[129]- أموال الولاة المعتدين، والمربطين، والمرتشين.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الفقيه، الإمام الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد رضي الله عنه: ان سأل أحدهم عن حكم أموال الظلمة، والولاة المعتدين، ومن كان في معناهم، كالمرابين والمرتشين، وأشباهم من المخلطين، في خاصة
أنفسهم، وما يجوز من معاملتهم.
حالتان لهذه الأموال
فالجواب: أن ذلك ينقسم على قسمين:
أحدهما: أن يكون الحرام قد ترتب في ذمة آخذيه، وفات رده بعينه، إلى أربابه ومالكيه.
والثاني: أن يكون الحرام قائما بعينه، عند آخذيه، ولم يفت رده بعينه، إلى أربابه ومالكيه.
صور الحالة الأولى: المال الحرام في الذمة.
فأما القسم الأول، وهو أن يكون الحرام قد ترتب في ذمة آخذيه، وفات رده بعينه إلى ربه، ومالكيه، فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون الغالب على ماله الحلال.
والثاني: أن يكون الغالب على ماله الحرام.
والثالث: أن يكون ماله حراما، اما بأن لا يكون له ماله حلال، واما بأن يكون قد استهلك من الحرام أكثر مما كان له من الحلال، فيكون مستغرق الذمة بالحرام.
فأما الحال الأولى، وهى أن يكون الغالب على ماله الحلال،
فالواجب عليه، في خاصة نفسه: ان يستغفر الله تعالى، ويتوب اليه، برد ما عليه من الحرام لأربابه ان عرفهم، أو التصدق به عنهم، ان لم يعرفهم: فما كان من ذلك غضبا، أو سرقة أو خيانة، تصدق بوزنه، ان كان عينا، أو بالاكثر من قيمته يوم غصبه، أو الثمن الذي باعه به، إن كان عرضا، فباعه.
وقد قيل: ان عليه أكثر مما انتهت اليه قيمته من يوم غصبه إلى يوم باعه، أو من الثمن الذي الذي باعه به.
وان علم صاحبه في ذلك كله، اداه اليه، وما كان من ذلك من تغريم مال أغرمه أهل عمله للوالي، الذي قدمه على وجه العداء، لزمه أن يغرم لهم جميع ما قبضه منهم، وارتفع اليه، وجرى على يديه، دفعه إلى الوالى الذي قدمه، أو استأثر به نفسه، وان لم يعرفهم بأعيانهم تصدق به عنهم.
وكذلك ما أهدي اليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: هدايا الأمراء غلول كانت الهدية التي أهديت اليه على رد مظلمة، أو حكم بحق، أو قضاء بجور، غير أنها ان كانت على قضاء بجور، لزمه مع غرم الهدية، غرم ما أتلف على المحكوم عليه بالجور.
وما كان من ذلك من ربا، أربي فيه في عرض، أو دين، لزمه أن
يتصدق بالزائد على رأس ماله من الدين أو العرض، لقول الله عز وجل:
﴿وان تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾
[سورة البقرة اللآية: 279]
وان كان الربا من بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق، متفاضلا، لزمه أن يتصدق بما أخذ زائدا على ما اعطى، وان كان هو الذي أعطى الزائد، لم يلزمه الاستغفار.
وان كان الربا من بيع دنانير بدراهم، أو دراهم بدنانير، نظرة لزمه أن يتصدق بما زادت قيمة ما أخذ على ما أعطى، بصرف يوم يتحرى من ذلك.
والاختيار: أن يتصدق بما زادت قيمة ما أخذ على ما أعطى، بأعلى الصرفين.
وان علم من بايعه في ذلك كله، رد عليه ما أربى فيه معه.
فاذا فعل ذلك كله سقطت جرحته، وصحت عدالته وبرئ من الاثم، وطاب له ما بقي من ماله، وجازت مبايعته فيه، وقبول هديته وأكل طعامه، باجماع من العلماء.
[121]
معاملة صاحب المال المشبوه.
واختلف إذا لم يفعل ذلك، في جواز معاملته وقبول هديته، وأكل طعامه فأجاز ابن القاسم معاملته، وأبى ذلك ابن وهب، وحرمه أصبغ، وقبول هديته وأكل طعامه محمول على ذلك.
