[236]- تبعات الغضب المتبادل قبائل صحراء المغرب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وسأله رضي الله عنه رجل مرابطي من ملثمي الصحراء عن مسألة غضب عندهم.
ونص السؤال: جواب الفقيه الأجل، أدام الله توفيقه، في قوم من قبائل شتى، في الصحراء، يتغاصبون فيما بينهم، وليس لهم مال غير الماشية وهذا الغصب المذكور فيما بينهم من قديم من آبائهم وأجدادهم وأنهم يتوارثون ذلك المال المغصوب فيما بينهم.
هل يسوغ لأحد، له مال حلال، لا يشوبه حرام، وهو ممن راغ عن التباعات، وأراد التورع، هل يجوز له أن من يبتاع من ذلك المال المغصوب أم لا؟
وأن هؤلاء القوم المذكورين يهدون إلى أمير المسلمين، وناصر الدين، أيده الله، من تلك الابل المغصوبة فيما بينهم، هل يسوغ لأحد، أراد التورع، إن وهبه أمير المسلمين من تلك الابل شيئاً، أن يأخذه، أم لا؟ وهل يسوغ له، أيده الله، يثيبهم على هديتهم من بيت مال المسلمين، أم لا؟
وأنهم يهدون لأمير أمره عليهم امير المسلمين أيده الله، وهو ممن يغصب مثل غصبهم وأن ذلك الأمر يهدى إلى أمير المسلمين، أيده الله، من تلك الإبل المغصوبة، هل يسوغ لأحد أخذه، ان أعطاه امير المسلمين اياه أم لا؟
وأن هؤلاء القوم المذكورين لا يغصبون الا من غصبهم، أو غصب آباءهم.
بين لنا هذا السؤال، واشرحه موفقا مشكورا، ان شاء الله تعالى.
فأجاب، رضي الله عنه، على بما هذا نصه: تصفحت - عصمنا الله واياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه.
أ - عندما لا يعرف المغصوب منه بعينه.
وان كانت هذه الماشية، التى بأيدى هؤلاء القوم من القبائل، قد توارثوها عن آبائهم، وأجدادهم، كما ذكرت وهى في الأصل مغصوبة،
ولا يعلم اليوم، لقدم العهد أصحابها الذين غصبت منهم، ولا ورثتهم، ولا يمكن صرفها إلى أصحابها بأعيانهم، ولا صرف شىء منها إلى صاحبه بعينه للجهل به، فحكمها بأيدى الذين هى في ايديهم بما ذكرت من الميراث عن أبائهم وأجدادهم، حكم القطة، بعد التعريف بها، واليأس من وجود صاحبها، التى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها لواجدها: «شأنك بها».
فيستحب لهم التصدق بها، ولا يجب ذلك عليهم، فرضا واجبا، لا سيما ان تكن هى المغصوبة بأعيانها، وانما هى أنسالها، فيجوز شراؤها منهم، لمن أراد من الناس
أن يشترى شيئاً منها.
وما أهدوا منها لأمير المسلمين - أدام الله أيامه - فوهبه لأحد، ساغ لمن وهب له أن يأخذه، وحل له تملكه، ولم يكن عليه في ذلك اثم ولا حرج، ان شاء الله عز وجل.
ولأمير المسلمين - أدام الله أيامه - ان يثبت من أهدى منهم اليه شيئاً منها من بيت مال المسلمين؛ / إذ إنما يقبل ذلك منهم ليصرفه [219] في منافع المسلمين.
وأما ما يهدون من ذلك لوالى أمير المسلمين عليهم، فلا يسوغ له قبوله منهم، لما من جاء من أن «هدايا الأمراء غلول» الا أن يكافئ عليها، فان كافأ عليها بقيمتها من الثواب، وأهدى منها شيئاً لأمير المسلمين - أدام الله توفيقه وتأييده، فأعطاه لأحد صح له بعطيته اياه، وساغ له.
وسواء أكان الغاصبون لهذه الماشية غصبوها لمن يغصبهم، أو لمن غصبهم، أولمن غصب أباءهم، قبلهم، وقد كانت القبيلة قد غصبت القبيلة، فلم يعلم كل واحد منهم بعينه أنه أخذ مال من صار اليه ماله بعينه.
ب - عندما يعرف المغصوب منه بعينه
وأما ان كان هؤلاء القوم، الذين هذه الماشية في أيديهم، قد غصبوها، هم أو من ورثوها عنهم من آبائهم وأجدادهم، قبلهم، لمن غصبهم، أو لمن يغصبهم، ويعرفون أربابها، الذين غصبت منهم، ولا يمكنهم ردها اليهم بأعيانهم، أو إلى ورثتهم، فالواجب المعين عليهم، الازم لهم: أن يصرفوها على أربابهم، فلا يحل لهم، ان يتمسكوا بشىء منها، فان لم يفعلوا، وتمسكوا بها، فلا يحل لأحد أن يشترى منهم شيئاً منها، ولا يقبلها هبة، ولا صار اليه من قبلهم، بأى وجه صارت اليه، فان فعل شيئاً من ذلك، وهو عالم به، كان حكمة في ذلك حكم الغاصب.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.