[258]- هل يعتبر الجهل في السياقة جهلا في الصداق؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وسأله، رضي الله عنه، الفقيه أبو مروان ابن مسرة، رحمه الله، عن سياقة ساقها رجل لزوجه، عند عقد نكاحها، وقعت في عقد صداقها، احتكم عنده فيها، أيام توليته الأحكام بحصن الفنداق، حماه الله، وهي: الجزء الخاص بالسياقة من عقد الصداق " وساق الناكح فلان لزوجه فلان دارا بقرية كذا، وتكسير ثلث
مُدْي من أرضه؛ نصفه في الأرض البيضاء، ونصفه في الزيتون ".
وكان في السؤال أنه لا يعرف " التكسير " بقرية الزوج ولا هو جار عندهم.
فأجاب، رضي الله عنه، بما هذا نصه: تصفحت - وفقنا الله وإياك - سؤالك هذا وعقد الصداق الواقع في بطنه، ووقفت على ذلك كله، وتأملت فصل السياقة المذكورة في كتاب الصداق.
والذي أقول به فيها: أنها جائزة على حسب ما وقعت، والعقد عليها صحيح، وإن كان قد وقع فيها تقصير من الكاتب؛ إذا لم يذكر معرفتهم بمقدار مساحة المدي فيما ساق الزوج إليها من أرضه وزيتونه؛ في القرية المذكورة، ولا معرفة الزوج، ولا الزوجة بأرض الزوج في القرية المذكورة، ووقوفها على طيبها من رديئها، وبعلها من سقيها ولا على جودة الزيتون من رديئها، ولا على صفاقتها؛ لأنهم محمولون على العلم والمعرفة بذلك كله، ما لم يعلم دخولها على الجهل به، بتقاررهم على ذلك، فيكون حينئذ الحكم في ذلك حكم النكاح الفاسد لصداقه.
فالواجب فيما سألت عنه أن يعرف " تكسير " مبذر المدي في أرض تلك القرية المذكورة يوم عقد النكاح، فنعرف ما يقع من ذلك تكسير سدس المدي، فتكون شريكة له بذلك الجزء ما بلغ، قل؛ أم كثر، في جميع ما كان له من الأرض بالقرية المذكورة يوم عقد النكاح، جيدها ورديئها، بعلها وسقيها، على الإشاعة معه في ذلك كله.
وكذلك يفعل فيما كان له من الزيتون بالقرية يوم عقد النكاح،
يكسر جميع أرضها فما وقع من ذلك تكسير سدس المدي كانت به شريكة في جميعها على الإشاعة، ولا يلتفت في هذا، إلى جهل أهل ذلك البلد بوجه تكسير المدي في البلد الذي كتب فيه الصداق ولا إلى معرفتهم بذلك، إذ لا يوجب بذلك حكما سوى ما وصفناه.
وأما الدار التي ساق إليها فلم تعين في كتاب الصداق، ولا حدث فيه، فالذي أختاره في ذلك، وأقول به، وأتقلده، مما قاله أهل العلم في ذلك: أن ينظر؛ فإن كان للزوج في القرية دار على الصفة المذكورة في كتاب الصداق، كانت لها، وإن لم تكن له في القرية دار على تلك الصفة قضي لها في ماله بقيمة دار في القرية المذكورة، على الصفة الموصوفة في كتاب الصداق، في أواسط مواضعها، لا في أدناها ولا في أعلاها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
مناقشة بين أبي الوليد بن رشد، وتلميذه ابن مسرة
فلما وقف الفقيه أبو مروان ابن مسرة على هذا الجواب، قال له: أين يقع تجويز هذا مما ذكره ابن حبيب في الواضحة على ما نقله فضل في مختصره، وهو قوله، في باب مهور النساء: " ومن الغرر في الصداق أن يتزوج الرجل المرأة بأرض لزوج، ولا يسمى موضع الأرض، ولا حدودها، ولا ذرعها، ولا تعرف بعينها، أو توصف بحالها،
ويفسخ به النكاح قبل البناء، ويثبت بعد البناء، وترد المرأة إلى صداق مثلها، ولا تعطى وسطا من الأرض.