وقال ابن القاسم هو القياس، لأن الحرام قد ترتب في ذمته، فليس
متعينا في جميع ما في يده من المال، بعينه شائعا.
وأما قول ابن وهب فوجهه: أن الحرام.
لما اختلط بماله.
صار شائعا فيه، فاذا عامله في شيء منه، فقد عامله في جزء من الحرام، فرأى ذلك من المتشابه، ومنع على وجه التوقي، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى المشتبهات، استبرأ لدينه﴾
وعرضه الحديث.
وأما قول أصبغ فانه تشديد، على غير قياس، لأنه جعل ماله كله عينا حراما، لأجل ما خالطه من الحرام، فقال: ان من عامله فيه وجب عليه أن يتصدق بجميع ما أخذ، وهو بعيد،، والله أعلم.
ترجيح قول ابن وهب.
فترك معاملته والامتناع من قبول هديته، أولى لمن أراد التورع لاسيما إذا كان ممن يقتدى به.
والله الموفق لمن يشاء برحمته.
[2]
وأما الحال الثانية، وهو أن يكون العالب على ماله الحرام، فالحكم فيما يجب على صاحبه، في خاصة نفسه، على ما تقدم سواء.
معاملة صاحب المال الغالب عليه الحرام.
وأما معاملته، وقبول هديته، فمنع من ذلم أصحابنا، قيل: على
وجه الكراهة وقيل: على وجه التحريم، الا أن أن يبتاع سلعة حلالا فلا بأس أن تشتري منه، وأن تقبل منه هبة، ان علم أنه قد بقي بيده ما يفي بما عليه من التباعات، على القول بأن معاملته مكروهة.
وأما لو ورث سلعة، أو وهبت له لجاز أن تبتاع منه، وأن تقبل هبة، قولا واحدا والله أعلم.
[3]
وأما الحال الثالثة، وهي أن يكون المال كله حراما، اما بأن لا يكون له مال حلال، واما بأن يكون قد استهلك من الحرام أكثر مما كان معه من الحلال، فالواجب عليه، في خاصة نفسه، أن يتصدق بجميع ما في يديه من المال، أو بعضه، في وجه من وجوه منافع المسلمين، على اختلاف بين أهل العلم: هل حكم هذا المال، الذي قد جهل أهله حكم الصدقة، أو حكم الفيء؛ حتى لا يبقى معه منه شيء، الا ما يستر به عورته، ويسد به جوعته.
المديان وصاحب هذا المال الحرام كله.
والفرق بينه وبين المديان، الذي يترك له، إذا فلس، لبسة مثله وثوبا جمعته، إذا لم يكن لهما كبير ثمن وما يعيش به هو وأهله
الأيام اليسيرة: أن الغرماء عاملوا المفلس باختيارهم، فدخلوا معه على أن يلبس ما يشبه، وينفق على أهله وعياله، بخلاف هؤلاء، الذين لم يعاملوه، ولا دخلوا معه على ذلك، ولا أذنوا له في شيء منه.
معاملة صاحب المال الحرام.
وأما معاملته، ومبايعته في ذلك المال، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا تجوز مبايعته فيه، ولا معاملته، ولا قبول هديته، ولا أكل طعامه، وان كان الشيء الذي وهب، أو الطعام الذي أطعم، قد علم أنه اشتراه، أو ورثه، أو وهب له، لأنه إذا صار اليه، وملكه، بوجه من الوجوه، وجب لأهل تباعاته، فصار حكمه كحكم سائر ما في يديه، فلم يجز له اتلافه عليهم بهبة ولا غيرها، وان جهلوا؛ لأنه في حكم المديان الذي قد اغترقت الديون ذمته، لا تجوز هبته عندنا، خلافا لأهل العراق.
والقول الثاني: أن مبايعته ومعاملته تجوز في ذلك المال، وفيما اشتراه من السلع أو ورثة، أو وهب له، إذا عامله بالقيمة، ولم يحابه ولا تجوز هبته في شيء من ذلك ولا محاباته فيه.
ووجه هذا القول: أنه إذا عامله بالقيمة، لم يدخل على أحد من أهل تباعاته نقصا.
