164]- من كتاب مشكل الآثار للطحاوي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حول الاجتهاد: وقرئ عليه، رضي الله عنه، وأنا اسمع في شهر رمضان المعظم سنة احدى عشرة وخمس ومائة، في الجزء الثالث من مختصر كتابه: بيان مشكل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخراج ما فيها من الأحكام، ونفي التضاد عنها، لأبي جعفر الطحاوي، رحمه الله، مما عني هو أدام الله توفيقه، باختصاره، وتبويبه وترتيبه.
رأي الطحاوي: المجتهد قد يخطئ
ما جاء في الحكم بالاجتهاد.
قال أبو جعفر، رحمه الله، فيما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيما يأمر به الرجل إذا ولاه على السرية: ان أنت حاصرت اهل حصن، فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله تعالى، فلا تنزلهم على حكم الله عز وجل، فانك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله ام لا ولكن انزلهم على حكمك:
في هذا الحديث: أن الحكم بالاجتهاد، فيما ليس فيه آية مسطورة، او سنة مأثورة، او اجماع من الآمة، اذ لا تجتمع على ضلالة، يسعنا وان كنا لا ندري، هل هو عند الله عز وجل على ما أداه الينا اجتهادنا ام لا، وانه هو المفروض علينا، مع احتمال درك الصواب، او التقصير عنه لا إصابة الصواب فيه بعينه، اذ لم يكلفنا الله مالا نطيق ولا تعبدنا بما نحن عنه عاجزون؛ لأن فيه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله أن ينزلوا احدا من الحصول على حكم الله، اذ لا يدري ايصيبه ام لا وامرهم أن ينزلوهم على حكمهم الذي هو الاجتهاد، اصاب الحكم عند الله، او اخطاه.
قال: ومثل ذلك ما كان من امر بني قريظة، الذين نزلوا لما اشتد بهم الحصار، على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم ان يقتل رجالهم.
ونسيى ذرايهم وتقسم أموالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل وبحكم رسوله أفلا ترى أن سعدا قد حكم فيهم باجتهاده، قبل أن يعلم ما حكم الله عز وجل فيهم، فمحمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ذلك منه واذا كان ذلك واسعا في الدماء والفروج، فهو في الأموال أوسع.
رأي ابن رشد: المجتهد لا يخطئ
قال أبو الوليد، رضي الله عنه: الذي عليه أهل التحقيق: أن كل مجتهد مصيب، ومن الدليل على ذلك، وان كانت الأدلة فيه أكثر من أن تحصى.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسول الله قال فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي قال الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله وما أرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أرضى الله، ويستحيل في صفة الله، عز وجل، أن يرضى بخلاف ما هو الحكم عنده، وهي مسألة من الاصول فلا يصح الاحتجاج فيها بأخبار الآحاد، ولا بالظواهر المحتملة.
ويحتمل أن يكون معنى قوله في الحديث الذي احتج به: فلا تنزلهم على حكم الله عز وجل.
أي على نص حكم الله، عز وجل الذي لا تدري اتصيب فيهم حكم الله عز وجل نصا ام لا، وامره ان
ينزلهم على حكمه، ليحكم فيهم باجتهاده، ان عدم النص، فيوافق في ذلك حكم الله، الذي شرعه، وافترضه وحرم العدول عنه، باجماع.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
استدلال المخطية
وقال، فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، من قوله: " القضاة ثلاثة، فقاضيان في النار، وقاض في الجنة، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق، فقضى به، فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق، فقضى بين الناس على جهل، فهو في النار "
" قد قال قائل: القاضي بالحق هو الذي وقف على الحكم عند الله عز وجل، فيما قضى به، وفي ذلك ما ينفي استعمال الاجتهاد، الذي قد يكون معه اصابة ذلك وقد يكون معه التقصير عنه، ولا يصح ذلك لأن الله لم يكلفنا مالا نطيق، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، فاذا اجتهد فأخطا فله أجر دليل واضح على أن له أن يجتهد فيما لم يجده في كتاب الله منصوصا ولا [180] في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مأثورا، ولا في اجماع الأمة موقوفا عليه.
ولما كان له أن يقضي باجتهاده، الذي قد تكون معه فيه اصابة الحق عند الله عز وجل، وقد يكون معه التقصير عنه وكان ما يقضي
به بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم اياه بالقضاء به حقا عقلنا بذلك ان الحق الذي القاضي به في الجنة، هو ذلك الحق، حتى تصح الآثار، ولا تتضاد.
وذكر من الحجة بجواز الحكم بالاجتهاد ما قصة الله علينا من قصة داود وسليمان عليهما السلام، في قوله تعالى: داود وسليمان اذ يحكمان في الحرث إلى قوله: وكلا آتينا حكما وعلما وحديث معاذ بن جبل، اذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال له بم تقضي؟ الحديث.
