..................................
الشَّاةِ، فقام إلى الصلاةِ، وطَرَحَ السِّكِّينَ 1. وحديثُ مِسْعَرٍ، عن جامِعِ بنِ شَدَّادٍ، عن المُغِيرَةِ اليَشْكُرِيِّ، عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ: ضِفْتُ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ لَيلَةٍ، فأمَرَ بجَنْبٍ فشُوِيَ، ثم أخَذَ الشَّفْرَةَ، فجَعَلَ يحُزُّ، فجاءَ بلالٌ يُؤذِنُه بالصلاةِ، فألْقَى الشَّفْرَةَ 2. قال: وسألْتُ أحمدَ عن حديثِ أبي جُحَيفَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «اكْفُفْ جُشَاءَكَ يَا أبَا جُحَيفَةَ، فَإنَّ أكْثَرَكُمْ شِبَعًا الْيَوْمَ أكْثَرُكُمْ جُوعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» 3. فقال هو ويحيى جميعًا: ليس بصحيحٍ.
فصل: ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: لم يكُنِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ينْفُخُ في طعامٍ ولا شَرابٍ، ولا يَتَنَفَّسُ في الإِناءِ 4. وعن أَنَسٍ، قال: ما أكلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على خِوانٍ ولا في سُكُرَّجَةٍ 5. قال قَتادَةُ: فعلامَ كانوا يأكلُون؟ قال: على السُّفَرِ 6. حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وعن عائشةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يُقامَ عن الطعامِ حتى يُرْفَعَ.
وعن نُبَيشَةَ، قال: قال رسولُ
..................................
اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ، فَلَحَسَهَا، اسْتَغْفَرَتْ لَهُ القَصْعَةُ».
وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَمْسَحْ أحَدُكُمْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا؛ فإنَّه لَا يَدْرِي فِي أيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ».
رواهُنَّ ابنُ ماجَه 1.
فصل: وسُئِلَ أبو عبدِ اللهِ عن غَسْلِ اليَدِ بالنُّخالةِ، قال: لا بأْسَ به، نحنُ نَفْعَلُه.
وسُئِلَ عنِ الرَّجُلِ يأْتي القومَ، وهم على طَعامٍ، فَجْأةً، لم يُدْعَ إليه، فلمّا دخَلَ إليهم دَعَوْه، هل 2 يَأْكُلُ؟ قال: نعم، وما بأسٌ.
وسُئِلَ عن حديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه ادَّخَرَ لأهْلِه قُوتَ سَنَةٍ 3. هو صَحِيحٌ؟ قال: نعم، ولكِنَّهم يخْتَلِفُون في لَفْظِه.
فصل: روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جاءَ إلى سعدِ بنِ عُبادَةَ، فجاءَ بخُبْزٍ وزَيتٍ، فأكلَ، ثم قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ
..................................
طَعَامَكُمُ الأبْرارُ، وصَلَّتْ عَلَيكُمُ الْمَلائِكَةُ».
وعن جابرٍ، قال: صَنَعَ أبو الهَيثَمَ بنُ التَّيِّهَانِ 1 للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - طَعامًا، فَدَعا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابَه، فلمّا فَرَغُوا قال: «أَثِيبُوا أخَاكُمْ».
قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما إثَابَتُه؟ قال: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيتُهُ، وأُكِلَ طَعَامُهُ، وشُرِبَ شَرابُهُ، فَدَعَوْا لَه، فَذَلِكَ إثَابَتُهُ».
رواهما أبو داودَ 2.
بَابُ الذَّكَاةِ
وَلَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيهِ بِغَيرِ ذَكَاةٍ إلا الْجَرَادَ وَشِبْهَهُ، وَالسَّمَكَ، وَسَائِرَ مَا لَا يَعِيشُ إلا في الْمَاءِ، فَلَا ذَكَاةَ لَهُ.
بابُ الذَّكاةِ
4625 -
مسألة: (ولا يُباحُ شيءٌ مِن الحَيَوانِ المقْدورِ عليه بغيرِ ذَكاةٍ إلَّا الجَرادَ وشِبْهَه، والسَّمكَ، وسائِرَ ما لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، فلا
وَعَنْهُ، في السَّرَطَانِ وَسَائِرِ الْبَحْرِيِّ أنَّه يَحِلُّ بِلَا ذَكَاةٍ.
وَعَنْهُ، فِي الْجَرَادِ لَا يُؤْكَلُ إلا أنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ كَكَبْسِهِ وَتَغْرِيقِهِ.
ذَكاةَ له.
وعنه فِي السَّرَطانِ وسائِرِ البحريِّ، أنَّه يُباحُ بلا ذكاةٍ.
وعنه، في الجرادِ، لا يُؤكلُ إلَّا أن يَمُوتَ بسبحب ككَبْسِه وتغْرِيقِه) أمَّا الحيوانُ المقْدورُ عليه 1 مِن الصيدِ والأنْعام، فلا يُباحُ إلَّا بالذَّكاةِ، بغيرِ خلافٍ بينَ أهلَ العلمَ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾.
إلى قولِه.
﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ 2. فأمّا السَّمكُ وشِبْهُه ممّا لا يعيشُ إلَّا في الماء، فإنَّه يُباحُ بغيرِ ذكاةٍ، لا نعلمُ في هذا خلافًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ» 3. وقد صَحَّ أنَّ أبا عُبَيدَةَ وأصحابَه وجَدُوا على ساحِلِ البحرِ دابَّةً، يقالُ لها العَنْبَرُ، فأكَلُوا منها شَهْرًا، حتى سَمِنُوا وادَّهَنُوا، فلَمّا قَدِمُوا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أخْبَرُوه، فقال: «هُوَ رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ تُطْعِمُونَا؟».
مُتَّفَقٌ عليه 4.
..................................
فصل: ولا فَرْقَ في ذلك بينَ ما مات بسَبَبٍ أو بغيرِ سَبَبٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين، وقد أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إباحَةِ ما مات بسَبَبٍ؛ مِثْلَ أن صادَه إنسانٌ، أو نَبَذَه البحرُ، أو جَزَرَ 1 عنه، وكذلك ما حُبِسَ في الماءِ بحَظِيرَةٍ حتى يموتَ، فإنَّه يَحِلُّ.
قال أحمدُ 2: الطّافِي يُؤكَلُ، وما جَزَر عنه الماءُ أجودُ، والسَّمَكُ الذي نَبَذَه البحرُ لم يُخْتَلَفْ فيه، وإنّما اخْتَلَفُوا في الطّافِي، وليس به بَأسٌ.
وممَّن أباح الطّافِيَ مِن السَّمَكِ أبو بكرٍ الصديقُ، وأبو أيُّوبَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، والثَّوْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ.
