[130]- ما يولد عليه الأطفال، ومصيرهم في الأخرى
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- مسائل أبي الوليد ابن رشد (الجد)
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: محمد الحبيب التجكاني
- الناشر
- دار الجيل، بيروت - دار الآفاق الجديدة، المغرب
- الطبعة
- الثانية، 1414 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الفقيه الإمام، الحافظ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد رضي الله عنه: سألني سائل على أن ألخص له اختلاف أهل العلم فيما يولد عليه الأطفال في الدنيا، وما يصيرون اليه من جنة أو نار في الدار الآخرى، وأدل على الصحيح من ذلك على مذهب أهل الحق والسنة، والمعتصمين بالقرآن وما يجب أن يحمل عليه ما ورد في ذلك من الآثار.
فقلت بعد حمد الله تعالى، وجل، كما أوجب من حمده، والصلاة على محمد نبيه وعبده.
هذه مسألة قد اختلف أهل العلم، فيها اختلافا كثيرا.
[1]- الميلاد على الإسلام، والمصير الجنة فمنهم من ذهب على أنهم يولدون على الإسلام، ويصيرون إلى الجنة، واستدل على ذلك بقوة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه " الحديث، فجعل الفطرة الإسلام، وجعل الحديث على العموم، اذ قد روى، أيضا: " ما من مولود الا يولد على الفطرة "
[2]- التوقف عن الحكم.
ومنهم من ذهب إلى أنهم لا يولدون لا على كفر، ولا على ايمان وأنهم، يصيرون إلى ما سبق لهم في علم الله من شقوة أو سعادة فلا يحتم على واحد منهم بجنة ولا نار.
[126] واستدل بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي، من صبيان الأنصار، ليصلي عليه، فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا، ولم يدركه ذنب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أو غير ذلك يا عائشة؟ ان الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم.
وخلق النار وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم ".
وليس من صحيح الحديث الذي يعتمد عليه وتأويل الفطرة المذكورة في الحديث: حديث أبي هريرة، على الخلقة، لا على الإسلام، واستدل لتأويله بما في آخر الحديث، من قوله، فيمن يموت وهو صغير " الله أعلم بما كانوا عاملين "
[3]- البعض يولد مؤمنا والبعض الآخر يولد كافرا.
ومنهم من ذهب إلى أن منهم من يولد على الإسلام، ومنهم من يولد على الكفر، وان كان أبواه مؤمنين واستدل على ذلك بحديث عائشة المذكور وبما روى من أن " الغلام الذي قتله الخضر كان طبع كافرا " ولم يحمل حديث أبي هريرة على العموم، لاحتمال الخصوص، على ما سنذكره فيما بعد ان شاء الله.
[4]- يولد أولاد المسلمين على الإسلام وأولاد الكافر على الكفر.
ومنهم من ذهب إلى أن أولاد المسلمين يولدون على الإسلام ويصيرون إلى الجنة، وان أولاد المشركين يولدون على الكفر، ويصيرون إلى النار.
واستدل بحديث الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، في أولاد المشركين وهو منهم أو هم مع الآبار، وبأنه قال في أولاد المسلمين: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم،
الا كانوا له جنة من النار قالوا: فمحال أن يكونوا لأبويهم جنة من النار وهم من أهل النار، وبما أشبه ذلك من الآثار.
تحصيل.
فيتحصل في أطفال المسلمين قولان: أحدهما: أنهم في الجنة، والثاني: أنهم في المشيئة وفي اطفال المشركين ثلاثة اقوال، احدها: أنهم في الجنة والثاني: أنهم في المشيئة، والثالث: أنهم في النار، وقد قيل انهم توجج لهم يوم القيامة نار، ويقال لهم: اقتحموها، فمن أطاع واقتحمها، كانت عليه بردا وسلاما، وأدخل الجنة بطاعته ومن عصى أدخل النار بعصيانه.
مستحيل أن يوصف غير العاقل بكفر أو ايمان
فصل.
فأما قول من قال: انهم يولدون على كفر أو إيمان، فلا يصح بحال، ويعلم قطعا أنه محال، لاستحالة وجود الايمان، أو الكفر مع عدم العلم والعقل، قال الله عز وجل: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾
﴿سورة النحل رقم: 78﴾
فمن المستحيل في العقل أن يوصف المولود من بني آدم بكفر أو ايمان على الحقيقة، كما يستحال أن يوصف بذلك من سواه من الحيوانات.
