[140]- هل الخمر محرمة الذات أو محرمة لسبب؟
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وخوطب الفقيه الإمام الحافظ، أبو الوليد ابن رشد رضي الله عنه، من بعض بلاد الأندلس بهذه المسألة، يسأل عنها، ونصها من أولها إلى آخرها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الجواب رضي الله عنك، في الخمر - أكرمك الله ونزه سمعك - هل هي محرمة العين، أو محرمة الذات، أو محرمة بسبب والسبب العلة، وان ارتفعت العلة، ارتفع الحكم.
فان رجلا ورد علينا، وشغب بلدنا، وحير طلبتنا وقد وكلنا أمر مسألتنا اليك، فلك الفضل في مراجعتنا وتبيين مسألتنا وتفصيلها واقامة الأدلة على كل نوع من أنواعها.
لا ينسى الله لك ذلك ووفقك مأجورا ان شاء الله فأجاب وفقه الله، على ذلك بهذا الجواب ونصه من أوله إلى آخره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
تصفحت سؤالك، الواقع في بطن هذا الكتاب، ووقفت عليه.
والسؤال: هل الخمر محرمة العين، أو محرمة الذات، سؤال فاسد لأن عين الخمر هو ذاتها؛ فمن المستحيل أن يحرم أحدهما دون الآخر وكذلك السؤال: هل الخمر محرمة العين أو محرمة لسبب، سؤال فاسد أيضا اذ لا يستقيم أن يسأل عن علة تحريمها الا بعد المعرفة بتحريمها.
فمسالتك ترجع إلى أسئلة:
احدها: هل الخمر محرمة العين أم لا؟
والثاني: هل تحريمها لعلة، أو عبادة لغير علة؟
والثالث: السؤال عن العلة ما هي؟
والرابع: السؤال عن الدليل عن صحة العلة.
الخمر محرمة العين.
فتقول: إن الخمر محرمة العين، محرمة الذات، والدليل على تحريم عينها وذاتها الذي هو عينها، الكتاب والسنة واجماع الأمة.
فاما الكتاب فقوله عز وجل: ﴿انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه﴾ [سورة المائدة الآية: 90]
فأمر عز وجل باجتناب الخمر وأمره بذلك على الوجوب، والفرض عند جميع المسلمين وأخبر انها من عمل الشيطان وعمل الشيطان حرام وقال الله عز وجل: ﴿انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [سورة المائدة الآية: 91]
فتوعد عز وجل على استباحتها بقوله: فهل أنتم منتهون ولا خلاف فيما توعد الله على فعله: أنه حرام.
وأما السنة فان الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمها، قد نقلت نقل التواتر، فلا تحصى.
ومن ذلك حديث ابن عباس: أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رواية خمر فقال له رسول الله: أما علمت أن الله حرمها؟ قال: لا فسارة انسان إلى جنبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بم ساررته؟ قال: أمرته أن يبيعها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الذي حرم شربها حرم بيعها.
وأما الاجماع فمعلوم من دين الأمة ضرورة: أن الخمر حرام، واطلاق التحريم في الكتاب والسنة والاجماع على الخمر نص في أن عينها هو المحرم، لأن الاسم هو المسمى عند أهل السنة.
ومن ذهب إلى أن الاسم غير المسمى فقد وافقنا على أن التحريم انما وقع على المسمى بالخمر، لا على اسم الخمر، فحصل الاجماع على تحريم عين الخمر؛ ومن المستحيل في العقل أن يكون تحريم شرب الخمر واقعا على ما عدا عينها؛ وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم عينها بقوله: حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب أو المسكر من كل شراب على اختلاف الواة في ذلك.
فمن قال: ان الخمر ليست بمحرمة العين، فهو كافر، حلال الدم يستتاب، فان تاب، والا قتل.
وكذلك كل ما أسكر من جميع الأنبذة، فهو محرم العين، لا
يحل شرب القليل منه، ولاالكثير، عند مالك وكافة أهل العلم من [141] الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما أسكر كثيرة، فقليله حرام.
العلة أساس التحريم.
ونقول: انها محرمة لعلة وان العلة في تحريمها المعنى الموجود بها من الشدة المطربة، المغيرة للعقول، الموجبة لها التسمية بالخمر، وهو الاسكار.
والدليل على صحة هذه العلة، أنها مطردة منعكسة، يوجد التحريم بوجودها، ويعدم بعدمها، ألا ترى انها إذا كانت عصيرا، قبل أن يحدث فيها المعنى الذي يسكر، حلال، فاذا حدث فيها ذلك المعنى حرمت به، فاذا عدم منها بالتخليل حلت فاذا بعدمه منها.
واطرد العلة وانعكاسها من أدل دليل على صحتها وقد بينها الله تعالى بقوله: انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فدل عز وجل، بقوله هذا، على انه انما حرمها لما فيها من المعنى الموجب للعداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
من يرى التحريم للاسم.
ومن الناس من ذهب إلى انها محرمة لإسمها، فجعل العلة في تحريمها استحقاقها لاسم الخمر، في اللسان العربي، لما وجد التحريم فيها تابعا لاسمها، متى استحقت أن تسمى خمرا، حرمت، ومتى لم تستحق ذلك حلت.
وذلك موافق لما قلناه من المعنى، لأنها انما تسمى خمرا بوجود الشدة المطربة المسكرة فيها، فاذا عدمت منها، لم تسم خمرا.
ولا يصح أن يقال: انها محرمة لعينها، اذ لو كانت محرمة لعينها، لما صح أن تحل، إذا تخللت لبقاء عينها.
فالاجماع على أنها يصح، إذا تخللت يبطل، أن تكون عينها علة في تحريمها، وانما الذي يصح أن يقال فيه: انه محرم لعينه، مسفوح الدم، ولحم الخنزير وشبهه.
وبالله التوفيق، لا شريك له.