[2]- حول حديث: ((من أتي البهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة))
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أنك سألت عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة﴾ ما وجهه؟ وما معناه؟ والبهيمة غير مكلفة، ولو كانت مكلفة لسقط القتل عنها بالاكراه، فكيف وهي غير مكلفة؟ فالجواب عن ذلك: أن هذا حديث رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى انه قيل: لابن عباس ما شأن البهيمة؟ فقال: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذلك، شيئاً، ولكني
أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكره أن يؤكل لحمها، أو ينتفع بها وقد عمل بها ذلك العمل.
نقد الطحاوى للحديث
وتكلم الطحاوى عليه في كتاب مشكل الحديث له، فقال انه حديث يرجع إلى عمرو بن أبي عمرو واسماعيل بن أبي حبيبة، وعمرو ابن أبي عمرو قد تكلم في روايته، واسماعيل بن أبي حبيبة متروك الحديث، عند أهل العلم جميعا.
فان كان الحديث غير صحيح، كفينا الكلام فيه، وان كان صحيحا، فهو منسوخ، بدليل أنه قد روى عن ابن عباس من وجوه ثابتة، صحاح، أنه قال: ليس على من أتي بهيمة حد.
ولا جائز أن يقول، بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، ما يخالف حديثه عنه، الا بعد ثبوت نسخه عنده، وبدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لا يحل دم امرىء مسلم الا باحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد احصان أو قتل نفس بغير نفس﴾
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: هذا معنى قول الطحاوى دون لفظه.
فأما قوله: انه منسوخ، فجيد، إذا حمل الكلام على ظاهره من القتل حقيقة وأما استدلاله على نسخه بما روي عن ابن عباس من أنه قال: ليس
على من أتى بهيمة حد فليس بصحيح عندنا، لأن الراوى إذا روى الخبر، وترك العمل به، لم يمنع ذلك من وجوب العمل به، اذ قد يتركه لنسيان أو تأويل، لا يراه غيره، أو لأنه قدم عليه ما لا يرى غيره أن يقدم عليه، الا ترى أن نأخذ بحديث عائشة رضي الله عنهما، في التحريم بلبن الفحل، وان كانت قد خالفت حديثها عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اذ كان يدخل عليها من أرضعته بنات اخيها، وبنات أختها، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها أو نأخذ بحديث ابن عباس في أن الأمة تخير، إذا اعتقت تحت العبد، وان كان مذهبه أن بيع الأمة طلاقها.
تأويل الحديث
(1) - والتأويل في هذا الحديث ممكن، إذ قد يحتمل أن يكون ليس على حقيقة اللفظ في القتل، وأن يكون المراد به: القتل بالقول الذي هو اللعن، والابعاد، والاهانة، اذ قد يعبر عن ذلك بالقتل، على سبيل المجاز المعروف في كلام العرب الموجود كثيرا في القرآن، وقد جاء فيه، في هذا بعينه: قال الله عز وجل ﴿قتل الانسان، ما أكفره﴾ أي: لعن الانسان، يعني الكافر، وجاء في
التفسير: انها في عتبة بن أبي لهب، وقال عز وجل: ﴿قتل أصحاب الأخدود﴾، أي: لعن أصحاب الأخدود.
وجاء في التفسير: انهم قوم كانوا يعبدون صنما، وكان معهم قوم يكتمون ايمانهم، يعبدون الله، ويوحدونه، فعلموا بهم، فخدوا لهم أخدودا، وملؤوه نارا فاقتحموها، ولم يرتدوا عن دينهم، فأعلم الله بقصتهم، وما بلغت بهم بصيرتهم في دينهم، من أن يحرقوا بالنار، ولا يرجعون عنه، ولعن الفاعلين بهم ذلك، على فعلهم.
وقال، عز وجل ﴿قتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر﴾، معناه: فلعن كيف قدر ثم لعن كيف قدر.
جاء في تفسير هذه الآية: أن الوليد ابن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال له: أي عم، ان قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، قال: لم؟ قال: يعطونك، فانك أتيت محمدا، تتعرض لما قبله.