وكَرهَ الطّافِيَ جابِر، وطاوسٌ، وابنُ سِيرِينَ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لِما رُوِيَ أنَّ جابِرًا قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَلْقَى البَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ، فَكُلُوهُ، ومَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا، فَلا تَأكلُوهُ».
رَواه أبو داودَ 3. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ 4. قال ابنُ عباسٍ: طعامُه ما مات فيه 5. وأيضًا ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين.
وقال أبو بكرٍ الصديقُ، رَضِيَ اللهُ عنه: الطّافِي
..................................
حَلالٌ (1). ولأنَّه لو مات في البَرِّ، أُبِيحَ، فإذا ماتَ في البحرِ أُبِيحَ، كالجَرادِ.
فأمّا حديثُ جابِرٍ، فإنَّما هو مَوْقُوفٌ عليه، كذلك قال أبو داودَ: رَواه الثِّقاتُ فأوْقَفُوه على جابرٍ، وقد أُسْنِدَ مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ (2). وإن صَحَّ فنَحْمِلُه على نَهْيِ الكَراهَةِ؛ لأنَّه إذا مات رَسب (3) في أسْفَلِه، فإذا أنْتَنَ طَفا، فكرِهَه لنَتْنِه، لا لتَحْرِيمِه.
4626 -
مسألة: (وعنه، في السَّرَطانِ وسَائِرِ البحريِّ، أنَّه يَحِلُّ بلا ذكاةٍ)
قال أحمدُ: السَّرَطانُ لا بَأْسَ به.
قيل له: يُذْبَحُ؟ قال: لا.
وذلك أنَّ مَقْصُودَ الذَّبْحِ إنَّما هو إخْراجُ الدَّمِ منه، وتَطْيِيبُ اللَّحْمِ بإزالتِه عنه، فما لا دَمَ فيه، لا حاجَةَ إلى ذَبْحِه، فإن قُلْنا: يُذَكَّى.
فذَكاتُه أن يُفْعَلَ به ما يموتُ به 4. فأمّا ما كان مأْواهُ البحرَ، وهو يعيشُ في البَرِّ مِن دَوابِّ البحرِ؛ كطيرِ الماءِ، والسُّلَحْفاةِ، وكَلْبِ الماءِ، فلا يَحِلُّ إلَّا أنْ123
..................................
يُذْبَحَ.
هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
قال أحمدُ: كَلْبُ الماءِ يَذْبَحُه، ولا أَرَى 1 بَأْسًا بالسُّلَحْفاةِ إذا ذُبِحَ، [والرَّقُّ يَذْبَحُه] 2. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ بغيرِ ذَكاةٍ.
وذهبَ إليه قَوْمٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّه مِن حيوانِ الاءِ، فأُبِيحَ بغيرِ ذَكاةٍ، كالسَّمَكِ والسَّرَطانِ.
وقال أبو بكرٍ الصديقُ، رَضِيَ اللهُ عنه: كُلُّ ما في البحرِ قد ذَكّاه اللهُ لكم 3. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه، عن شُرَيحٍ، رجلٍ أدْرَكَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: كُلُّ شَيءٍ في البحرِ مَذْبُوحٌ 4. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ذبَح كُلَّ شَيْءٍ فِي البَحْرِ لِابنِ آدَمَ» 5. والأُولَى أصَحُّ فيما سِوَى السَّرَطانِ، لأنَّه حيوانٌ يعيشُ في البَرِّ، له نَفْسٌ سائِلَةٌ، فلم يُبَحْ بغيرِ ذكاةٍ، كالطيرِ.
قال شَيخُنا 6:
.................................. ولا خِلافَ فيما عَلِمْناه في الطيرِ، والأخْبارُ مَحْمُولَةٌ على ما لا يَعِيشُ إلَّا في البحرِ، كالسَّمَكِ وشِبْهِه؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ مِن تَذْكِيَتِه، لأنَّه لا يُذبَحُ إلَّا بعدَ إخْراجِه مِن الماءِ، ومتى خَرَجَ ماتَ.
4627 -
مسألة: (وعنه، في الجَرادِ، لَا يُؤْكَلُ إلَّا أن يَمُوتَ بسَبَبٍ، ككَبْسِه وتَغْرِيقِه)
لا خِلافَ في إباحَةِ الجرادِ، وقد رَوَى عبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفَى، قال: غَزَوْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَبْعَ غَزَواتٍ نأْكُلُ الجرادَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولا فَرْقَ بينَ أن يمُوتَ بسَبَبٍ أو بغيرِ سَبَبٍ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وأصْحابُ الحديثِ، وأصْحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، إذا قَتَلَه البردُ، لم يُؤْكَلْ.
وعنه، لا يُؤكَلُ إذا ماتَ بغيرِ سَبَبٍ.
وهو قولُ مالِكٍ.
ويُرْوَى عن سعيدِ بنِ
..................................
المُسَيَّبِ.
ولَنا، عُمومُ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيتَتَانِ ودَمَانِ، فالمَيتَتانِ السَّمَكُ والجَرَادُ».
رَواه ابنُ ماجه 1. ولم يُفصِّلْ.
ولأنَّه تُباحُ مَيتَتُه، فلم يُعْتَبَرْ له سبَبٌ، كالسَّمَكِ، ولأنَّه لو افْتَقَرَ إلى سببَبٍ، لافْتَقَرَ إلى ذَبْحٍ وآلةٍ، كبَهيمَةِ الأنْعامِ.
فصل: [ويُباحُ] 2 أكْلُ الجرادِ بما فيه، وكذلك السَّمَكُ، يجوزُ أنْ يُقْلَى مِن غيرِ أن يُشقَّ جَوْفُه.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ في السَّمَكِ: لا يجوزُ، لأنَّ رَجِيعَه نَجِسٌ.
ولَنا، عُمومُ النَّصِّ في إباحَتِه، وما ذكَرُوه غيرُ مُسَلَّم.
وإن بَلَعَ إنْسانٌ منه شيئًا وهو حَيٌّ، كُرِهَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبَ الحيوانِ.
فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن السَّمَكِ يُلْقَى في النّارِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِي.
..................................
والجرادِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِي، والجرادُ أسْهَلُ، فإنَّ هذا له دَمٌ.
ولم يَكْرَهْ أكْلَ السَّمَكِ إذا أُلقِيَ في النّارِ، إنَّما كَرِهَ تَعْذِيبَه بالنّارِ.
وأمّا الجَرادُ [فسَهَّلَ في إلْقائِه؛ لأنَّه لا دَمَ له، ولأنَّ السَّمَكَ لا حاجَةَ إلى إلْقائِه في النّارِ، لإِمْكانِ تَرْكِه حتى يموتَ بسُرْعَةٍ، والجرادَ] 1 لا يموتُ في الحالِ، بل يَبْقَى مُدَّةً طويلةً.
