزَمُه كَفَّارَةٌ أيضًا؛ لإِخْلالِه بصومِ الأيَّامِ التي أفْطرَها.
الحال الثَّاني، أفْطرَ لعُذْرٍ، فإنَّه يَبْنِي على ما مَضَى من صِيامِه [ويَقْضِي] 1، ويُكَفِّرُ.
هذا قِياسُ المذهبِ.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه.
وهو مذهبُ مالكٍ، والشَّافعيّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ، ولو أفْطرَ رمضانَ لعُذْرٍ لم يَلْزَمْه شيء.
ولَنا، أنَّه فاتَ ما نَذَرَه، فلَزِمَتْه كَفَّارَة؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأخْتِ عُقْبَةَ بنِ عامِر: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» 2. وفارَقَ رمضانَ، فإنَّه لو أفْطرَ لغيرِ عُذْرٍ، لم تَجِبْ عليه كَفَّارَةٌ إلَّا في الجِماعِ، بخلافِ هذا.
فصل: وإن جُنَّ جميعَ الشهرِ المُعَيَّنِ، لم يَلْزَمْه قَضاء ولا كَفَّارَة.

..................................  وقال أبو يوسفَ: يَلْزَمُه القَضاءُ؛ لأنَّه من أهلِ التَّكْلِيفِ [حالةَ نَذْرِه وقَضائِه، فلَزِمَه القَضاءُ، كالمُغْمَى عليه.
ولَنا، أنَّه ليس من أهلِ التَّكْلِيفِ] 1 في وَقْتِ الوُجوبِ، فلم يَلْزَمْه القَضاءُ، كما لو كان في شهرِ رمضانَ.
وإن حاضَتِ المرأةُ جميعَ الزَّمَنِ المُعَيَّنِ، فعليها القَضاءُ، وفي الكَفَّارَةِ وَجْهان.
وقال الشَّافعيُّ: لا كفَّارَةَ عليها، وفي القَضاءِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُها، لأنَّ زمَنَ الصوم لا يُمْكِنُ الصومُ فيه، فلا يَدْخُلُ في النَّذْرِ، كزمنِ رمضانَ.
ولَنا، أنَّ المَنْذُورَ يُحْمَلُ على المَشْرُوعِ ابْتِداءً، ولو حاضَتْ في شهرِ رمضانَ، لَزِمَها القَضاءُ، فكذلك المَنْذُورُ.
فصل: وإن قال: للهِ عليَّ الحَجُّ في عامِي هذا.
فلم يَحُجَّ لعُذْرٍ أبي غيرِه، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا كَفَّارَةَ عليه إذا كان مَعْذُورًا.
وقال الشَّافعيّ: إن تَعَذَّرَ عليه الحَجُّ لأحَدِ الشَّرائِطِ السَّبْعَةِ، أو مَنَعَه منه سُلْطان أو عَدُوٌّ، فلا قَضاءَ عليه، وإن حَدَث به مَرَضٌ، أو أخْطَأ، أو تَوانَى، قَضاه.
ولَنا، أنَّه فاتَه الحَجُّ المنذورُ، فلَزِمَه قَضاؤه، كما لو مَرِض، ولأنَّ المنذورَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ ابْتِداءً، ولو فاتَه الشروعُ، [لَزِمَه قَضاؤه] 2، فكذلك المنْذُورُ.

وَإذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْر، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ.

4811 - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ شَهْر، لَزِمَه التَّتابُعُ)

إذا نَذَر صومَ شهو، فهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يصومَ شهرًا بالهلالِ، فيُجْزِئُه، وبينَ أن يَصُومَه بالعَدَدِ ثلاثينَ يومًا، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، لأنَّ إطْلاقَ الشهرِ يَقْتَضِي التَّتابُعَ.
والثَّاني، لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ.

وإنْ نَذَرَ صِيَامَ أيَّام مَعْدُودَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتابُعُ، إلَّا أَنْ يَشتَرِطَهُ.
وهو قولُ الشَّافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ؛ لأنَّ الشهرَ يَقَعُ على ما بينَ الهِلالين، وعلى ثلاثينَ يومًا، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُه ثلاثونَ يومًا، فلم يلْزَمْه التَّتابُعُ، كما لو نَذَر ثلاثينَ يومًا.

