الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 195-234

كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ

صفحات 195-234

وَالْأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ، فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ مِنَ الْحُبُوبِ والثِّمَارِ وَغَيرِهَا.
كتابُ الأطْعِمةِ (والأصْلُ فيها الحِلُّ) لقولِ اللهِ تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (1). وقولِه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (2). وقولِه سبحانه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (3).

4601 -

مسألة: (فيَحِلُّ كُلُّ طَعام طاهِرٍ لا مَضَرَّةَ فيه مِن الحبُوبِ

123

فَأَمَّا النَّجَاسَاتُ؛ كَالْمَيتَةِ، وَالدَّمِ، وَغَيرِهِمَا، وَمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ مِنَ السُّمُومِ وَنَحْوهِا، فَمُحَرَّمَةٌ.
والثِّمارِ) لأنَّها مِن الطَّيِّباتِ (فأمَّا النَّجاساتُ؛ كالمَيتَةِ، والدَّمِ، وغيرِهما) فحرامٌ؛ لأنَّها مِن الخبائِثِ؛ لقولِ الله تعالى؛ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ 1. وقولِه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ 2. ويَحْرُمُ (ما فيه مَضَرَّةٌ مِن السُّمُومِ وَنحْوها) لمَضَرَّتِها وأذِيَّتها 3، لأنَّها تُفْضِي إلى هَلاكِ النَّفْسِ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 4.

وَالْحَيَوانَاتُ مُبَاحَةٌ، إلا الْحُمُرَ الْأهْلِيَّةَ،

4602 - مسألة: (والحَيواناتُ مُباحَةٌ)

لِعُمُومِ [النُّصُوصِ الدَّالَّةِ] 1 على الإِباحَةِ (إلَّا الحُمُرَ الأهْلِيَّةَ) أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ.
قال أحمدُ: خمسةٌ وعِشرون مِن أصْحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَرِهُوهَا.
قال ابنُ عبد البَرِّ 2: لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ اليومَ في تَحْرِيمِها.
وحُكِيَ عن ابنِ عباسٍ، وعائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّهما كانا يقولان بظاهِرِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ 3. وتَلاها ابنُ عباسٍ، وقال: ما خَلا هذا فهو حلالٌ 4. وسُئِلَتْ عائشةُ عنِ الفَأْرَةِ، فقالت: ما هي بحرامٍ.
وتَلَتْ هذه الآيةَ 5. ولم يَرَ عِكْرِمَةُ وأبو وائِلٍ بِأكْلِ لَحْمِ الحُمُرِ 6 بَأْسًا.
ورُوِيَ عن غالِبِ بنِ أبْجَرَ 7، قال: أصابَتْنا سَنَةٌ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أصابَتْنا سَنَةٌ،

..................................  ولم يَكُنْ في مَالِي ما أُطْعِمُ أهْلِي إلَّا سِمانٌ حُمُرٌ، وإنَّكَ 1 حَرَّمْتَ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ.
قال: «أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإنَّما حَرَّمْتُهَا مِنْ أجْلِ جَوَالِّ 2 القَرْيَةٍ» 3. ولَنا، ما رَوَى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى يومَ خيبَرَ عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وأَذِنَ في لُحُومِ الخيلِ.
مُتَّفَقٌ عليه 4. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 5: روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَحْرِيمَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ علي، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، وجابِرٌ، والبَراءُ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفى، وأنَسٌ، وزاهِرٌ الأسْلَمِيُّ، بأسانِيدَ صِحاحٍ حِسانٍ، وحديثُ غالِب بنِ أبْجَرَ لا يُعَرَّجُ على مِثْلِه مع ما عارَضَه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ لهم في مَجاعَتِهِم، وبَيَّنَ عِلَّةَ تَحْرِيمِها المُطْلَقِ؛ لكونِها تَأكُلُ العَذِراتِ.
قال عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوْفَى: حَرَّمَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْبَتَّةَ، مِن أجل أنَّها تَأكُلُ العَذِرَةَ.
[مُتَّفَقٌ عليه] 6.

وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْرِسُ بِهِ؛ كَالْأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَابْنِ آوَى، وَالسِّنَّوْرِ، وَابْنِ عِرْسٍ، وَالنِّمْسِ، وَالْقِرْدِ، إلا الضَّبُعَ.
فصل: وألْبانُ الحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ، في قولِ أكثرِهم.
ورَخَّصَ فيها عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ [لأنَّ حُكْمَ الألْبانِ حُكْمُ اللُّحْمانِ] (1).

4603 -

مسألة: (وما له نابٌ يَفْرِسُ به؛ كالأسدِ، والنَّمِرِ، والذِّئْبِ، والفَهْدِ، والكلب، والخِنزِيرِ، وابنِ آوَى، والسِّنَّوْرِ، وابنِ عِرْسٍ، والنمْسِ، والقِرْدِ، إلَّا الضَّبُعَ)

ذَكَر شيخُنا في هذه المسألةِ الخِنْزِيرَ وليس 2 له نابٌ يَفْرِسُ به، وهو مُحَرَّمٌ بالنَّصِّ، وقولِه تعالى:1 = ومسلم، في: باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، من كتاب الصيد والذبائح.
صحيح مسلم 3/ 1538. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب لحوم الحمر الوحشية، من كتاب الذبائح.
سنن ابن ماجه 2/ 1064، 1065. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 381.

..................................  ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ 1. ولا خِلافَ في تَحْرِيمِه بينَ أهلِ العلمِ.
فأمّا ما سِوَى الخِنْزِيرِ ممّا ذَكَرْنا، فأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نابٍ قَويٍّ مِن السِّباعِ، يَعْدُو به 2 ويَكْسِرُ، إلَّا الضَّبُعَ؛ منهم مالِكٌ، والشافعيُّ 3، وأبو ثوْرٍ، وأصْحابُ الحديثِ، و [أبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وقال] 4 الشَّعْبِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وبعضُ أصْحابِ مالِكٍ: هو مُباحٌ؛ لعُموم قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
إلى قولِه: ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾.
ولَنا، ما رَوَى أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ.
مُتَّفَقٌ عليه 5.