وفي «مُسْنَدِ الشافعيِّ» 2 أنَّ كَعْبًا كان مُحْرِمًا، فمَرَّت به رَجْلٌ 3 من جَرَادٍ، فنَسِيَ، وأخَذَ جَرادَتَين، فألْقاهُما في النّارِ، فشَواهُما، وذكَرَ ذلك لعُمَرَ، فلم يُنْكِر عمرُ تَرْكَهُما في النّارِ.
وذُكِرَ له حَدِيثُ ابنِ عمرَ: كان الجرادُ يُقْلَى له 4. فقال: إنَّما يُؤْخَذُ الجرادُ فتُقْطَعُ أجْنِحَتُه، فيُلْقَى في الزَّيتِ وهو حَيٌّ.
وَيُشْتَرَطُ للِذَّكَاةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهَا، أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ عَاقِلًا، مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَتُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
وَعَنْهُ، لَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبوَيهِ غَيرُ كِتَابِيٍّ.
4628 - مسألة: (ويُشْتَرَطُ للذّكاةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ؛ أحَدُها، أهْلِيَّةُ الذَّابِحِ، وهو أن يكُونَ عاقِلًا، مُسْلمًا أو كِتابِيًّا، فَتُباحُ ذَبِيحَتُه، ذَكَرًا كانَ أو أُنْثَى.
وعنه، لَا تُباحُ ذَبِيحَةُ نَصارَى بَنِي تَغْلِبَ، ولَا مَن أحدُ أبَوَيهِ غيرُ كِتابِيٍّ)
أجمعَ أهلُ العلمِ على إباحَةِ ذَبائِحِ أهلِ الكتابِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 1. يعني ذَبائِحَهُم.
قال البُخارِيُّ 2: قال ابنُ عباسٍ: طَعامُهم ذَبائِحُهم.
وكذلك قال قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
ورُوِيَ مَعْناه عن ابنِ مسعودٍ.
وهذا قولُ مالِكٍ،
..................................
والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
ولا فَرْقَ بين العَدْلِ والفاسِقِ مِن المسلمين وأهْلِ الكتابِ.
وعن أحمدَ، لا تُؤكلُ 1 ذَبِيحَةُ الأقْلَفِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ 2. والصَّحِيحُ إباحَتُه، فإنَّه مُسْلمٌ، أشْبَهَ سائِرَ المسلمين، وإذا أُبِيحَتْ ذَبِيحَةُ القاذِفِ والزّانِي وشارِبِ الخَمْرِ، مع تحَقُّقِ فِسْقِه، وذَبِيحَةُ النَّصْرانِيِّ وهو كافِرٌ أقْلَفُ، فالمسلمُ أوْلَى.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الحَرْبِيِّ والذِّمِّيِّ في إباحَةِ ذَبِيحَةِ الكِتابِيِّ منهم، وتَحْريمِ ذَبِيحَةِ مَن سِواه.
وسُئِلَ أحمدُ عن ذبائِحِ نَصارَى أهلِ الحربِ،
..................................
فقال: لا بَأْسَ بها، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ [في الشَّحْمِ] 1. قال إسحاقُ: أجادَ.
وقَال ابنُ المُنْذِرِ 2: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ منهم مُجاهِدٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا فَرْقَ بينَ الكِتابِيِّ العَرَبِي وغيرِه، إلَّا أنَّ في نَصارَى العَرَبِ اخْتلافًا ذكَرْناه في بابِ الجِزْيَةِ.
وسُئِلَ مكْحُولٌ عن ذَبائِحِ نَصارَى العَرَبِ 3؟ فقال أمّا بَهْرَا وتَنُوخُ، فلا بَأْسَ، وأمّا بنو تَغْلِبَ، فلا خَيرَ في ذَبائِحِهم؛ لأنَّه يُرْوَى عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وهو مذهَبُ الشافعيِّ.
ولا ذَبائِح العربِ مِن أهْلِ الكتابِ كلِّهم.
والصحيحُ
..................................
إباحَتُه؛ لعُمومِ الآيةِ فيهم.
فأمّا مَن أحَدُ أبَوَيهِ غيرُ كِتَابِيٍّ ممَّن لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُه، فقال أصحابُنا: لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُه.
وبه قال الشافعيُّ إذا 1 كانَ الأبُ [غيرَ كِتابِيٍّ، وإن كانَ الأبُ] 2 كِتابِيًّا ففيه قَوْلان، أحدُهما، تُباحُ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ.
والشافعي، لا تُباحُ؛ لأنَّه وُجِدَ ما يَقْتَضِي الإِباحَةَ والتَّحْرِيمَ، فغُلِّبَ ما يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، كما لو جَرَحَه مسلمٌ ومَجُوسِيٌّ، وبيانُ وُجودِ ما يَقْتَضِي التَّحْريمَ، أنَّ كونَه ابنَ مَجُوسِيٍّ أو وَثَنِيٍّ يقْتَضِي تَحْريمَ ذَبيحَتِه.
وعنه، تُباحُ ذَبِيحَتُه مُطْلَقًا.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لعُمومِ النَّصِّ، ولأنَّه كِتابِيٌّ يُقَرُّ على دِينِه، فتَحِلُّ ذَبِيحَتُه،
..................................
كما لو كان ابْنَ كِتابِيَّين.
فإن كان ابنَ وَثَنِيَّين أو مَجُوسِيَّين، فمُقْتَضَى قولِ أصْحابِنا، والشافعيِّ، ومالِكٍ، تحريمُه، ومُقْتَضَى قولِ أبي حنيفةَ حِلُّه،
وَلَا تُبَاحُ ذَكَاةُ مَجْنُونٍ، وَلَا سَكْرَانَ، وَلَا طِفْلٍ غَيرِ مُمَيِّزِ، وَلَا وَثَنِيٍّ، وَلَا مَجُوسِيٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ.
لأنَّ الاعْتِبارَ بدِينِ الذّابحِ لا بدِينِ أبيهِ، بدَلِيلِ أنَّ الاعْتِبارَ في قَبُولِ الجِزْيَةِ بذلك، ولعُمومِ النَّصِّ والقِياسِ.