ترجيح
والقول الأول هو الصحيح: لأن البيوع على وجه المكايسة، لا تنفك من المغابنة فقد يكون الذي يأخذ أكثر من الذي يعطي، بما يتغابن الناس في مثله، في البيوع، وقد ترخص السلعة، التي باع منه، أو تغلو التي اشترى منه، فيكون قد أدخل على أهل تباعاته بذلك نقصا بغير اذنهم.
ولأنه في هذه الحال، لاستبداده بالحرام، وامتناعه من جريان الحق عليه، في حكم المضروب على يده، لا تجوز مبايعته؛ ألا ترى أنه لا يجوز له أن يقضي بعض أهل تباعاته دون بعض، ان علمهم، بخلاف من أحاط بماله، لأن الغرماء قد دخلوا معه على أنه يبيع [122] ويشتري، فهو مطلق على ذلك، ما لم يضربوا على يده ويفلسوه، وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، على اختلاف من قول مالك رحمه الله في ذلك.
والقول الثالث: أنه لا يجوز لأحد أن يبايعه في ذلك المال، فان باع منه أحد سلعة كانت تلك السلعة عليه حراما، وكان الثمن على البائع حراما.
فان باع هو تلك السلعة، التي اشتراها بذلك المال، وكان أصلها طيبا، طابت للمشتري، وكذلك لو أهداها لرجل، طابت للمهدى له وكذلك ما ورث من السلع، أو وهب له يجوز أن تشتري منه، وان تقبل منه هدية.
وهذا القول يروى عن ابن سحنون وابن حبيب، قال ابن حبيب: وكذلك هؤلاء العمال ما اشتروه في الأسواق، فأهدوا لرجل، طاب للمهدى له.
ووجه هذا القول: أن العين الحرام من الدنانير والدراهم لا تؤثر فيه الغيبة عليه، فهو ما كان في يديه، له حكم العروض المعينات، لا يجوز أن تشترى منه، ولا أن تقبل منه هدية، فاذا اشترى به عرضا، صار الثمن في ذمته، لتحويله في العرض، وكان عليه، هو ذلك العرض حراما، لأنه اشتراه بمال حرام، فان وهبه لرجل، أو باعه منه، طاب للمشترى وللموهوب له، لأن أصله حلال، وقد ترتب الحرام في ذمة البائع والواهب، فهو المأخوذ به، والمسؤول عنه.
وما روي: أن سحنون أتى بدينارين من مديان لا يرضاه فأرسل بهما إلى رجل، ليبد لهما له، فاستجازهما لتبدل الملك، ولا وجه له، الا أن يكون معناه: أنه كرههما لفساد سكتههما، لا لخبث أصلهما فاستجازهما لتبدل الملك اليه، من عند الذي أتى بهما من عنده، فيتخرج ذلك على القول الرابع، الذي نذكره، بعد، ان شاء الله ويكون ذلك، أيضا، خلاف المعروف من قوله، والمعلوم من روعه وفضله.
وأما أن يكون أنه روي: أنهما طابا له بالمبادلة، فذلك بعيد، اذ
لا اختلاف بين أحد أهل العلم، أن المأخوذ في عوض الحرام حرام وانما الاختلاف في المأخوذ في عوض الحلال من الحرام إذا كان عينا قد غاب عليه صاحب الحرام، على ما سنذكره ان شاء الله.
شراء السلعة الحلال بمال حرام.
ففي شراء السلعة الحلال، تشترى بمال حرام، ثلاثة أقوال.
[1]- أحدها: أن ذلك جائز، علم البائع بخبث الثمن، أو لم يعلم وهو قول ابن سحنون، وابن حبيب.
[2]- والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول سحنون.
[3]- والثالث: أن ذلك جائز، ان علم البائع بخبث الثمن، ولا يجوز ان يعلم، وهو ابن عبدوس.
قال الدوادي نحا ابن عبدوس في قوله منحى الورع، ولم يصب، لأنه إذا لم يعلم، أعذر منه إذا علم.