قال له: قد علمت قريش أني أكثرها مالا.
قال: فقل فيه قولا، يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، لا أعلم برجزه، ولا بقصيدة، ولا بأشعار الجن، وأعرف الكهانة، فليس بكاهن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله ان لقوله، الذي يقول، لحلاوة، وانه ليحكم ما تحته، وانه ليعلو ما بعده.
قال: والله ما
يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعنى حتى أفكر فيه.
فلما فكر، قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت: ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت له مالا ممدودا / إلى قوله تسعة عشر.
ومعلوم من كلام الناس أن يقول الرجل، اذ وبخ وأهين، وقوبل بما يكره من القول: قد قتلني فلان، وقد أتى على مقاتلي بما قال.
فيكون معنى الحديث: من وجدتموه على بهيمه فالعنوة والعنوا البهيمة، وأهينوه ووبخوه على فعله، واهجروه، واحكموا له بحكم من لا خير فيه، لأن ذلك قتل له، انه من ذهب خيره، الذى يذكر له، أو ماله فهو ميت الأحياء.
ومن المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي أثنى على أخيه: ﴿قطعت عنق صاحبك﴾، وقوله ﴿من قذف رجلا بكفر فهو قتله﴾
فلعن هو، على هذا التأويل، لاستباحة ما حرم عليها من اتيان البهيمة لارتكاب المعصية فيها، باستباحة اتيانها، وان لم يكن منها فعل، ولا كان لها ذنب، كما لعنت الخمر، لارتكاب المعصية بها، باستباحة شربها وان لم يكن منها فعل، ولا كان لها ذنب.
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لعن الله الخمر، وعاصرها ومعتصرها، الحديث.
وروى عن أبي الدرداء أنه قال الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، الا ما كان فيها من ذكر الله، وما والاه إلى الله.
فاذا لعنت الدنيا لارتكاب العاصي فيها، فكذلك تلعن البهيمة إذا ارتكبت المعصية فيها.
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: فيحتمل أن يكون ابن عباس رضي الله عنه ذهب إلى هذا التأويل، ولذلك قال: ليس على من أتى بهيمة حد، لأن البهيمة لا عقاب عليها، ولو كان ذلك الفعل بها يحرم أكلها، لما وجب، لذلك قتلها، ولا تحريم الانتفاع بها، على مقتضى أصول الشرع.
(2) - ويحتمل أن يكون انما قال ذلك لأنه تأول فيه أنه منسوخ، بتأويل لا يوافقه غيره عليه، وقد يثبت عنده أنه منسوخ، من وجه لا يثبت به عند غيره، فلا يصح أن يحكم بأنه منسوخ، بما صح عنه، من أنه قال ليس على من أتى بهيمة حد، ولو كان قد وقف من النبي، صلى الله عليه وسلم، على أنه منسوخ، لما حدث به، اذ لايصح أن يحدث بالمنسوخ من الحديث من علم أنه منسوخ، اذ ليس الحديث المنسوخ كالقرآن المنسوخ حكمه، الثابت بين اللوحين خطه، وانما كما نسخ خطه وحكمه، فلا يتلى ولا يعمل به.
وكذلك لا دليل على أنه منسوخ، في قول النبي صلى الله عليه وسلم {لا يحل دم
امرى مسلم الا باحدى ثلاث: كفر بعد ايمان، أو زنا بعد حصان، أو قتل نفس بغير نفس لإحتمال أن يكون متأخرا عنه، فيكون مضافا إلى الثلاثة الأشياء، كما يضاف اليها القتل بالحرابة وبما سوي ذلك، مما قامت الحجة بالقتل فيه.
فان لم يكن تأويل الحديث ما ذكرناه.
وكلن المراد به، حقيقة.
القتل، فانما هو منسوخ بالاجماع، المعصوم من الخطأ، الذى هو أحد أدلة الشرع، لقول الله عز وجل ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا ولقول النبي، صلى الله عليه وسلم {لن تجتمع أمتي على ضلالة﴾، لابما ذكره الطحاوى، مما ذكرناه عنه، وبينا ماعليه فيه.
وبالله التوفيق، لا شريك له.