4812 -

مسألة: (وإن نَذَر أيَّامًا مَعْدُودَةً، لم يَلْزَمْه التَّتابُعُ، إلَّا أن يَشْتَرِطَه)

نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِيَ عنه في مَن قال: للهِ عليَّ صِيامُ عشَرةِ أيَّام.
يصومُها مُتَتابِعًا.
وهذا يَدُلُّ على وُجوبِ التَّتابعِ في الأَيَّامِ المَنْذُورَةِ.
وهو اخْتِيارُ القاضي.
وحَمَل بعضُ أصحابِنا كلامَ أحمدَ على مَن شَرَط التَّتابُعَ أو نَواه؛ لأنَّ لَفْظَ العشَرةِ لا يَقْتَضِي تَتابُعًا، والنَّذْرُ لا يَقْتَضِيه، ما لم يَكُنْ في لَفْظِه أو نِيَّته.
وقال بعضُهم: كلامُ أحمدَ على ظاهِرِه، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ في نَذْرِ العشَرةِ دونَ الثلاثينَ؛ لأنَّ الثلاثينَ شهرٌ، فلو أرادَ التَّتابُعَ لقال: شهرًا.
فعُدُولُه إلى العدَدِ دليلٌ على إرادَةِ التَّفْرِيقِ،

..................................  بخِلافِ العشَرةِ.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ، فإن عَدَمَ ما يَدُلُّ على التَّفْرِيقِ ليس بدليل على التَّتابُعِ، فإن اللهَ تعالى قال في قَضاءِ 1 رمضانَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 2. ولم يَذْكُرْ تَفْرِيقَها ولا تَتابُعَها، ولم يَجِبِ التَّتابُعُ فيها بالاتِّفاقِ.
وقال بعضُ أصحابنا: إن نَذَر اعْتِكافَ أيَّام، لَزِمَه التَّتابُعُ، ولا يَلْزَمُ مثلُ ذلك في الصيامِ؛ لأَنَّ الاعْتِكافَ يَتَّصِلُ بعضُه ببعض مِن غيرِ فَصْل 3، والصَّوْمُ يَتَخَلَّلُه اللَّيلُ، فيَفْصِلُ بعضَه مِن بعض، ولذلك لو نَذَر اعْتِكافَ يومَين مُتَتابِعَين، لَدَخَلَ فيه اللَّيلُ.
والصَّحِيحُ التَّسْويَةُ؛ لأنَّ الواجِبَ ما اقْتَضاهُ لَفظه، ولَفْظُه (1) لا يَقْتَضِي التَّتابعَ، بدليلِ نَذْرِ الصومِ، وما ذكَرُوه مِن الفَرْقِ لا أثرَ له.
ومَن قال: يَلْزَمُه التَّتابعُ.
لَزِمَتْه اللَّيالِي التي بينَ أيَّام الاعْتِكافِ، كما لو قال: مُتَتابِعَة.

وَإنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا، فَأفطَرَ لِمَرض أو حَيض، قَضَى لا غَيرُ، وَإنْ أفْطَرَ لِغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ، وَإنْ أفْطَرَ لِسَفَر أوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَعَلَى وَجْهَينِ.

4813 - مسألة: (وإن نَذَر صِيامًا مُتَتابِعًا، فأفْطَرَ لمَرَض أو حَيضٍ، قَضَى لا غيرُ، وإن أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ، لَزِمَه الاسْتِئْنافُ، وإن أفْطَرَ لسَفَر أو ما يُبِيحُ الفِطْرَ، فعلى وَجْهَين)