يجب التأويل لتناقص العقل والدين،
فاذا ثبت وتقرر بقيام البرهان، والدليل عليه، وجب أن يصرف
بالتأويل اليه، ما خرج عن ظاهره من الآثار، لاستحالة ورود الشرع بما ينافي العقل، كنحو ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ألا ان بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مومنا، ويحيا مؤمنا، ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا، ويحيا كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا﴾
فنقول: ان معنى قوله في الحديث: يولد مؤمنا أي يولد وله حكم المؤمنين، في المواريث، وغسله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، وسائر ما شرع من أمره في الدين.
وأن معنى قوله فيه يولد كافرا أي يولد وله حكم الكافرين، في الموارثة، وترك غسله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المشركين.
فالذي يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا، ويموت مؤمنا، هو الذي يموت كبيرا من اولاد المسلمين على الايمان والاسلام.
والذي يولد كافرا، ويحيا كافرا ويموت كافرا، هو الذي يموت كبيرا على الكفر من اولاد المشركين.
والذي يولد مؤمنا، ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، هو الذي يرتد إلى الكفر بعد بلوغه على الإسلام من أبناء المسلمين، فيموت على الكفر.
والذي يولد كافرا ويحيا كافرا، ويموت مؤمنا، هو الذي يسلم بعد بلوغه على الكفر من أبناء المشركين، فيموت على الإسلام.
وكذلك ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الغلام الذي قتله الخضر: إن الله طبعه، يوم طبعه، كافرا، فمعناه: خلق الكفر في قلبه، حين ميزه وعقله، وحكم له على ما سبق في سابق علمه،
وكان قتل الخضر اياه لكفره إما بعد بلوغه / على ما روى من أنه كان رجلا قاطع طريق، واما وهو صغير يعقل الكفر، ويعتقده، بشرع كان عليه، خلاف شرع الإسلام من وجوب الحد على من لم يحتلم.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، كما تناتج الابل من بهيمة جمعاء﴾، الحديث إلى قوله ﴿الله أعلم بما كانوا عاملين﴾.
أولى ما قيل في تأويله: أن المراد بالفطرة المذكورة فيه: الخلقة التي خلق الله الناس عليها، لا الإسلام الذي أوجبه الله عليهم عند البلوغ، وأن المعنى المراد به: أن المولود يولد على الخلقة السلمية من الآفات، التهيئة لقول الدين عند بلوغ العقل والميز، الذي لو ترك وسوقها لاختار بها الإسلام على غيره من النحل والأديان؛ لوضوحه، وظهور الحق فيه، فأبواه ان كانا يهوديين، أو نصرانيين، يهودانه أو ينصرانه، أي يحملانه على اليهودية أو على النصرانية، ويقولانه اياها، وسمانه بسيمتها فيعرف بذلك، كما تنتج الابل سالمة الخلقة، فتثقب أنوفها، وتشق آذانها، لتعرف بذلك، فيقال: هذه بحائر، وهذه سوائب.
ويؤيد هذا التأويل ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، حاكيا عن ربه عز وجل ﴿اني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين، فاختالتهم عن دينهم﴾ لأن الحنيف، في كلام العرب، المائل، فمعنى الحديث:
أن الله خلق عباده ميلاء إلى الدين، بالجبلة التي فطرهم الله عليها، فلولا الشياطين، الذين يغرونهم عن الدين لكان جميعهم مسلمين، وهو معنى قول الله عز وجل: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي ناصر الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم﴾
﴿سورة الروم، رقم: 30﴾
وان كان محتملا لما سواه من التأويلات.
وقد تعلق بهذا الحديث من ذهب إلى أن جميع الأطفال يولدون على اسلام، بأن أول الفطرة في الإسلام، وجعل خبر كل مولود في يولد على الفطرة فحمل الحديث على ظاهره من العموم.
وتعلق به، أيضا، من ذهب إلى أن منهم من يولد على الإسلام، ومنهم من يولد على الكفر، بأن تأول الفطرة، أيضا، على الإسلام، وجعل يولد على الفطرة من صفة كل مولود والخبر فيما بعد ذلك من قوله ﴿فأبواه يهودانه أو ينصرانه﴾؛ لأن تقييد الموصوف بالصفة يخص منه من ليس على تلك الصفة.
