[151]- استحقاق دابة بعد بيعها ثلاث مرات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وسئل، رضي الله عنه، عن مسألة وقعت في أحكام الفقيه القاضي أبي الأصبع ابن سهل، رحمه الله، ونص السؤال:
الجواب - أمتع الله المسلمين بك - في مسألة أشكلت علي.
وذلك أن ابن سهل ذكر في أحكامه في رجل اعترف دابة فقومت بثلاثين مثقالا، وضعها المقوم عليه، ثم خرج بها إلى بلد أخر، يطلب بيعه، ثم طلب ذلك البائع منه، فقومت في البلد الثاني بأربعين، ووضعت فيها، ثم قومت في البلد الثلث بخمسين، ووضعت فيها، ثم قدم بها، فهلكت في الطريق.
قال ابن عتاب، رحمه الله: له أرفع القيم، لأن النماء له
فما تقول - رضي الله عنك، وأمتع بك - ممن يأخذ هذا المستحق الخمسين، ان كان من الذي هلكت في يده، أو من المقوم عليه، أولا؟ وكيف إن كان الذي هلكت في يده عديما، والمال، الموضوع في بلد آخر، غائب، على من جلبه؟ ولعله قد ضاع أو هلك في الطريق.
وكيف - أعزك الله، وأبقاك - ان كانت القيم بالعكس، قومت، أولا، بستين، ثم في البلد الثاني بخمسين، ثم في البلد الثلث بأربعين، وقد هلكت في يده الآخر، فغرم الأربعين، ممن يأخذ المستحق هذه العشرين؟ وهل - أكرمك الله - إذا خاطب الحاكم المقوم عليه، أولا، بما حكم عليه، فجاء بخطابه إلى البلد الثاني، فأخذ من بيعه الثمن، وأخذ البائع منه الدابة، ليطلب بها حقه، ووضع قيمتها، وخاطب المكتوب اليه للحاكم الأول / بذلك، هل ينطلق الرهن الأول أم لا؟
وأشكل هذا كله علي، ولم أجد عند نفسي، فيما علمت من ذلك، شفاء، فأنت الملجأ، فلك المن والطول، في مجاوبتى، على هذا كله، لأقيده، وأستفيده، ممتنا مأجورا ان شاء الله.
للمستحق أرفع القيم
فأجاب، أدام الله مدته، على ذلكط بهذا الجواب، ونصه: تصصفحت - أكرمك الله بطاعته اياه، ووفقنا الله واياك لما يحبه ويرضاه - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
[أ]- وقول أبي عبد الله ابن عتاب - رحمه الله: ان للمستحق أرفع القيم، لأن النماء له صحيح؛ وذلك أن كل واحد ممن ذهب بالدابة، لاستخراج حقه بها، قد ضمنها بالقيمة التي وضع فيها، إن تلقت في ذهابه وروجوعه بها إلى الموضع الذي وضع القيمة فيه، فلا يجوز أن تكون عليه القيمة التي وضع،
وتكون له القيمة التي وضعت له، وهي أكثر منها، فيكون قد أخذ بضمانه ثمنا، وذلك حرام، لا يحل، ولا يجوز.
فقول ابن عتاب - رحمه الله: إن للمستحق أرفع القيم وهي الخمسون، معناه إذا تلفت الدابة بيد الذي وضع الخمسين، قبل أن يرجع بها إلى البلد الذي وضعها فيه.
[ب]- وأما سؤالك ممن يأخذ المستحق الخمسين، ان كان من الذي هلكت الدابة في يده، أو من المقوم عليه أولا:
فالجواب على ذلك: أنه ان كان المقوم عليه أولا، المستحق من يده الدابة، قضي له بالخمسين، فأتى بها أخذها منه، وان كان لم يقض له الا الثلاثين لم يكن له أن يأخذ منه الا الثلاثين، التي وضعها له، ويذهب عن العشرين الباقية له إلى حيث بقيت له فيه، وانما يقضي له بالخمسين، إذا ادعى هو والذي رجع عليه أنهما وضعا فيها خمسين، ولم يكن في مخاطبه القاضيين لهما في تسمية القيمة ما يكذب دعواهما.
واما ان كان سمى كل واحد منهما في خطابع مبلغ القيمة الموضوعة عنده، فلا يقضي له الا بثلاثين.
أمثلة القيم متصاعدة.
قال ابو الوليد ابن رشد رضي الله عنه: وبيان هذه الجملة يلوح بالتنزيل:
[1]- مثاله: ان زيدا استحق دابة بقرطبة من يد عمرو، وقد كان
عمرو ابتاعها بجيان، من بكر، وابتاعها بكر، بغرناطة.