وجملتُه، أنَّ مَن نَذَر صِيامًا مُتَتابِعًا غيرَ مُعَيَّن، [ثم أفْطَرَ فيه] 1 لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما، أن يُفْطِرَ لعُذْرٍ؛ مِن حَيض، أو مَرَض، أو نحوه، فهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يَبْتَدِئ الصومَ، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمنْذُورِ على وَجْهِه، وبينَ أن يَبْنِيَ على صِيامِه ويُكَفِّرَ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ تَلْزَمُ لتَرْكِه المنذورَ وإن كان عاجِزًا، بدليلِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أخْتَ عُقْبَةَ بنَ عامِر بالكَفَّارَة، لعَجْزِها عن المَشْي، ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حَلَف ليَصُومَنَّ صِيامًا مُتَتابعًا، ثم لم يَأت به مُتَتابِعًا، لَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، وإنَّما جَوَّزْنا له البِنَاءَ ههُنا؛ لأنَّ الفِطْرَ لعُذْرٍ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ حُكْمًا، كما لو أفْطَرَ في صِيامِ الشَّهْرَين المُتَتابعَين لعُذْرٍ، كان له البِنَاءُ.
والذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المشروحِ، أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه إذا أفْطَرَ لعُذْرٍ، فإنَّه قال: قَضاهُ لا غيرُ.
وهي إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، كما لو تَرَك التَّتابُعَ في الشَّهْرَين المُتَتابِعَين لعُذْرٍ، فإنَّه لا كَفَّارَةَ

..................................  عليه، كذا ههُنا.
الحالُ الثَّاني، أن يُفْطِرَ لغيرِ عُذْرٍ، فهذا يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الصيامِ، ولا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه تَرَك التَّتابُعَ المنذورَ لغيرِ عُذْرٍ، مع إمْكانِ الإِتْيانِ به، فلَزِمَه فِعْلُه، كما لو نَذَر صومًا مُعَينًا، فصامَ قبلَه.
فإن أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، كالسَّفَرِ، لم يَقْطَعِ التَّتابُعَ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه عُذْرٌ في فِطْرِ رمضانَ، فأشْبَهَ المَرَضَ.
والثَّاني، يُفْطِرُ؛ لأنَّه أفْطر باخْتِيارِه، أشْبَهَ ما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ.
فصل: إذا نَذَر صومَ شهر مُتَتابع، فصامَ من أوَّلِ الهِلالِ، أجْزَأه، تامًّا كان الشهرُ أو ناقِصًا؛ لأنَّ ما بينَ الهِلالين شَهْرٌ، ولذلك قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا 1 الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» 2. وإن بَدَأ مِن أثْناءِ شَهْر،

..................................  لَزِمَه شهرٌ بالعدَدِ، ثلاثون يومًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صُومُوا لِرُؤيَتهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتهِ، فإن غُمَّ عَلَيكُمْ، فأكْمِلُوا ثَلَاثِينَ» 1. [فإن صام شَوّالًا، لَزِمَه إكْمالُه ثلاثين] 2؛ لأنَّه بَدَأ مِن أثْنائِه، إن كان ناقِصًا، قضَى يَومينِ، وإن كان تامًّا أتَمَّ يومًا واحدًا.
وإن صامَ ذا الحِجَّةِ، أفْطَرَ يومَ الأضْحَى وأيَّام التَّشْرِيقِ، ولم يَنْقَطِعْ تَتابُعُه، كما لو أفْطَرَتِ المرأةُ لحَيضٍ، وعليه كَفَّارَةٌ، ويَقْضِي أرْبَعةَ أيَّام إن كان تامًّا، وخمسة إن كان ناقِصًا.
والأوْلَى أن لا يَلْزَمَه إلَّا أرْبَعَةٌ إذا كان ناقِصًا؛ لأنَّه بدَأ مِن أوَّلِه، فيَقْضِي المَتْرُوكَ منه حَسْبُ.
وإن صامَ مِن أوَّلِ شَهْر، فمَرِضَ فيه أيَّامًا مَعْلُومَةً، أو حاضَتِ المرأةُ فيه ثم طَهُرَتْ قبلَ خُروجِه، قَضَى ما أفْطَرَ منه بعِدَّتِه إن كان الشَّهرُ تامًّا، وإن كان ناقِصًا، فهل يَلْزَمُه الإِتْيانُ بيَوْم آخَرَ؟ على وَجْهَين، بِناءً على ما ذَكَرْنا فيما إذا أفْطَرَ يومَ العيدِ وأيَّامَ التَّشْريقِ.