..................................  وقال أبو هُرَيرَةَ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أكْلُ كلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعَ حَرَامٌ» 1. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: هذا حديثٌ ثابِتٌ 3 صَحِيحٌ مُجْمَعٌ على صِحَّتِه.
وهو نَصٌّ صَرِيحٌ يَخُصُّ عُمومَ الآياتِ، فيَدْخُلُ فيه الأسَدُ، والنَّمِرُ، والذِّئْبُ، والفَهْدُ، والكَلْبُ.
وقد رُوِيَ عنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ يَتَداوَى بلَحْمِ الكلبِ؟ فقال: لا شَفاهُ اللهُ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه رَأى تَحْرِيمَه.
فصل: والقِرْدُ مُحَرَّمٌ.
كَرِهَه ابنُ عمرَ، وعَطاءٌ، والحسنُ، ولم يُجيزُوا بَيعَه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 4: لا أعْلَمُ خِلافًا بينَ عُلَماء المسلمين في أنَّ القِرْدَ لا يُؤْكَلُ، ولا يَجُوزُ بَيعُه.
ورُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن لَحْمِ القِرْدِ 5. ولأنَّه سَبُعٌ له نابٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ التَّحْرِيمِ، وهو مَسْخٌ أيضًا، فيكونُ مِن الخبائِثِ المُحَرَّمةِ.

وَمَا لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيرِ يَصِيدُ بِهِ؛ كَالْعُقَابِ، وَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْحِدَأةِ، وَالْبُومَةِ.
فصل: وابنُ آوَى، وابنُ عِرْسٍ، والنِّمْسُ، حَرامٌ.
وسُئِلَ أحمدُ (1) عن ابنِ آوَى وابنِ عِرْسٍ، فقال: كُلُّ شيءٍ يَنْهَشُ بأنْيابِه فهو مِن السِّباعِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصْحابُه.
وقال الشافعيُّ: ابنُ عِرْسٍ مُباحٌ؛ لأنَّه ليس له نابٌ قَويٌّ، فأشْبَهَ الضَّبَّ.
ولأصْحابِه في ابنِ آوَى وَجْهان.
ولَنا، أنَّها مِن السِّباعِ، فتَدْخُلُ في عُمومِ النَّهْي، ولأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، غيرُ مُسْتَطابَةٍ، فإنَّ ابنَ آوَى يُشْبِهُ الكلبَ، ورائِحَتُه كَرِيهَةٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.

4604 -

مسألة: (وما له مِخْلَبٌ مِن الطيرِ يَصِيدُ به، كالعُقابِ والبازِي، والصَّقْرِ، والشّاهينِ، والحِدَأةِ، والبُومَةِ)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، ويحيى بنُ سعيدٍ: لا يَحْرُمُ مِن الطيرِ شيءٌ.
قال مالكٌ: لم أرَ أحَدًا مِن أهلِ العلمِ يَكْرَهُ سِباعَ الطيرِ.
واحْتَجُّوا بعُمومِ الآياتِ المُبِيحَةِ، وقولِ أبي الدَّرْداءِ وابنِ عباسٍ: ما سَكَت اللهُ عنه،1

..................................  فهو ممّا عُفِيَ عنه 1. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عباسٍ قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن كُلِّ ذَي نابٍ مِن السِّباعِ، وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِن الطيرِ.
[وعن خالدِ بنِ الوليدِ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «حَرَامٌ عَلَيكُمُ الْحُمُرُ الْأَهلِيَّةُ، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيرِ»] 2. رواهُما أبو داودَ 3. وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآياتِ، ويُقَدَّمُ على ما ذكَروه، فيَدْخُلُ في هذا كُلُّ ما له مِخْلَبٌ يَعْدُو به، كالعُقابِ، والبازي، والصقرِ، والشّاهِينِ، والباشَقِ 4، والحِدَأَةِ، والبُومَةِ، وأشْباهِها 5.

وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ؛ كَالنَّسْرِ، وَالرَّخَمِ، وَاللَّقْلَقِ، وَغُرَابِ الْبَين وَالْأَبْقَعِ.

4605 - مسألة: (وما يَأْكُلُ الجِيَفَ؛ كالنَّسْرِ، والرَّخَمَ 1، واللَّقلَقِ 2، وغُرَابِ البَينِ والأَبْقَعِ) قال عُروَةُ: ومَن يَأْكُلُ الغُرابَ وقد سَمّاه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فاسِقًا! واللهِ ما هو مِن الطَّيِّباتِ 3. ولَعَلَّه أرادَ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ والحَرَمِ؛ الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ» 4. فهذه الخَمْسُ مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أباحَ قَتْلَها في الحَرَمِ، ولا يجوزُ قَتْلُ صَيدٍ مَأكُولٍ في الحَرَمِ، ولأنَّ ما يُؤكَلُ لا يَحِلُّ 5 قَتلُه إذا قُدِر عليه، بل يُذْبَحُ ويُؤْكَلُ. وسُئِلَ أحمدُ عن أكْلِ 6 العَقْعَقِ 7، فقال: إن لم يكنْ يَأكُلُ الجِيَفَ، فلا بَأْسَ به. قال أصْحابُنا: هو يَأكُلُ الجِيَفَ، فيكونُ على هذا مُحَرَّمًا.

..................................  فصل: ويَحْرُمُ الخُطَّافُ 1، والخُشَّافُ والخُفّاشُ وهو الوَطْواطُ.
قال الشاعرُ 2: مِثْل النهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرَى … نُورًا وتَعْمَى 3 أعْيُنُ الخُفّاشِ قال أحمدُ: ومَن يأكُلُ الخُشّافَ! وسُئِلَ عن الخُطّافِ؟ فقال: ما أدْرِي.
وقال النَّخَعِيُّ ش كُلُّ الطيرِ حَلالٌ إلَّا الخُفّاشَ.
وإنَّما حُرِّمَتْ هذه؛ لأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، لا تَسْتَطِيبُها العربُ، ولا تَأْكُلُها.
ويَحْرُمُ الزَّنابيرُ 4، واليَعاسِيبُ 5، والنَّحْلُ، وأشْباهُها؛ لأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، غيرُ مُسْتَطابَةٍ.