من خالد، وابتاعها خالد بالمرية، فوضع عمرو لزيد قيمتها بقرطبة، ثلاثين، ووضع بكر لعمرو قيمتها بجيان، أربعين، ووضع خالد لبكر قيمتها بغرناطة، خمسين، وذهب بها إلى المرية، فنققت في ذهابه بها، أو في رجوعه، فان القاضي بغرناطة لا يقضي لبكر بأخذه الخمسين، التي وضعها له خالد عنده، ان كان قد أقر عنده أنه لم يضع هو فيها بجيان الا أربعين، أو ذكر له ذلك قاضي جيان، في خطابه اليه، وانما يقضي له منها بأربعين، لأنه يقول له: العشرة الزائدة على الأربعين لا حق لك فيها، وانما هي لمستحق الدابة بقرطبة، فلا بد من بقائها له موفقة، فتسلم اليه الأربعين، ويخاطب له بذلك قاضي جيان، وكذلك يفعل قاضي جيان لا يسلم إلى عمرو من الأربعين، الموقفة له عنده، الا الثلاثين، التي وضع هو فيها بقرطبة، لزيد، مستحق الدابة، وتبقى العشرة موقفة على حالها، ويخاطب له بذلك قاضي قرطبة، فيسلم قاضي قرطبة لزيد مستحق الدابة الثلاثين، التي وضعها له عمرو وهو المستحق من يده الدابة، ويقول له: لك من قيمة دابتك عشرة بجيان، وعشرة بغرناطة، اذهب اليها، ان شئت، فتستوفي بذلك الخمسين التي هى أرفع قيم دابتك، على ما قاله ابن عتاب، رحمه الله
ولو تلفت الدابة بيد واضع الأربعين، بعد أن ردها اليه واضع الخمسين التي وضعها الآخر واضع الثلاثين
بقرطبة، من الأربعين الموضوعة له بجيان، الثلاثين التي وضعها، وبقيت منها عشرة في موضعها للمستحق، فيأخذ المستحق الثلاثين، الموضوعة له بقرطبة، ويذهب إلى العشرة، الباقية له من الأربعين، إلى جيان، ان شاء، فيأخذها.
ولو تلفت الدابة بيد واضع الثلاثين، بعد أن ردها اليه واضع الأربعين، وأخذ الأربعين التي وضعها الآخر مستحق الدابة / الثلاثين، الموضوعة له، ولم يكن له سواها.
ولو لم تتلف الدابة، وأتى بها لردها إلى مستحقها، وأخذ الثلاثين التي وضعها له.
فهذا بيان ما سألت عنه، ممن يأخذ المستحق الخمسين؟
وأما قولك: وكيف ان كان الذي هلكت الدابة في يده، عديما، فلا يحتاج اليه، لأن الخمسين، التي تجب عليه بالضمان، قد وضعها، فلا اعتبار بملئه من عدمه.
القيم متنازلة
وأما قولك: وكيف ان كانت القيم بالعكس، قومت أولا بستين، وفي البلد الثاني بخمسين، ثم في البلد الثالث بأربعين؛ فالجواب عن هذا: أن القيم لا يصح أن تكون بالعكس، لأنها إذا قومت، أولا بستين، فمن حق واضع الستين ألا يسلم الدابة حتى توضع له الستون، التي وضع، كما إن تلفت الدابة أخذها عوض الستين،
التي وضع عند صاحب الدابة، فوجبت له، إذ لم تصرف اليه الدابة وكذلك الثاني، اللهم الا أن يكون لم يتضمن خطاب واحد منهما أن القيمة التي وضعها ستون فلا يلزم الذي أراد أخذ الدابة لاستخراج حقه بها أن يضع فيها الا ما تساوى في ذلك الوقت، وفي ذلك البلد؛ فإن قومت في هذا الوجه على الثاني بخمسين، وعلى الثالث بأربعين، حسبما ذكرت، لم يلزم واحدا منهما، ان تلفت الدابة في يده، إلا ما قومت عليه به، فإن تلفت في يد الذي قومت عليه بأربعين، لم يلزمه الا أربعون، وغرم الذي قومت عليه بخمسين، تمام الخمسين، وذلك عشرة، والذي قومت عليه بستين، تمام الستين، وذلك عشرة، أيضا.
ومن حق مستحق الدابة ألا تنطلق القيمة، الموضوعة له، إلى صاحبها، حتى ترد اليه دابته، فلا يكون للمستحق منه، إذا وضع القيمة، وأخذ الدابة، لاستخراج حقه بها، أن يأخذ القيمة حتى يأتي بالدابة.
ولا يصح للقاضي أن يحكم له بذلك، وان راجعه القاضي الذي كتب اليه بأن الذي رجع عليه قد وضع له قيمة الدابة عنده، لما على المستحق من الضرر في الشخوص إلى بلد آخر، ولعله على مسيرة العشرة الأيام أو العشرين عن الدابة، إن ردها الذي ذهب بها، أو عن القيمة التي وضع فيها، والذي ذهب بالدابة، فوضعت له القيمة، أحق بالانتظار؛ حتى ترجع الدابة، فيردها، أولا ترجع، فيأخذ القيمة، الموضوعة له، عوضا عن القيمة التى وضع للمستحق.
هل توضع القيم ببلد المستحق؟
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: ولقد كان القياس أن يقال لهذا الثاني: ان أردت أن تضع قيمة الدابة، وتطلب حقك بها فاشخص إلى بلد المستحق، وضع القيمة عنده، كما فعل الأول؛ لأن من حق الأول أن يرد الدابة، أذ قد استخرج حقه بها فيأخذ رهنه.
ولعمري إن هذا مما ينبغي للحاكم أن ينظر فيه، فان كان بلد المستحق بعيدا، والبلد الذي يريد أن يذهب هذا اليه قريبا، مكن من أن يضع قيمة الدابة، ويذهب بها، وان كان بلد المستحق قريبا، والبلد الذي يريد أن يذهب هذا اليه بعيدا، لم يمكن من ذلك، وقيل له: اذهب إلى بلد المستحق، فضع القيمة عنده، فينطلق إلى هذا رهنه، ولا يحبس المدة الطويلة، فيدخل عليه في ذلك ضرر شديد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار.
فهذا وجه ما سألت عنه مستوفي.
وهي مسألة جيدة، دقيقة، نعما قل من يعرفها، أو يبحث عن معرفتها، فما سألنى قط، أحد عنها سواك.
والله يوفقنا، واياك، برحمته، لا اله غيره.