..................................  فصل: إذا نَذَر صِيامَ شهر مِن يومِ يَقْدَمُ فُلانٌ، فقَدِم في أوَّلِ شَهْرِ رمضانَ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ هذا نَذْر مُنْعَقِد، يُجْزِئُ صِيامُه عن النَّذْرِ ورمضانَ.
وهو قولُ أبي يوسفَ.
وقياسُ قولِ ابنِ عباس، وعِكْرِمَةَ؛ لأنَّه نَذَر صومًا في وَقْتٍ، وقد صامَ فيه.
وقال القاضي، في «شَرْحِه»: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه غيرُ مُنْعَقِدٍ؛ لأنَّ نَذْرَه وافَقَ زَمَنًا يُسْتَحَقُّ صَومُه، فلم يَنْعَقِدْ نَذْرُه، كنَذْرِ صومِ رمضانَ.
قال: والصَّحِيحُ عندِي صِحَّةُ النَّذْرِ؛ لأنَّه نَذْرُ طاعَةٍ يُمْكِنُ الوَفاءُ به غالِبًا، فانعَقَد، كما لو وافَقَ شعبانَ.
فعلى هذا، يصومُ رمضانَ، ثم يَقْضِي ويُكَفِّرُ.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكر.
ونَقَل جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أحمدَ، أنَّ عليه القَضاءَ.
وقولُ الخِرَقِيِّ: أجْزَاة صِيامُه لرمضانَ ونَذْرِه.
دليل على أنَّ نَذرَه انْعَقَد عندَه، ولولا ذلك ما كان صومُه عن نَذْرِه.
وقد نَقَل أبو طالِبٍ عن أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ وعليه حَجَّة مَفْرُوضَة، فأحْرَم عن النَّذْرِ: وَقَعَتْ عنِ المَفْرُوضِ، ولا يَجِبُ عليه شيءٌ آخَرُ.
وهذا مثلُ قولِ الخِرَقِيِّ.
ورَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباس، في رجل نَذَر أن يَحُجَّ،

..................................  ولم يَكُنْ حَجَّ الفَرِيضَةَ، قال: يُجْزِئُ لهما جميعًا.
وعن عِكْرِمَةَ، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال عِكْرِمَةُ: يَقْضِي حَجَّتَهُ عن نَذْرِه وعن 1 حَجَّةِ الإسْلامِ، أرَأيتُم لو أنَّ رجلًا نَذَر أن يُصَلِّيَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فصَلَّى العَصْرَ، أليس ذلك يُجْزِئُه مِن العصرِ والنَّذْرِ؟ قال: فذكَرْتُ قَوْلِي لابنِ عباس، فقال: أصَبْتَ و 2 أحْسَنْتَ.
وقال ابنُ عمرَ، وأنَسٌ: يَبْدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يَحُجُّ لنَذْرِه.
وفائِدَةُ انْعِقادِ [نَذرِه، لُزومُ] 3 الكَفَّارَةِ بتَرْكِه، وأنَّهِ لو لم يَنْوه لنَذْرِه، لَزِمَه قَضاؤه.
وعلى هذا، لو وافَقَ نَذْرُه بعضَ رمضان، وبعضَ شَهْر آخَرَ، إمَّا شعبان، وإمَّا شوال، لَزِمَه صومُ ما خرَج عن رمضانَ، ويُتمُّه [مِن رمضانَ] 4، ولو قال: للهِ عليَّ صومُ رمضان.
فعلى قياس قولِ الخِرَقِي، يَصِحُّ نَذْرُه، ويُجْزِئُه صِيامُه عن الأمرين، وتَلْزَمُه الكفَّارَةُ إن أخَلَّ به.
وعلى قولِ القاضِي، لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ صومُه عن النَّذْرِ، أشْبَهَ الليلَ.
ولَنا، أنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ، فيَنْعَقِدُ 5 في الواجِبِ مُوجِبًا للكَفَّارَةِ، كاليَمِينِ باللهِ

