[271]- هل يرتبط ذبح الأُضْحِيَةِ بصلاة الإمام، أم بذبحه؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إلى الفقيه القاضي أبي الوليد ابن رشد رضي الله عنه بعض طلبة العلم من أهل بلنسية ثبتها الله بسؤال في شأن ذبح الأضاحي.
ونص ذلك كله: جوابك، رضي الله عنك، في نازلة رأيتها عندكم، ومسألة تقع في قطركم، وهي أن الإمام بكم، يوم عيد الأضحى، لا يخرج أضحيته إلى المصلى، فيذبحها عند انصرافه عن الخطبة، واعلم، أدام الله عزّك، أن ذلك جائز، وأن الأولى به إخراجها إلى المصلي، ثم إن الناس ينصرفون بانصرافه، فيوقعون الذبح، والإمام المذكور لا يذبح إلا عند
انصرافه إلى داره، وأكثر الناس يسبقونه بالدخول إلى دورهم، فيوقعون ذبحهم قبل ذبحه.
فهل تقول: إن عليهم الإعادة، بإيقاعهم الذبح قبله، أم تقول: إنهم فعلوا ما يجب عليهم، ولا يفتقرون إلى ذبحه قبلهم، والمراعاة للوقت، وهو أساء في تأخيره الذبح، وتركه إخراجها إلى المصلى، فيوقع الذبح قبلهم؟.
نزل عندنا ببلنسية، وتكابرنا فيها، وذهبنا إلى مطالعة رأيك، والوقوف عند فتياك، ولم أجد - أكرمك الله - لأحد في هذا الغرض، الذي ذهبت أسألك عنه، كلاما، فتدبره بفضلك مأجورا ومشكورا.
فأجاب، وفقه الله، بما هذا نصه من أوله إلى آخره: تصفحت، رحمنا الله وإياك، سؤالك هذا، ووقفت عليه.
والذبح يوم النحر للضحايا مرتبط بذبح الإمام أضحيته، على مذهب مالك، رحمه الله، فيجب على أهل كل بلد وقرية، تصلي فيه صلاة العيد بجماعة: ألا يذبحوا ضحاياهم حتى يذبح إمامهم، الذي يصلي بهم صلاة العيد، فمن ذبح منهم قبل أن يذبح إمامه، وإن كان بعد أن صلى، وخطب، فلا تجزئه أضحيته عند مالك رحمه الله رحمه الله وأصحابه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وعليه أن يعيدها، على ما
جاء: أن أبا بردة ابن نيار ذبح أضحيته قبل لأن يذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الأضحى، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَمَرَهُ أن يعود بأضحية أخرى، قال أبو بردة: لا أجد إلا جذعا يا رسول الله؟ قال: " وإن لم تجد إلا جذعا فاذبح ".
وقد قيل: إن قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الجحرات: 1] نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا.
ومن السنة أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى، فيذبحها بيده، عند فراغه من الصلاة، والخطبة، كي يذبح الناس بعده.
وقد اختلف إن لم يفعل ذلك، وأخرج أضحيته، حتى ينصرف إلى داره، فقيل: على الناس أن يؤخروا ذبح ضحاياهم إلى القدر الذي ينصرف فيه إلى داره، فيذبح من غير توان، ولا تأخير، فإن ذبح أحد قبل ذلك لم يجزه، وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: ليس عليهم أن يؤخروا بعد صلاته إلا إلى القدر الذي كان يذبح فيه أضحيته، لو أخرجها إلى المصلى على السنة، في ذلك؛ فإن ذبح بعد ذلك أجزأته أضحيته.
ذهب إلى هذا أبو المصعب من أصحاب مالك، وهو أظهر من قول ابن القاسم.
وأما إن منع الإمام من ذبح أضحيته مانع من عذر غالب، فيلزم الناس انتظاره إلى زوال الشمس، وهو آخر الوقت لصلاة العيد، فإن أمكنه الذبح إلى ذلك، وإلا ذبحوا هم وأَجْزَأَتْهُمْ ضَحَايَاهُمْ.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الذبح مرتبط بصلاة الإمام، لا بذبحه، بدليل ما روى عن البراء بن عازب، قيل: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم أضحى إلى البقيع، فبدأ فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: إن أول سنتنا، في يومنا هذا، أن نبدأ بصلاة، ثم نرجع، فننحر، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النسك في شيء، فقام خالي، فقال: يا رسول الله، إني ذبحت، وعندي جذعة، خير من مسنة؟ فقال: اذبحها، ولا تجزيء، أو لا توف، عن أحد بعدك.
وما روى عن جندب قال: " شهدت النبي صلى الله عليه وسلم، يوم النحر، فمر بِقَوْمٍ قد ذبحوا قبل أن يصلي، فقال: " من كان قد ذبح قبل الصلاة فليعد، فإذا صلينا فمن شاء ذبح، ومن شاء فلا يذبح ".
وما روي عن أنس بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صَلَّى ثم خطب، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحه ".
وهذا لا حجة فيه على مالك، رحمه الله، إذ ليس في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بالإعادة لمن ضحى قبل الصلاة ما يدل على إجازة ضحية من ذبح بعد الصلاة، قبل ذبح الإمام، بل قد جاء
عنه أنه أمر في ذلك على ما ذكرناه من رواية أبي بردة بن نيار.
واستدلوا لمذهبهم، أيضا، بِحُجَجٍ من طريق النظر لا يصح عند إعمال النظر الصحيح.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.