وليس قول الداودي بصحيح، وانما المعنى، فيما ذهب اليه ابن عبدوس أنه إذا علم البائع بخبث الثمن، فقد رضي بمعاملته، وصحت السلعة للمشترى، فجاز أن تشترى منه، واذا لم يعلم بخبث الثمن، كان له، إذا علم، أن ينقض البيع، ويسترد سلعته، لأنه يقول: انا لم أرض بمبايعة من استغرقت ذمته بالحرام، فاذا أوجب له نقض
البيع، وأخذ سلعته، لم يجز أن تشترى من المشتري، وهو كلام صحيح ينبغي أن يحمل على التفسير لقول ابن سحنون وابن حبيب، بأن يتأول عليهما أنهما إنما أراد بالمساواة بين أن يعلم البائع أو لا يعلم، في حين عقد البيع، إذا علم بعد ذلك، ورضي، فترجع المسألة إلى قولين:
أحدهما: قول سحنون، أن ذلك لا يجوز وهو الصحيح، لما قد ذكرناه من أنه في حكم المضروب على يده.
والثاني: أن ذلك جائز، إذا علم البائع بخبث الثمن، وكذلك لو ورث السلعة، أو وهبت له، لتخرج جواز شرائها منه على قولين، والله أعلم.
والقول الرابع: أن المال الخبيث الحرام، إذا كان عينا، فهو على غاصبه حرام، فان وهبه لرجل، أو اشترى به منه سلعة، بعد أن غاب عليه، فهو حلال للبائع والموهوب له، حكي هذا القول عن ابن مزين وغيره، وعلى هذا، يرث ذلك المال عنه ورثته وهو قول ابن شهاب والحسن البصري:
روي عن ابن شهاب أنه قال: فيمن كان على عمل، فكان يأخذ
منه الرشوة، والغلول، والخمس، وفيمن كانت أكثر تجارته الربا:
أن ما تركا من الميراث سائغ لورثتهما، بميراثهم، بميراثهم، الذي فرضه الله لهم، علموا بخبث كسبه، أو جهلوه واثم الظلم على حانية.
وروي عن الحسن أنه دخل على عبد الله بن الأهتم، يعوده في [123] مرضه فجعل عبد الله يصوب النظر إلى صندوق في بيته، فقال له: يا أبا سعيد، هذه مائة ألف، لم أود منها زكاة ولم أصل منها رحما، فقال الحسن لولده، بعد موته: أتاك هذا المال حلالا، فلا يكن عليك وبالا، أتاك، عفوا صفوا، ممن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، ومن حق منعه.
جوائز الخلفاء بين مالك والليث.
ومن حجة من ذهب إلى هذا القول: أن عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، لما ولي أعطي بيت المال، الذي وجده لمن قبله من أمراء الجور الفقهاء وغيرهم ممن يستحي العطاء، لأن ذلك قد صار مضمونا على جابيه في الذمة.
وهذا لا حجة فيه، لأن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة أدى ما علم من المظالم في بيت المال.
وقد كانوا يجبون الحلال والحرام.
وقد قال سحنون في العتبية: ان جل ما كان يدخل بيوت الأموال بالامر المستقيم والذي كانوا يظلمون فيه قليل في كثير وهذا والله أعلم، تأول من قبل جوائز من لا يرضي من الخلفاء،
كالليث ومالك، رحمهما الله لأنه قد روي عن مالك أنه قال: المال المأخوذ في غير حق لا يحل لقاض في رزقه، ولا لعالم ولا لغيره.
فلم يكن مالك، رحمه الله ليأخذ من مال يعتقد أنه لا يشوبه حلال، وهو يطلق القول فيه بأن ذلك يحل، وانما أخذ مما اعتقد أنه يشوبه الحلال تقية على نفسه ومداراة عليها، وهو لذلك كاره، ألا ترى أنه كان ينهى الناس عن الأخذ، فاذا قيل له: فإنك تأخذ؟ أكره أن أبوه باثمي واثمك.
وهذا الاختلاف كله انما يصح إذا جهل أهل التباعات، وأيس من معرفتهم، وأما إذا علموا وتعينوا، فلا يصح من ذلك إلا القول الأول، والله أعلم.
المستغرق الذمة بالحرام عندما تشغل ذمته من جديد.
فصل.
ولو اغتصب هذا المستغرق الذمة بالحرام رجلا دنانير، أو دراهم، أو طعاما، فغاب على ذلك، ولم يعرف بعينه، لساغ للمغصوب منه أن يضمنه في ذلك كله المثل، اذ لم يدخل على أهل تباعاته، لما أخذ نقصا.