وَإنْ نَذَرَ صِيَامًا، فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَر، أوْ مَرَض لَا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطعَمَ  تعالى.
وقد نُقِلَ من أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ العامَ، وعليه حَجَّةُ الإِسلام، رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، تُجْزِئُه حَجَّةُ الإِسْلامِ عنها وعن نَذْرِه.
نَقَلَها أَبو طالِبٍ.
والثَّانيةُ، يَنْعَقِدُ نَذْرُه مُوجِبًا لحَجَّةٍ غيرِ حَجَّةِ (1) الإِسْلامِ، ويَبْدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يَقْضِي نَذْرَه.
نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ؛ لأنَّهما عِبادَتان تجِبانِ بسَبَبَين (2) مُخْتَلِفَين، فلم تَسْقُطْ إحْداهما بالأخرَى، كما لو نَذَر حَجَّتَين.
ووَجْهُ الأولَى، أنَّه نَذَر عِبادَةً في وقتٍ مُعَيَّن، وقد أتَى بها فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: للهِ عليَّ أن أصومَ رمضانَ.
فصل: فأمَّا إن قال: لله عِليَّ أن أصومَ شهرًا.
فنَوَى صيامَ شهرِ رمضانَ لنَذْرِه ورمضانَ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ شَهْرَ رمضانَ واجِبٌ بفَرْضِ اللهِ تعالى، ونَذْرُه يَقْتَضِي (3) إيجابَ شهر، فيَجِبُ شَهْران بسَبَبَين، فلا يُجْزِئُ أحدُهما عن الآخَرِ، كما لو نَذر صومَ شَهْرَين، وكما لو نَذَر أن يُصَلِّيَ ركعتَين، لم تُجْزِئْه صلاةُ الفَجْرِ عن نَذْرِه وعن الفجرِ.

4814 -

مسألة: (وإن نَذَر صيامًا، فعَجَز عنه لكِبَر، أو مَرَض

123

عَنْهُ لكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا.
وَيَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولَا شَيْءَ عَلَيهِ.
لا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطْعَم عنه لكلِّ يَوْم مِسْكِينًا.
ويَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولا شَيْءَ عليه) مَن نَذَر طاعَةً لا يُطيقُها، أو كان قادِرًا عليها فعَجَزَ عنها، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لِما روَى عُقْبةُ بنُ عامِر، قال: نَذَرَتْ أخْتي أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ حافِيَةً، فأمَرَتْنِي أن أسْتَفْتِيِ لها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَفْتَيتُه، فقال: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ».
مُتَّفقٌ عليه 1. ولأبي داودَ 2: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا».
وللتِّرْمِذِيِّ 3: «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام».
وعن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين» 4. قال: «وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين».
رَواه أبو داودَ 5، وقال: وَقَفَه مَن رَواه عنِ ابنِ

..................................  عباس.
وقال ابنُ عباس: مَن نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيقُه فكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِين، ومن نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُه، فَلْيَفِ بما نَذَر 1. فإذا كَفَّرَ، وكان المَنْذُورُ غيرَ الصيامِ، لم يَلْزَمْه شيءٌ آخَرُ.
وإن كان صِيامًا.
فعن أحمدَ رِوايَتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه لكلِّ يوم إطْعامُ مِسْكِين.
قال القاضي: وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجابِه عَينًا 2، فإذا عَجَز عنه، لَزِمَه أن يُطْعِمَ عن كلِّ يوم مِسْكينًا، كصومِ رمضانَ، ولأنَّ المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِي يُحْمَلُ على المُطْلَقِ مِن كلام الله تعالى، ولو عَجَز عن الصومِ المَشْرُوعِ، أطْعَمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكينًا، كذلك إذا عَجَز عن الصومِ المَنْذُورِ.
والثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه شيء آخَرُ مِن إطْعام ولا غيرِه؛ لقَوْلِه: «مَنْ نَذَرَ نَذرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين».
وهذا يَقْتَضي أن تكونَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ جميعَ كفَّارَتِه، ولأنَّه نَذْرٌ عَجَز عن الوَفاءِ به، فكان الواجبُ فيه كَفّارَةَ يَمِين، كسائرِ النَّذْرٍ، ولأنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ اليَمِينِ، إلَّا مع إمْكانِ الوَفاءِ به إذا كان قُرْبَة، ولا يَصِحُّ قياسُه على صومِ رمضانَ؛ لوَجْهَين؛