4629 -
مسألة: (ولا تُباحُ ذكاةُ مَجْنُونٍ، ولَا سَكْرانَ، ولا طِفْلٍ غيرِ مُمَيِّزٍ، ولَا مَجُوسِيٍّ، ولَا وَثَنِيٍّ، ولَا مُرْتَدٍّ)
أمّا المجنونُ والطِّفْلُ والسكرانُ، فلا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهم؛ لأنَّه لا يصِحُّ منهم 1 القَصْدُ، أشْبَهَ ما لو ضَرَبَ إنْسانًا بالسَّيفِ فقَطَعَ عُنُقَ شاةٍ، ولأنَّه أمْرٌ يُعْتَبَرُ له الدِّينُ، فاعْتُبِرَ له العَقْلُ، كالغُسْلِ.
وبهذا قال مالِكٌ.
وقال الشافعيُّ: لا يُعْتَبَرُ العَقْلُ.
والأوَّلُ أَولَى؛ لأنَّ الذَّكاةَ يُعْتَبَرُ لها [القَصدُ، فيُعْتَبَرُ لها] 2 العَقْلُ، كالعِبادَةِ، ومَن لا عَقْلَ له لا يَصِحُّ منه القَصْدُ، فيصيرُ ذَبْحُه كما لو وقَعَتِ الحديدَةُ بنَفْسِها على حَلْقِ شاةٍ فذبَحَتْها.
..................................
فصل: فأمّا ذَكاةُ المَجُوسِيِّ، فلا تَحِلُّ في قولِ أهلِ العلمِ، وشَذَّ أبو ثَوْرٍ، فأباحَ صَيدَه وذَبِيحَتَه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» 1. ولأنَّهم يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، فتباحُ ذَبِيحَتُهم وصَيدُهم، كاليَهُودِ والنَّصارَى.
وهذا قولٌ يُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا عِبْرَةَ به.
قال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ: خَرَقَ أبو ثَوْرٍ الإِجْماعَ.
قال أحمدُ: ههُنا قَوْمٌ لا يَرَون بذَبائِحِ المَجُوسِ بَأْسًا، ما أعْجَبَ هذا! يُعَرِّضُ بأبي ثَوْرٍ.
وممَّن كَرِهَ ذَبائِحَهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وعليٌّ، وجابِرٌ، وأبو بُرْدَةَ 2، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، والحسَنُ بنُ محمدٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلَى، وسعيدُ بنُ جُبَيرِ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
قال أحمدُ: ولا أعْلَمُ [أحدًا يقولُ] 3 بخِلافِه، إلَّا أن يكونَ صاحِبَ بدْعَةٍ.
ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 4. فمَفْهُومُه تحْرِيمُ طَعامِ غيرِهم مِن
..................................
الكُفّارِ، ولأنَّهم لا كتابَ لهم، فلم تَحِلَّ ذَبائِحُهم، كأهْلِ الأوْثانِ.
وقد روَى الإِمامُ أحمدُ 1، بإسْنادِه عن قَيسِ بنِ سَكَن الأسَدِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّكُمْ قَدْ نَزَلْتُمْ 2 بفَارِسَ مِنَ النَّبَطَ، فإذَا اشْتَريتُمْ لَحْمًا، فإنْ كَانَ مِنْ يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوا، وإنْ كانَ مِنْ ذَبِيحَةِ مَجُوسِيٍّ فلَا تَأْكُلُوا».
ولأنَّ كُفْرَهم مع كونِهم غيرَ أهلِ كتابٍ، يقْتَضِي تحْريم ذَبائِحِهم ونِسائِهم، بدليلِ سائِرِ الكُفّارِ مِن غيرِ أهْلِ الكتابِ، وإنَّما أُخِذَتْ منهم الجِزْيَةُ، لأنَّ شُبْهَةَ الكِتاب تَقتَضِي التَّحْريمَ لدِمائِهم، فلَمَّا غُلِّبَتْ في التَّحْريمِ لدمائِهِم، وَجَب 3 أَن يُغَلَّبَ عَدَمُ الكتابِ في تَحْريمِ الذَّبائِحِ والنِّساءِ، احْتِياطًا للتَّحْريمِ في الموْضِعَين، ولأنَّه إجْماعٌ، فإنَّه قولُ مَن سَمَّينا، ولا مُخالِفَ لهم في عَصْرِهم، ولا في مَن بعدَهُم، إلَّا رِوايَةً عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، رُوِيَ عنه خِلافُها.
فصل: وسائِرُ الكُفّارِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ والزَّنادِقَةِ وغيرِهم، حُكْمُهم حُكْمُ المَجُوسِ، في تحْريمِ ذَبائِحِهم، قِياسًا عليهم، بل هم شَرٌّ مِن
..................................
المَجُوسِ؛ لأنَّ المَجُوسَ لهم شُبْهَةُ كتابٍ، بخلافِ هؤلاء.
قال أحمدُ: وطعامُ المَجُوسِ ليس به بَأْسٌ أن يُؤْكَلَ، وإذا أُهْدِيَ إليه أَن يُقْبَلَ، إنَّما تُكْرَهُ 1 ذَبائِحُهم، أو شَيْءٌ 2 فيه دَسَمٌ.
يعني مِن اللَّحْمِ.
ولم يَرَ بالسَّمْنِ والجُبْنِ 3 بأسًا.
وسُئِلَ عمّا تَصْنَعُ المجُوسُ لأمْواتِهم، ويُزَمْزِمُون 4 عليهم إيّامًا عَشْرًا، ثم يَقْسِمُون ذلك في الجِيرانِ؟ قال: لا بَأْسَ بذلك.
وعن الشَّعْبِي، قال: كُلْ مع المَجُوسِيِّ وإنْ زَمْزَمَ.
وروَى أحمدُ، أنَّ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ كان يأكُلُ مِن كَوامِيخِ 5 المَجُوسِ، فأعْجَبَه ذلك.
ورَوَى هِشامٌ، عن الحسَنِ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا بطَعامِ المَجُوسِ في المِصْرِ، ولا [بشَوارِيزِهم، ولا بكَوامِيخِهم] 6.
فصل: ولا تُباحُ ذَبِيحَةُ المُرْتَدِّ، وإن كانت رِدَّتُه إلى دِينِ أهْلِ الكتابِ.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وقال إسحاقُ: إن تدَيَّنَ بدِينِ أهلِ الكتابِ، حَلَّتْ ذَبِيحَتُه.
ويُحْكَى ذلك
فَصْلٌ: الثَّاني، الْآلةُ، وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَ بِمُحَدَّدٍ، سَواءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ حَجَرٍ، أوْ قَصَبٍ، أَوْ غَيرِهِ، إلا السِّنَّ وَالظُّفُرَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيسَ السِّنَّ والظّفُرَ».
عن الأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: مَن تَوَلَّى قَوْمًا، فهو منهم.
ولَنا، أنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ على دِينِه، فلم تَحِلَّ ذَبِيحَتُه، كالوَثَنِيِّ، ولأنَّه لا تَثْبُتُ له أحْكامُ أهلِ الكتابِ إذا تدَيَّنَ بدِينهم، فإنَّه لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، ولا يُسْتَرقُّ، ولا يَحِلُّ له نِكاحُ المُرْتَدَّةِ.