وهذا كله غير صحيح لما قد بيناه من استحالة وصف من لا يعقل بكفر أو ايمان، ولو تحقق أن المراد بالفطرة المذكورة في الحديث، الإسلام، لما وجب أن يتحقق لهم بذلك، قبل بلوغ العقل، الإسلام، لاستحالة ذلك على ما ذكرناه، ولقلنا: ان المعنى في ذلك: كل مولود يولد لفطرة الإسلام، أي ليؤمن بذلك، ويتعبد به، كما تقول في قول
الله عز وجل، ﴿وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون﴾
﴿سورة الذريات، رقم: 56﴾
ويكون ذلك مخصوصا فيمن يصح أن يتوجه اليه الأمر، أو أن المعنى فيه: كل مولود يولد فيه، وقد سبق في علم الله أن يكون مسلما، ويموت على الإسلام، وأبواه يهوديان أو نصرانيان، فهما يهودانه، أي يحملانه على اليهودية أو النصرانية، فيحكم له في الدنيا بحكمهما فيما سوى القتل، وما كان مثله، مما خص به الاطفال، وتكون فئدة الحديث، على هذا التأويل: الإعلام بأن ما فعلاه به من ذلك غير ضار له؛ اذ الأعمال بالخواتم.
ويدل على هذا التأويل حديث الأسود بن سريع، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، اربع غزوات، فتناول أصحابه الذرية، بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتد عليه، فقال: ألا ما بال أقوام قتلوا المقاتلة، ثم تناولوا الذرية، فقال رجل: يارسول الله، أليسوا من أبناء المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انخياركم أبناء المشركين، ألا انه ليست تولد نسمة الا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو يتصرانها.
وموضع الدليل منه: قوله فيه ان خياركم أبناء المشركين فأخبر أنه قد يكون من أبناء المشركين من ينصره أو يهوده أبواه، وفي علم
الله / أنه يكون، كبيرا، من خيار المسلمين، بما سبق له من السعادة في أم الكتاب.
وقوله في آخر الحديث، ألا انه ليست تولد نسمة الا ولدت على الفطرة.
الحديث معناه ليست تولد للمشركين نسمة، قد علم الله أنها تموت كبيرة على الإسلام، وهي عند الله، من حين ولادتها، على حكم الفطرة، من ارادة تنعيمها بما علمه من خاتمتها، وان حملها أبواها على اليهودية أو النصرانية.
ويدل على أنه انما قصد الاخبار عمن يموت وهو كبير، سؤالهم اياه في ىخر الحديث عمن يموت وهو صغير.
فهذه وجوه يحتملها الحديث، والله أعلم بحقيقة مراده فيه، صلى الله عليه وسلم.
ومما يدل على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿كل مولود يولد على الفطرة﴾ لا يدل على كون الأطفال الصغار، قبل أن يعقلوا، مسلمين، قوله في آخر الحديث: ﴿الله أعلم بما كانوا عاملين﴾ فأخبر أنهم في المشيئة فلو كان معنى قوله، في أول الحدي انهم يولدون على الفطرة؛ أنهم يولدون على الإسلام، لما قال في آخره: انهم في المشيئة اذ قد علم من دين الإسلام ضرورة أن من مات على الإسلام فمصيره إلى الجنة.
لا نسخ في الأخبار.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الحديث منسوخ، وأن ذلك كان في أول الإسلام، قبل أن تنزل الفرائض، ويفرض الجهاد فنسخه ما قرره
الشرع من اجازة سبي ذراري المشركين واسترقاقهم، وموارثة آبائهم اياهم.
قال: فدل ذلك على أنهم انما يولدون على دين آبائهم، لا على الإسلام.
ومنهم من ذهب إلى أن قوله، في آخر الحديث: الله أعلم بما كانوا عالمين ينسخ ما في أوله من أنهم يولدون على الإسلام.
وذلك كله بعيد، غير صحيح، لأن الأخبار لا يدخلها النسخ، الا أن ترد لاثبات الأحكام، دون أ، يراد بها الاخبار، ولأنه قد روي في أن ذلك كان بعد فرض الجهاد، على ما جاء في حديث الأسود بن سريع.
والصواب أن الحديث مبين لأول، ودال على ما ذكرناه من معناه، لا ناسخ له.
الاحتجاج بأخبار الآحاد.