وكذلك لو اغتصب منه سلعة، فجحدها، لساغ له أن يضمنه قيمتها، لأنه لا يدخل بذلك، أيضا، على أهل تباعاته نقصا، قولا واحدا.
وأما لو جنى على دابة رجل، فقتلها، أو على ثوبه، فخرقه، أو أفسده، لما ساغ له أن يضمنه القيمة في ذلك إلا على القول
الرابع، لأنه يدخل بذلك على أهل تباعاته نقصا.
وكذلك اجارة في حجامته الا على القول الرابع، لأنهم يدخلون بذلك على أهل تباعاته نقصا، ولو كانت الاجارة فيما يتعلق بماله لجرت مجرى مبايعته وقد تقدم القول في ذلك.
المستغرق الذمة بالحرام لا يتزوج بالمال المغصوب.
ولا يجوز له، هو، أن يتزوج بذلك المال، لأنه كالمضروب على يده فيه، وقد سئل مالك، رحمه الله، عن الرجل، يتزوج بالمال الحرام: اتخاف أن يكون ذلك مضارعا للزنا؟ فقال: إي والله، إني لأخافه، ولكني لا أقوله.
وكذلك لا تخالع به المرأة زوجها، ان كانت امراته ولا يؤدى منه أرش جناية عمدا كانت أة خطأ، ويطيب المهر للمرأة والخلع للزوج، والارش للمجني عليه على القول الرابع وان كان ذلك لا يجوز للدافع.
المستغرق الذمة بالحرام لا يورث عنه ماله ولا تجوز وصاياه.
فصل.
ولا يرثه عنه ورثته، ولا تجوز فيه وصاياه، لأن التباعات التي عليه هي احق بماله ورثته، ومن أهل وصاياه، لأنها ديون
عليه ولاميراث لأحد الا بعد أداء الدين لقول الله عز وجل: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [سورة النساء الآية: 12]
فان جهل أهل التباعات ويئس من معرفتهم تصدق بالمال عنهم، فان كان الورثة فقراء فقد ساغ لهم أن يأخذوه على سبيل الصدقة عن أهل التباعات لا على سبيل الميراث عن مورثهم هذا هو الصحيح من الأقوال.
وما تقدم عن الزهري، والحسن البصرى، انما يتخرج على القول الرابع على ما ذكرناه.
وقد قيل: ان ورثته ان كانوا ممن ينتفع بهم المسلمون ويغني عنهم في وجه من الوجوه، التي يجب أن يرزقوا عليها من بيت المال، ساغ لهم ان يأخذوه أيضا لانتفاع المسلمين بهم، على مذهب من يرى حكم هذا المال حكم الفيء لا حكم الصدقة.
والقياس على ها القول: أن يأخذوه على سبيل الميراث لأنه إذا رأى حكمه حكم الفيء، فقد أسقط حق أهل التباعات منه للجهل، [124] واذا أسقط حقهم منه وجب أن يكون ميراثا للورثة للموالي بالنسب، كما أنه إذا سقط حق الورثة، للجهل بقعددهم كان ميراثا للموالي بالولاء ولو لم يسقط حق أهل التباعات منه للجهل بهم لوجب أن يتصدق
به عنهم وهو القول الآخر وهذا بين.
الحالة الثانية المال الحرام لا زال بعينه.
وأما القسم الثاني، وهو أن يكون الحرام قائما بعينه، عند آخذه لم يفت؛ رده بعينه إلى ربه ومالكه، فسواه كان له مال سواه أو لم يكن، لا يحل لأحد أن يشتريه منه ان كان عرضا، ولا يبايعه فيه ان كان عينا، ولا يأكله أن كان طعاما، ولا يقبل شيء من ذلك هبة، ولا يأخذه منه في حق له عليه، ومن فعل شيئاً من ذلك، وهو عالم، كان سبيله سبيل الغاصب، في جميع أحواله.
وكذلك إذا فات عند الغاصب، ولم تذهب عينه بأمر من السماء، أو بجناية غير الغاصب عليه، لأن ذلك لا يقطع تخيير صاحبه في أخذه.
وكذلك أيضا، لو أفاته الغاصب افاته لا تقطع تخيير صاحبه في أخذه، مثل أن تكون شاة، فيذبحها، أو بقعة فيبنيها، أو ثوبا فيخيطه، أو يصبغه، وما أشبه ذلك.