..................................  أحَدُهما، أنَّ رمضانَ يُطْعَمُ عنه عندَ العَجز بالموتِ، فكذلك في الحياةِ، [وهذا بخِلافِه] 1. والثَّاني، أنَّ قياسَ المَنْذُورِ على المَنْذُورِ أوْلَى مِن قياسِه على 2 المَفْرُوضِ بأصلِ الشَّرْعِ؛ لأنَّ هذا قد وَجَبَت فيه كفَّارَة، فأجْزَأت عنه، بخلافِ المشْروعِ.
[وقولُهم: إنَّ المُطْلَقَ مِن كَلامِ الآدَمِيِّ مَحْمُولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ.
قُلْنا: وليس هذا بمُطْلَقٍ، وإنَّما هو مَنْذُور مُعَيَّن.
ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كفَّارَة في العَجْزِ عنه، كما لو عَجَز عن الواجِبِ بأصْلِ الشرْعِ] (1). فصل: وإن عَجَز [عن الصومِ] 3 لعارِض يُرْجَى زَوالُه، مِن مَرَض، أو نحوه، انْتَظَر زَواله، ولا تَلْزَمُه كَفَّارَة ولا غيرُها؛ لأنَّه لم يَفُتِ

..................................  الوقْتُ، فيُشْبِهُ المرِيضَ في شهرِ رمضانَ، فإنِ اسْتَمَرَّ عَجْزُه إلى أن صارَ غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، صارَ إلى الكَفَّارَة والفِدْيَةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخلافِ فيه.
فإن كان العَجْزُ المَرْجُوُّ الزَّوال عن صوم مُعَيَّن فاتَ وَقْتُه، انْتَظَر الإمْكانَ ليَقْضِيَه.
وهل تَلْزَمُه لفَواتِ الوقتِ كَفَّارَةٌ؟ علي رِوايَتَين، ذَكَرَهما أبو الخَطَّاب؛ إحداهما، تَجِبُ الكفَّارَةُ؛ لأنَّه أخَلَّ بما نَذَرَه على وَجْهِه، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كما لو نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فعَجَز، ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حَلَف ليَصُومَنَّ هذا الشهرَ [فأفْطَرَه لعُذْرٍ] 1، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، كذا ههُنا.
والثَّانيةُ، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه أتَى بصِيام أجْزَأ عن نَذْرِه مِن غيرِ تَفْرِيطِه، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو صامَ ما عَيَّنَه.
فصل: فإن نَذَر غيرَ الصيامِ، فعَجَز عنه، كالصَّلاةِ ونحوها، فليس عليهْ إلَّا الكفَّارَةُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَجْعَلْ لذلك بَدَلًا 2 يُصارُ إليه، فوَجَبَت الكَفَّارَةُ؛ لمُخالفَتِه نَذْرَه فقط.
وإن عَجَز عنه لعارِض، فحُكْمُه حكمُ الصيامِ سَواءً فيما فصَّلْناهُ.