وَمَا يُسْتَخْبَثُ؛ كَالْقُنْفُذِ، وَالْفَأْرِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْحَشَرَاتِ كُلِّهَا.

4606 - مسألة: (وما يُسْتَخْبَثُ؛ كَالقُنْفُذِ، والفَأرِ، والحَيّاتِ، والحَشَراتِ كُلِّهَا)

القُنْفُذُ حَرامٌ.
قال أبو هُرَيرَةَ: هو حَرامٌ.
وكَرِهَه مالِكٌ وأبو حنيفةَ.
ورَخَّصَ فيه الشافعيُّ، واللَّيثُ، وأبو ثَوْرٍ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن أبي هُرَيرَةَ، قال: ذُكِرَ القُنْفُذُ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هُوَ خَبيثَةٌ مِنَ الخَبائِثِ».
روَاه أبو داودَ 1. ولأنَّه ئشْبِهُ المحَرَّماتِ، ويَأكُل الحَشَراتِ، فأشْبَهَ الجُرَذَ.

..................................  فصل: وما اسْتَطابَتْه العَرَبُ، فهو حَلالٌ؛ لقوْلِ اللهِ تعالى: [﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾.
يعْنِي ما يَسْتَطِيبُونَه.
وما اسْتَخْبَثَتْه العربُ فهو مُحَرَّمٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى] 1: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
والذين تُعْتَبَرُ اسْتِطابَتُهم واسْتِخْباثُهم هم أهلُ الحِجازِ، مِن أهلِ الأمْصارِ؛ لأنَّهم الذين نَزَلَ عليهم الكِتابُ، وخُوطِبُوا به، وبالسُّنَّةِ، فرُجِعَ في مُطْلَقِ ألفاظِهما إلى عُرْفِهم دُونَ غيرِهم، ولم يُعْتَبَرْ أهلُ البَوادِي؛ لأنَّهم للضَّرُورَةِ والمَجاعَةِ يأكُلُون ما وَجَدوا، ولهذا سُئِلُ بعْضُهم عمّا يَأكُلُون، فقال: ما دَبَّ ودَرَجَ، إلَّا أُمَّ حُبَينٍ 2. فقال: لِتَهْنِ أُمَّ حُبَينٍ العافِيَةُ.
وما وُجِدَ في أمْصارِ المسلِمِين، ممّا لا يَعْرِفُه أهلُ الحِجازِ، رُدَّ إلى أقْرَبِ ما يُشْبِهُه في الحِجازِ، فإن لم يُشْبِهْه شيءٌ منها، فهو مُباحٌ؛ لدُخُولِه في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
الآية.
ولقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا سَكَت اللهُ عَنْهُ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» 3. فعلى هذا، مِن المُسْتَخْبَثَاتِ الحَشَراتُ؛ كالدِّيدانِ، والجُعْلانِ، وبناتِ وَرْدَانَ 4،

..................................  والخَنافِسِ، والفَأْرِ، والأوْزاغِ، والحِرْباءِ، والعَظَاءِ 1، والجَراذِينِ، والعَقارِبِ، والحَيّاتِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ورَخَّصَ مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والأوْزَاعِيُّ، في ذلك كُلِّه، إلَّا الأوْزاغَ، فإنَّ ابنَ عبدِ البَرِّ قال: هو مُجْمَعٌ على تَحْريمِه.
وقال مالِكٌ: الحَيَّةُ حَلالٌ إذا ذُكِّيَتْ.
واحْتَجُّوا بعُموم الآيةِ المُبِيحَةِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ والْحَرَمِ؛ العَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والغُرابُ، والحِدَأَةُ، والْكَلْبُ العَقُورُ» 2. وفي الحديثِ: «الحَيَّةُ» مكانَ: «الْفَأْرَةُ».
ولو كانت مِن الصَّيدِ المُباحِ، لم يُبَحْ قَتْلُها؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 3. وقال سبحانَه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ 4. ولأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ، فحَرُمَتْ، كالأوْزاغِ، ومأْمُورٌ بقَتْلِها، فأشبَهَتِ الوَزَغَ.

..................................  فصل: والسِّنَّوْرُ الأهْلِيُّ مُحَرَّمٌ.
وبه قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن أكْلِ الهِرِّ 1.

وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيرِهِ؛ كَالْبَغْلِ وَالسِّمْعِ؛ وَلَدِ الضَّبُعِ مِنَ الذِّئْبِ، والعِسْبَارِ؛ وَلَدِ الذِّئْبةِ مِنَ الذِّيخِ.

4607 - مسألة: (وما تَوَلَّدَ مِن مَأكُولٍ وغَيرِه؛ كالبَغْلِ، والسِّمْعِ، والعِسْبارِ، والسِّمْعُ وَلَدُ الضَّبُعِ مِن الذِّئْبِ. وقِيلَ: يُسمَّى العِسْبارَ. والعِسْبارُ وَلَدُ الذِّئْبِ مِن الذِّيخِ)

ذَكَرَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ.
البغالُ مُحَرَّمَةٌ عندَ كُلِّ مَن حَرَّمَ الحِمارَ الأهْلِيَّ؛ لأنَّها مُتَوَلِّدَةٌ

وَفِي الثَّعْلَبِ، وَالْوَبْرِ، وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ، وَالْيَرْبُوعِ، رِوَايَتَانِ.
منه، والمُتَوَلِّدُ مِن شيءٍ له حُكْمُه في التَّحْريمِ.
وهكذا إن تَوَلَّدَ بين الوَحْشِيِّ والإِنْسِيِّ وَلَدٌ، فهو مُحَرَّمٌ، تَغْلِيبًا للتَّحْريمِ.
والسِّمْعُ المُتَوَلِّدُ بينَ الذِّئْبِ والضَّبُعِ، مُحَرَّم، وكذا العِسْبارُ وَلَدُ الذِّئْبَةِ مِن الذِّيخِ، لذلك (1). قال قَتادَةُ: ما البَغْلُ إلَّا شيءٌ مِن الحمارِ.
وعن جابرٍ، قال: ذَبَحْنا يومَ خَيبَرَ الخيلَ والبِغال والحميرَ، فنَهانا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن البِغالِ والحميرِ، ولم يَنْهَنا عنِ الخَيلِ (2).