ولو أفاته إفاتة تلزمه بها القيمة، أو المثل، فيما له مثل، ويسقط خيار بها في أخذها، عند بعض بعض العلماء، كالفضة يصوغها حليا، أو الصفر يعمل منه قدحا، أو الخشبة يصنع منها توابيت، أو ابوابا، أو الصوف والحرير والكتان يعمل من ذلك ثيابا وما أشبه ذلك، لما جاز، ايضا لأحد أن يشتريه، ولا أن يستوهبه لجلالة من يقول من العلماء: ان
لرب هذه الاشياء أن يأخذ الفضة مصوغة، والصفر معمولا، والخشب مصنوعا، والثياب، دون شيء يكون عليه للغاصب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ليس لعرق ظالم حق﴾.
ألا ترى أن رجلا لو غصب قمحا فطحنه، وخبزه، وشاة، فذبحها، وصنع منها طعاما، انفق عليه في عمله أضعاف قيمته، لما ساغ لأحد ان يستحيز أكله، على قول من لا يرى لربه الا مثل القمح، وقيمة الشاة.
غصب العمل أو البذار.
ولو غصب الغاصب بقرا وعبيدا، فحرث بأولئك العبيد، وتلك البقر أرضا حلالا، بزريعة حلال فرفع من ذلك زرعا لكان اشتراه ذلك الزرع منه مكروها مذهب حتى يصلح شأنه مع رب العبيد والبقر، لا خلاف في أن الزرع للغاصب، وليس قوة الكراهة في ذلك ككراهة شراء القمح، الذي غصبت زريعته، لأن من اهل العلم من يرى الزرع لصاحب الزريعة.
غصب الأرض.
وأما من غصب أرضا، فزرع زريعة حلالا، فلا يجوز الاشتراء من قمحه، لأن الخلاف في أن الزرع لصاحب الارض قوى مشهور، لقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ليس لعرق ظالم حق﴾.لأنه يشبه ولادة الحيوان المتفق عليها.
الأصل العام للمعاملة مع الغاصب.
فعلى هذا فقس ما أشبه هذه الوجوه:
ما كان من ذلك لا اختلاف بين أهل العلم أنه لا حق للمغصوب منه في عينه، ولا تخيير له في أخذه، فيكره اشتراه ذلك من الغاصب؛ حتى يصلح شأنه مع المغصوب منه.
وما كان من ذلك فيه اختلاف ضعيف شاذ، قويت الكراهة في اشترائه من الغاصب، قبل أن ينصف المغصوب منه.
وما كان من ذلك فيه لا اختلاف في أن المغصوب مخير في أخذه، لم يحل لأحد اشتراؤه.
فقف على هذا الاصل، واحمل عليه جميع فروعه، تصب ان شاء الله.
تفويت المغصوب معاوضة.
فصل.
واما إذا أفات الغاصب الشيء المغصوب بالمعاوضة فذلك يختلف على ما أذكره.
بيع الغاصب العرض المغصوب بعرض آخر.
أما ان باع الغاصب العرض، الذي اغتصبه، بعرض آخر، لم يحل لأحد أن يشتري منه، أيضا، ذلك العرض، من أجل أن للمغصوب منه أن يأخذه، لأنه ثمن عرضه، الا أن يفوت العرض عند الغاصب، فيختار منه أن يأخذ عرضه من المشتري، فيجوز حينئذ أن يشترى ذلك العرض من الغاصب.
وان لم يكن مستغرق الذمة، على ما تقدم من مذهب ابن القاسم.
وكذلك ان باع الغاصب العرض الذي اغتصبه بعرض، ثم باع ذلك العرض بعرض آخر، لم يحل أن يشتري منه ذلك العرض، الا أن يفوت، فيختار المغصوب منه أن يأخذ عرضه من المشتري، الأول أو ثمنه من المشتري الثاني، ويكون الغاصب غير مستغرق الذمة، على ما تقدم من مذهب ابن القاسم، أيضا.
بيع العرض المغصوب بدنانير أو دراهم.
ولو باع الغاصب العرض، الذي اغتصبه بدنانير أو دراهم لم يجز لأحد أن يبيعه عرضا بتلك الدنانير والدراهم بأعيانها، ان لم يكن مستغرق الذمة، الا على تأويل ضعيف وهو أن العين لا يتعين، على قول قائل.