وأمَّا قولُ عليٍّ: فهو منهم.
لم يُرِدْ به 1 أنَّه منهم في جميعِ الأحْكام، بدَليلِ ما ذكَرْنا، ولأنَّه لم يكُنْ يَرَى حِلَّ ذَبائِحِ نَصارَى بني تَغْلِبَ، ولا نِكاحِ نِسائِهم، مع توَلِّيهم للنَّصارَى، ودُخُولِهم في دِينِهم، ومع إقْرارِهم على ما صُولِحوا عليه، فلا يُعْتَقَدُ ذلك في المُرْتَدِّينَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا ذَبَحَ حيوانًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه؛ ضَمِنَه بقِيمَتِه حَيًّا؛ لأنَّه أتْلَفَه وحَرَّمَه، ولا يَضْمَنُه إذا كان بإذْنِه؛ لأنَّه أذِنَ في إتْلافِه.
فصل: قال رَحِمَهُ اللهُ: (الثاني، الآلةُ، وهو أن يَذْبَحَ بمُحَدَّدٍ، سواءٌ كان مِن حَديدٍ، أو حَجَرٍ، أو قَصَبٍ أو غيرِه، إلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ) الآلةُ لها شَرْطان؛ أحدُهما، أن تكونَ مُحَدَّدَةً، تقْطَعُ أو تَخْرِق بحَدِّها، لا بثِقْلِها.
والثاني، أن 2 لا تكونَ سِنًّا ولا ظُفُرًا، فإذا اجْتَمَعَ هذان
..................................
الشَّرْطان في شيءٍ، حَلَّ الذَّبْحُ به، حدِيدًا كان أو حجَرًا أو خَشَبًا أو قَصَبًا، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوه، لَيسَ السِّنَّ والظُّفُرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن عَدِيِّ بنِ حاتِم قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنْ أحدُنا صادَ صَيدًا، وليسَ معه سِكِّينٌ، أيذْبَحُ بالمَرْوَةِ وشَقَّةِ العَصا؟ فقال: «أَمرِرِ الدَّمَ بمَا شِئْتَ، واذْكُرِ اسْمَ اللهِ عليهِ 2». والمَرْوَةُ: الصَّوَّانُ.
وعن رَجُلٍ مِن بني حارِثَةَ، أنَّه كان يَرْعَى لِقْحَةً 3، فأخَذَها الموتُ، فلم يَجِدْ شيئًا ينْحَرُها به، فوَجَدَ وَتِدًا، فوَجَأَهَا به في لَبَّتِها حتى أُهَرِيقَ دَمُها، ثم جاءَ إلى 4 النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَه بأكْلِها.
رَواهما أبو داودَ 5. وبهذا قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
ونحوُه قولُ مالِكٍ، وعمرِو بنِ دِينارٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، إلَّا في السِّنِّ والظُّفُرِ، فإنَّه قال: إذا كانَا مُتَّصِلَين، لم يَجُزِ الذَّبْحُ بهما،
..................................
وإنْ كانا مُنْفَصِلَين، جازَ.
ولَنا، عُمومُ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، [وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوا] 1، إلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ».
ولأنَّ ما لم تَجُزِ الذكاةُ به مُتَّصِلًا، لم تَجُزْ مُنْفَصِلًا، كغيرِ المُحَدَّدِ.
فصل: فأمّا العَظْمُ غيرُ السِّنِّ، فمُقْتَضَى إطْلاقِ قولِ أحمدَ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، إباحَةُ الذَّبْحِ به.
وهو قولُ مالِكٍ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وقال ابنُ جُرَيجٍ: يُذَكَّى بعَظْمِ الحِمارِ، ولا يُذَكَّى بعَظْمِ القِرْدِ؛ لأَنَّكَ تُصَلِّي على الحمارِ وتَسْقِيه في جَفْنَتِك.
وعن أحمدَ، لا يُذَكَّى بعَظْمٍ ولا ظُفُرٍ.
وقال النَّخَعِيُّ: لا يُذَكَّى بالعَظْمِ والقَرْنِ.
وَوَجْهُه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوا، لَيسَ السِّنَّ والظُّفُرَ، وسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أمّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ».
فعَلَّلَه بكونِه عَظْمًا، فكُلُّ عَظْمٍ فقد وُجِدَتْ فيه العِلَّةُ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
قاله شيخُنا 2؛ لأنَّ العَظْمَ دخَلَ في عُمُومِ اللَّفْظِ المُبِيحِ، ثم اسْتُثْنِيَ السِّنُّ والظُّفُرُ خاصَّةً، فَتَبْقَى سائِرُ العِظام دَاخِلَةً فيما يُباحُ الذَّبْحُ به، والمنطوقُ مُقَدَّمٌ على التَّعْلِيلِ، ولهذا عَلَّلَ الظُّفُرَ بكَونِه مِن مُدَى الحَبَشَةِ، ولا يَحْرُمُ الذَّبْحُ بالسِّكِّينِ وإن كانت مُدْيَةً لهم، ولأنَّ العِظامَ يتَناوَلُها سائِرُ الأحادِيثِ العامَّةِ، ويحْصُلُ بها المقْصُودُ، فأشْبَهَتْ سائِرَ الآلاتِ.
فَإِنْ ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، حَلَّ، في أَصَحِّ الْوَجْهَينِ.
4630 - مسألة: (فإن ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، حَلَّ في أصَحِّ الوَجْهَينِ)
لأنَّ الذكاةَ وُجِدَتْ ممَّن له أهْلِيَّةُ الذَّبْحِ، أشْبَهَ ما لو ذَبَحَ شاةَ مغْصُوبَة.
والثاني، لا يَحِلُّ 1؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عنه، لأنَّ الآلةَ مُحَرَّمَة، فلم يحْصلْ مقْصُودُها، كما لو اسْتَجْمَرَ بالرَّوْث والرِّمَّةِ.
فَصْلٌ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِئَ.
فصل: قال رَحِمَه اللهُ: (الثالثُ، أنْ يَقْطَعَ الحُلْقُومَ والمَرِئَ.
وَعَنْهُ، يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ قَطْعُ الْوَدَجَينِ.
وعنه، يُشْتَرَطُ مع ذلك قَطْعُ الوَدَجَين) وجملةُ ذلك، أنَّ مَحَلَّ الذَّبْح الحَلْقُ واللَّبَّةَ، وهي الوَهْدَةُ التي بين أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ.