وبالجملة، فما كان طريقه العلم لا يصح الاحتجاج فيه بأخبار الآحاد، المحتملة للتأويل، كنحو هذا الحديث وشبهه.
وأما قول الله عز وجل ﴿واذا أخذ ربك من بني آدم ظهورهم ذرياتهم، وأشدهم على أنفسهم: أليس ربكم؟﴾
﴿سورة الأعراف: 272﴾
الآية، فالمعنى فيها ما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديث عمر بن الخطاب على ما سنذكره
ان شاء الله، فمن قال بما سوى ذلك، فقد خالف في تأويله قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وأتى بما لا يصح في العقول.
ترجيح.
فالصحيح المقطوع بصحته: أن الأطفال لا يولدون على كفر، ولا على ايمان، وأنهم انما يولدون على ما سبق لهم في علم الله من شقاوة أو سعادة، يصيرون اليها بخواتم أعمالهم، وانهم لا يخرجون عن علم الله السابق فيهم، ولا ينتقلون عنه، على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قول الله عز وجل، ﴿واذ أخذ ربك من بني ىدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم أليس ربكم، قالوا بلي﴾، إلى قوله: غافلين.
ثبت ان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه سئل عنها، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ان الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون الحديث.
فأعلم صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث: أن معنى الآية تقدم علم الله بأعمال بني آدم، وما يختم لهم به مما خلقهم له، من شقوة أو سعادة، وبان بقوله، أنهم يولدون على ما خلقهم له من ذلك.
ويصدق ذلك: الحديث المأثور عن ابن مسعود وغيره، واللفظ لابن مسعود قال:
﴿حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: ان خلق بني آدم يمكثه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يصير علقة أربعين يوما، ثم يصير / مضغة اربعين يوما، ثم يبعث الله عز وجل اليه ملكا، فيقول: يارب، أذكر ام أنثى، أشقي أم سعيد، فما الاجل، وما الاثر؟ فيوحى اليه، ويكتب الملك، حتى ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع، أو قيد ذراع، فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وان الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبين أهل النار الا ذراع، أو قيد ذراع، فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل يعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة.
وما تضمنته الآية من اشهاد الله تعالى ذريات بني آدم على أنفسهم، وتقريره اياهم على أنه ربهم، واقرارهم له بالربوبية، ان لم يكن ذلك من المجاز، الذي لا ينكر وجوده في القرآن، مثل تعالى: {جدارا يريد أن ينقض فأقامه﴾
﴿سورة الكهف، رقم: 77﴾
مثل: ﴿يوم يقال لجهنم هل امتلأت، وتقول هل من مزيد؟﴾.
، 30} ... {سورة ن
وما أشبه ذلك، فغير مستنكر في لطيف قدرة الله تعالى أن يحييهم، ويجعل لهم، مع كونهم أمثال الذر، عقولا،
يعقلون بها خطابه، ويعلمون بها: أنه ربهم وخالقهم، ويطلق ألسنتهم بالاقرار له بذلك، ويسلب جميع ذلك الاطفال، مع كمال الخلق حين يولدون، كما ذكر، حيث يقول: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾
[سورة النحل الآية: 78]
فمن آمن بالله في شبيبة، وعبد الله حق عبادته، ثم مات كافرا، فهو ممن سبقت له من الله الشقوة في أم الكتاب، وكتب، في بطن أمة شقيا، ومن نشأ على الكفر والضلال، فأطاع الشيطان، وكفر بالرحمن، وعبد الاصنام، والأوثان، ثم ختم له عند الموت بالاسلام والايمان، فهو ممن سبقت له من الله السعادة، وكتب في بطن أمة سعيدا.
فهذا هو الصحيح فيما يولد عليه الأطفال.
مصير أطفال المسلمين
وأما ما يصير اليه من مات منهم صغيرا، قبل أن يعقل، من جنة أو نار، فهذا لا مجال فيه للعقل، ولا مدخل فيه للقياس والرأي، ولا ورد في ذلك شيء يقطع العذر، ويوجب العلم من ناحية السمع، اذ لا طاعة لهم يدخلون بها من جملة وعده الله في كتابه، وعلى لسان رسول الله، بالثواب، ولا ذنوب لهم بها، أيضا في جملة من أوعده الله على ذنوبه بالعقاب.
