[351]- هل يجرَّح المبرَّز بزواجه من امرأة حلف بطلاقها ثلاثا؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكتب إليه، رضي الله عنه، القاضي بحضرة مراكش موسى بن حماد، وفقه الله، يسأله عن رجل شهد عليه أنه قال: متى تزوج فلانة فهي طالق ثلاثا، ثم تزوجها، ومكثت في عصمته نحو الأربعة عشر عاما.
ونص السؤال: جوابك، رضي الله عنك، في رجل تزوج امرأة في بلدة، وبنى بها فيها، ومكث معها مدة من ثلاثة أعوام، أو نحوها، في تلك البلدة، ثم انتقل عنها بالزوجة المذكورة إلى بلدة أخرى، وأقام فيها مدة عشرة أعوام، وشهد جماعة من شهود هذه البلدة من حاله ما أوجب قبول شهادته، وكان يحكم بها في جميع الحقوق ويشهده على أحكامه واستمرت حال الرجل المذكور على ما ثبت منها، حسبما تقدم ذكره، مدة من خمسة أعوام، أو نحوها، ولم يظهر منه خلاف ما ثبت من حاله الأولى.
ولم يزل القاضي المذكور يتتبع أموره، ويستكشف أحواله مدة الأعوام المذكورة، فما ظهر منه نقص في دين، ولا عثر له على زلة.
ثم قيم، عند القاضي المذكور، على هذا الرجل بعقد تضمن إشهاده
فيه على نفسه: أنه متى تزوج فلانة بنت فلان، فهي طالق ثلاثاً، لا تحل له بوجه من الوجوه، إذ قد حرمها على نفسه، وفلانة هذه (هي) التي كان تزوجها، ومكث معها نحو الأربعة عشر عاماً، فوقفه القاضي على ما شهد به في العقد المذكور، فأنكره، وثبت (عنده) إنكاره له.
فشهد شهود بأن خط العقد المذكور (كخط) يده، وأعذر إليه القاضي فيمن شهد عليه بذلك، فادعى أن عنده من المنافع ما يسقط به عن نفسه شهادتهم، فأجله الحاكم، فيما ادعاه من ذلك، أجلا.
فما الحكم -وفقك الله- في شهادة هذا الرجل، إن عجز عن إثبات ما ادعاه من المنافع، وحكم عليه بإمضاء الطلاق المذكور، هل يجرح بذلك، وترد شهادته، ويفسخ ما انعقد من المناكح، التي لم يشهد فيها سواه مع شاهد (ثان)، أم لا يجرح، لما في المسألة من الخلاف؟
وما الحكم، أيضاً، في شهادته، إذا أتى القائم بها خلال الأجل الذي ضرب له، وسأل القائم بشهادته، أيضاً، الحكم بها، والمخاطبة بثبوتها، هل ذلك من حقه أم لا؟
بين لنا ذلك مأجوراً موفقاً إن شاء الله تعالى.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك، بما هذا نصه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وإن كان العقد الذي قيم به على الرجل المذكور ثبت بشهادة الشهود، الذين أشهدهم على نفسه بما تضمنه، وعجز عن المدفع في
ذلك، فالذي أراه في هذا وأتقلده مما قيل فيه: أن يفرق بينهما، فهو الصحيح عندي من الأقوال المشهورة في المذهب.
وألا يكون ذلك جرحة فيه، تسقط شهادته، إلا أن يقر على نفسه أنه تزوجها بعد أن حلف بطلاقها البتة: ألا يتزوجها، وهو يعتقد أن ذلك لا يحل له، جرأة على الله عز وجل إذ لو أقر بما تضمنه العقد ابتداء، وقال: إنه إنما تزوجها بعد أن حلف بطلاقها البتة: ألا يتزوجها، لأنه اعتقد أن ذلك يسوغ له، لاختلاف أهل العلم في ذلك، لعذر فيما فعله، ولم يكن ذلك جرحة فيه، تسقط بها شهادته، لاسيما إن كان ممن نظر في العلم، وسمع الأحاديث.
وإذ احتمل أن يكون تزوجها بعد أن حلف بطلاقها البتة، ألا يتزوجها، على هذا الوجه، وإنما أنكر اليمين مخافة، إن أقر على نفسه بها، أن يفرق بينهما، على المشهور في المذهب، لم يصح أن يجرح بأمر محتمل، لاسيما إذا كانت حالته على ما وصفت من الشهرة في الخير، والتبريز في العدالة.
وأما إن لم يثبت العقد، الذي قيم به عليه، إلا بالشهادة على أنه خطه، فلا يحكم به عليه إن أنكره، ولا يفرق بينهما، وإن عجز عن المدفع في شهادة من شهد عليه أنه خط يده، لأن الشهادة على الخط لا تجوز في طلاق، ولا عتاق، ولا نكاح، ولا حد من الحدود، على ما نص عليه ابن حبيب في الواضحة وغيره.
ولو أقر أنه كتبه بخط يده، وزعم أنه لم يكتبه، عازما على إثبات ذلك على نفسه، وأنه إنما كتبه على أن يستشير، وينظر؛ فإن رأى
أن ينفذه على نفسه أنفذه، وأنه لم ينفذه، ولا أشهد به على نفسه، لصدق في ذلك، على ما قاله في المدونة وغيرها.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.