[249]- رجوع الشاهد عن الشهادة بعد الحكم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وخوطب، رضي الله عنه، من مدينة بلنسية، بنسخة، عقد مبايعة، وقع بين امرأتين في ملك، ثبت عند حاكم الموضع، فحكم به وأمضاه، ثم رجع عن شهوده رجلان، فخشي الحاكم أن يبطل العقد، بسبب رجوعهما عن الشهادة، فبعث إليه بنسخته سائلا عن ذلك، والسؤال بعقبه.
وهذا نص جميع ذلك من أوله إلى آخره:
عقد بيع بين امرأتين:
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وصلى الله على سيدنا محمد.
اشترت ادلال، أم ولد فلان، من عائشة بنت فلان، جميع الدوالي بحاضرة بلنسية، وداخل سوررها المحدث وبحومة كذا، ومنتهى حدها كذا، بعامة جميع حقوق الدار والجنة، المبيعتين المحدودتين فوق هذا، ومنافعهما، ومرافقهما، الداخلة فيهما، والخارجة عنهما، وبقاعة ذلك كله، وبنيانه، وأنقاضه، على ذلك وسفله، وبما في الجنة من ضروب
الشجرات، وأنواع الغراسات المثمرة، وغير المثمرة، اشتراء صحيحا، تاما مبتولا، تاما دون شرط، ولا ثنيا، ولا خيار.
عرفتا قدر ذلك، ومبلغه، بثمن مبلغه كذا، وبرئت المبتاعة ادلال المذكورة بجميعه إلى البائعة عائشة المذكورة، طيبا جيدا، مقلَّباً.
وقبضته البائعة المذكورة منها على الصفة المذكورة، وأبرأتها منه تامة، وخلص للمبتاعة المذكورة ادلال بملك جميع ذلك وحلت فيه محل البائعة المذكورة، ونزلت منزلتها، ومحل ذي الملك في ملكه، على سنة المسلمين في بيوعهم، ومراجع أَدْرَاكِهِمْ بينهم.
شهد على إشهاد المتبايعتين: ادلال، وعائشة، المذكورتين على أنفسهما بالمذكور في هذا الكتاب عنهما، من سمعه منهما وعرفهما، وادلال منهما بحال صحة وجواز أمر، وعائشة المذكورة عليلة الجسم ثابتة العقل والذهن، وعاين قبض البائعة عائشة للثمن الموصوف من المبتاعة ادلال، وذلك في شهر رمضان، المعظم، سنة خمس عشرة وخمس مائة ".
السؤال:
تصفح، رضي الله عنك، العقد المنتسخ فوق هذا، فإنه ثبت عند الحاكم على نصفه وأنه أعذر في ثبوته إلى المتبايعتين المذكورتين فيه، فلم يكن عندهما فيه مدفع، ولا اعتراض فألزمهما مضمنه، وحكم عليهما به الحاكم المذكور.
وكانت البينة في العقد المنتسخ فوق هذا، بثلاثة رجال، فرجع منهم
رجلان، بعد أن أشهد الحاكم على نفسه بالحكم في ذلك، عن بعض شهادتهم.
فهل - وفقك الله - يكون رجوع الشاهدين بعد الأعذار والحكم، عاملا، ويبطل العقد، أم لا يكون عاملا، ويصح العقد؟
بين لنا في ذلك ما توجبه السنة موفقا مأجورا إن شاء الله.
فأجاب - وفقه الله - على ذلك، بأن قال: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا ووقفت عليه، وعلى نسخة عقد الابتياع، الواقعة فوقه.
والسؤال سؤال ناقص، إذ لم تبين فيه المعنى الذي وقع فيه الحكم، مما تنازعت فيه المتبايعتان، ولا ما رجع عنه الشاهدين من شهادتهما، حتى يعرف وجه الحكم في ذلك.
فإن كانت المتبايعتان بالتبايع في الدار، والجنة، المحدودتين في كتاب التبايع، فادعت كل واحدة منهما خلاف ما تضمنه العقد، مثل أن تقر البائعة: شرطت عليك شرطا لم يتضمنه العقد وتقول المبتاعة: بل أنا شرطت عليك فيه كذا مما لم يتضمنه العقد فحكم الحاكم على كل واحدة منهما لصاحبتها بما تضمنه العقد من أن البيع لم يكن فيه شرط، ولا ثنيا، ولا خيار، بعد الإعذار إلى كل واحدة منهما، كما ذكرت في سؤالك، وما أشبه ذلك مما يمكن أن تكونا تداعتا فيه، ثم رجع الشاهد أن بعد الحكم بما تضمنه العقد من أن البيع لم يتصل به شرط، ولا ثنيا، ولا خيار، فشهد لكل واحدة منهما على
صاحبتها بما ادعته، أو لإحداهما دون الأخرى، فالحكم جائز نافذ، لا يبطله رجوع الشاهدين عن شهادتهما.
تجريح الشاهد بالرجوع عن الشهادة
فإن كان قالا أولا، إذ شهدا أنهما أشهدتاهما على أنهما لم يكن بينهما شرط، ولا ثنيا، ولا خيار، ثم رجعا عن ذلك بعد الحكم كان ذلك جرحة فيهما، ولم تجز شهادتهما فيما يستقبل.
وأما إن كانا لم ينصا على ذلك، أولا، في شهادتهما، وإنما شهدا أنهما أشهدتاهما بما تضمنه العقد، ثم رجعا بعد الحكم فشهدا بما شهدا به، وقالا: لم نظن أولا إلا أن العقد قد تضمن ذلك فلا يكون ذلك جرحة فيهما، وتجوز شهادتهما فيما يستقبل، ولا يبطل ما تضمنه العقد مما سوى ذلك.
وقد كنا في سعة من ترك الجواب لإبهام السؤال عن موضع الحاجة إلى الجواب لَكِنَّا تكلفنا ذلك رجاء ما عند الله تعالى في ذلك من الثواب، مع رغبة من رغبه من الإِخوان.
وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.