ولو اشترى الغاصب بالدنانير أو الدراهم بأعيانها التي باع بها العرض المغصوب عرضا آخر، لجاز أن يشتري منه ذلك العرض، ان لم يكن مستغرق الذمة، لأن المغصوب منه لا سبيل له على هذا العرض، وانما هو مخير بين أخذ عرضه من الذي اشتراه، ويرجع الذي اشتراه
على الغاصب بالثمن، وبين أن يجيز البيع ويأخذ مثل الثمن من [125] الغاصب ومن أهل العلم من لا يرى للمغصوب منه ان يجيز البيع ويأخذ الثمن، لأن الاستحقاق عنده يبطل البيع، فكان لم ينعقد، فيرى الصفقات كلها منتقضة، لأن العين عنده كالعرض، ان كان اشترى به بعينه، ولم تقع الصفقة بالعرض، ثم دفع تلك العين.
شراء سلعة بدراهم أو دنانير مغصوبة بأعيانها
ولو غصب الغاصب دنانير، أو دراهم، لم يجز لأحد أن يبيع بها منه سلعة، ولا أن يقبلها منه هبة، وان لم يكن مستغرقة الذمة ولا أن يأكل من طعام اشتراه بتلك الدنانير أو الدراهم؛ وهذا إذا اشترى الطعام، أو السلعة، بتلك الدراهم أو الدنانير بأعيانها، لأن من أهل العلم من يرى البيع بها منفسخا، ويجعل الطعام والسلعة باقيين على ملك بائعها.
شراء سلعة بدراهم أو دنانير مغصوبة، على الذمة
وأما لو اشترى ذلك على ذمته، ثم نقد فيه تلك الدنانير أو الدراهم المغتصبة، لكان أكل ذلك الطعام، وشراء تلك السلعة مكروها، حتى ينصف المغصوب منه الدنانير أو الدراهم، أو يتحلل منها.
شراء سلعة اشتريت بدنانير أو دراهم مغصوبة
ولو غصب الغاصب دنانير أو دراهم، فاشترى بها بأعيانها سلعة لم يجز أن تشترى منه تلك السلعة، اذ من أهل العلم والعمل من يقول:
ان البيع الواقع بها غير منعقد، وان السلعة باقية على ملك بائعها، على ما ذكرناه، وهو قول الشافعي والمروزي وجماعة سواهما.
وقد قيل: ان البيع منعقد، وللمغصوب منه الدنانير والدراهم أن يأخذ السلعة، السلعة التي اشترى بها الغاصب.
وعلى قياس هذا القول، يأتي قول عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما ونافع مولاه، فيمن تعدى على وديعة فتجر فيها، وربح فيها: أن الربح لصاحبها.
غلة المغصوب
فصل، واختلف في غلات المغصوب، فقيل: انها للغاصب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿الخراج بالضمان﴾ وقيل: انها للغاصب الا ما كان منها متولدا عن الشيء المغصوب، كلبن الغنم، وصوفها، وثمر الشجر فانه للمغصوب منه، لأنه متولد عن الشيء المغصوب، فأشبه ولادة الحيوان، وقيل: انه ليس للغاصب من ذلك إلاكراء الحيوان والثياب وهو الذي يأتي على آخذ قولي مالك في المدونة وقيل: انه ليس للغاصب من ذلك شيء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ليس للعرق ظالم حق﴾ وقيل: ان حكم غلات المغصوب كلها حكم الشيء المغصوب في جميع الاشياء.
مراعاة الخلاف.
فلا يجوز، لهذا الاختلاف لأحد أن يبتاع من الغاصب شيئاً من غلات المغصوب كلها كانت تمر نخل أو لبن شاة، أو خراج رقيق، أو
كراء مساكن، ولا أن يستجيز قبول شيء من ذلك على وجه الهبة والعطية الا ان أشد هذه الأشياء، وأثبتها في التحريم، لبن الماشية وصوفها، وثمر النخيل وسائر الاشجار لقلة القائلين من أهل العلم: انها للغاصب، ثم يليها كراء المساكين، ثم يليها كراء الحيوان، والثياب، لكثرة القائلين من أهل العلم: انها للغاصب.
وبالله التوفيق.
لا شريك له.