ولا يجوزُ الذَّبْحُ في غيرِ هذا المَحَلِّ بالإِجْماعِ، وقد رُوِيَ [في حديثٍ] 1 عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «الذَّكَاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ» 2. [وقال أحمدُ: الذكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ.
واحْتَجَّ بحديثِ عمرَ، وهو ما رَوَى سعيدٌ والأثْرَمُ 3 بإسْنادِهما عن الفُرافِصَةِ، قال: كنَّا عندَ عمرَ، فنادَى: إنَّ النَّحْرَ في اللَّبَّةِ والحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ.
وإنَّما نَرَى أنَّ الذَّكاةَ اخْتَصَّتْ بهذا المحَلِّ] 4؛ لأنَّه مَجْمَعُ العُرُوقِ، فيَنْسَفِحُ الدَّمُ بالذَّبْحِ فيه، ويُسْرِعُ زُهوقُ النَّفْسِ، فيكونُ أطْيَبَ للَّحْمِ، وأخَفَّ على الحيوانِ.
قال أحمدُ:
..................................
لو كان حديثُ أبي العُشَراءِ حَدِيثًا.
يَعْنِي ما روَى أبو العُشَراءِ، عن أبِيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ: أمَّا تكونُ الذكاةُ إلَّا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا، أجْزَأ عَنْكَ» 1. قال أحمدُ: أبو العُشَراءِ هذا ليس بمَعْرُوفٍ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فيُشْتَرَطُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِئِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى أنَّه 2 يُشْتَرَطُ مع هذا 3 قَطْعُ الوَدَجَين.
وبه قال مالِكٌ، وأبو يوسفَ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن شَرِيطَةِ الشَّيطانِ.
وهي التي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الجِلْدُ ولا تُفْرَى الأوْداجُ، ثم تُتْرَكُ حتى تَمُوتَ.
رَواه أبو داودَ 4. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِئِ وأحَدِ
..................................
الوَدَجَين.
ولا خِلافَ في أنَّ الأكْمَلَ قَطْعُ الأربعةِ؛ الحُلْقُومِ والمَرِئِ والوَدَجَين، فالحُلقومُ مَجْرَى النَّفَسِ، والمَرِئُ مَجْرَى الطَّعامِ والشَّرابِ، والوَدَجان هما عِرْقانِ مُحِيطان 1 بالحُلْقُومِ؛ لأنَّه أسْرَعُ لخُرُوجِ رُوحِ الحيوانِ، فيَخِفُّ عليه، ويخرجُ مِن الخلافِ، فيكون أوْلَى.
والأوَّلُ يُجْزِئُ؛ لأنَّه قَطْعٌ في محلِّ الذَّبْحِ ما لا تَبْقَى الحَياةُ مع قَطْعِه، فأشْبَهَ ما لو قطَعَ الأرْبَعَةَ، والحديثُ محْمُولٌ على ما 2 لم يقْطَع المَرِئَ.
وَإنْ نَحَرَهُ، أَجْزَأَ، وَهُوَ أَنْ يَطْعَنَهُ بِمُحَدَّدٍ في لُبَّتِهِ.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ، وَيَذْبَحَ مَا سِوَاهُ.
4631 - مسألة: (وإن نَحَرَه، أجْزَأ، وهو أن يَطْعَنَه بمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْحَرَ البَعِيرَ، ويَذْبَحَ مَا سِواهُ)
ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ نَحْرِ الإِبِلِ، وذبْحِ ما سِواها، قال اللهُ تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 2. قال مُجاهِدٌ: أمَرَنا بالنَّحْرِ، وأَمَر بني إسرائيلَ بالذَّبْحِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ في قَومٍ ماشِيَتُهم الإِبِلُ، فَسُنَّ النَّحْرُ، وكانت 3 بنو إسْرائِيلَ ماشِيَتُهم البَقَرُ، فأُمِرُوا بالذَّبْحِ 4. وثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَحَرَ بَدَنةً، وضَحَّى بكَبْشَين أَقْرَنين، ذَبَحَهما بيَدِه.
مُتَّفَقٌ عليه 5. والنَّحْرُ أن يَطْعَنَها بحَرْبَةٍ أو نحوها في الوَهْدَةِ التي بينَ عُنُقِها وصَدْرِها.
..................................
فصل: فإن ذَبَحَ الإِبِلَ، ونَحَرَ ما سِواها، أجْزَأَه.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ.
وحُكِيَ عن داودَ، أنَّ الإِبلَ لا تُباحُ إلَّا بالنَّحْرِ، ولا يُباحُ غيرُها إلَّا بالذَّبْحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
والأمرُ يَقْتَضِي الوجوبَ.
وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَحَرَ البُدْنَ، وذَبَحَ الغَنَمَ، وإنَّما نَأْخُذُ الأحْكامَ مِن جِهَتِه.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يُجْزِئُ في الإبِلِ إلَّا النَّحْرُ؛ لأنَّ أعْناقَها طويلَةٌ، فإذا ذُبِحَ تَعَذَّبَ بخُروجِ رُوحِه.
وحَكى ابنُ أبي موسَى، عن أحمدَ، أنَّه توَقَّفَ عن أكْلَ البَعِيرِ إذا ذُبحَ ولم يُنْحَرْ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إنَّما كَرِهَه ولم يُحَرمْه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ».
وقالتْ أسماءُ: نَحَرْنا فرَسًا على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأكَلْناه ونحنُ بالمدينَةِ.
[مُتَّفَقٌ عليه] 1. وعن عائشةَ، قالتْ: نَحَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداعِ بَقَرَةً واحدةً 2. ولأنَّه ذَكَّاهُ في محَلِّ الذَّكاةِ، فجازَ أكْلُه، كالحيوانِ الآخَرِ.
..................................
فصل: وتَصِحُّ ذَبِيحَةُ المرأةِ، حُرَّةً كانت أو أمَةً، إذا أطاقَتِ الذَّبْحَ، ووُجِدَتِ الشُّرُوطُ.
وكذلك ذَبْحُ الصَّبِيِّ العاقِلِ، إذا أطاقَ، حُرًّا كان أو عَبْدًا، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: أجْمَعَ كُلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على إباحَةِ ذَبِيحَةِ المرأةِ والصَّبِيِّ.
وقد رُوِيَ أنَّ جارِيَةً لكعبِ بنِ مالكٍ، كانت تَرْعَى غَنَمًا بسَلْعٍ 2، فأُصِيبَتْ شاةٌ منها، فأدْرَكَتْها، فذَكَّتْها بحَجَرٍ، فسُئِلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «كُلُوها 3». مُتَّفَقٌ عليه 4. وفي هذا الحديثِ فوائِدُ سبعٌ، أحدُها، إباحَةُ ذَبِيحَةِ المرأةِ.
والثانيةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الأمَةِ.
الثالثةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الحائِضِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يسْتَفْصِلْ.
الرابعةُ، إباحةُ الذَّبْحِ بالحَجَرِ.
الخامسةُ، إباحَةُ ذَبْحِ ما خِيفَ عليه الموتُ.
السّادِسةُ، حِلُّ ما يذْبَحُه
فَإِنْ عَجَزَ عِنْ ذَلِكَ، مِثْلَ أَن يَنِدَّ الْبَعِيرُ، أَوْ يَتَرَدَّى في بِئْرٍ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ، صَارَ كَالصَّيدِ، إِذَا جَرَحَهُ في أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ فَقَتَلَهُ، حَلَّ أَكْلُهُ، إلا أَنْ يَمُوتَ بِغَيرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ في الْمَاءِ، فَلَا يُبَاحُ.
غيرُ مالِكِه بغيرِ إذْنِه.
السابعةُ، إباحَةُ ذبْحِه لغيرِ مالِكِه، [بغيرِ إذنِه عندَ الخوفِ عليه] (1).
4632 -
مسألة: (فإن عَجَز عن ذلك)
أي عَنْ قَطْعِ الحُلْقُوم والْمَرِئِ (مِثْلَ أن يَنِدَّ البَعِيرُ، أو يَتَرَدَّى في بِئرٍ، فلا يَقدِرُ على ذَبْحِهِ، صارَ كالصَّيدِ، إذا جَرَحَهُ في أيِّ مَوْضِعٍ أمْكَنَهُ فقَتَلَهُ، حَلَّ أكلُهُ، إلَّا أن يَمُوتَ بغيرِهِ، مِثْلَ أن يكونَ رَأسُهُ فِي الماءِ، فلا يُباحُ) هذا قولُ أكثرِ الفُقهاءِ.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال مَسْرُوقٌ، والحسَنُ، والأسْوَدُ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، وإسحاقُ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ،1
..................................
وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالِكٌ: لا يجوزُ أكْلُه إلَّا أنْ يُذَكَّى.
وهو قولُ رِبيعَةَ، واللَّيثِ.
قال أحمدُ: لعَلَّ مالِكًا لم يسْمَعْ حديثَ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ.
واحْتَجَّ مالِكٌ بأنَّ الحيوانَ الإِنْسيَّ إذا تَوَحَّشَ لم يَثْبُتْ له حكمُ الوَحْشِيِّ، بدَليلِ أنَّه لا يجبُ على المُحْرِمِ الجَزاءُ بقَتْلِه، ولا يصِيرُ الحِمارُ الأهْلِيُّ مُباحًا إذا تَوَحَّشَ.
ولَنا، ما رَوَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ قال: كُنَّا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنَدَّ بَعِيرٌ، وكان في القوْمِ خَيلٌ يَسِيرَةٌ، فطَلَبُوه فأعْياهُم، فأهْوَى إليه رجلٌ بسَهْمٍ، فحَبَسَه اللهُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ 1 كَأوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فاصْنَعُوا بِه هَكَذا».
وفي لفظٍ: «فَمَا نَدَّ عَلَيكُمْ فَاصنَعُوا بِهِ هَكَذَا».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وحَرِبَ 3 ثَوْرٌ في بعض دُورِ الأنْصارِ، فضرَبَه رَجُلٌ بالسَّيفِ، وذَكَرَ اسْمَ اللهِ عليه، فسُئِلَ عنه عليٌّ، فقال: ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ 4. فأمَرَ بأكْلِه 5. وتَرَدَّى بعيرٌ في بئرٍ،
وَإنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَأ وَهُوَ مُخْطِئٌ، فَأَتَتِ السِّكِّينُ عَلَى
فذُكِّيَ مِن قِبَلِ شاكِلَتِه (1)، فبِيعَ بعِشْرِين دِرْهَمًا، فأخَذَ ابنُ عمرَ عُشْرَهُ بدِرْهَمَين (2). ولأنَّ الاعْتِبارَ في الذَّكاةِ بحالِ الحيوانِ وقْتَ ذَبْحِه، لا بأصْلِها، بدَلِيلِ الوَحْشِيِّ إذا قُدِرَ عليه، وجَبَتْ تَذْكِيَتُه في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، فكذلك الأهْلِيُّ إذا تَوَحَّشَ اعْتُبِرَ بحالِه.
وبهذا فارَقَ ما ذَكَرُوه (3)، فإذا تَرَدَّى فلم يُقْدَرْ على تَذْكِيَته، فهو مَعْجُوزٌ عن تَذْكِيَته، فأَشْبَهَ الوَحْشِيَّ، فأمّا إن كان رأسُ المُتَرَدِّي في الماءِ، لم يُبَحْ؛ لأنَّ الماءَ يُعِينُ على قَتْلِه، فيحْصُلُ قَتْلُه بمُبِيحٍ وحاظِرٍ، فيَحْرُمُ، كما لو جَرَحَه مسلمٌ ومَجُوسِيٌّ.
4633 -
مسألة: (وإن ذَبَحَها مِن قَفَاها وهو مُخْطِئٌ، فأتَتِ
123 = وعلق البخاري نحوه عن ابن مسعود في قصة حمار وحشي، في: باب صيد القوس، من كتاب الذبائح والصيد.
صحيح البخاري 7/ 111. ووصله ابن أبي شيبة، في: المصنف 5/ 373. وانظر مصنف عبد الرزاق 4/ 464، 465. وانظر آثارا عن علي بنحو ذلك في مصنف عبد الرزاق 4/ 465. ومصنف ابن أبي شيبة 5/ 386. والسنن الكبرى 9/ 246.
مَوْضِعِ ذَبْحِهَا وَهِيَ في الْحَيَاةِ، أُكِلَتْ، وَإنْ فَعَلَهُ عَمْدًا، فَعَلَى وَجْهَين.
السِّكِّينُ على مَوْضِعِ ذَبْحِها وهي في الحياةِ، أُكِلَتْ، وإن فَعَلَهُ عَمْدًا، فعلى وَجْهَينِ) قال القاضي: معنى الخطأ أن تَلْتَوىَ الذَّبِيحَةُ عليه، فتَأْتِيَ السِّكِّينُ على القَفَا؛ لأنَّها مع الْتِوائِها مَعْجُوزٌ عن ذَبْحِها في محَلِّ الذَّبْحِ، فسَقَطَ اعْتِبارُ المَحَلِّ، كالمُتَرَدِّيةِ في بئْرِ، فأمّا مع عَدَمِ الْتِوائِها، فلا تُباحُ بذلك؛ لأنَّ الجَرْحَ في القَفا 1 سبَبٌ للزُّهوقِ، وهو في غيرِ مَحَلِّ الذَّبْحِ، فإذا اجْتَمَعَ مع الذَّبْحِ، مَنَعَ حِلَّه، كما لو بَقَرَ بطْنَها.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا المعْنَى، فإنَّ الفَضْلَ بنَ زِيادٍ قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عمَّن ذَبَحَ في القَفا؟ فقال: عامِدًا أو غيرَ عامِدٍ؟ قلتُ: عامِدًا.
