[1]- اضطراب إشهادات بين الملك والعمارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فأما السؤال المطول فنسخة من أوله إلى آخر حرف فيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وصلى الله على محمد، وعلى أهله، وسلم تسليما أعزك الله يا سيدي، وَوَلِيِّي، بتوفيقك، وجعلك من الأنصار للحق، وفريقه، وأظهر بك ما درس من منهج طريقه، بمنه وطوله، كتبت - أعزك الله - وعندي من إعظامك وإكبارك وإيثارك ما
يكون عليه من عَرَفَ جليل مقدارك، والله يجعل معرفتنا له، وفيه، فذلك بيده، لا رب غيره.
استرعاء بالتصرف في حقل، وملك جزء منه.
استظهر عندي، وفقك الله، رجل بعقد تضمن معرفة شهدائه جشرا، بوادي بجانة، مشهورا، وأنهم يعرفون جعفر بن حمدون المعروف بحفيد القطاع، متكررا عليه، متصرفا فيه، وعامرا لجميعه، ويعلمون له من جملة هذا الجشر المذكور جميع الشقص الوسط الكائن في خلاله الصهريج الذي حدوده كذا، بجميع ما استقلت به ساحة الشقص والمقصبة، إلى غير ذلك، ويعلمون هذا الشقص ملكا خالصا لجعفر لا يشركه فيه غيره، ولا يعلمونه فوت شيئاً منه إلى الآن.
ممن يجوز الجَشَر المذكور، ويعرفه وأوقع شهادته بذلك في رجب سنة ثلاث عشرة وخمس مائة.
وثبت العقد المذكور عندي حسبما يجب به الثبت.
إشهاد على معاينة سابقة لموضع الشهادة
وشهد عندي من قبلت شهادتهم: أن الفقيه أبا الحسن بن أضحى كان قد أمر بحيازة الموضع المذكور، وقالوا: إن شهود العقد المذكور حازوه بحضرتنا، عن أمر الفقيه المذكور، أيام قضائه، وثبت كل ذلك عندي.
إشهاد على اعتراف المشهود له بالملك: أن له، فقط، العمارة
واستظهر المقوم عليه في الجَشَر المذكور، الذي يده عليه، وهو في حوزه، بعقد تضمن، بعد البسملة:
" اعترف جعفر بن حمدرون، المعروف بحفيد القطاع، بمحضر من يوقع اسمه أسفله: أن تصرفه في الجَشَر المذكور المحدود، الذي هو الآن ملك لأحمد بن سراج، إنما هو على وجه العمارة لهذا الجَشَر المذكور، كما كان قديما فيه لأربابه: بني أسود، إلى أن انتقل ملكهم عنده، وصار ملكا لأحمد بن سراج المذكور.
شهد بذلك كله من أوقع اسمه به، في شوال، سنة ثلاث عشرة، وخمس مائة.
حسن بن يوسف بن قاسم، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي العظام ".
شاهدان آخران يشهدان بالعمارة أيضا.
والذي يشهد به قاسم بن فلان: أنه يعلم جعفر بن حمدون عامرا في الجَشَر المذكور، ولا يعلمه يدعي فيه ملكأ لنفسه أكثر من العمارة، وذلك كله في مدة طويلة من نحو عشرين عاما.
ونافع، مولى فلان، يعلم جعفر بن حمدون عامرا في الجشر المذكور، ولا يعلمه يدعي فيه حصة لنفسه، ويعلم أن في قطعة من الجشر المذكور حصة تنسب إلى القطاع، لا يحد الحصة، ولا يَحُوزُها.
إشهاد على شهادة بوحدة المدعى فيه الملك والعمارة
وبعد شهادة الشهود، حضر، عن أمي القاضي أبي الحسن ابن أضحى، من تسمى من شهدائه، حيازة حسن بن يوسف، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي العظام، وقاسم بن فلان، ونافع مولى فلان، للجشر المذكور، وتطوفوا معهم عليه، فقالوا حين حيازتهم له، وتعيينهم إياه: هذا
الجَشَر الذي حزناه لكم، وعيناه، هو الذي شهدنا فيه عند القاضي أبي الحسن ابن أضحى، الشهادة المقيدة عنا أسفل عقد الاعتراف المذكور.
شهد بذلك من أشهده الحائزون، وحضر حيازتهم، وعاينها، وذلك في وقت كذا.
وثبت عندي عقد الحيازة بمن قبلت وأجزت.
إشهاد على اعتراف أحد الشهود بأن الجزء المملوك لجعفر كان موقفا بيده.
فاستظهر عندي، وفقك الله، جعفر بن حمدون بعقد تضمن معرفة شهدائه حسن بن يوسف بن قاسم، أحد شهود عقد الاعتراف بعينه واسمه، وأنه اعترف عندهم غير ما مرة، بأَنَّ الفقيه أبا عبد الله محمد بن مروان، صاحب أحكام القضاء للفقيه الزاهد أبي عبد الله بن يحيى، رحمه الله، أوقف بيده، مدة نظره في الأحكام بحضرة المرية، الشقص الثابت ملكه لجعفر بن حمدون، المعروف بحفيد القطاع، من الجشر المتنازع فيه، ويعلمونه يبيع غلة هذا الشقص، ويقبض ثمن فوائده من مبتاع ذلك باسم التوقيف الموصوف على يديه، إلى أن يستوفي الحكم في ذلك.