..................................  فصل: وإن نَذَر صِيامًا، ولم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم يَنْوه، أجْزَأه صومُ يوم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صومٌ مُفْرَدٌ أقلّ مِن يوم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ.
فإن نَذَر صلاةً مُطْلَقَةً، ففيها رِوايَتان؛ إحداهما، تُجْزِئُه ركعةٌ.
نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، لأنَّ أقَلَّ الصلاةِ ركعةٌ، فإن الوترَ صلاة مَشْرُوعَةٌ، وهي ركعةٌ واحدة.
ورُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه تَطَوَّعَ بركعةٍ واحدةٍ 1. والثَّانيةُ، لا يجزِئُه إلَّا ركعتان.
ذَكَرَها الْخِرَقِيُّ.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ أقَلَّ صلاةٍ وَجَبَتْ بالشَّرْعِ رَكعتان، فوَجَبَ حَمْلُ النَّذْرِ عليه، وأمَّا الوتْرُ، فهو نَفْلٌ، والنَّذْرُ فَرْضٌ، فحَمْلُه على المَفْرُوضِ أوْلَى، ولأنَّ الرَّكْعَةَ لا تُجْزِئ في الفَرْضِ، فلا تجْزِئُ في النَّفْلِ، كالسَّجْدَةِ.
وللشَّافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين.
فأمَّا إن عَيَّنَ بنَذْرِه عَدَدًا، لَزِمَه، قَلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ النَّذْرَ يَثْبُتُ بقَوْلِه، فكذلك عَدَدُه، فإن نَوَى عَدَدًا، فهو كما لو سَمَّاه؛ لأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، فلَزِمَه حُكْمُه، كاليَمِينِ.
فصل: وإن نَذَر صومَ الدَّهْرِ، لَزِمَه، ولم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ،

وَإنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ، أو مَوْضِع مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلا أن يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أو غَيرِهِ، فَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِين.
وَعَنْهُ، عَلَيهِ دَمٌ.
ولا أيَّامُ العيدِ والتَّشْريقِ.
فإن أفْطَرَ لعُذْرٍ أو غيرِه، لم يَقْضِه؛ لأنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرقٌ بالصَّومِ المَنْذُورِ، لكنْ تَلْزَمُه كفَّارَةٌ لتَرْكِه.
وإن لَزِمَه قَضاء [من رمضانَ] 1، أو كَفَّارَة، قَدَّمَه على النَّذْرِ؛ لأنَّه واجِبٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، فيُقَدَّمُ على ما أوْجَبَه على نَفْسِه، كتَقْدِيمِ 2 حَجَّةِ الإِسْلامِ على المَنْذُورَةِ.
وإذا لَزِمَتْه كَفَّارَة لتَرْكِه صومَ يوم أو أكثرَ، وكانت كَفَّارَتُه الصِّيامَ، احْتَمَلَ أن لا 3 يَجِبَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ إلَّا بتَرْكِ الصومِ المَنْذُورِ، وتَرْكُه يُوجِبُ كفَّارَةً، فيُفْضِي ذلك (3) إلى التَّسَلْسُلِ، وتَرْكِ المَنْذُورِ بالكُلِّيَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ الكَفَّارَةُ، ولا يَجِبُ بفِعْلِها كفَّارَةٌ؛ لأنَّ تَرْكَ النَّذْرِ لعُذْرٍ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً، فلا يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ.
واللهُ أعلمُ.

4815 -

مسألة: (وإن نَذَر المَشْيَ إلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ، أو مَوْضِع مِن الحَرَمِ، لم يُجْزِئْه إلَّا أن يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فَإن تَرَك المَشْيَ لعَجْزٍ أو غيرِه، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين.
وعنه، عليه دَمٌ)

وجملةُ

..................................  ذلك، أنَّ مَن نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، لَزِمَه الوَفاءُ بنَذْرِه.
وبهذا قال مالكٌ، والأوْزَاعِيّ، والشَّافعيّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» 1. وقال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِي هذَا، والمَسْجِدِ الأقْصَى» 2. ولا يُجْزِئُه المَشْيُ إلَّا في حَج أو عُمْرَةٍ.
وبه يقولُ الشافِعِيُّ.
ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّ المشيَ إليه في الشَّرْعِ هو المشيُ في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فإذا أطْلَقَ النَّاذِرُ، حُمِلَ على المَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، ويَلْزَمُه المشيُ لنَذْرِه إيَّاه، فإن عَجَز عن المشي، رَكِب، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه دَم.

جارٍ التحميل