4608 -

مسألة: (وفي الثَّعْلَبِ، والوَبْرِ 3، وسِنَّوْرِ البَرِّ، واليَرْبُوعِ، رِوايَتان) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الثَّعْلَبِ، فأكثرُ12

..................................  الرِّواياتِ عن أحمدَ تحْرِيمُه.
وهذا قولُ أبي هُرَيرَةَ، ومالِكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه سَبُعٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ النَّهْي.
ورُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، إباحَتُه.
اخْتارَه الشريفُ أبو جعفرٍ.
ورَخَّصَ فيه عَطاءٌ، وقَتادَةُ، وطاوسٌ، واللَّيثُ، وسفيانُ بنُ عُيَينَةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه يُفْدَى في الإِحْرامِ والحَرَمِ.
قال أحمدُ، وعَطاءٌ: كلُّ ما يُودَى إذا أصابَه المُحْرِمُ، فإنَّه يُؤكَلُ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في سِنَّوْرِ البَرِّ، كاخْتِلافِها في الثَّعْلَبِ.
والقولُ فيه كالقولِ في الثَّعْلَبِ.
وللشافعيِّ في سِنَّوْرِ البَرِّ وَجْهان.
فأمّا الوَبْرُ فمُباحٌ.
وبه قال عَطاءٌ،، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأبو يوسفَ.
قال القاضي: هو مُحَرَّمٌ.
وهو قول أبي حنيفةَ وأصْحابِه، إلَّا أبا يوسفَ.
ولَنا، أنَّه يُفْدَى في الإِحْرامِ والحَرَمِ، وهو كالأرْنَبِ، يأكُلُ النَّباتَ والبُقولَ، وليس له نابٌ يَفْرِسُ به، ولا هو مِن المُسْتَخْبَثاتِ، فكان مُباحًا كالأرْنبِ، ولأنَّ الأصْلَ

..................................  الإِباحَةُ، وعُمومُ النَّصِّ يَقْتَضِيها، ولم يَرِدْ فيه تَحْرِيمٌ، فتَجِبُ إباحَتُه.
فأَمّا اليَرْبُوعُ، فسُئِلَ أحمدُ عنه، فرَخَّصَ فيه.
وهذا قولُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه مُحَرَّمٌ.
ورُوِيَ ذلك عنِ ابنِ سِيرينَ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وأصْحابِ الرَّأْيِ؛ لأنَّه يُشْبهُ الفَأْرَ.
ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، حَكَم فيه بجَفْرَةٍ 1. ولأنَّ الأَصْلَ الإِباحَةُ ما لم يَرِدْ فيه تحْرِيمٌ.
وأمّا السِّنْجابُ، فقال القاضي: هو مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه يَنْهَشُ بنابِه، فأشْبَهَ الجُرَذَ.

..................................  ويَحْتَمِلُ أنَّه مُباحٌ؛ لأنَّه يُشْبهُ اليَرْبُوعَ، ومتى تَرَدَّدَ بينَ الإِباحَةِ والتَّحْرِيمِ، غُلِّبَتِ الإِباحَةُ؛ لأنَّها الأصْلُ، وعُمومُ النُّصوصِ يقْتَضِيها.
فصل: والفِيلُ مُحَرَّمٌ.
قال أحمدُ: ليس هو مِن أطْعِمَةِ المسلمين.
وقال الحسنُ: هو مَسْخٌ.
وكَرِهَه أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ورَخَّصَ الشَّعْبِيُّ في أكلِه.
ولَنا 1، نَهْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ.
وهو مِن أعْظَمِها نابًا، ولأنَّه مُسْتَخْبَثٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الآيَةِ المُحَرِّمَةِ.

..................................  فصل: فأمّا الدُّبُّ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان ذا نابٍ يَفْرِسُ به، فهو، مُحَرَّمٌ، وإلَّا فهو مُباحٌ.
قال أحمدُ: إن لم يَكُنْ له نابٌ، فلا بَأْسَ به.
وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: هو سَبُعٌ؛ لأنَّه أشْبَهُ شيءٍ بالسِّباعِ، فلا يُؤْكَلُ.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، ولم يتَحَقَّقْ وُجودُ المُحَرِّمِ، فيَبْقَى على الأصْلِ، وشَبَهُه بالسِّباعِ إنَّما يُعْتَبَرُ في وُجودِ العِلَّةِ المُحَرِّمَةِ، وهو كونُه ذا نابٍ يَصِيدُ به ويَفْرِسُ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، كان داخِلًا في عُمومِ النُّصوصِ المُبِيحَةِ.

وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاحٌ؛ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَيلِ، وَالدَّجَاجِ،

4609 - مسألة: (وما عَدا هذا فمُباحٌ؛ كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيلِ، والدَّجَاجِ)

لعُمومِ النُّصوصِ الدَّالَّةِ على الإِباحَةِ، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الإِبِلُ، والبقرُ، والغنمُ، قال اللهُ تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ 1. والخَيلُ كُلُّها، عِرَابُها وبَراذِينُها.
نَصَّ أحمدُ على ذلك.
وبه قال ابنُ سِيرِينَ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيرِ، والحسَنِ، وعَطاءٍ، والأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ.
وبه قال حَمَّادُ بنُ زيدٍ، واللَّيثُ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: ما أكَلْتُ شيئًا أطْيَبَ مِن مَعْرَفَةِ 2 بِرْذَوْنٍ.
وحَرَّمها أبو حنيفةَ.
وكَرِهَها مالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ

..................................  لِتَرْكَبُوهَا} 1. وعن خالِدٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «حَرَامٌ عَلَيكُمُ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ، وخَيلُهَا، وبِغَالُهَا» 2. ولأنَّه ذو حافِرٍ، أشْبَهَ الحِمارَ.
ولَنا، قولُ جابِرٍ: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ خيبَرَ عن لُحومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وأذِنَ في لُحومِ الخَيلِ.
مُتَّفَقٌ عليه 3. وقالت أسماءُ: نَحَرْنا فَرَسًا على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأكَلْناه، ونحنُ بالمَدِينَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 4. ولأنَّه حَيوانٌ طاهِرٌ مُسْتَطابٌ، ليس بذِى نابٍ ولا مِخْلَبٍ، فيَحِلُّ، كبَهيمَةِ الأنْعامِ، ولأنَّه داخِلٌ في عُمومِ الآياتِ والأخْبارِ المُبِيحَةِ.
وأمّا الآيةُ فإنَّهم إنَّما يتعَلَّقُونَ بدليلِ خِطابِها، وهم لا يقولون به.
وحديثُ خالدٍ ليس له إسْنادٌ جَيِّدٌ.
قاله أحمدُ.
قال: وفيه رجُلان لا يُعْرَفان، يَرْويه ثَوْرٌ عن رجُلٍ ليس بمَعْرُوفٍ، فلا نَتْرُكُ أحادِيثَنا لِمثل هذا الحديثِ المُنْكَرِ.
والدَّجاجُ مُباحٌ.
قال أبو مُوسى: رأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يأكُلُ

وَالْوَحْشِيِّ مِنَ الْبَقَرِ، وَالظِّبَاءِ، وَالْحُمُرِ،  الدَّجاجَ (1).

4610 -

مسألة: (والوَحْشِيُّ مِن البَقَرِ، والظِّباءِ، والحُمُرِ)

يُباحُ.
بَقَرُ الوَحْشِ، على اخْتِلافِ أنْواعِها، مِن الأُيَّلِ 2، والثَّيتَلِ 3، والوَعْلِ، والمَها 4، وكذلك الظِّبَاءُ، وسائرُ 5 الوَحْشِ مِن الصُّيودِ كلِّها مُباحَةٌ 6، وتُفْدَى في الإِحْرامِ، [وحُمُرُ الوَحْشِ] 7. وهذا كُلُّه مُجْمَعٌ عليه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما روَى طَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ، أنَّ الحِمارَ الوَحْشِيَّ إذا أَنِسَ واعْتَلَفَ، فهو بمَنْزِلَةِ الأهْلِيِّ.
قال أحمدُ: وما ظَنَنْتُ أنَّه رُوِيَ في هذا شيءٌ، وليس الأمْرُ عندِي كما قال، وأهلُ العلمِ على خِلافِه؛ لأنَّ الظِّباءَ إذا تَأنَّسَتْ لم تَحْرُمْ، والأهْلِيُّ إذا تَوَحَّشَ لم يَحِلَّ، ولا يتغيَّرُ1

وَالزَّرَافَةِ، وَالنَّعَامَةِ، وَالْأَرْنَبِ  منها شيءٌ عن أصْلِه وما كان عليه.
قال عَطاءٌ، في حمارِ الوَحْشِ: إذا تَناسَلَ في البُيوتِ، لا تَزُولُ عنه أسْماءُ الوَحْشِ.
فأمّا الزَّرافَةُ فسُئِلَ أحمدُ عنها: تُؤْكَلُ؟ قال: نَعَمْ.
وهي دابَّةٌ تُشْبِهُ البَعِيرَ، إلَّا أنَّ عُنُقَها أطْوَلُ مِن عُنُقِه، وجِسْمَها ألْطَفُ مِن جِسْمِه، وأعْلَى منه، ويَداها أطْولُ مِن رِجْلَيها، وهي مُباحَةٌ لعُمومِ النُّصوصِ المُبِيحَةِ، ولأنَّها مُسْتَطابَةٌ، ليس لها نابٌ، ولا هي مِن المُسْتَخْبَثاتِ، أشْبَهَتِ الإِبِلَ.
وحَرَّمَها أبو الخَطّابِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذكَرْنا.
والنَّعامَةُ مُباحَةٌ، وقد قَضَى فيها الصَّحابَةُ، رَضِيَ اللهُ عنهم، ببَدَنَةٍ إذا قَتَلَها المُحْرِمُ، ولا نَعْلَمُ في إباحَتِها خِلافًا.

4611 -

مسألة: (والأرْنَبُ)

مُباحَةٌ، أكلَها 1 سعدُ بنُ أبي

..................................  وَقَّاصٍ.
ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ، وعَطاءٌ، وابنُ المُسَيَّبِ، واللَّيثُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ قائِلًا بتَحْرِيمِها، إلَّا شيئًا رُوِيَ عن عمرِو بنِ العاصِ.
وقد صَحَّ عن أنسٍ أنَّه قال: أنْفَجْنَا 1 أرْنَبًا، فسَعَى القَوْمُ فلَغَبُوا 2، فأخذْتُها، وجئْتُ بها أبا طَلْحَةَ، فذَبَحَها فبَعَثَ بوَرِكِها -أو قال- فَخِذِها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقَبِلَه.
مُتَّفَقٌ عليه 3. وعن محمدِ بنِ صَفْوانَ، أو صَفْوانَ بنِ محمدٍ، قال: صِدْتُ أرْنَبَين، فَذَبَحْتُهُما بمَرْوَةَ 4، فسَألْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأمَرَنِي = وانظر لأثر سعد ما أخرجه ابن أبي شيبة، في: المصنف 8/ 59.