شهد بذلك من وقع اسمه به في جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة، وخمس مائة.
وثبت عندي العقد المذكور بمن قبلت وأجزت.
فتأمل، وفقك الله، هذه الجملة، وانظر إقرار الشاهد بأن الجشر كان موقفا بيده بحكم حاكم، ثم إن الجشر الآن بيد المقوم عليه،
لم يعلم حكم حاكم يرفع يد الأمين، الموقف عنده، عنه، فهل ذلك مما يسقط شهادته فيما شهد فيه؟
وكذلك تأمل شهادة من شهد بالعمارة، وزاد: أنه يعلم للقطاع، ولا يحده، ولا يعلم قدره.
وجاوب مأجورزا على كل حال، فصلا فصلا، موفقا إن شاء الله.
الجواب عليه: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وتولاك بكرامته، وعصمك بتأييده، وتوفيقه - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا كان قد ثبت عندك العقد الذي قام به جعفر بن حمدون، المؤرخ برجب من سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، بشهادة شهوده كما ذكرت، فمن تمام الشهادة أن يحوزوا، عن أمرك، الشقص الذي شهدوا به عندك أنه للقائم جعفر، من جملة الجشر المذكور؛ إن كانت الحيازة التي حيزت عن أمر القاضي ابن أضحى إنما شهد به عندك الشهود الذين كان وجههم القاضي المذكور ليحاز ذلك الشقص عليهم، إذ لا يصح الحكم بشهادتهم بذلك إلا له.
فإن حاز الشهود الشقص عن أمرك، وثبتت الحيازة المتقدمة عندك، بشهادة من كان أشهده القاضي المذكور على ثبوتها، إن كان قد أشهده على نفسه بذلك قبل أن يصرف عن قضاء الجهة، تمت الشهادة،
وثبت بها الشقص المحوز للقائم، ولم يبطل ذلك ما استظهر به المقوم عليهم من عقد الاعتراف، وإن ثبت بما يجب من الشهادة به عندك، والحيازة له، عن أمرك؛ إذ ليس فيما تضمنه عقد الاعتراف نص جلي في أنه لا حق له في شيء من الجشر المذكور، لاحتمال أن يريد بما اعترف به أنه يتصرف فيه، ويعتمره له، مع أنه له فيه الحق الذي شهد له به؛ إذ لم ينص فيما تضمنه عقد الاعتراف على أنه لا حق له فيه، فيشبه أن يكون إنما قصد إلى الاعتراف لمن سماه من الجشر بما سوى الشقص الذي شهد له به منه، إذ سئل ذلك، مخافة أن يظن جميعه ملكه له، لكونه بيده، وفي اعتماره.
ولو عرف السبب، الذي خرج عليه الاعتراف، لأشبه أن يتبين بذلك: هل قصد إلى الاعتراف بجميع الجشر المذكور، لمن سماه، أو إلى الاعتراف بأنه ليس هو له كله دونهم.
فإن لم يفت سؤال الشاهدين اللذين ثبت عقد الاعتراف المذكور بشهادتهما بموت أو مغيب، كان من وجه الاستبراء في الحكم أن يسألا عن ذلك؛ فإن فات سؤالهما، أو سئلا، فلم يذكرا من ذلك ما فيه بيان واضح لما وقع فيه الاعتراف المذكور، ولم يكن للمقوم عليه مدفع فيما شهد به للقائم عن الشقص في الجشر، ولا حجة يحتجون بها سوى الاعتراف المذكور، وجب القضاء للقائم عليه بما ثبت له في الجشر من الشقص المحوز؛ لأن ما تبين بالشهادة عليه، والحيازة له، لا يبطل
بأمر محتمل، بعد يمينه في مقطع الحق: أن الشقص الذي شهد له به من الجشر المذكور ماله وملكه، لم يفوته بوجه من وجوه التفويت، إلى حين يمينه هذه، ولا اعترف بأنه لا حق له فيه.
وأما شهادة الذي شهد أنه يعلمه عامرا في الجشر، ولا يعلمه يدعى فيه ملكا لنفسه، وشهادة الذي شهد بمثل ذلك، وزاد: أنه يعلم أن في قطعة من الجشر المذكور حصة تنسب إلى القطاع، لا يحوزها، فلا توجب واحدة منها حكما.
ولو صح على جعفر بن حمدون الاعتراف بأنه لا حق له في شيء من الجشر المذكور، بشهادة الشاهدين بذلك، لما بطلت شهادة أحدهما بما شهد به عليه من اعترافه، بأن الشقص وقفه بيده صاحب أحكام القضاء للفقيه القاضي ابن يحيى، رحمه الله.
فهذا وجه الحكم عندي فيما استطلعت فيه رأيي من هذه النازلة.
وإن أشرت في هذا الأمر بالصلح، وندبت إليه، وحضضت عليه، من خلال نظرك فيه، قبل أن يتبين لك فصل القضاء، كان حسنا من الفعل، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيما كتب به إلى أبي موسى الأشعري: " واحرص على الصلح ما لم يتبين لك فصل القضاء ".
والله أسأله التوفيق لنا ولك، والسبيل إلى ما فيه النجاة والخلاص، برحمته.