والذي يدل عليه الآثار: أن أطفال المسلمين في الجنة، فنحن نعلم ذلك، يقينا، بشهادة الآثار المأثورة بذلك على اختلاف ألفاظها، واتفاق معانيها.
من ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صغاركم
دعاميص الجنة " وحديثه أيضا أولاد المسلمين في جبل تكلفهم سارة وابراهيم، فاذا كان يوم القيامة دفعوا إلى آبائهم وما أشبه ذلك من الآثار.
الا انا نقطع بذلك على التعميم في حق كل منهم لعدم النص في ذلك أو الاجماع المعصوم، لحديث عائشة المذكور.
مصير أطفال المشركين.
وأما أطفال الكفار فقد روي: أنهم في النار من ذلك حديث الصعب بن جثامة المتقدم، وما روي عن عائشة أنها، قالت: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ذراري المؤمنين، فقال هم مع أبائهم، قلت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
وسألته عن ذراري المشركين، فقال: هم مع أبائهم.
قلت بلا عمل قال: الله أعلم بما كانوا عاملين زاد في بعض الروايات، والذي نفسي بيده: لئن شئت لأسمعتك تضاعيهم في النار "
وما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الوائدة والموءودة في النار، الا أن تدرك الإسلام الوائدة فيغفر لها " وما أشبه ذلك.
وقد روى: أنهم في الجنة.
من ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت: سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم، عن أولاد المشركين فقال: هم من آبائهم، ثم سألته، بعد ذلك فنزلت: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " [سورة الأنعام الآية: 164]
فقالت " هم على الفطرة " وقال: " هم في الجنة "، وما أشبه ذلك من الآثار.
وقد روى أنهم يمتحنون في الآخرة، وكل من أخبار الآحاد، التي لا توجب العلم، فلا يصح الحتم عليهم بجنة ولا نار، ولذلك كره جماعة من العلماء التكلم فيهم، روي عن ابن عباس أنه قال: لا يزال [130] أمر هذه الأمة مواتيا، أو متقاربا، حتى يتكلموا في الأطفال والقدر.
فائدة التأويل.
ووجه القول فيهم على استعمال الآثار؛ إذ هو أولى من حملها على التعارض وطرحها: أن تجعل الآثار التي وردت بانهم في الجنة في قوم مخصوصين منهم، سبقت لهم من الله السعادة في أم الكتاب، والآثار التي وردت بانهم في النار، في قوم مخصوصين أيضا منهم سبقت لهم من الله الشقوة في ام الكتاب، فنقول فيهم: انهم في المشيئة اذ لا ندري
الشقي منهم من السعيد، كما نقول، في العصاة من المسلمين: انهم في المشيئة، ان شاء الله أن يعذبهم، وان شاء أن يغفر لهم، اذ لا ندري الشقي منهم الذي لا يغفر له، بما سبق في أم الكتاب.
ويشهد لهذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله " الله أعلم بما كانوا عاملين " لأنه قيل: ان معناه الله أعلم بما يعمل بهم، وقيل: معناه أعلم بما كانوا يعملون لو أدركوا العمل، لأن الله عالم بما كان، وبما يكون، وبما لا يكون، لو كان كيف كان يكون، قال الله عز وجل: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا وانهم لكاذبون﴾ [سورة الأنعام الآية: 28]
وما يفعل الله بهم من تعذيب أو تنعيم.
فهو عدل منه وحكم مستقيم، يفعل ما يشاء، ﴿ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾
[اقتباس من الآية 23: سورة الأنبياء]
ويحكم بما يريد، لا راد لأمره، ولا متعقب لحكمه، فقد كان له أن يعذب المؤمنين الطائعين، وينعم الكافرين العاصين، اذ لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية ولا فوقه آمره، يقال: انه بمخالفة أمره جائز، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، لكنه بفضله ورحمته، تفضل على المؤمنين بالخلود في الجنة التي أعدها لأوليائه المتقين، وحتم على الكافرين بالخلود في النار التي أعدها لأعدائه الكافرين.
أجارنا الله منها، وزحزحنا عنها برحمته، انه غفور رحيم.
وأما حكم الأطفال في الدنيا فقد قرره الشرع، وجاءت به نصوص الأخبار والروايات، فلا معنى لتكليف القول فيما هو مسطور موجود
في الأمهات.
وبالله التوفيق.
وهو حسبنا ونعم الوكيل.