وَسَائِرِ الْوَحْشِ، وَالضَّبُعِ، والضَّبِّ،  بأَكْلِهِما.
رَواه أبو داودَ (1). ولأنَّها حيوانٌ مُسْتَطابٌ، ليس بذِي نابٍ، فأَشْبَهَ الظَّبْيَ (2).

4612 -

مسألة: (وسائِرُ الوَحْشِ)

لِعُمومِ النَّصِّ (والضَّبُعُ، والضَّبُّ) رُويَتِ الرُّخْصَةُ في الضَّبُعِ عن سَعْدٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ، وعِكْرِمَةَ، وإسحاقَ.
قال عُرْوَةُ: ما زالتِ العربُ تأكُلُ الضَّبُعَ، لا تَرَى بأكْلِها بَأسًا.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ: هي حرامٌ.
ورُوِيَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ؛ فإنَّها مِن12

..................................  السِّباعِ، وقد نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ، وهي مِن السِّباعِ، فتدْخُلُ في عُمومِ النَّهْيِ.
ورُوِيَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سُئِلَ عنِ الضَّبُعِ، فقال: «ومَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟» 1. ولَنا، ما رَوَى جابرٌ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بأكْلِ الضَّبُعِ.
قلتُ: صَيدٌ هي؟ قال: «نعم».
احْتَجَّ به أحمدُ.
وفي لَفْظٍ قال: سألْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الضَّبُعِ.
فقال: «هُوَ صَيدٌ، ويُجْعَلُ فِيه كَبْشٌ إذَا صَادَه المُحْرِمُ».
رَواه أبو داودَ 2. وعن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمَّارٍ، قال: قلتُ لجابرٍ: الضَّبُعُ، أصَيدٌ هي؟ قال: نعم، قلتُ: أقاله رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم.
رَوَاه التِّرْمِذِيُّ، وقال: حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
[ورَواه النَّسائِيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ] 3. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 4: هذا لا يُعارِضُ حديثَ النَّهْيِ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ؛ لأنَّه أقْوَى منه.
قُلْنا: هذا تَخْصيصٌ لا

..................................  مُعارِضٌ 1، ولا يُعْتَبَرُ في التَّخْصِيصِ كونُ المُخَصِّصِ في رُتْبَةِ المُخَصَّصِ، بدَليلِ تَخْصِيصِ عُمومِ الكتابِ بأخْبارِ الآحادِ.
فأمّا الخَبَرُ الذي فيه: «ومَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ!» 2. فهو حَدِيثٌ طويلٌ، يَرْويه عبدُ الكريمِ 3 بنُ أبي 4 المُخارِقِ، يَنْفَرِدُ به، وهو مَتْرُوكُ الحديثِ.
وقد قيل: إنَّ الضَّبُعَ ليس لها نابٌ.
فعلى هذا، لا تَدْخُلُ في عُمومِ النَّهْي.
فصل: والضَّبُّ مُباحٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وأصْحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو سعيدٍ: كُنّا مَعْشَرَ أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لأنْ يُهْدَى إلى أحَدِنا ضَبٌّ 5 أحَبُّ إليه مِن دَجاجَةٍ.
وقال عمرُ: ما يَسُرُّنِي أنَّ مَكانَ كُلِّ ضَبٍّ دَجاجَةً سَمِينَة، ولَوَدِدْتُ أنَّ في كُلِّ جُحْرِ ضَبٍّ ضَبَّينِ 6. وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: هو حَرامٌ؛ لِما رُوِيَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن أكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ 7. ورُوِيَ نحوُه عن عليٍّ.
ولأنَّه يَنْهَشُ، فأشْبَهَ ابنَ

..................................  عِرْسٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: دَخَلْتُ أنا وخالِدُ بنُ الوليدِ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيتَ مَيمُونَةَ، فأُتِيَ بضَبٍّ مَحْنُوذٍ 1، فقيل: هو ضَبٌّ يا رسولَ اللهِ.
فرَفَعَ يَدَه، فقلتُ: أحرامٌ هو يا رسولَ اللهِ؟ قال: «لَا، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأرْض قَوْمِي، فَأَجدُنِي أعَافُهُ».
قال خالدٌ: فاجْتَرَرْتُه فأكَلْتُه، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْظُرُ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. قال ابنُ عَبَّاسٍ: تَرَكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الضَّبَّ تَقَذُّرًا، وأُكِلَ على مائِدَتِه، ولو كان حَرامًا ما أُكِلَ على مائِدَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 3. وقال عمرُ: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُحَرِّمِ الضَّبَّ، ولكنَّه قَذِرَهُ، ولو كان عندِي لأَكَلْتُه 4. ولأنَّ الأصْلَ الحِلُّ، ولم يُوجَدِ المُحَرِّمُ، فبَقِيَ على الإِباحَةِ، ولم يثْبُتْ فيه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَهْيٌ ولا تحْريمٌ، ولأنَّ إباحَتَه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، ولم يثْبُتْ عنهم خِلافُه، فيكونُ إجْماعًا.

وَالزَّاغِ، وَغُرَابِ الزَّرْعِ، وَسَائِرِ الطَّيرِ،

4613 - مسألة: (والزَّاغُ)

1 مُبَاحٌ.
وبذلك قال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومحمدُ بنُ الحسَنِ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.
ويُباحُ (غُرابُ الزَّرْعِ) وهو الأسْوَدُ الكبيرُ الذي يأكُلُ الزَّرْعَ، ويطيرُ مع الزَّاغِ؛ لأنَّ مَرْعاهُما الزَّرْعُ والحُبوبُ، فأشْبَها الحَجَلَ 2. (وسائِرُ الطَّيرِ) كالحمامِ وأنْواعِه مِن الفَواخِتِ 3، والجَوَازِلِ 4، والرَّقاطَي 5، والدَّبَاسِيِّ 6، والعَصافِيرِ، والقَنابِرِ 7، والقَطا 8، والحَجَلِ؛ والحُبارَى 9، لِما روَى سَفِينَةُ، قال: أكلتُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَحْمَ حُبارَى.
رواه أبو داودَ 10. والكُرْكِيُّ 11، والكَرَوانُ، والبَطُّ،

وَجَمِيعِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، إلا الضِّفْدِعَ، وَالْحَيَّةَ، وَالتِّمْسَاحَ.
وَقَال  والإِوَزُّ، وما أشْبَهَه ممّا يَلْتَقِطُ الحَبَّ، أو يُفْدَى في الإِحْرامِ، مُباحٌ؛ لأنَّه مُسْتَطابٌ، ويُفْدَى في حَقِّ المُحْرِمِ، فكانَ مُباحًا كبَقِيَّةِ ما يُفْدَى.
وكذلك الغَرانِيقُ (1)، والطَّواويسُ، وطَيرُ الماءِ كلُّه، وأشْبَاهُ ذلك، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الهُدْهُدِ والصُّرَدِ (2)، فعنه، أنَّهما حَلالٌ؛ لأنَّهما ليسا مِن ذَواتِ المِخْلَبِ، ولا مُسْتَخْبَثاتٍ.
وعنه تَحْرِيمُهما؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قَتلِ الهُدْهُدِ، والصُّرَدِ، والنَّمْلَةِ، والنَّحْلَةِ (3). وكلُّ ما كان لا يَصِيدُ بمِخْلَبِه، ولا يَأكُلُ الجِيَفَ، ولا يُسْتَخْبَثُ، فهو حَلالٌ.

4614 -

مسألة: (وجميعُ حيوانِ البحرِ)

مُباحٌ؛ لقوْلِ اللهِ تعالى:123

ابْنُ حَامِدٍ: وَإِلَّا الْكَوْسَجَ.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ 1. (إلَّا الضِّفْدِعَ، والحَيَّةَ، والتِّمْسَاحَ.
وقال ابنُ حَامِدٍ: وإلَّا الكَوْسَجَ) 2 كلُّ صَيدِ البحرِ مُباحٌ، إلَّا الضِّفْدِعَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال

..................................  الشَّعْبِيُّ: لو أكلَ أهْلى الضَّفادِعَ لأطْعَمْتُهم 1. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن قَتْل الضِّفْدِعِ.
رواه النَّسَائِيُّ 2. فيدُلُّ على تَحْريمِه، ولأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ.
وكذلك الحَيَّةُ، وقد ذكَرْنا الخِلافَ فيها.
فأمّا التِّمْساحُ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا يُؤكَلُ التِّمْساحُ ولا الكَوْسَجُ، لأنَّهما يأكُلان النّاسَ.
وذكرَ ابنُ أبي موسى في التِّمْساحِ رِوايَةً، أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ؛ للآيةِ.
ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ أو غيرِه 3، أنَّهم كانوا يَكْرَهُون سِباعَ البحرِ، كما يكْرَهون سِباعَ البَرِّ.
وذلك لِنَهْيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن أكلِ كُلِّ

وَقَال أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ: لَا يُبَاحُ مِنَ الْبَحْرِيِّ مَا يَحْرُمُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ؛ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ، وَإنْسَانِهِ.
ذِي نابٍ مِن السِّبَاعِ (وقال أبو عليٍّ النَّجّادُ: لا يُباحُ مِن البَحْرِيِّ ما يَحْرُمُ نَظَيرُه في البَرِّ، كخِنْزِيرِ الماءِ وإنْسانِه) وهو قولُ اللَّيثِ، إلَّا في كَلْبِ الماءِ، فإنَّه يَرَى إباحَةَ كلْبِ البَرِّ والبَحْرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُباحُ إلَّا السَّمَكُ.
وقال مالِكٌ: كُلُّ ما فِي البحرِ مُباحٌ؛ لعُموم قولِه سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.
فصل: وكَلْبُ الماءِ مُباحٌ، ورَكِبَ الحسنُ بنُ عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنهما، سَرْجًا عليه جلْدٌ مِن جُلُودِ كلابِ الماءِ.
وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، واللَّيثِ.
ويَقْتَضِيه قولُ الشَّعْبِيِّ، والأوْزَاعِيِّ.
ولا يُباحُ عندَ أبي حنيفةَ.
وهو قولُ أبي عليٍّ النَّجَّادِ، وبعضِ أصْحابِ الشافعيِّ.
ولَنا، عُمومُ الآيةِ والخَبَرِ.
قال عبدُ اللهِ: سَألْتُ أبي عن كَلْبِ الماءِ، فقال: حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، وأبي الزُّبَيرِ، سَمِعا شُرَيحًا، رَجُلًا أدْرَكَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، يقول: كُلُّ شيءٍ في البحرِ فهو مَذْبُوحٌ.
فذكَرْتُ ذلك لعَطاءٍ، فقال: أمّا الطَّيرُ فيَذْبَحُه 1. وقال

وَتَحْرُمُ الْجَلَّالةُ الَّتي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ، وَلَبَنُهَا، وَبَيضُهَا، حَتَّى تُحْبَسَ.
وَعَنْهُ، تُكْرَهُ وَلَا تَحْرُمُ.
أبو عبدِ اللهِ: كلبُ الماءِ نَذْبَحُه.
فصل: قال أحمدُ: لا أكْرَهُ الجِرِّيَّ (1)، وكيف لنا بالجِرِّيِّ.
ورَخَّصَ فيه عليٌّ، والحسَنُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي، وسائِرُ أهلِ العلمِ.
وقال ابنُ عباسٍ: الجِرِّيُّ لا تَأْكُلُه اليهودُ (2). ووَافَقَهم الرّافِضَةُ، ومُخالفَتُهم صَوابٌ.