واستدل على ما ذهب اليه من ان المجتهد قد يكون، مع اجتهاده، مصيبا للحكم، ومخطئا له بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان سليمان عليه السلام سأل ربه ان يؤتيه حكما، يصادق حكمه، فأعطاه اياه اذ لو كان مصيبا له على كل حال لما كان لسؤاله ربه في ذلك معنى.
وبما روى ان عمر بن الخطاب كتب بقضية إلى عامل له، فكتب: " هذا ما رأى الله عمر " فقال: امحه واكتب: " هذا ما رأى عمر، فإن يك صوابا فمن الله عزو جل وان يك خطأ فمن عمر "
وبما روي من ان ابن مسعود قال، لما سئل عن الرجل الذي تزوج المرأة فلم يدخل بها ولم يسم لها صداقا، حتى توفي: أقول فيها برأيي فإن يك خطأ فمن قبلي وان يك صوابا فمن الله عز وجل.
استدلال المصوبة
قال القاضي ابو الوليد شيخنا، رضي الله عنه: قوله في تأويل
الحديث: " ان الحق الذي القاضي به في الجنة هو ذلك الحق " يريد الذي فيه النص، من التاويل الفاسد الذي لا يصح؛ لأنه أخرج بذلك القاضي بالاجتهاد في موضع الاجتهاد عن التقسم الذي قسم به النبي صلى الله عليه وسلم القضاة إلى ثلاثة أقسام، وفي ذلك نسبة التقصير اليه في التقسيم وحاشا له من ذلك، لأنه معصوم ما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحي [اقتباس من سورة النجم الآية: 3]
وانما حمله على هذا التأويل ما ذهب اليه من أن المجتهد لا يدري أصاب الحكم الواجب عند الله عز وجل، أو أخطأه.
وفي الحديث دليل ظاهر على أن المجتهد مدرك للحق، مصيب للحكم، لأنه لما قسم القضاة على ثلاثة أقسام، فجعل منهم في الجنة الذي عرف الحق فقضى به، علمنا أن قسم الجنة، هم الذين يقضون بما يجوز لهم القضاة به، من نص أو اجماع، أو اجتهاد في موضع الاجتهاد؛ اذ لا يجوز أن يخرج القاضي بالاجتهاد عن هذا القسم، لأن في ذلك نسبة التقصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم في التقسيم، ومخالفة الاجماع، لأنه ان لم يكن من أهل الجنة، فهو من اهل النار، اذ ليس بعد الجنة الا النار، ولا بعد الهدى الا الضلال، وكيف يكون من أهل النار من فعل ما تعبد به، بما هو بين أجر واحد وأجرين.
فإذا ثبت أنه من قسم الجنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: انه عرف الحق وذلك نص في موضع الخلاف.
فإذا ثبت هذا، ولم يصح القول بخلافه، وجب ألا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله اجر، على أنه أراد بذلك: أنه أخطأ الحكم عند الله، اذ قد يحتمل أن يكون أراد به انه
أخطا النص، ان كان في نص لم يعلمه، أو أخطأ أن يحكم بالحق في الظاهر لمن هو له في الباطن، وان كان قد حكم بالحق، الذي هو الحكم عند الله تعالى؛ اذ قد يخطئ ذلك مع الحكم بالنصوص التي لا يختلف فيمن قضى بها، أنه قضى بالحق.
وعلى هذا يتأول ما روى عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، من كل منهما: ان يك خطأ فمني وكذلك، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ان " سليمان دعا ربه أن يوتيه حكما يصادف حكمه، فأعطاه اياه " محتمل للتأويل، أيضا مع ان الاحتجاج به في ذلك لا يجوز، لأن القول بتصويب المجتهدين مما طريقه العلم والقطع، فلا يصح الاستدلال عليه بأخبار الآحاد، ولا بما يحتمل التأويل.
وبالله تعالى التوفيق.
حول الرأي والدين:
وقال، فيما روي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: " اتهموا الرأي على الدين "، وقال فيما روي عن أبي وائل قال: سمعت سهل بن حنيف، يوم الجمل، ويوم صفين يقول: اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو استطعت ان أرد أمر
[181] رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته.