قال: لا تُؤكَلُ، فإذا كان غيرَ عامِدٍ، كأنَّه 2 الْتَوَى عليه، فلا بَأسَ.
..................................
فصل: فإن ذَبَحَها مِن قَفاها اخْتِيارًا، فقد ذكَرْنا عن أحمدَ أنَّها لا تُؤكَلُ.
وهو مفْهومُ كلامِ الْخِرَقِيِّ.
وحُكِيَ هذا عن عليٍّ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومالِكٍ، وإسْحاقَ.
قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: تُسَمَّى هذه الذَّبِيحَةُ القَفِينَةُ.
وقال القاضي: إنْ بقِيَت فيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قبلَ قَطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِئِ حَلَّتْ، وإلَّا فلا، ويُعْتَبَرُ ذلك بالحَرَكَةِ القَويَّةِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وهذا أصَحُّ، لأنَّ الذَّبْحَ إذا أتَى على ما فيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، أحَلَّه، كأكِيلَةِ السَّبُعِ، والمُتَرَدِّيَةِ، والنَّطِيحَةِ.
وعنه ما يَدُلُّ على إباحَتِها مُطْلَقًا.
ولو ضَرَبَ عُنُقَها 1 بالسَّيفِ فأطارَ رَأسَها، حَلَّتْ بذلك، فإنَّ أحمدَ قال: لو أنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَأسَ بَطَّةٍ أو شَاةٍ بالسَّيفِ، يُرِيدُ بذلك الذَّبِيحَةَ، كان له أن يَأكُلَ 2. ورُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: تلك ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ 3. وأَفْتَى بأَكْلِها عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ.
وقال أبو بكرِ: لأبي عبدِ اللهِ فيها
..................................
قَوْلان، الصَّحِيحُ أنَّها مُباحَةٌ، لأنَّه اجْتَمَعَ قَطْعُ ما لا تَبْقَى الحياةُ معه مع الذَّبْحِ، فأُبِيحَ، كما ذكَرْنا، مع قولِ مَن ذكَرْنا قوْلَه مِن الصحابَةِ مِن غيرِ مُخالِفٍ.
فصل: فإن ذَبَحَها مِن قَفاها، فلم يَعْلَمْ هل كانت فيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قبلَ قَطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِئِ أم لا؟ نَظَرْتَ؛ فإن كان الغالِبُ بقاءَ ذلك، لحِدَّةِ الآلةِ، وسُرْعَةِ القَطْعِ، فالأوْلَى إباحَتُه، لأنَّه بمَنْزِلَةِ ما قُطِعَتْ عُنُقُه بضَرْبَةٍ بالسَّيفِ، وإن كانتِ الآلةُ كالَّةً، وأبْطَأَ قَطْعُه،
وكُلُّ، مَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبُ الْمَوْتِ؛ كَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطيحَةِ، وَأَكيلَةِ السَّبُعِ، إِذَا أدْرَكَ ذَكَاتَهَا وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وطال تَعْذِيبُه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه مَشْكُوكٌ في وُجُودِ ما يُحِلُّه، فيَحْرُمُ، كما لو أرْسَلَ كَلْبَه (1) على الصَّيدِ، فوَجَدَ معه كلْبًا آخَرَ لا يَعْرِفُه.
4634 -
مسألة: (وكُلُّ مَا وُجِدَ فيه سَبَبُ المَوْتِ؛ كالمُنْخَنِقَةِ)
والمَوقُوذَةِ (والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ، وأَكِيلَةِ السَّبُعِ، إذا أدركَ ذَكاتَها1
أكْثَرُ مِنْ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، حَلَّتْ، وَإنْ صَارَتْ حَرَكَتُها كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ.
وفيها حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أكْثَرُ مِن حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، حَلَّتْ، وإن صارت حَرَكَتُها كحَرَكَةِ المَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُنْخَنِقَةَ، والموْقُوذَةَ، وسائِرَ ما ذُكِرَ في هذه المسألةِ، وما أصابَها مَرَضٌ فماتَتْ بذلك، فهي مُحَرَّمَةٌ، إلَّا أن تُدْرَكَ ذَكاتُها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾.
وفي حديثِ جارِيَةِ كَعْبِ [بنِ مالكٍ] 1، أنَّها [كانت تَرْعَى غَنَمًا بسَلْعٍ، فأُصِيبتْ] 2 شاةٌ مِن غَنَمِها، فأدركَتْها، فذَبَحَتْها بحَجَرٍ، فسُئِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «كُلُوهَا» 3. فإن كانت لم يَبْقَ مِن حَياتِها إلَّا مثلُ حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، لم تُبَحِ الذَّكاةُ؛ لأنَّه لو ذَبَحَ ما ذَبَحَه المَجُوسِيُّ، لم يُبَحْ، وإن أدركها وفيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بحيثُ يُمْكِنُه ذَبْحُها، حَلَّتْ؛ لعُموم الآيةِ والخبَرِ.
[وسواءٌ كانت قد انْتَهت إلى حالِ يَعْلَمُ أنَّها لا تعيشُ معه أَو تعيشُ؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ] 4، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
..................................
لم يَسألْ، ولم يَسْتَفْصِلْ.
وقد قال ابنُ عباسٍ، في ذِئْب عَدَا على شاةٍ، فعَقَرَها، فوَقَعَ 1 قُصْبُها 2 بالأرضِ، فأدركها، فذبَحَها بحَجرٍ، قال: يُلْقِي ما أصابَ الأرْضَ، ويَأْكُلُ سائِرَها 3. قال أحمدُ في بهيمَةٍ عَقَرَتْ بَهِيمَةً، حتى تَبَيَّنَ فيها آثارُ الموتِ، إلَّا أنَّ فيها الرُّوحَ -يعني فذُبِحَتْ- فقال: إذا مَصَعَتْ 4 بذَنَبها، وطَرَفَتْ بعَينِها، وسالَ الدَّمُ، فأرْجُو، إن شاءَ اللهُ، أن لا يكونَ بأكلِها بَأسٌ.
ورَوَى ذلك بإسنادِه 5 عن عُبَيدِ 6 بنِ عُمَيرٍ، وطاوُسٍ، وقالا: تَحَرَّكَت.
ولم يَقُولا: سال الدَّمُ.
وهذا على 7 مذْهبِ أبي حنيفةَ.
وقال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: