..................................
والشافعيُّ.
وكان سعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ يَدْمُلُ أرْضَه بالعُرَّةِ، ويقولُ: مِكْتلُ 1 عُرَّةٍ مَكِتلُ 2 بُرٍّ 3. والعُرَّةُ: عَذِرَةُ النَّاسِ.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ عباسٍ، قال: كُنَّا نُكْرِي أراضِيَ أصحابِ 4 رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ونَشْتَرِطُ عليهم أن لا يَدْمُلوها 5 بعَذِرَةِ النّاسِ 6. ولأنَّها تَتَغَذَّى بالنَّجاساتِ، ويَتَرقَّى 7 فيها أجْزاؤُها، والاسْتِحالةُ لا تُطَهِّرُ.
فعلى هذا، تَطْهُرُ إذا سُقِيَت بالطّاهِراتِ، كالجَلَّالةِ إذا حُبِسَتْ وأُطْعِمَتِ الطّاهِراتِ.
فَصْلٌ: وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مُحَرَّمٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، حَلَّ لَهُ مِنْهُ مَا يَسُدُّ فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن اضْطُرَّ إلى مُحَرَّمٍ ممّا ذكَرْنا،
رَمَقَهُ.
وَهَلْ لَهُ الشِّبَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فله أن يأكلَ منه ما يَسُدُّ رَمَقَه.
وهل له الشِّبَعُ؟ على رِوايَتَين) أجْمَعَ العُلَماءُ على تحْريمِ المَيتَةِ والخِنْزيرِ حالةَ الاخْتيارِ، وعلى إباحَةِ الأكلِ منها في الاضْطِرارِ.
وكذلك سائِرُ المُحَرَّماتِ.
والأصْلُ في ذلك قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ 1. وقولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ 2. ويُباحُ له أكلُ ما يَسُدُّ رَمَقَه، ويأمَنُ معه الموْتَ، بالإِجْماعِ.
ويَحْرُمُ ما زادَ على الشِّبَعِ، بالإِجْماعِ أيضًا.
وفي الشِّبَعِ رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يُباحُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وإحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ.
وأحَدُ القَوْلَين للشافعيِّ.
قال الحسنُ: يأكلُ قَدْرَ ما يُقِيمُه؛ لأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ على تحريمِ المَيتَةِ، واسْتُثْنِيَ ما اضْطُرَّ إليه، فإذا انْدَفَعَتِ الضَّرورَةُ، لم يَحِلَّ له
..................................
الأكلُ، كحالةِ الابتِداءِ، ولأنَّه بعدَ سَدِّ الرَّمَقِ غيرُ مُضْطَرٍّ، [فلم يَحِلَّ] 1 له الأكلُ؛ [للآيَةِ.
يُحَقِّقُه أنَّه بعدَ سَدِّ رَمَقِه، كهُوَ قبلَ أن يُضْطَرَّ، وثَمَّ لم يُبَحْ له الأكلُ] 2، كذا ههُنا.
والثانيةُ، يُباحُ له الشِّبَعُ.
اختارَها أبو بكرٍ؛ لِما روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ رجلًا نَزَل الحَرَّةَ 3، فنفَقَت عندَه ناقَةٌ، فقالت له امرأتُه: اسْلُخْها حتى نُقَدِّدَ شَحْمَها ولَحْمَها، ونَأْكُلَه.
فقال: حتى أسألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فسألَه، فقال: «هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟».
قال: لا.
قال: «فَكُلُوهَا».
ولم يُفَرِّقْ.
رواه أبو داودَ 4. ولأنَّ ما جازَ سَدُّ الرَّمَقِ منه، جازَ الشِّبَعُ منه، كالمُباحِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُفرَّقَ بينَ ما إذا كانتِ [الضَّرورَةُ مُسْتَمِرَّةً، وبينَ ما إذا كانت] 5 مَرْجُوَّةَ الزَّوالِ، فما كانت مُسْتَمِرَّةً، كحالِ الأعْرابِيِّ الذي سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، جازَ الشِّبَعُ؛ لأنَّه إذا اقْتَصَرَ على سَدِّ الرَّمَقِ، عادَتِ الضَّرورَةُ إليه عن قُرْبٍ، ولا يتَمَكّنُ مِن البُعْدِ عنِ المَيتَةِ، مَخافَةَ الضَّرورَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، ويُفْضِي إلى ضَعْفِ بَدَنِه، وربَّما أدَّى ذلك إلى تَلَفِه، بخلافِ التي ليست مُسْتَمِرَّةً، فإنَّه يَرْجو الغِنَى عنها 6 بما يَحِلُّ له.
إذا ثَبَت هذا،
..................................
فإنَّ الضَّرورَةَ المُبِيحَةَ، هي التي يَخافُ التَّلفَ بهما إن تَرَك الأكلَ.
قال أحمدُ: إذا كان يَخْشَى على نفْسِه، سواءٌ كان مِن جُوعٍ، أو يَخافُ إن تَرَكَ الأكلَ عَجَز عن المَشْي، وانْقَطَعَ عن الرُّفْقَةِ فهَلَكَ، أو يَعْجِزُ عن الرُّكوبِ فيَهْلِكُ، ولا يتَقَيَّدُ ذلك بزمنٍ مَحْصورٍ.
فصل: وهل يجبُ الأكلُ مِن المَيتَةِ أو غيرِها مِن المحرماتِ على المُضْطَرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يجبُ.
وهو قولُ مَسْرُوقٍ، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحاب الشافعيِّ.
قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ الله عن المُضْطَرِّ يَجِدُ المَيتَةَ، ولم يأْكلْ؟ فذكرَ قولَ مَسْروقٍ: مَن اضْطُرَّ، فلم يأكلْ ولم يَشْرَبْ، فماتَ، دخل النّارَ 1. وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ لقولِ اللهِ
..................................
تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 1. وتَرْكُ الأكْلِ مع إمكانِه في هذه الحالِ، إلْقاءٌ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ.
وقال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ 2. ولأنَّه قادِرٌ على إحْياءِ نفْسِه بما أحَلَّه اللهُ له، فلَزِمَه، كما لو كان معه طَعامٌ حَلالٌ.
والثاني، لا يَلْزَمُه؛ لِما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ، صاحبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ أنَّ طاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَه في بَيتٍ، وجَعَل معه خَمْرًا ممْزُوجًا بماءٍ 3، ولحمَ خِنْزِيرٍ مَشْويٍّ، ثلاثةَ أيّامٍ، فلم يأكلْ ولم يَشْرَبْ، حتى مال رأسُه مِن الجُوعِ والعَطَشِ، وخَشُوا مَوْتَه، فأخرَجُوه، فقال: قد كان اللهُ قد 4 أحَلَّه لي؛ لأنَّنِي مُضْطَرٌّ، ولكنْ لم أكُنْ لأُشْمِتَكَ بدِينِ الإِسْلامِ 5. ولأنَّ إباحَةَ الأكلِ رُخْصَةٌ، فلا تَجِبُ عليه، كسائِرِ الرُّخَصِ، ولأنَّ له غَرَضًا في اجْتِنابِ النَّجاسَةِ، والأخْذِ بالعَزِيمَةِ، ورُبَّما لم تَطِبْ نفْسُه بتَناوُلِ المَيتَةِ، وفارَقَ الحلال في الأصْلِ مِن هذه الوُجُوهِ.
..................................
فصل: وتُباحُ المُحَرَّماتُ عندَ الاضْطِرارِ، في الحَضَرِ والسَّفَرِ جميعًا؛ لأنَّ الآيَةَ مُطْلَقَةٌ، غيرُ مُقَيَّدَةٍ بإحْدَى الحالتَين، وقولُه سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ 1. لَفْظٌ عامٌّ في كلِّ مُضْطَرٍّ، ولأنَّ الاضْطِرارَ يكونُ في الحَضَرِ في سَنَةِ المَجاعَةِ، وسَبَبُ الإِباحَةِ الحاجَةُ 2 إلى حِفْظِ النَّفْسِ عنِ الهَلاكِ؛ لكونِ هذه المصْلَحَةِ أعْظَمَ مِن مَصْلَحَةِ اجْتِنابِ النَّجاساتِ، والصِّيانَةِ عن تَناوُلِ المُسْتَخْبَثاتِ، وهذا المعنى عامٌّ في الحالين.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ المَيتَةَ لا تَحِلُّ لِمَن يَقْدِرُ على دَفْعِ ضَرورَتِه بالمسألةِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: أكْلُ المَيتَةِ إنَّما يكونُ في السَّفَرِ.
يعني أنَّه في الحَضَرِ يُمْكِنُه السُّؤالُ.
وهذا عن أحمدَ خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّ الحَضَرَ يُوجَدُ فيه الطَّعامُ الحلالُ، ويُمْكِنُ دَفْعُ الضَّرورَةِ بالسُّؤَالِ، ولكنَّ الضَّرُورَةَ أمْرٌ مُعْتَبَرٌ بوُجُودِ حقِيقَتِه، لا يُكْتَفَى فيه بالمَظِنَّةِ، بل متى وُجِدَتِ الضَّرورَةُ أباحَتْ، سواءٌ وُجِدَتِ المَظِنَّةُ أو لم تُوجَدْ، ومتى انتَفَتْ، لم يُبَحِ الأكلُ لوجُودِ مَظِنَّتِها بحالٍ.
فصل: قال أصْحابُنا: ليس للمُضْطَرِّ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ الأكلُ مِن المَيتَةِ، كقاطِعِ الطَّريقِ، والآبِقِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾.
قال مجاهِدٌ: غَيرَ بَاغٍ على المسلمين وَلَا
..................................
عَادٍ عليهم.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: إذا خَرَج يقْطَعُ الطَّريقَ، فلا رُخْصَةَ له، فإن تابَ وأقْلَع عن مَعْصِيَتِه، حَلَّ له الأكلُ.
فصل: وهل للمُضْطَرِّ التَّزَودُ مِن المَيتَةِ؟ على رِوايَتَين؛ أصَحُّهما، له ذلك.
وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في اسْتِصْحابِها، ولا في إعْدادِها لدَفْعِ ضَرورَتِه، وقضاءِ حاجَتِه، ولا يأكلُ منها إلَّا عندَ ضَرورَتِه.
والثانيةُ، لا يجوزُ؛ لأنَّه تَوَسُّعٌ فيما لم يُبَحْ إلَّا للضَّرورَةِ، فإنِ اسْتَصْحَبَها، فلَقِيَه مُضْطَرٌ، لم يَجُزْ له بَيعُه إيّاه؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له منها ما يَدْفَعُ به الضَّرورَةَ، ولا ضَرورَةَ إلى البَيعِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، ويَلْزَمُه إعْطاءُ الآخَرِ بغيرِ عِوَضٍ، إذا لم يكنْ هو مُضْطَرًّا في الحالِ إلى [ما معه] 1؛ لأنَّ ضَرورَةَ الذي لَقِيَه موجودةٌ، وحامِلُها يَخافُ الضَّرَرَ في ثانِي الحالِ.
فَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ، وَمَيتَةً، أَوْ صَيدًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَال أَصْحَابُنَا: يَأْكُلُ الْمَيتَةَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحِلَّ لَهُ الطَّعَامُ وَالصَّيدُ، إِذَا لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ الْمَيتَةَ.
4618 - مسألة: (فإن وَجَد طعامًا لا يَعْرِفُ مالِكَه، ومَيتَةً، أو صَيدًا، وهو مُحْرِمٌ، فقال أصْحابُنا: يَأكلُ المَيتَةَ. ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له الطعامُ والصَّيدُ إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ)
وكقولِ أصْحابِنا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وزيدُ بنُ أسْلَمَ.
وقال مالِكٌ: إن كانوا يُصَدِّقونَه أنَّه مُضْطَرٌ، أكلَ مِن الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ، وشَرِب اللَّبَنَ، وإن خافَ أن تُقْطَعَ يَدُه، أو لا يُقْبَلَ منه، أكلَ المَيتَةَ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان؛ أحدُهما، يأكلُ الطَّعامَ.
وهو قولُ عبدِ الله بنِ دينارٍ 1؛ لأنَّه قادِرٌ على
..................................
الطَّعام الحَلالِ، فلم يَجُزْ له أكلُ المَيتَةِ، كما لو بَذَلَه له صاحِبُه.
ولَنا، أنَّ أكلَ المَيتَةِ مَنْصوصٌ عليه، ومال الآدَمِيِّ مُجْتَهَدٌ فيه، فكان العُدولُ إلى المَنْصُوصِ عليه أَوْلَى، ولأنَّ حُقوقَ اللهِ تعالى مَبْنِيَّة على المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحَقَّ الآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ولأنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ تَلْزَمُه غَرامَتُه، وحَقَّ الله تعالى لا عِوَضَ له.
ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له أكلُ الطَّعامِ والصَّيدِ إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ؛ لأنَّه قادِرٌ على الطَّعامِ الحلالِ، فأشْبَهَ ما لو بذَلَه له صاحِبُه.
فصل: إذا وَجَد المُضْطَرُّ مَن يُطْعِمُه ويَسْقِيه، لم يَحِلَّ له الامْتِناعُ مِن الأكلِ والشُّرْبِ، ولا العُدولُ إلى المَيتَةِ، إلَّا أن يَخافَ أن يَسُمَّه فيه، أو يكونَ الطَّعامُ الذي يُطْعِمُه ممّا يَضُرُّه، ويخافُ أن يُهْلِكَه أو يُمْرِضَه.
..................................
فصل: وإن وَجَد طعامًا مع صاحِبِه 1، وامْتَنَع مِن بَذْلِه، أو بَيعِه منه، ووَجَد ثَمَنَه، لم يَجُزْ له مُكابَرَتُه عليه وأخْذُه منه، وعدَلَ إلى المَيتَةِ، سواءٌ كان قَويًّا لا يخافُ مِن مُكابَرَتِه التَّلَفَ أو لم يَخَفْ.
فإن بذَلَه بثَمَنِ مِثْلِه، وقَدَر على الثَّمَنِ، لم يَحِلَّ له أكلُ المَيتَةِ؛ لأنَّه قادِرٌ على طعامٍ حلالٍ.
وإن بذَلَه بزِيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه شِراؤُه أيضًا؛ لِما ذكَرْناه، وإن كان عاجِزًا عن الثَّمَنِ، فهو في حُكْمِ العادِمِ، وإنِ امْتَنَعَ مِن بذْلِه إلَّا بأكْثَرَ مِن ثَمَنِ مِثْلِه، فاشْتَراهُ المُضْصطَرُّ بذلك، لم يَلْزَمْه أكثَرُ مِن ثَمَنِ مِثْلِه؛ لأنَّ الزِّيادَةَ أُحْوجَ إلى بَذْلِها بغيرِ حَقٍّ، فلم يَلْزَمْه، كالمُكْرَهِ.
فصل: وإن وَجَد المُحْرِمُ مَيتَةً وصَيدًا، أكلَ المَيتَةَ.
وبه قال الحسنُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قوْلَيه: يأكلُ الصَّيدَ، ويفْدِيه.
وهو قولُ الشَّعْبِيِّ؛ لأنَّ الضَّرورَةَ تُبِيحُه، ومع القُدْرَةِ
..................................
عليه لا تَحِلُّ المَيتَةُ؛ لغِنَاهُ عنها.
قال شيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ له أكلُ الصَّيدِ، إذا لم تَقْبَلْ نفْسُه المَيتَةَ) ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ إباحَةَ المَيتَةِ منْصُوصٌ عليها، وإباحَةَ الصَّيدِ مُجْتَهَدٌ فيها، وتَقْدِيمُ المَنْصُوصِ عليه أَوْلَى.
فإن لم يَجِدْ مَيتَةً، ذَبَح الصَّيدَ وأكَلَه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مُضْطَرٌّ إليه عَينًا.
وقد قيلَ: إنَّ في الصَّيدِ تحْريماتٍ ثلاثًا؛ تحْرِيمَ قَتْلِه، وتحْريمَ أكلِه، وتحْريمَ المَيتَةِ؛ لأنَّ ما ذَبَحَه المُحْرِمُ مِن الصَّيدِ يكونُ مَيتَةً، فقد ساوَى المَيتَةَ في هذا، وفَضَلَ عنها 1 بتَحْريمِ القَتْلِ والأكلِ.
لكن يُقال على هذا: إنَّ الشّارِعَ إذا أباحَ له أكلَه، لم يَصِرْ مَيتَةً، ولهذا لو لم يَجِدِ المَيتَةَ فذَبَحَه، كان ذَكِيًّا طاهِرًا، وليس بنَجِسٍ ولا مَيتَةٍ، ولهذا يَتَعَيَّنُ عليه ذَبْحُه في مَحَلِّ الذَّبْحِ، وتُعْتَبَرُ شُروطُ الذَّكاةِ فيه، ولا يجوز قَتْلُه، ولو كان مَيتَةً، لم يتعَيَّنْ ذلك عليه.
فصل: إذا ذَبَح المحْرِمُ الصَّيدَ عندَ الضَّرورَةِ، جازَ له أن يَشْبَعَ منه؛ لأنَّه لَحْمٌ ذَكِيٌّ، ولا حَقَّ فيه لآدَمِيٍّ سِوَاهُ، فأُبِيحَ له الشِّبَعُ منه، كما لو ذَبَحَه حَلالٌ لا مِن أجْلِه.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلا طَعَامًا لَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إِلَيهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ بَذْلُهُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ أَبَى، فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ قَهْرًا، وَيُعْطِيهِ قِيمَتَه، فَإِن مَنَعَه، فَلَهُ قِتَالُهُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، أَوْ قَدْرِ شِبَعِهِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ.
فَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ، فَعَلَيهِ ضَمَانُهُ.
فصل: فإن لم يَجِدِ المُضْطَرُّ شيئًا، لم يُبَحْ له أكلُ 1 بعضِ أعْضائِه.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: له ذلك؛ لأنَّ له أن يَحْفَظَ الجُمْلَةَ بقَطْعِ عُضْوٍ، كما لو وقَعَتْ فيه الأكِلَةُ.
ولَنا، أنَّ أكْلَه مِن نفْسِه ربَّما قَتَلَه، فيكونُ قاتِلًا لنَفْسِه، ولا يتَيَقَّنُ حُصولَ البَقاءِ بأكلِه.
أمّا قَطْعُ الأكِلَةِ فإنَّه يُخافُ الهَلاكُ بذلك، فأُبِيحَ له إبْعادُه، ودَفْعُ الضَّرَرِ المُتَوَجِّهِ منه بتَرْكِه، كما أُبِيحَ قَتْلُ الصّائِلِ عليه، ولم يُبَحْ له قَتْلُه ليأكلَه.
4619 -
مسألة: (وإن لم يَجِدْ إلَّا طعامًا لم يَبْذُلْهُ مالِكُه؛ فإن كان صاحِبُه مُضْطَرًّا إليه، فهو أحَقُّ به، وإلَّا لَزِمَهُ بَذْلُهُ، فإن أبَى، فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُه قَهْرًا، ويُعْطِيهِ قيمَتَه، فإن مَنَعَه، فلهُ قتالُهُ على ما يَسُدُّ رَمَقَه، أو قَدْرِ شِبَعِهِ، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين.
فإن قُتِلَ صاحِبُ الطَّعامِ، لم يَجِبْ ضمانُهُ، وإن قُتِلَ المُضْطَرُّ، فعليه ضمانُهُ)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا اضْطُرَّ
..................................
إلى طعامٍ، فلم 1 يَجِدْ إلَّا طعامًا لغيرِه؛ فإن كان صاحِبُه مُضْطَرًّا إليه، فهو أحَقُّ به، ولا يجوزُ لأحَدٍ أخْذُه منه؛ لأنَّه ساواهُ في الضَّرورَةِ، وانْفَرَدَ بالمِلْكِ، فأَشْبَهَ غيرَ حالِ الضَّرورَةِ، وإن أخذَه منه أحَدٌ فماتَ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قَتَلَه بغيرِ حَقٍّ، فإن لم يكُنْ صاحِبُه مُضْطَرًّا إليه لَزِمَه بَذْلُه 2 لِلمُضْطَرِّ؛ لأنَّه يتعَلَّقُ به إحْياءُ نَفْسِ آدَمِيٍّ معْصُومٍ، فلَزِمَه بذْلُه، كما يَلْزَمُه بَذْلُ منافِعِه في إنْجائِه مِن الغَرَقِ والحَزْقِ، فإن لم يفْعَلْ فللْمُضْطَر أخْذُه منه؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه دونَ مالِكِه، فجازَ له أخْذُه، كعينِ مالِه، فإنِ احْتيجَ في ذلك إلى قِتالٍ، فله المُقاتَلَةُ عليه على ما يَسُدُّ رَمَقَه؛ لأنَّه الذي اضْطُرَّ إليه.
وعنه، له قِتالُه على قَدْرِ الشِّبَعِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
وذكرَ ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشَادِ» أنَّه لا يجوزُ قِتالُه على شيءٍ منه، كما ذَكَر في دَفْعِ الصّائِلِ.
..................................
فإن قُتِلَ المُضطَرُّ فهو شهيدٌ، وعلى قاتِلِه ضَمانُه، وإن آلَ أخْذُه إلى قَتْلِ صاحِبه، فهو هَدْرٌ؛ لأنَّه ظالِمٌ بقِتَالِه، فأشْبَهَ الصّائِلَ، إلَّا أن يُمْكِنَ أخْذُه بشِراءٍ أو اسْتِرْضاءٍ، فليس له المُقاتَلَةُ عليه، لإِمْكانِ الوُصولِ إليه دُونَها، فإن لم يَبِعْه إلَّا بأكثرَ مِن [ثَمَنِ مِثْلِه، فذكرَ القاضي أنَّ له قِتاله.
والأَوْلَى أنَّه لا يجوزُ ذلك؛ لإمْكانِ الوُصولِ إليه بدُونِها.
لكنَّه إنِ اشْتراهُ بأكثرَ مِن ثمنِ] 1 مِثْلِه لم يَلْزَمْه إلَّا ثمنُ مِثْلِه، وقد ذكَرْناه.
ويَلْزَمُه عِوَضُه في كلِّ مَوْضِعٍ أخَذَه، فإن لم يكنْ معه في الحالِ، لَزِمَه في ذِمَّتِه.
..................................
ولا يُباحُ للمُضْطَرِّ مِن مالِ أخِيه إلَّا ما يُباحُ مِن المَيتَةِ.
قال أبو هُرَيرَةَ، قُلْنا: يا رسولَ اللهِ، ما يَحِلُّ لأَحَدِنا مِن مالِ أخِيه إذا اضْطُرَّ إليه؟ قال: «يَأْكُلُ وَلَا يَحْمِلُ، ويَشْرَبُ وَلَا يَحْمِلُ» 1.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلا آدَمِيًّا مُبَاحَ الدَّمِ؛ كَالْحَرْبِيِّ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، حَلَّ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ.
4620 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ إلَّا آدَمِيًّا مُباحَ الدَّمِ، كالمُرْتَدِّ، والزّانِي المُحْصَنِ، حَلَّ)
له (قَتْلُه وأكلُه) وجملةُ ذلك، أنَّ المُضْطَرَّ إذا لم يجِدْ إلَّا آدَمِيًّا مَحْقونَ الدَّمِ، لم يُبَحْ له قَتْلُه إجْماعًا، ولا إتْلافُ عُضْوٍ منه، مسلمًا كان أو كافِرًا؛ لأنَّه مِثْلُه، فلا يجوزُ أن يَقِيَ نفْسَه بإتْلافِه.
وهذا لا خِلافَ فيه.
وإن كان مُباحَ الدَّمِ، كالحَرْبِيِّ والمُرْتَدِّ، فذكرَ القاضِي أنَّ له قَتْلَه وأكلَه؛ لأنَّ قَتْلَه مُباحٌ.
وهكذا قال أصحابُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له، فهو بمَنْزِلَةِ السِّباعِ.
وإن وَجَدَه مَيِّتًا، أُبِيحَ
وَإِنْ وَجَدَ مَعْصُومًا مَيِّتًا، فَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ وَجْهَانِ.
أكلُه؛ لأنَّ أكلَه مُباحٌ قبلَه، فكذلك بعدَ مَوْتِه (وإن وجَدَ مَعْصُومًا مَيِّتًا) لم يُبَحْ أكلُه.
في قوْلِ أكثرِ الأصْحابِ.
وقال الشافعيُّ، وبعضُ الحَنَفِيَّةِ: يُباحُ.
قال شيخُنا 1: وهو أَوْلَى؛ لأنَّ حُرْمَةَ الحَيِّ أعْظَمُ.
قال أبو بكرِ ابنُ داودَ: أباحَ الشافعيُّ أكلَ لُحُوم الأنْبِياءِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ، كَكَسْرِهِ وهُوَ حَيٌّ» 2. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّ له أكلَه.
وقال: لا حُجَّةَ في الحديثِ ههُنا؛ لأنَّ الأكْلَ مِن اللَّحْمِ لا مِن العَظْمِ، والمُرادُ مِن الحديثِ التَّشْبِيهُ في أصْلِ الحُرْمَةِ، لا بمِقْدارِها، بدَليلِ اخْتِلافِهما في الضَّمانِ والقِصاصِ وَوُجوبِ صِيانَةِ الحَيِّ بما لا تَجبُ به صِيانَةُ المَيِّتِ.
..................................
فصل: وإذا اشْتَدَّتِ المَخْمَصَةُ في سَنَةِ المَجاعَةِ، وأصابَتِ الضَّرورَةُ خَلْقًا كثيرًا، وكان عندَ بعضِ النّاسِ قَدْرُ كِفايَتِه [وكِفايَةِ عِيالِه، لم يلْزَمْه بَذْلُه للمُضْطَرِّين، وليس لهم أخذُه منه؛ لأنَّ ذلك يُفْضِي إلى وُقوعِ الضَّرورةِ به، ولا يدْفَعُها عنهم.
وكذلك إن كانوا في سفرٍ ومعه قَدْرُ كفايَتِه] 1 مِن غيرِ فَضْلَةٍ، لم يَلْزَمْه بَذْلُ ما معه للمُضْطَرِّين.
ولم يُفَرِّق أصْحابُنا بينَ هذه الحالِ وبينَ كونِه لا يتَضَرَّرُ بدَفْعِ ما معه إليهم، في أنَّ ذلك واجِبٌ عليه؛ لكونِه غيرَ مُضْطَرٍّ في الحالِ، والآخَرُ مُضْطَرٌّ، فوَجَبَ تَقْدِيمُ حاجَةِ المُضْطرِّ.
ولَنا، أنَّ هذا مُفْضٍ به إلى هَلاكِ نفْسِه وعِيالِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو أمْكَنَه إنْجاءُ الغَرِيقِ بتَغْرِيقِ نفْسِه، ولأنَّ 2 في بَذْلِه إلْقاءً بيَدِه إلى التَّهْلُكَةِ، وقد نَهَى اللهُ عن ذلك.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 3، رَحِمَهُ اللهُ.
فَصْلٌ: وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرٍ في شَجَرٍ لَا حَائِطَ عَلَيهِ وَلَا نَاظِرَ، فَلَهُ
فصل: والتِّرْياقُ مُحَرَّمٌ، وهو دَواءٌ يُعالجُ به مِن السَّمِّ، يُجْعَلُ فيه لُحومُ الحَيّاتِ، ويُعْجَنُ بالخَمْرِ، لا يَحِلُّ أكْلُه ولا شُرْبُه؛ لأنَّ الخمرَ ولُحومَ الحَيّاتِ حرَامٌ.
وممَّن كَرِهَه الحسَنُ، وابنُ سِيرِينَ.
ورَخَّصَ فيه الشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ.
ويَقْتَضيه مذْهَبُ الشافعيِّ؛ لإِباحَتِه التَّداويَ ببعضِ المُحَرَّماتِ.
ولَنا، أنَّ لحمَ الحَيَّةِ حرَامٌ على ما ذكَرْنا فيما مَضَى، وكذلك الخمرُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيهَا» 1.
فصل: ولا يجوزُ التَّداوي بشيءٍ مُحَرَّمٍ، ولا بشيءٍ فيه مُحَرَّمٌ، مثلَ ألْبانِ الأُتُنِ، ولحمِ شيء مِن المُحَرَّماتِ، ولا شُرْبُ الخمرِ للتَّداوي؛ لِما ذكَرْنا مِن الخبرِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذُكِرَ له النَّبِيذُ يُصْنَعُ للدَّواءِ، فقال: «إنَّه لَيسَ بِدَواءٍ وَلَكِنَّه دَاءٌ» 2.
فصل: قال رَحِمَهُ اللهُ: (ومَن مَرَّ بثَمَرَةٍ في شَجَرٍ لا حائِطَ عليه
أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَلَا يَحْمِلُ.
وعَنْهُ، لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلا لِحَاجَةٍ.
ولا ناظِرَ، فله أن يَأْكُلَ منه، ولا يَحْمِلُ.
وعنه، لا يَحِلُّ ذلك إلَّا لحاجَةٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في ذلك، فرُوىَ عنه أنَّه قال: إذا لم يَكُنْ عليها [حائِطٌ، يأكلُ] 1 إذا كان جائِعًا، وإذا لم يكُنْ جائِعًا، فلا يَأكلُ.
وقال: قد فَعَلَه غيرُ واحدٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولكن إذا كان عليه حائِطٌ لم يأكلْ؛ لأنَّه قد صارَ شِبْهَ الحَرِيمِ.
وقال في مَوْضِعٍ: إنَّما الرُّخْصَةُ للمُسافِرِ.
إلَّا أنَّه لم يَعْتَبِرْ ههُنا الاضْطِرارَ؛ لأنَّ الاضْطِرَارَ يُبِيحُ ما وراءَ الحائِطِ.
ورُويَت عنه الرُّخْصَةُ في الأكْلِ مِن غيرِ المَحُوطِ 2 مُطْلَقًا، مِنْ غيرِ اعْتِبارِ جوعٍ ولا غيرِه.
وهذا المشْهورُ في المذهَبِ؛ لِما رُوِيَ عن أبي زَينَبَ التَّيمِيِّ، قال: سافَرْتُ مع أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ، وأبي بَرْزَةَ، فكانُوا يمُرُّونَ بالثِّمارِ، فيأْكُلُون في أفْواهِهِم.
وهو قولُ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وأبي بَرْزَةَ 3. قال عمرُ 4:
..................................
يأكلُ، ولا يَتَّخِذُ خُبْنَةً 1. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: يأكلُ ممَّا تحتَ الشَّجَرِ، فإذا لم يكنْ تحتَ الشَّجَرِ، فلا يأكلُ ثِمارَ الناسِ، وهو غَنِيٌّ عنه، ولا يضْرِبُ بحَجَرٍ، ولا يَرْمِي؛ لأنَّ هذا يُفْسِدُ.
وقد رُوِيَ عن [رافِعَ بنَ عمرٍو] 2، قال: كنتُ أرْمِي نَخْلَ الأنصارِ، فأخَذونِي، فذَهَبوا بي إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «يَا رَافِعُ 3، لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ؟».
فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، الجوعُ.
قال: «لَا ترْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ، أشْبَعَكَ اللهُ وأرْوَاكَ».
أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ 4، وقال: هذا حدِيثٌ حسَنٌ
..................................
صَحِيحٌ.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا يُباحُ الأكلُ إلَّا في الضَّروَرةِ؛ لِما روَى العِرْباضُ بنُ سارِيَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أَلَا وَإِنَّ اللهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بإِذْنٍ، ولَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، ولَا أكْلَ ثِمَارِهِمْ، إذَا أعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيهِمْ».
أخْرَجَه أبو داودَ 1. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ دمَاءَكُمْ، وأمْوَالكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولَنا، ما روَى عمرُو بنُ شعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ عن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فقال: «مَا أصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي الْحَاجَةِ، غَيرَ مُتَّخِذٍ خبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، ومَنْ أخْرَجَ مِنْهُ شَيئًا، فَعَلَيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيهِ والْعُقُوبَةُ» 3. وقال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حسَنٌ.
وروَىَ أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إذَا أَتَيتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ، فَنَادِ صَاحِبَ البُسْتَانِ ثَلَاثًا، فَإنْ أجَابَكَ، وإلَّا فَكُلْ مِنْ غَيرِ أَنْ تُفسِدَ» 4. وروَى سعيدٌ،
..................................
بإسْنادِه عنَ الحسَنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَه 1. ولأنَّه قولُ مَن سَمّينا مِن الصَّحابَةِ مِن غيرِ مُخالِفٍ، فكان إجْماعًا.
فإن قيلَ: فقد أبَى سعدٌ أن يَأكلَ 2؟ قُلْنا: امْتِناعُ سعْدٍ مِن أكِله ليس مُخالِفًا لهم؛ فإنَّ الإِنسانَ قد يتْرُكُ المُباحَ غِنًى عنه، أو تَوَرُّعًا، أو تَقَذُّرًا، كتَركِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أكلَ الضَّبِّ 3. فأمّا أحادِيثُهم، فهي مخْصوصَةٌ بما روَيناه مِن الحديثِ والإِجْماعِ.
فإن كانت مَحُوطَةً، لم يَجُزِ الدُّخُولُ إليها؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: إن كان عليها حائِطٌ فهي حَرِيمٌ، فلا تأكلْ، وإن لم يكنْ عليها حائِطٌ، فلا بأسَ 4. ولأنَّ إحْرازَه بالحائطِ يدُلُّ على شُحِّ صاحِبِه به، وعَدَمِ المُسامَحَةِ.
قال بعْضُ أصْحابِنا: إذا كان عليه ناطُورٌ 5، فهو كالمَحُوطِ، في أنَّه لا يدْخُلُ إليه، ولا يأكلُ منه إلَّا في الضَّرورَةِ.
وَفي الزَّرْعِ وَشُرْبِ لَبَنِ الْمَاشيَةِ رِوَايَتَانِ.
4621 - مسألة: (وفي الزَّرْعِ وشُرْب لَبَنِ الماشِيَةِ رِوايَتان)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الزرعِ، فرُوِيَ عنه أَنَّه قال: لا يأكلُ، إنَّما رُخِّصَ في الثِّمارِ، ليس الزرعُ.
وقال: ما سَمِعْنا في الزرعِ أن يُمَسَّ منه.
ووَجْهُه أنَّ الثِّمارَ خَلَقَها اللهُ تعالى للأكلِ رَطْبَةً، والنُّفُوسُ تَتُوقُ إليها، والزرعُ بخِلافِها.
والثانيةُ، قال: يأكلُ مِن الفَرِيكِ؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بأكلِه رَطبًا، أشْبَهَ الثَّمَرَ.
وكذلك الحُكْمُ في الباقِلَّا، والحِمَّصِ، وشِبْهِه ممّا يُؤكَلُ رَطْبًا.
فأمّا الشَّعِيرُ، وما لم تَجْرِ العادَه بأكلِه، فلا يجوزُ الأكلُ منه.
والأوْلَى في الثِّمارِ وغيرِها، أن لا يأْكلَ منها إلَّا بإذْنٍ؛ لما فيها مِن الخِلافِ والأخْبارِ الدّالَّةِ على التَّحْريمِ.
وكذلك رُوِيَ عن أحمدَ في حَلْبِ لَبَنِ الماشِيَةِ رِوايَتان؛ إحداهُما،
..................................
يجوزُ له أن يحلبَ، ويَشْرَبَ، ولا يَحْمِلُ، لِما روَى الحسَنُ، عن سَمُرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أتَى أحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فإنْ كَان فِيهَا صَاحِبُهَا، فلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإنْ أَذنَ فَلْيَحْلِبْ، ولْيَشْرَبْ، [وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، فَلْيَحْلِبْ، ولْيَشْرَبْ] 1، ولا يَحْمِلْ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 2، وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عندَ بعضِ أهلِ العلمِ، وهو قولُ إسحاقَ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يجوزُ له أن يَحْلِبَ ولا يَشْرَبَ؛ لما روَى ابنُ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بِإذْنِهِ، أيُحِبُّ أحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ، وتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، ويُنْتَقَلَ 3 طَعَامُهُ، فَإنَّما تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بإذْنِه».
وفي لفظٍ: «فَإنَّ مَا فِي ضُرُوعِ مَوَاشِيهِمْ مِثْلُ مَا في مَشَارِبِهِم».
مُتَّفَقٌ عليه 4.
..................................
فصل: قال أحمدُ: أكرهُ أكْلَ 1 الطِّينِ، ولا يَصِحُّ فيه حَدِيثٌ، إلَّا أنَّه يَضُرُّ بالبَدَنِ، يقال: إنَّه رَدِئٌ، وتَرْكُه خَيرٌ مِن أكلِه.
وإنَّما كَرِهَه أحمدُ مِن أجْلِ مَضَرَّتِه، فإن كان منه ما يُتَداوَى به، كالطِّينِ الأرْمَنِيِّ، فلا يُكْرَهُ، وإن كان ممّا لا مَضَرَّةَ فيه ولا نَفْعٌ، كالشيءِ اليَسِيرِ، جازَ أكلُه؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والمَعْنَى الذي كُرِه لأجْلِه مُنْتَفٍ ههُنا، فلم يُكْرَهْ.
فصل: ويُكْرَهُ أكلُ البَصَلِ، والثُّومِ والكُرّاثِ، والفُجْلِ، وكُلِّ ذِي رِائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، مِن أجْلِ رائِحَتِه، سواءٌ أرادَ دُخُولَ المسْجِدِ أو لم يُرِدْ؛ لِما روَى ابنُ ماجه 2. أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ».
فإن أكَلَه لم يَقرَبِ المسْجِدَ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
..................................
«مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَينِ الشَّجَرَتَينِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
وفي رِوايَةٍ: «فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجدِنَا».
روَاه التِّرْمِذِيُّ 1، وقال: حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
وليس أكْلُهَا مُحَرَّمًا؛ لِما روَى أبو أيُّوبَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ إليه بطعامٍ فلم يأكلْ منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكَرْتُ له ذلك، فقال: «فِيهِ الثُّومُ».
فقال: يا رسولَ اللهِ، أحَرامٌ هو؟ قال: «لَا، وَلَكِنِّي أكْرَهُه مِنْ أجْلِ رِيحِهِ».
رواه التِّرْمِذِيُّ 2، وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
ورُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعليٍّ: «كُلِ الثُّومَ، فَلَوْلَا أنَّ [المَلَكَ يَأْتِينِي] 3 لأكلْتُهُ» 4. وإنَّما 5 مَنَعَ أكْلَها لئلَّا يُؤْذِيَ الناسَ برائِحَتِه، ولذلك نُهِيَ عن قُرْبانِ المسْجِدِ.
فإن أتَى المسْجِدَ كُرِهَ له ذلك، ولم يَحْرُمْ؛ لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: أكَلْتُ ثُومًا، وأتَيتُ مُصلَّى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
..................................
وقد سُبِقْتُ برَكْعَةٍ، فلمَّا دخَلْتُ المسجدَ، وَجَدَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رِيحَ الثُّومِ، فلمّا قَضَى صلاتَه، قال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا».
فجِئْتُ، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ: لِتُعْطِنِي يَدَكَ.
قال: فأدْخَلْتُ يَدَه في كُمِّ قَمِيصِ إلى صَدْرِي، فإذا أنا معْصُوبُ الصَّدْرِ، فقال: «إنَّ لَكَ عُذْرًا».
رواه أبو داودَ 1. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَأْثَمُ؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّهْي التَّحْرِيمُ، ولأنَّ أذَى المسلمينَ حَرامٌ، وهذا فيه أذاهُم.
فصل: ويُكْرَهُ أكلُ الغُدَّةِ 2، وأُذُنِ القلبِ 3؛ لِما رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، قال: كَرِهَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن الشَّاةِ سِتًّا.
وذكَرَ هذَين 4. ولأنَّ النَّفْسَ تَعافُهما وتَسْتَخْبِثُهُما.
قال الشيخُ 5: ولا أظُنُّ أحمدَ كِرَهَهُما إلَّا لذلك، لا للخَبَرِ؛ لأنَّه قال فيه: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
ولأنَّ في
وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ يَوْمًا وَلَيلَةً، فَإِنْ أَبَى، فَلِلضَّيفِ طَلَبُهُ بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
الخَبَرِ ذكرَ الطِّحالِ (1)، وقد قال أحمدُ: لا بأسَ به، ولا أكْرَهُ منه شيئًا.
فصل: قيلَ لأبي عبدِ اللهِ: الجُبْنُ؟ قال: يُؤكَلُ مِن كُلٍّ.
وسُئِلَ عنِ الجُبْنِ الذي يَصْنَعُه المَجُوسُ؟ قال: وما أدْرِي، إلَّا أنَّ أصَحَّ حديثٍ فيه حَدِيثُ الأعْمَشِ، عن أبي وَائِلٍ، عن عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلٍ، قال: سُئِلَ عمرُ عنِ الجُبْنِ، وقيل له: تُعْمَلُ فيه الإِنْفَحَةُ المَيِّتَةُ.
فقال: سَمُّوا أنتم وكُلُوا.
رواه أبو مُعاويَةَ، عنِ الأعْمَشِ (2). وقال: ألَيسَ الجُبْنُ الذي يأكُلُه عامَّتُهُم يَصْنَعُه المَجُوسُ.
فصل: ولا يجوزُ أن يَشْتَرِيَ الجَوْزَ الذي يَتقامَرُ به الصِّبْيانُ (3)، ولا البَيضَ الذي يتَقامَرُون به يومَ العيدِ؛ لأنَّهم يأخُذونَه بغيرِ حَقٍّ.
واللهُ أعلمُ.
4622 -
مسألة: (ويَجِبُ على المسلمِ ضِيافَةُ المسلمِ المُجْتازِ به يومًا وليلةً، فإن أبَى فلِلضَّيفِ طَلَبُه به عندَ الحاكمِ)
قال أحمدُ: الضِّيافَةُ123
..................................
على المسلمين، كلُّ مَن نزلَ به ضَيفٌ كان عليه أن يُضِيفَه.
قيل: إن ضافَ الرّجُلَ ضَيفٌ كافِرٌ [يُضِيفُه؟ قال] 1: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيلَةُ الضَّيفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» 2. [وهذا الحديثُ بَيِّنٌ] 3، ولمَّا أضافَ المشركَ دَلَّ على أنَّ المسلمَ [والمشركَ] (3) يُضافُ، وأنا 4 أراه كذلك.
والضِّيافَةُ معناها معنى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ على المسلمِ والكافرِ.
واليومُ والليلةُ حَقٌّ واجبٌ.
وقال الشافعيُّ: ذلك مُسْتَحَبٌّ، وليس بواجِبٍ؛ لأنَّه غيرُ مُضْطَرٍّ إلى طعامِه، فلم يجِبْ عليه بَذْلُه، كما لو لم يُضِفْه.
ولَنا، ما ذَكَرْناه
..................................
مِن الحديثِ، وروَى المِقْدامُ أبو 1 كَرِيمةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَيلَةُ الضَّيفِ حَقٌّ واجِبٌ، فَإنْ أصْبَحَ بِفِنَائِهِ، فَهُوَ دَينٌ عَلَيهِ، إنْ شَاءَ اقْتَضَى، وإنْ شَاءَ تَرَكَ».
حدِيثٌ صَحِيحٌ 2. وفي لفظٍ: «أيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيفُ مَحْرُومًا، فإنَّ نَصْرَهُ [حَقٌّ] 3 عَلَى كُلِّ مُسْلمٍ، حتى يَأْخُذَ بِحَقِّه مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ».
رَوَاه أبو داودَ 4. والواجبُ يومٌ 5 ولَيلَةٌ، والكمالُ ثلاثةُ أيّامٍ.
وذكَرَ ابنُ أبي مُوسى أنَّ الواجِبَ ثلاثةُ أيّامٍ؛ لما روَى أبو شُرَيحٍ 6، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:
..................................
«الضِّيَافَةُ ثَلاثةُ أيامٍ، وجائِزَتُهُ يومٌ ولَيلَة، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ».
قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف يُؤْثِمُهُ؟ قال: «يُقِيمُ عِنْدَهُ ولَيسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. قال أحمدُ: معنى قولِه عليه السلامُ: «جائِزَتُهُ يومٌ ولَيلَةٌ».
كأنَّه أوْكَدُ مِن سائِرِ الثَّلاثَةِ، ولم يُرِدْ يومًا وليلةً سِوَى الثلاثَةِ؛ لأنَّه يصيرُ أرْبعةَ أيامٍ، وقد قال: «ومَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثةِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ».
فإنِ امْتَنَعَ مِن ضِيافَتِه، فللضَّيفِ بقَدْرِ ضِيافَتِه.
قال أحمدُ: يُطالِبُهم بحَقِّه الذي جَعَلَه له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يأْخُذُ شيئًا إلَّا بعِلْمِ أهْلِه.
وعنه رِوايَةٌ أُخْرَى، له أن يأخُذَ ما يَكْفِيه بغيرِ إذْنِهِم؛ لما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: قُلْنا: يا رسولَ اللهِ، إنَّك تَبْعَثُنا، فنَنْزِلُ بقومٍ
..................................
فلا يَقْروننا.
قال: «إذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيفِ، فَاقْبَلُوا 1، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنْبَغِي
وَتُسْتَحَبُّ ضِيَافَتُهُ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ.
لَهُمْ».
مُتَّفَقٌ عليه (1).
4623 -
مسألة: (وتُسْتَحَبُّ ضِيافَتُه ثَلاثَةَ أيّام، فما زاد فهو صَدَقَةٌ)
[لما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي شُرَيحٍ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثةُ أَيَّام، وَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ»] 2. وعن أحمدَ، أنَّ الضِّيافَةَ على أهلِ القُرَى دونَ أهلِ الأمْصارِ.
قال الأثْرَمُ: سمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْئَلُ إلى أيِّ شيءٍ تَذْهَبُ فيها؟ قال: هي مُؤكَّدَةٌ، وكأنَّها على أهلِ الطُرُّقِ والقُرَى الذين يَمُرُّ بهم الناسُ أوْكَدُ، فأمّا مِثْلُنا الآنَ، فكأنَّه ليس مِثْلَ أولئك.
وذلك لأنَّ أهلَ القُرَى، واللهُ أعلمُ، ليس عادَتُهم بَيعَ القُوتِ، فلو لم تَلْزَمْهم الضِّيافَةُ، بَقِيَ المُسافِرُ ليس له ما يَقْتاتُ، بخِلافِ أهلِ الأمْصارِ، فإنَّ عادَتَهم ذلك، فيَجِدُ المسافِرُ ما يَشْتَرِي ويَقْتاتُ، فلا تَلْزَمُهُم الضِّيافَةُ.1
وَلَا يَجِبُ عَلَيهِ إِنْزَالُهُ في بَيتِهِ، إلا أنْ لَا يَجِدَ مَسْجِدًا، أوْ رِبَاطًا يَبِيتُ فِيهِ.
4624 - مسألة: (وليس عليه إنْزالُ الضَّيفِ في بيته)
لِما فِيه مِن الحَرَجِ (إلَّا أن لا يَجدَ مسجدًا أو رِباطًا يَبِيتُ فيه) فيَبِيتُ عندَه للضَّرورَةِ، ولأنَّ الخبرَ إنَّما وَرَد في الضِّيافَةِ لا غيرُ، فكان خاصًّا فيها دونَ غيرِها.
فصل: قال المَرُّوذِيُّ: سألتُ أبا عبدِ الله، قلتُ: تَكْرَهُ الخُبْزَ الكِبارَ؟ قال: نعم أكرهُه، ليس فيه بَرَكَةٌ، إنَّما البَرَكَةُ في الصِّغارِ.
وقال: مُرْهُم أن لا يَخْبِزوا كبارًا.
قال: ورأيتُ أبا عبدِ اللهِ يغسلُ يدَيه قبلَ الطعامِ وبعدَه، وإن كان على وُضوءٍ.
وقال مُهَنّا: ذكَرْت ليحيى بنِ مَعِينٍ حدِيثَ قَيسِ بنِ الرَّبِيعِ، عن أبي هاشِم، عن زاذانَ، عن سَلْمانَ،
..................................
عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال 1: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ» 2. فقال له يحيى: ما أحسنَ الوضوءَ قبلَه وبعدَه.
وذكَرْتُ الحدِيثَ لأحمدَ، قال: ما حَدَّثَ به إلَّا قَيسُ بنُ الرَّبِيعِ، وهو مُنْكَرُ الحديثِ.
قُلْتُ: بَلَغَنِي عن يحيى بنِ سعيدٍ قال: كان سفيانُ يَكْرَهُ غسلَ اليدِ عندَ الطعامِ، لِمَ كَرِهَ سُفيانُ ذلك؟ قال: لأنَّه مِن زِيِّ العَجَمِ.
قلتُ: بَلَغَنِي عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: كان سفيانُ يَكرَهُ أن يكونَ تحتَ القَصْعَةِ الرَّغيفُ، لِمَ كَرِهَهُ سُفيانُ؟ قال: كَرِهَ أن يُسْتَعْمَلَ الطعامُ.
قلت: تَكْرَهُه أنتَ؟ قال: نعم.
ورُوِيَ عن 3 عُقَيلٍ، قال: حَضَرْتُ مع ابنِ شِهابٍ وَلِيمَةً، ففَرَشُوا المائِدَةَ بالخُبْزِ، فقال: لا تَتَّخِذُوا الخُبْزَ بِساطًا.
وقال المَرُّوذِيُّ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: إنَّ أبا مَعْمَرٍ قالً: إنَّ أبا أُسامَةَ قَدَّمَ إليهم خُبْزًا، فكَسَرَهُ.
فقال: هذا لِئَلَّا تَعْرِفُوا كم تأْكلون.
قيل لأبي عبدِ اللهِ: يُكْرَهُ الأكلُ مُتَّكِئًا؟
..................................
قال: أليس قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا».
روَاه أبو داودَ 1. و 2 عن شُعَيبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عن أبِيه، قال: ما رُئِيَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يأكلُ مُتَّكِئًا قَطُّ.
روَاه أبو داودَ 3. وعن ابنِ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يأكلَ الرَّجُلُ [وهو مُنْبَطِحٌ] 4. رواه أبو داودَ 5.
فصل: وتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عندَ الطعامِ، وحَمْدُ الله تعالى عندَ آخِرِه؛ لِما روَى عمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: أكلتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «سَمِّ اللهَ، وكُلْ بِيَمينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».
فما زالت أكلَتِي بعدُ 6. مُتَّفَقٌ عليه 7. وروَى الإِمامُ أحمدُ 8، بإسنادِه عن أبي هُرَيرَةَ، قال: لا أعْلَمُه
..................................
إلَّا عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ مَا 1 لِلصَّائِم الصَّابِرِ».
قال: مَعْناهُ إذا أكلَ وشَرِبَ، يَشْكُرُ اللهَ ويَحْمَدُه على ما رَزَقَه.
وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فإن نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ [اسْمَ الله] 2 فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ».
رَواه أبو داودَ 3. وعن مُعاذِ بنِ أنَسٍ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أكَلَ طَعَامًا، فَقَال: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ، مِنْ غيرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ.
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» 4. وعن أبي سعيدٍ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أكلَ طعامًا، قال: «الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أطْعَمَنَا، وسَقَانَا، وجَعَلَنا مُسْلِمِينَ» 5. وعن أبي أُمامَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رُفِعَ طعامُه، أو ما بَينِ يَدَيه، قال: «الْحَمْدُ لِلهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ، غيرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ».
رواهُنَّ ابنُ ماجَه 6.
فصل: ويأكلُ بيَمينِه، ويَشْرَبُ بها؛ لِمَا (1) روَى ابنُ عمرَ، عن
..................................
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذَا أَكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَأكُلْ بِيَمِينِه، وَإذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإنَّ الشَّيطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، ويَشْرَبُ بِشِمَالِهِ».
رواه مسلمٌ، وأبو داودَ 1. ويُسْتَحَبُّ الأكْلُ بثلاثِ أصابعَ، لِما روَى كعبُ بنُ مالكٍ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يأْكلُ بثلاثِ أصابعَ، ولا يَمْسَحُ يَدَه حتى يَلْعَقَها.
رواه الإِمامُ أحمدُ 2. وذُكِرَ له حديثٌ ترْويه ابنة 3 الزُّهْرِيِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يأْكلُ بكَفِّه كلِّها 4، فلم يُصحِّحْه، ولم يَرَ إلَّا ثلاثَ أصابِعَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه أكَلَ خَبيصًا 5 بكَفِّه كُلِّها.
ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيدَةَ، أنَّه كان يَنْهَى بَناتِه أنَّ يَأْكُلْنَ بثلاثِ أصابعَ، وقال: لا تَشَبَّهْنَ بالرِّجالِ.
فصل: قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ، عن حديثِ عائشةَ، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكينِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَنِيعُ الأعَاجِمِ» 6. فقال: ليس بصَحِيحٍ، لا يُعْرَفُ هذا.
وقال: حديث عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ خِلافُ هذا، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَحْتَزُّ 7 مِن لَحْمِ