في هذين الحديثين: أن الرأي قد يصاب به حقيقة الصواب، وقد يقصر به عنه، وان ما اطلق لنا الحكم بالاجتهاد: في الحوادث التي لا نص فيها، وقد تكون فيه اصابة الحق، وقد يكون فيه التقصير عنه، وان كنا محمودين في اجتهادنا، اذ لا نستطيع غير ما فعلناه فيه بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، واذا حكم فاخطأ فله أجر " اذ كانوا قد اجتهدوا بالآلات التي يجتهد بمثلها، أصابوا الواجب او قصروا عنه، وهذا قول اهل السلامة ممن ينتحل الفقه، فأما من سواهم ممن قد دخل في الغلو في ذلك، حتى قال: انه إذا حكم بالاجتهاد، ومعه الآلة، التي لأهلها الاجتهاد، انه قد حكم بالحق، الذي لو نزل القرآن ما نزل الا به، ونعوذ بالله من هذا القول ومن أهله، وان كان بحمد الله، قولا منكرا، وأهله محجوجون بما لا يستطيعون دفعه، ولا الخروج منه.
فمن كان على ذلك ابراهيم بن اسماعيل بن علية، فحدثني أبو جعفر بن العباس، قال: لما بلغني هذا القول عنه، أعظمته، فأتيته من يومي الذي بلغني ذلك القول عنه، فذكرت ذلك لأحق عليه، أنه قد قاله، فقال لي: قد قلته، قال: فقلت له: أهل استعملت في مسألة من الفقه رأيك، واجتهدت فيها، حتى بلغت عند نفسك غاية الاجتهاد، الذي عليك فيها، ثم تبين لك، بعد ذلك أن الصواب في غير ما قلت مما كان اذ ذاك اليه اجتهادك فيها؟ فقال: نعم يجري هذا أكثر
نهارنا.
قال فقلت له: فأي القولين الذي لو نزل القرآن نزل به تلك الحادثة، هل هو القول الأول الذي قلته فيها، أو القول الثاني الذي قلته فيها؛ وقد بلغت في كل واحد من القولين الذي عليك أن تبلغه فيه من الاجتهاد.
قال: فانقطع، والله في يدي أقبح انقطاع، وما رد عليه حرفاً.
وقد أجاد أبو جعفر، رحمه الله، في ذلك، وأقام لله عزوجل، حجة من حججه على من خرج عنها، وعلا الغلو الذي كان فيه مذموما.
والله نسأله التوفيق.
التصويب هو مذهب اهل السنة
قال القاضي أبو الوليد شيخنا، رضي الله عنه: قد تقدم لنا هذا من مذهبه.
والقول الذي أنكره وجهل قائله، وجعله مذموما، فاستعاذ بالله منه، هو قول المحققين من الفقهاء بمعرفة أصول الديانات؛ إذ لا اختلاف بين أهل السنة ان الذي شرعه الله في دينه هو الحكم بالاجتهاد، فيما لا نص فيه، ولا اجماع، فاذا كان الله عز وجل قد أمر المجتهد بالحكم بما يؤديه اليه اجتهاده فالذي امره به هو الحق عنده، الذي تعبده اياه؛ اذ يستحيل في صفة الباري تعالى ان يأمر بخلاف الحق، وان يتعبد عباده بما سواه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
قال القاضي أبو الوليد شيخنا، رضي الله عنه: وقول القائل: ان المجتهد إذا حكم باجتهاده فقد حكم بالحق، الذي لو نزل القرآن، ما نزل الا به، ليس على ما تأوله عليه، وانما معناه: ان القرآن لو نزل في ذلك بتصويب ما مضى الحكم به من جهة الاجتهاد، في حق كل من حكم به ممن يجوز له الحكم به، في الموضع الذي يجوز له الحكم فيه به لأنه لو نزل القرآن لنزل باقرار الحكم به، على جميع العباد، اذ قد
يستحيل اقرار جميعهم على ما قد يتضاد من الأحكام، باختلاف آراء المجتهدين فيه، فاعتقد ابن علية صحة هذا القول، ولم يفهم معناه فلذلك انقطع عن جواب خصمه، ولو فهم ذلك، وكان بصيرا بالحجة، لما انقطع، ولقال: إن القرآن لو نزل في ذلك لنزل بتصويب حكمي، على ما أداه الي اجتهادي، من القول الأول، ما دمت أعتقد صحته، وبتصويب حكمي بالقول الثاني، مذ بانت لي صحته، وذلك جائز في حكمة الله، كالنسخ الذي قام به الدين، وكمل به الشرع.
وقول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: اتهموا الرأي على الدين، ليس فيه ما يدل على ان المجتهد قد يخطئ الحق عند الله تعالى، وقد يصيب مع بلوغه ما عليه من بذل الوسع في الاجتهاد، وانما معناه التحذير من التقصير في الاجتهاد، ومثله قول ابن حنيف، لا سيما وقد قاله لطائفتين يعلم قطعا أن احداهما على خطأ، بخلاف المختلفين بالاجتهاد في مسائل الاجتهاد.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.