[5]- حول حديث: «تزوج بكرا فوجدها حاملا»
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وأما الحديث الذى ذكرت، أيضا، وسألت عن معناه، وهو: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا رسول الله، تزوجت بكرا، ووجدتها حاملا» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «طلقها وبع ولدها، واذا ولدت فاجلدها».
فانه حديث لا أعرفه، وقد خرج أبو داود حديثا بمعناه، على خلاف هذا النص، يقرب معناه من معناه.
تأيل الحديث.
قال ابو الوليد، رضي الله عنه: فإن صح الحديث على النص الذى ذكرته، فتحتمل وجهين من التأويل.
(1) - أحدهما: أن هذا الرجل كانت له أمة بكر، فوطئها فاذا
هى حامل، فسال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وكنى له عن الوطء بالتزويج، على العادة في الكناية عن الوطء بما هو سببه، فامر النبي صلى الله عليه وسلم بعتقها إذ كره له التمادى على الاستمتاع بوطئها، من أجل أنه غذى ولدها في بطنها بمائة، فصار لها به شبهة حرمة أمهات الأولاد.
وعبر له صلى الله عليه وسلم بالطلاق عن العتق، لقرب ما بينهما في المعنى، اذ الطلاق ترك ما يملك المطلق من العصمة، كما أن العتق ترك ما يملك المعتق من الملك، كما عبر هو له، أيضا بالتزويج عن الوطء، فقال له: طلقها، أي: طلقها من ملكك.
وأعلمه أن له ان يبيع ولدها.
وان كان الاختيار له أن يعتقه، بقوله: وبع ولدها لئلا يظن أنه قد صار ولدا له بتغذيته اياه بمائة، في بطن أمة، يحرم عليه ملكه.
[153] قال أبو الوليد، رضي الله عنه: وقد / ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم، فقال: انه لا يحل له أن يستعبده، وأنه يلحق به نسبه، وبالذى كان أصل الحمل منه، فيرثها ويرثانه جميعا، تعلقا بما روى أنرسول صلى الله عليه وسلم، رأى امرأة عند فسطاط يريد: حاملا، فقال: «لعل صاحب هذه أن يلم بها»، «لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورثه، وهو يحل له؟ وكيف يسترقه، وهو لا يحل له»؟.
ولا تعلق بالحديث، فيما ذهب اليه، لأن قوله: «كيف يورثه وهو لا يحل له» لا يدل إلا على ان نسبه غير ثابت منه، وقوله: «كيف يسترقه وهو لا يحل له»، معناه كيف يسترقه وهو لا يحل له، بنفس طيبة، دون إكراه، فيرجع معنى ذلك إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بجارية، اشتراها رجل، وهى حبلى، فقال عليه السلام «أتطؤها وهى حبلى؟» قال: «نعم».
قال: «فانك تغدو في سمعه وفي بصره، فاذا ولد فاعتقه».
وقيل انه يجوز له أن يبيعه، لقوله، في الحديث الذى سألت عنه: وبع ولدها.
(2) - والوجه الثانى من التأويل هو أن يكون ذلك الرجل السائل للنبى، صلى الله عليه وسلم، تزوج جارية بكرا، على أنها حرة، فوطئها، وألقاها حاملا، ثم استحقها رجل، ووهبها له، أو استحقها هو أمة له، فسقط من الحديث ذكر الاستحقاق، ان كان استحقها هو، أو الاستحقاق والهبة، ان كان غيره استحقها، فوهبها له، فقال لع النبي صلى الله عليه وسلم: «طلقها»، اعلاما له أنها قد طلقت منه بملكه اياها، لا على معنى أن يستحدث لها طلاقا.
وهذا مثل ما روى عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا يجزى ولده والده، الا أن يجده عبدا، فيشتريه، ويعتقه».
وهذا يكون حرا بنفس
الشراء، لا يستحدث له بعده عتقا.
وقد مضى القول في معنى قوله «وبع ولدها» في التأويل الأول.
وبالله التوفيق.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: والحديث الذى خرجه أبو داود من رواية سعيد بن المسيب عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقال له بصرة قال: «تزوجت امرأة بكرا، في سترها، فدخلت عليها، فاذا هى حبلى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فاذا ولدت فاجلدوها»، فليس فيه ما يشكل الا قوله: «الولد عبد لك».
ومعناه: أن يكون لك بمنزلة العبد، اذ هو ربيب لك تحضنه وتكلفه، ولا نسب له ينزع اليه، لكونه ابن زنا، فتصرفه تصريف العبد، والله أعلم.
الجمع بين الآثار اولى من بقاء التعارض.
فعلى هذا المعنى الذى ذكرناه من التأويلات تتفق الأحاديث كلها، وينتفى التضاد عنها، الحديث الذى سالت عنه، ان صح، والحديث الذى خرجه أبو داود، والحديث الذى احتج به من ذهب إلى أن من وطئ أمة حاملا، يثبت نسب الولد منه، ومن الذى كان اصل الحمل منه، والحديث الذى ذكرته حجة عليه.
وهذا هو الوجه عند أهل العلم، فيما تعارض من ظواهر الآثار،
والتبس من معانيها: أن يشرح ما التبس منها، ويلفق بينها بالتأويل، إذا امكن ذلك، ولا تحمل على التعارض فتطرح، ولا على أنها من المتشابه، الذى لا يعرف معناه، ولا يفقه، ولا على انها مما وهم الرواة فيها.
وبالله التوفيق، لا شريك له.