4615 -

مسألة: (وتَحْرُمُ الجَلَّالةُ التي أكثَرُ عَلَفِها النَّجاسَةُ، وبَيضُها، ولَبَنُها. وعنه، تُكْرَهُ ولا تَحْرُمُ)

قال أحمدُ: أكْرَهُ لُحومَ الجَلَّالةِ وألْبانَها.
قال القاضي: هي التي تَأكُلُ العَذِرَةَ، فإذا كان أكثرُ عَلَفِها النَّجاسَةَ، حَرُمَ لَحْمُها ولَبَنُها.
وفي بَيضِها روايتان.
وإن كان أكثرُ12

..................................  عَلَفِها الطَّاهِرَ، لم يَحْرُمْ أكْلُها ولا لَبَنُها.
قال شيخُنا 1: وتحْدِيدُ الجَلَّالةِ بكونِ أكْثَرِ عَلَفِها النَّجاسَةَ، لم نَسْمَعْه عن أحمدَ، ولا هو ظاهِرُ كلامِه، لكنْ يُمْكِنُ تَحْدِيدُه بما 2 يكونُ كثيرًا في مأكُولِها، ويُعْفَى عنِ اليَسِيرِ.
وقال اللَّيثُ: إنَّما كانُوا يَكْرَهون الجَلَّالةَ التي لا طَعامَ لها إلَّا الرَّجِيعُ وما أشْبَهَه.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: في الجَلَّالةِ روايتان؛ إحداهُما، هي مُحَرَّمَةٌ.
والثانيةُ، هي مَكْرُوهَةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وكَرِهَ أبو حنيفةَ لُحُومَها، والعملَ عليها حتى تُحْبَسَ.
ورَخَّصَ الحسنُ 3 في لُحُومِها وألْبانِها؛ لأنَّ الحيوانَ لا يَنْجُسُ بأكلِ النَّجاسةِ، بدَليلِ أنَّ شارِبَ الخمرِ لا يُحْكَمُ بتَنْجِيسِ أعْضائِه، والكافِرَ الذي يأكلُ الخِنْزِيرَ والمحرَّماتِ، لا يكونُ ظاهِرُه نَجِسًا، ولو نَجُسَ لما طَهُرَ بالإِسلامِ، ولا الاغْتِسالِ، ولو تَنَجَّسَتِ الجَلَّالةُ، لَما طَهُرَتْ بالحَبْسِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أكلِ الجَلَّالةِ وألْبانِها.
رواه أبو داودَ 4. وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ

وَتُحْبَسُ ثَلَاثًا.
العاص، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنَ الإِبِلَ الجَلَّالةِ، أن يُؤْكَلَ لَحْمُها، ولا يُحْمَلَ عليها إلَّا الأُدُمُ، ولا يَرْكَبَها النّاسُ حتى تُعْلَفَ أرْبَعِين ليلةً.
رواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (1). ولأنَّ لَحْمَها يتَوَلَّدُ مِن النَّجاسَةِ، فيكونُ نَجسًا، كرَمادِ النجاسَةِ.
وأمّا شارِبُ الخمرِ، فليس ذلك أكثرَ غِذَائِه، وإنَّما يتَغَذَّى الطّاهِراتِ، وكذلك الكافِرُ في الغالِبِ.

4616 -

مسألة: (حتى تُحْبَسَ)

وتَزولُ الكَرَاهَةُ بحَبْسِها اتِّفاقًا.
واخْتُلِفَ في قَدْرِه، فرُويَ أنَّها تُحْبَسُ ثلاثًا، سواءٌ كانت طائِرًا أو بهيمةً.
وكان ابنُ عمرَ إذا أرادَ أكلَها حَبَسَها ثلاثًا 2. وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ1 = 8/ 18. وابن ماجه، في: باب النهي عن لحوم الجلالة، من كتاب الذبائح.
سنن ابن ماجه 2/ 1064. وصححه الألباني في الإرواء 8/ 149 - 151.

وَعَنْهُ، يُحْبَسُ الطَّائِرُ ثَلَاثًا، وَالشَّاةُ سَبْعًا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
ما طَهَّرَ حَيوانًا يُطَهِّرُ الآخَرَ، كالذي نَجُسَ ظاهِرُه.
والأُخْرَى، تُحْبَسُ الدَّجاجَةُ ثلاثًا، والبَعِيرُ والبقرةُ ونحوُهما يُحْبَسُ 1 أرْبعين يومًا.
وهذا قولُ عطاءٍ، في الناقةِ والبقرةِ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، لأنَّهما أعْظَمُ جِسْمًا، وبَقاءَ عَلَفِهِما فيهما أكثرُ مِن بَقائِه في الدَّجاجَةِ والحيوانِ الصغيرِ.
وعنه، تُحْبَسُ الشّاةُ سَبْعًا؛ لأنَّها أكبرُ مِن الطائِرِ ودونَ البَعِيرِ والبقرةِ.
ويُكْرَهُ رُكوبُ الجَلَّالةِ.
وهو قولُ عمرَ، وابنِه، وأصْحابِ الرَّأْي؛ لحديثِ عبدِ الله بنِ عمرٍو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه 2 نَهَى عن رُكُوبِها 3. ولأنَّها رُبَّما عَرِقَتْ فتُلَوِّث بعَرَقِها.

وَمَا سُقِيَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ مُحَرَّمٌ، فَإِنْ سُقِيَ بِالطَّاهِرِ، طَهُرَ وَحَلَّ.
وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: لَيسَ بِنَجِسٍ وَلَا مُحَرَّمٍ، بَلْ يَطْهُرُ بِالاسْتِحَالةِ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ لَبَنًا.

4617 - مسألة: (وما سُقِيَ بالماءِ النَّجِسِ مِن الزرعِ والثِّمارِ مُحَرَّمٌ)

وكذلك مَا [سُمِّدَ به] 1. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يُكْرَهَ ذلك، ولَا يَحْرُمَ، ولا يُحْكَمَ بتَنْجِيسِها؛ لأنَّ النَّجاسَةَ تَسْتَحِيلُ في باطِنِها 2، فتَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ، كالدَّم يَسْتَحِيلُ في أعْضاءِ الحيوانِ لَحْمًا، ويَصِيرُ لَبَنًا.
وهذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم أبو حنيفةَ،

جارٍ التحميل