وسواء أصدقها أرضا، وسكت، أو قال: أرضا لزوج بقرية، أو قال: أرضا لزوج تختارها من أرضي، في قرية فلانة.
إلا أن يقول: أرضا لزوج في قرية فلانة، ولم يقل تختارها؛ فإن كانت قد عرفت أرضه في تلك القرية، أو عرف ذلك أبوها، إن كانت بكرا، فذلك جائز وتكون شريكة له في أرض قريته، بأرض زوج، إن كانت أرضه لثلاثة أزواج فلها ثلثها، وإن كانت لزوجين فلها نصفها، وهكذا قال لي أصبغ وغيره، عن مالك ".
فقال له القاضي أبو الوليد، رضي الله عنه:
قول ابن حبيب: " إلا أن يقول: أرضا لزوج من قرية فلانة "، معناه إلا أن يقول: أرضا لزوج من أرضي في قرية فلانة؛ لأن الاستثناء لا يعود إلا على أقرب مذكور.
فالذي ذهب إليه: أنه إذا قال: أرضا لزوج من أرضي في قَرْيَةِ فلانة لم يجز، إن قال: تختارها، وجاز إن لم يقل ذلك، وتكون شريكة له في أرض قريته، بزوج، إن كانت أرضه في القرية لثلاثة أزواج كان لها الثلث منها على الإشاعة، وإن كانت أرضه بها لأربعة أزواج كان لها منها الربع، على الإشاعة، وكذلك إن زادت أرضه على ذلك أو نقصت عنه.
وسواء على مذهبه أكانت أرضه مستوية في الطيب والكرم، أو غير مستوية، على شيء واحد من سقي أو بعل، أو نَضْحٍ، أو مختلفة في
ذلك، على أصله في أنه لا يجوز شراء ثوب من ثياب على الخيار، إلا أن تكون الثياب، على صفة واحدة مستوية في الجودة لأن الأرض، وإن كانت مستوية فالأغراض في نواحيها مختلفة.
وعلى هذا يأتي قول غير أبي القاسم في كتاب كراء الأرضين من المدونة في أن كراء الأرض بالأذرع لا يجوز وإن كانت مستوية.
ويجوز على مذهب ابن القاسم، في جواز تزويج الرجل المرأة بأرض لزوج على أن تختارها من أرضه، إذا كانت مختلفة في الطيب والكرم، على شيء واحد من سقي أو بعل أو نضح، قولان؛
أحدهما: أن ذلك جائز على ما أجازه في كتاب الخيار من المدونة في اشتراء ثوب، من ثياب، على الخيار، وإن كان بعضها أفضل من بعض، إذا كانت على رقم واحد.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، على ما وقع له في كتاب كراء الأرضين من المدونة، من أن كراء الأرض بالأذرع لا يجوز إذا كانت الأرض مختلفة، لأن المعنى فيها إنما هو إذا اكتراها بالأذرع على أن يختارها، فيأخذ من أي موضع شاء من أرضه.
ويقوم اختلاف قوله ذلك، من اختلاف قوله في جواز قسمة
الأرض بالسهمة إذا كانت مختلفة في الطيب والكرم، وأما إذا كانت مختلفة فيما تستقى به من عين أو نضح أو بعل فلا يجوز أن يتزوجها بأرض زوج على أن تختارها فيما أحبت من ذلك إلا على مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة، في المدونة.
وأما إذا لم يقل: على أن تختارها، فيجوز على مذهبهم، كلهم، استوت الأرض في الطيب والكرم، أو اختلفت في ذلك، أو فيما تسقى به من عين، أو نضح، أو بعل، وتكون شريكة له بمبلغ أرض الزوج في أرضه كلها، على الإشاعة، وإن اختلفت في جميع ما ذكرناه.
وبالله تعالى التوفيق.